الفصل 27 | من 32 فصل

رواية يونس الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم اسراء علي

المشاهدات
21
كلمة
2,933
وقت القراءة
15 د
التقدم في الرواية 84%
حجم الخط: 18

الفصل السابع والعشرون يونس وفكرة أكمل وأنا مش معاه... مبتجيش في بالي كأن الحياة... خلاص واقفة عنده ورفضالي أعيش... وبفضل مكاني وبستناه... أنا كل ما ده بلاقي اللي فات... مصمم ما يقلبش ليه ذكريات... وبتأكد إني في غيابه مليش... نصيب تاني أرجع أحس بحياة... شددت قبضتها علها تبث في نفسها الضائعة بعض القوة الزائفة إن أمكن. أما إسلام ما أن أبصره حتى اشتدت عضلات فكه بغضب، ثم هدر: -جاي ليه يا عز! التفت عز ومعه

إسماعيل والذي تشدق بتحذير: -إسلام!! .. ما تعودناش نقول لضيوفنا جايين ليه. -بس يا بابا.. آآ.. أشار إسماعيل بيده ثم قال بصرامة: -ما فيش بس.. جاي يتكلم مع أختك كلمتين وهيمشي.. وهي اللي تحدد هتعمل إيه. نظر إلى عز الدين بغل وقال: -ما تفكرش إنك تطول منها شعرة... تقدم منه إسماعيل وسحبه إلى إحدى الغرف، بينما بقيت بتول في مواجهته وحدها.

لم يكن عز ذا ذهن حاضر ليتسمع إلى ثرثرتهم بل كان في وادٍ آخر ما أن أبصر بتول. وكأنه انعزل عن العالم وبقيت هي وهو فقط. كانت عيناه تلتهم ملامحها التي اشتاقها كثيرًا. اقترب عز الدين منها وكاد أن يحتضنها إلا أنها ابتعدت بنفور لم يلحظه ثم قالت وهي تكز على أسنانها: -عز!! .. أحنا في بيتنا ما ينفعش كده. ابتسم عز الدين بحرج وقال: -من لهفتي.. وحشتيني... اغتصبت ابتسامة خالية من الروح، ثم أشارت بيدها اليسرى وقالت:

-تعالى الصالون... صُدم عز الدين من تعاملها الجاف معه، ولكنه فسره كما يهوى، أنها لا تزال تعاني من صدمة الاختطاف. سار خلفها حتى وصلا إلى غرفة الصالون. أشارت له بأن يجلس وجلست أمامه. كانت تضع يدها اليمنى خلف ظهرها تمنعه من رؤية صك الملكية الخاص بيونس. أغمضت عيناها تكبح رغبتها في التقيؤ، نفورها كان واضحًا لم تستطع السيطرة عليه.

بينما عز لم يلحظ هذا أو ذاك فلهفته عليها أقوى من أي شيء. أعمى بصيرته عن نفورها وعن رغبتها في التقيؤ. اقترب عز من مجلسها وقال بحب: -عاملة إيه! ابتسمت بتهكم وقالت: -واحدة كانت مخطوفة.. هتبقى عاملة إيه! ابتسم عز الدين وقال: -عندك حقك.. أنا آآ... صمت ولم يعرف كيف يصيغ جملته، إلا أنه سعل ثم قال بشيء من الحدة: -قربلك؟ رفعت أحد حاجبيها وقالت: -قربلي!! .. من أي جهة بالضبط؟ قالتها وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها،

ليرد عز الدين بسرعة: -عملك حاجة! .. آذاكي مثلًا؟ مالت برأسها إلى اليسار وقالت: -لأ تصدق طلع نزيه.. يعمل أي حاجة إلا إنه يأذي بنت... توجس عز الدين من طريقتها بالحديث وقد خطر بباله أنها علمت كل شيئًا عنه. وعند النقطة شحب وجهه سريعًا. ابتلع ريقه بصعوبة ثم قال بنبرة متوجسة: -مالك يا بتول بتتكلمي معايا كده ليه!

كانت تريد أن تنطق بما يجيش بنفسها النافرة منه، فكرة جلوسها معه بنفس الغرفة، كافية لجعل جسده ينتفض رعبًا. أخذت نفسًا عميقًا ثم قالت بنبرة هادئة نسبيًا: -ما فيش.. كل الموضوع إن أعصابي تعبانة من اللي حصل. تنهد عز الدين براحة وبأسف في آنٍ واحد وقال بندم: -آسف يا حبيبتي إني حطيتك في الموقف ده... نهض من مجلسه ثم جثى أمام ركبتيها وقال بحنو: -أوعدك إني هنسيكي كل اللي حصل ده ومش هيتكرر تاني. تشدقت بتول بنبرة عميقة:

-اللي حصل مش ممكن يتنسي.. ولا حتى يتغير.. أنا مش عايزاه يتغير.. أصلي اتعلمت منه حاجات جميلة... -زي إيه! ابتسمت باصفرار وقالت: -في وقته هتعرف... **************************************** غرس يونس أصابعه في خصلاتها ومن ثم وبقسوة جذبها منه حتى كاد يقتلعه. وبصوت كفحيح أفعى قال: -أتظنين بأنني سأخضع لعاهرة مثلك؟ تأوهت أنجلي بقوة من قبضته التي تمزق خصلاتها ثم قالت بألم: -قلت لك.. لن يعلم أحد.. وهي لن ترانا أو تعلم.

قبض يونس على فكها بقوة حتى كاد يهشمه ثم قربها منه وتشدق: -إن كانت لا تراني فالله يراني.. إن لم تعلم فالله يعلم.. أنا لا أخاف عقابها قدر خوفي من عقاب الله... ثم دفعها بحدة عنه. وضعت يدها على فكها وعيناها تتوسعان بدهشة، ثم هتفت بعدم تصديق: -أأنت مسلم! ارتفع جانب فمه بسخرية، وبنبرة لا تقل سخرية قال: -لا.. أنا أعتنق اليهودية.. ما شأنك بي؟ هزت رأسها بنفي وقالت بتقرير:

-لا أنت مسلم.. هم ذوو ديانة غريبة.. ويعتنقون مبادئ أكثر غرابة.. وهم من يتفوهون بتلك الحماقات... كاد يونس أن يرد بغضب عما تقول ولكنها أكملت وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها بسخرية: -ولكني لا أعتقد أنها لا تزال موجودة.. فالغرب بثوا السموم من خلال أشياء كثيرة وأنتم العرب حمقى صدقتموها وقد شكلتم كيفما نريد.. حقيقةً أنا لم أعد أرى دينكم كما تقصونه علينا فيكم... اقتربت منه بخبث ثم تشدقت:

-بل أرى أنكم بثقافة الغرب ولكن بصورة محتشمة قليلًا.. تمارسون العهر في الخفاء ثم تتلونون.. والدليل أنت آآآ... لم يدعها تكمل حديثها بل إنهال عليها ضربًا. كان غاضبًا إلى أقصى حد، ابتعد عنها لاهثًا من فرط انفعاله وقد كانت مسجية على الأرض فاقدة القوى. أشار بسبابته ثم هدر بقسوة: -أمثالك لا يحق لهم الحديث عن المبادئ والدين.. فالإسلام أطهر من أن يدنس بحماقات تتفوه بها عاهرة مثلك.. تعرضين جسدك وما أن رفضك أحدثتِ تلك الفوضى...

جذب ملابسه ودلف إلى المرحاض وأبدل ملابسه ثم دلف خارجه ليجدها لا تزال كما تركها. تحرك ناحيتها ثم جذبها من خصلاتها تحت صرخاتها المتأوهة، وقام بتقييدها إلى أحد المقاعد، ثم اتجه إلى أحد الكاميرات: -أعلم يا سام أنك تراقبني.. إن كنت تريد ابنتك حية.. تعال إلى هنا.. وإلا ستستلمها أشلاء... دقائق مرت وقد دق هاتفها. أخذه يونس وما أن أمسكه حتى صدح صوت سام الغاضب: -أقسم أنك إن اقتربت منها ستكون جثتك هدية لوطنك...

رد عليه يونس ببرود: -تعال إلى هنا ومعك المشتري.. وبعدها سنتحدث بل ونحتفل... سام على أسنانه وبحنق قال: -سنكون هناك في غضون خمسٍ وأربعون دقيقة... -لا تتأخر عزيزي... ثم أغلق الهاتف تحت نظرات أنجلي الذاهلة. قهقه يونس بلا مرح ثم اقترب منها وتشدق بخبث: -لا تذهلي هكذا.. لم يكن من الصعب اكتشاف الحقيقة.. أنا أعلم هويتك الحقيقية مذ أن التقينا عزيزتي جوين... ****************************************

انطلق عدي بعدما أوصل روضة إلى منزلها وذهب إلى والده. دلف إلى مكتب العقيد سعد ليجد والده هناك يتبادلا أطراف الحديث. حيا العقيد باحترام ثم ركض إلى والده واحتضنه بقوة. تشدق عدي بأسف: -آسف يا بابا إني حطيتك في الموقف ده. ابتسم رفعت وقال: -جت سليمة يا سيادة الرائد... أشار سعد إلى عدي قائلًا بجدية: -اقعد يا عدي.. عايزين نتكلم. أومأ عدي برأسه باحترام وجلس، وقبل أن يتحدث كان رفعت قد سبقه بلهفة: -والدتك عرفت!

هز رأسه بنفي وقال: -لأ عرفتها إننا في شغل بعد اللي حصل وقتل فرقة الاستطلاع. -كويس. قالها رفعت باقتضاب، وبعدها استلم سعد دفة الحديث: -بص يا عدي.. أكيد أنت عارف اللي حصل ده تدبير مين. ابتسم بتهكم وقال: -طبعًا. -عظيم.. صمت سعد ثم قال بنبرة ذات مغزى وهو ينظر إلى والده: -وعرفنا مين ورا قتل فرقة الاستطلاع. -مين يا فندم!! -العقيد رفعت.

جحظت عينا عدي بشدة ما أن سمع اسم ذاك الرجل. يتوقع أنه فاسد، يتستر على أفعال عز الدين المشينة. أما قتل أبناء الوطن! فهذا فاق ما يتصوره. نطق عدي بصعوبة: -إزاي يعني!! .. أنا عارف إن سكته مش كويسة.. لكن قتل جنود! .. لأ وألف لأ.. ده لازم يترمي لكلاب السكك ينهشوا لحمه. تحدث والده بصوته الرخيم: -ما تقلقش كل الأدلة معانا واللي معاه اعترفوا.. تلبيس التهمة والتهمة ذات نفسها.. الاتنين لبسوه وكده كده هياخد حكم الإعدام...

تساءل عدي بغضب: -وهتمسكوه أمتى! تشدق سعد بتقرير: -بكرة.. لما يطلع القرار. كور عدي قبضته فهو كان يريد اليوم قبل غدٍ، يريد أن ينتهي الكابوس بوقتٍ سريع. دقات الهاتف الخاص الذي يحمله جعلته ينتبه إلى ما يدور حوله، التقطه ليقول بذهول: -يونس!! -افتح الخط بسرعة. كان هذا صوت رفعت المتلهف، وبالفعل فتح الخط وكان يونس صوته يشق تلك الأجواء المتوترة: -عدي!! -أيوه يا يونس معاك. -جهزلي طيارة تجيلي بسرعة.. أنا هخلص كل حاجة دلوقتي.

جاءه صوت سعد الغاضب: -اتصرفت من دماغك ليه يا يونس! .. بسرعة ليه كده؟ وببساطة ردد يونس: -الظروف حطتني في الموقف ده.. كنت متراقب ولازم أتصرف... زفر سعد بغضب ثم قال بجدية: -حالًا تتصل بالدعم اللي عندك عشان يجيلك.. طبعًا هيجموا برجالة كتير وأنت مش هتطلع سليم. رد عليه يونس بمكر: -ما تقلقش عامل احتياطاتي. كان رفعت يستمع إلى صوت والده ولم يقدر على الحديث، بل هبطت عبراته التي عبرت عن مشاعر جمة. صدح صوت يونس يتحدث بجدية:

-لازم أقفل دلوقتي.. وما تنساش يا عدي.. الطيارة بأسرع وقت... رد عليه سعد: -بكرة هتكون عندك.. والدعم هيوفرلك مكان لحد أما ترجع.. أقرب من كده مش هينفع... -تمام.. وأهو ستوكهولم أقرب من ألاسكا.. صح! قالها بمرح ليرد عليه عدي بغيظ: -ولك عين تهزر.. يلا اقفل عشان نتصرف... وأغلق عدي الهاتف بحنق وهو يسب شقيقه على تهوره. يعلم سبب تعجيل الأمور بطبع الفاتنة ذات اللسان السليط. أفاقه صوت سعد الصارم وهو يرفع سماعة الهاتف:

-مش وقت سرحان يا عدي.. يلا نفذ بسرعة.. خلينا نخلص من الموضوع ده... نهض عدي وأدى التحية العسكرية ثم رحل هو ووالده بعد أن حيا العقيد سعد هو الآخر والذي تمتم مع نفسه بتأفف: -حسابك معايا على تهورك ده يا سيادة المقدم... ***************************************

رافقت عز إلى باب المنزل بعد إصراره على تنظيم حفلة غدًا من أجل عودتها. رفضت رفضًا قاطعًا ولكنه لم يكن ليسمح لها، وبالنهاية أُجبرت على الموافقة. فمن أجل يونس ستفعل أي شيء، وكم اشتاقت إليه! شعرت بفقدان لذة الحياة وشقاوتها ما أن رحلت عنه. تذكرت اعترافها له بما يجيش بقلبها من عشق لتبتسم بخجل، تعلم أنه الأمان ويالغرابة. طوال جلستها مع عز الدين كانت يُمناها تعبث بتلك الحلقة النحاسية فتبثها أمانًا وقوة، لتقول بمرح:

-حتى أي حاجة من ريحتك بتحسسني بأمان.. كده أنا اتجننت رسمي يا معلم... تنهدت بحرارة ثم اتجهت إلى غرفة والديها، لتجد إسلام يتجه إليها وإمارات الغضب جلية على وجهه وقبل أن تتفوه بحرف سبقها هو بصوتٍ حانق: -برضه رجعتيله يا بتول! تنهدت بتول مرة أخرى بيأس، لتجد والدتها ترد نيابةً عنها: -ما تستني ع البت تاخد نفسها. اقترب إسلام من بتول وأمسك يدها ثم قال بحزن: -يا أمي هترجعله بعد اللي حصلها بسببه! تشدقت بتول بهدوء:

-أنا لا رجعتله ولا نيلة.. كل الموضوع إني بعمل حاجة مقتنعة بيها. عقد والدها ما بين حاجبيه وقال: -كلامك متناقض. اقتربت بتول من والديها وجلست في المنتصف ثم وجهت حديثها إلى والدها: -عارفة.. وعارفة كويس إني لا يمكن أرجع لعز تاني.. خلاص هو ما ينفعش يكون جزء من حياتي. ليتشدق إسلام بغيظ: -وما قولتيش الكلام ده وهو هنا ليه! ردت عليه ببديهية: -الراجل في بيتنا ده أولًا.. ثانيًا ما يبقاش جاي يطمن عليا وأقوله امشي...

وبالرغم من عدم اقتناعها بما تقول، ولكن لابد من إخفاء الحقيقة، لأجلها ولأجلهم ولأجل حبيبها. لم يَبْدُ على إسلام الاقتناع ولكن بتول أكملت: -بكرة في الحفلة هنهي كل حاجة بينا.. هنهي الخيط الدبلان اللي بيوصلنا... ***************************************** اختبأ يونس ومعه أنجلي في أحد الأركان وكان قد استعان ببعض الكاميرات حتى يستطيع رصد أماكنهم. نظر إلى هاتفه فوجد رسالة تفيد بوصول الدعم. ابتسم يونس بظفر وقال بسعادة:

-استنيني يا حبيبتي.. جايلك بكرة... كانت أنجلي فاقدة للوعي تمامًا حتى لا تفضح أمره. تفقد الحاسوب فوجد عددًا هائلًا من الرجال يحاوطون البناية وجزءًا منهم قد صعد مع سام والمشتري. عبث يونس بهاتفه، ثم انتظر. وبالخارج.. دلف الرجال المنزل المظلم، وما كاد ينيره أحدهم حتى صدح صوت انفجار قوي إثر الغاز الذي تسرب، وكانت هذه إحدى الخدع البدائية التي تعلمها يونس. قُذف سام في الهواء ومعه المشتري وما تبقى من رجاله. نهض الجميع

وهنا صدح صوت سام الغاضب: -خذوا حذركم.. وأشحذوا أسلحتكم... فعل الجميع ما أُمروا به، ودلفوا وسط الغمامة الرمادية، ليظهر يونس من العدم مستغلًا تشوش رؤيتهم وبدأ في قتلهم. هذا بكسر عنقه وآخر بالذبح، حرفية رجل مخابرات متمرس. وبعد قليل من الوقت.. اختفت الغمامة، ليظهر جثث رجاله. جحظت عينا سام بشدة وهدر بشدة: -اخرج وواجهني أيها الوغد! -كيفما تطلب...

قالها يونس وهو يتدلى من السقفية ومن ثم باغت سام بضربة في جبهته. هبط يونس ووجه أسلحته إلى رأسه. مد يده وقال بصرامة: -أعتقد أنك تملك شيئًا ملكي.. أعطني إياه. نهض سام وقال: -لا أملك شيء.. ثم أين ابنتي!! -لا تقلق بخير.. أعطني ما معك أتركك بسلام... وفي لحظات ساد الهرج، حيث تبادل رجال سام مع الدعم ضربًا ناريًا عنيفًا. استغل سام انشغال يونس بتلك الجلبة وانقض عليه، وللأسف كان السلاح بين يدي سام والذي قال بتشفٍ:

-أمن أمنية أخيرة! -أطلق. عقد ما بين حاجبيه ولكنها تلاشت ما أن اخترقت الرصاصة قلبه ليخر صريعًا بعدها. نهض يونس وأخرج بطاقة ذاكرة صغيرة من جيب بنطاله الخلفي. توجه إلى المشتري وصافحه ثم قال: -شكرًا يا محمود. أدى محمود التحية العسكرية وقال: -العفو يا سيادة المقدم.. ده واجبي. ثم ابتسم وقال بسعادة: -بجد يا فندم فرحت لما عرفت إنك لسه عايش. ربت على ذراعه وقال: -عمر الشقي بقي.. يلا لازم نمشي والدعم هينظف الفوضى دي. -طب وبنته!

ابتسم وقال: -مش قولتلك الدعم هينظف الفوضى.. يلا يا راجل ما وحشتكش مصر! -جدًا يا فندم. -طب يلا... قالها يونس وهو يضع يده على منكب محمود ودلفا إلى الخارج. قابل أحد أفراد الدعم تبادلا في لحظات حديثًا مقتضبًا بعدها كان يونس قد اختفى تمامًا وما معه من معلومات قيمة. *****************************************

في صباح اليوم التالي استيقظت بتول وهي تشعر بخمول تام في جسدها ولكنها أجبرت نفسها على النهوض. أزالت الغطاء عن جسدها وأخذت ثيابًا من خزانتها ثم توجهت إلى المرحاض. قابلت في طريقها والدتها والتي تساءلت بحنو: -أحضرلك الفطار يا ضنايا! قبلتها بتول وقالت برجاء: -أيوه والنبي يا أم إسلام.. لحسن وحشني أكلك. ردت والدتها بلهفة: -ثواني والأكل يجهز ونفطر كلنا...

أومأت بتول وتحركت ناحية المرحاض. أخذت حمامًا علها تسترخي قليلًا، تتمنى عودة يونس سريعًا فهي لا تستطيع التمثيل طويلًا حتمًا سيكتشف أمرها. أنهت حمامها ثم خرجت وهي ترتدي كنزة صفراء من خامة الحرير وبنطالًا قماشيًا ذا لون أسود، وقد عكست خصلاتها السوداء على هيئة جديلة فرنسية فأبرزت خصلاتها البندقية المتداخلة مع السوداء. جلس الجميع يتناولون الفطور في جوٍ مرح حتى قطعه إسلام: -رايحة فين من الصبح كده! ابتلعت بتول

ما في جوفها وقالت بتوتر: -هروح مشوار كده وبعدين هروح عند عز عشان الحفلة. تأفف إسلام ولم يرد، بينما قال إسماعيل: -مشوار إيه اللي هتروحيه بدري كده! تنحنحت وقالت: -الظابط اللي جابني إمبارح.. كان قايلي أروح القسم عشان عايزني في كلمتين. -اللي هما!! أجابت بتول بنفاذ صبر: -اللي حصل يا بابا. تشدق إسماعيل بهدوء: -خلاص هاجي معاكي. -لاااااء. قالتها بتول مسرعة ليعقد أبيها ما بين حاجبيه، لتوضح بعدها بحرج:

-الموضوع مش مستاهل.. وأنا مش هتأخر.. دي حاجة روتينية. -طب خدي إسلام. تأففت بتول وقالت: -إسلام عنده شغل. رد عليها شقيقها بجمود: -الشغل يتأجل. -يوووه... يا جماعة الموضوع عادي ما فيش حاجة.. وبعدين أنا عايزة أتمشى شوية وأشم نفسي لوحدي.. فأرجوكم سيبوني على راحتي... نظر لها أبيها مطولًا ثم قال بتنهيدة يائسة: -طب خلاص.. بس كلميني كل شوية. -حاضر. ثم نهضت تقبل والدها ثم والدتها وأخيرًا شقيقها ثم دلفت إلى الخارج.

**************************************** ظلت تتطلع إلى العنوان المدون بالورقة ثم إلى البناية لتتأكد أن العنوان صحيح. كانت قد حصلت عليه من روضة التي أعطتها إياه أمس. وضعت الورقة في جيب بنطالها ثم صعدت. كان أكثر ما يقلقها ويشعل غضبها هو مقابلة ذاك السمج والذي يدعى عدي. ظلت تدعي داخلها ألا تجده. وقفت أمام باب المنزل وقد ارتفع وجيب قلبها، ثم دقت الجرس بأصابع مرتعشة.

ثوان ووجدت الباب يفتح وتظهر من خلفه سيدة في عقدها الرابع. ابتسمت صفوة وقالت بهدوء: -حضرتك عايزة مين! ابتلعت بتول ريقها بتوتر ثم قالت: -حضرتك والدة المقدم يونس.. مش كده؟ تلاشت ابتسامتها تدريجيًا وكادت أن تغلق الباب، إلا أن بتول منعتها وقالت برجاء: -استني أرجوكي... ردت عليها صفوة بجفاء: -من فضلك امشي من هنا. هتفت بتول مسرعة: -أنا شفت يونس وكلمته... تجمدت صفوة في مكانها، ولم تتحدث، بينما ابتسمت بتول وقالت بنبرة ناعمة:

-ممكن تسمحيلي أدخل أتكلم معاكي... أفسحت الطريق لكي تدلف. جلست بتول على أحد المقاعد بغرفة متوسطة ولكنها ذات ذوقٍ راق. كانت ممتلئة بصور ليونس وعائلته. ابتسمت وهي تراه في مرحلة مبكرة من عمره، وكان لا يقل جاذبية عما هو الآن. دلفت صفوة وهي تحمل حلوى وكأسين من العصير الطازج. نهضت بتول وأخذت منها الصحن وجلست مرة أخرى. تنحنحت بتول وقالت: -حضرتك أكيد مستغربة من كلامي.. بس أنا هحكيلك. أشارت صفوة بيدها وقالت: -اتفضلي...

بدأت بتول في قص عليها ما حدث منذ أن قابلته حتى الآن. كانت معالم صفوة ترتخي تارة وتنقبض تارة، ولكن بالأخير كانت الابتسامة تشق وجهها. انتهت بتول من السرد وقالت: -بس كل ده اللي حصل... ولكن لم ترد صفوة بل ظلت تبتسم. أجبرت بتول أيضًا على الابتسام وتساءلت: -خير يا طنط!! اقتربت صفوة منها وجلست بجانبها ثم قالت بنبرة أمومية: -تعرفي إنك شبه يونس قوي.. حتى حركات إيدك وعلامات وشك وأنتِ بتحكي. تهللت أساريرها وقالت: -بجد! ...

أومأت برأسها بقوة، وبالفعل انتبهت بتول لذلك التغير الذي أصابها، طريقة حديثها اختلفت وإن لم تكن ثرثارة ولكن طريقة سردها للأحداث وحركات يدها والتي لم تستخدمها في حياتها أبدًا، وكانت هذه إحدى الصفات التي لاحظتها بيونس. فاقت على صوت والدته وهي تقول بابتسامة بشوشة: -روحك انطبعت بيونس.. أنا شامة فيكي ريحة يونس ابني... نظرت لها بتول بصدمة لتُقهقه صفوة ثم قالت بنبرة رخيمة:

-أيوه.. ريحتك كلها يونس.. أنا عمري ما أغلط في ريحته أبدًا.. وأنتِ فيكي ريحة ابني.. يعني لازم أحبك... ابتسمت بتول بخجل وقالت بخفوت: -أنا بحب يونس قوي.. وعشان كده جيتلك.. كان لازم أشوف أي حد من أهله.. عايزة أحس بوجوده جنبي في غيابه.. يونس بقى روحي لما ضاعت مني.. أتاريها كانت معاه من الأول... كانت ابتسامتها باهتة، كأنها بتستغرب وجوده. "كريم؟ "أنا آسف إني جيت من غير ميعاد، بس سيف قالي إنك هنا." "مفيش مشكلة، اتفضل."

قعدت قدامه، وفضل باصص لها شوية. "أنتِ كويسة؟ "أه كويسة، ليه؟ "مش عارف، شكلك متغير." "هو أنا لازم أكون على طول مبتسمة؟ "لا طبعًا، بس أنتِ كنتِ على طول مبتسمة." "يا كريم، أنا مش عايزة أتكلم في أي حاجة." "طيب." "أنا عايزة أروح، ممكن؟ "أه طبعًا، أنا جاي أوصلك." قامت معاه من غير ما تتكلم، وركبوا العربية في صمت. وصلها لحد باب البيت. "تصبحي على خير." "وأنت من أهله."

دخلت وقفلت الباب وراها، وهو فضل واقف قدام البيت شوية، كان حاسس إن فيه حاجة غلط، بس مش عارف إيه هي. دخلت أوضتها، ورمت نفسها على السرير، وفضلت تعيط لحد ما نامت. تاني يوم الصبح، صحيت على صوت خبط على الباب. قامت فتحت، لقت سيف واقف. "إيه يا بنتي، كل ده نوم؟ "صباح الخير." "صباح النور، مالك؟ شكلك مش عاجبني." "مفيش حاجة." "إيه اللي مفيش حاجة ده؟ أنتِ كنتِ بتعيطي؟ "لا."

"طيب، أنا عارف إنك مش عايزة تتكلمي، بس أنا موجود لو احتجتِ أي حاجة." "شكرًا يا سيف." "يلا قومي، عشان نفطر." قامت معاه، وفطروا في صمت. بعد الفطار، سيف قال: "أنا رايح الشغل، عايزة حاجة؟ "لا، شكرًا." "طيب، عايزك تفكري في اللي قولتلك عليه." "حاضر." خرج سيف، وهي فضلت قاعدة لوحدها، حاسة بالوحدة. قامت دخلت أوضتها، وفتحت الدولاب، وطلعت الصور القديمة، وفضلت تتفرج عليها.

كانت صورها هي ويونس، كانوا باينين إنهم مبسوطين أوي. فضلت تعيط، لحد ما سمعت صوت البليفون بيرن. قامت ردت: "أه يا ماما." "إيه يا حبيبتي، عاملة إيه؟ "كويسة." "مال صوتك؟ كنتِ بتعيطي؟ "لا يا ماما." "طيب، أنا كنت عايزة أقولك إن خالك جاي النهاردة بالليل." "بجد؟ "أه، وهيفضل معانا كام يوم." "طيب، أنا هاجي النهاردة." "لا يا حبيبتي، خليكِ عند سيف، أنا هبقى أعدي عليكي بكرة." "طيب." "يلا يا حبيبتي، مع السلامة." "مع السلامة."

قفلت السكة، وفضلت قاعدة تفكر في خالها. كانت بتحبه أوي، وكان هو الوحيد اللي بيفهمها. قامت لبست، وخرجت تتمشى في الشارع. كانت عايزة تهرب من كل حاجة. فضلت ماشية لحد ما لقت نفسها قدام البحر. قعدت على الرملة، وفضلت باصة للبحر. كانت حاسة إن البحر بياخد كل همومها معاه. فضلت قاعدة لحد ما الشمس بدأت تغرب. قامت رجعت البيت، لقت سيف مستنيها. "كنت فين؟ "كنت بتمشى." "طيب، أنا كنت قلقان عليكي." "أنا آسفة."

"مفيش مشكلة، يلا عشان نتعشى." تعشوا في صمت، وبعد العشا، سيف قال: "أنا رايح أنام، عايزة حاجة؟ "لا، شكرًا." "تصبحي على خير." "وأنت من أهله." دخلت أوضتها، وفضلت قاعدة تفكر في كل حاجة. كانت حاسة إنها تايهة، ومش عارفة تعمل إيه. تاني يوم الصبح، صحيت على صوت خبط على الباب. قامت فتحت، لقت مامتها وخالها واقفين. "صباح الخير يا حبيبتي." "صباح النور يا ماما، صباح الخير يا خالو." "صباح النور يا حبيبتي، عاملة إيه؟ "كويسة." "مالك؟

شكلك مش عاجبني." "مفيش حاجة يا خالو." "طيب، أنا عارف إنك مش عايزة تتكلمي، بس أنا موجود لو احتجتِ أي حاجة." "شكرًا يا خالو." "يلا يا حبيبتي، عشان نفطر." فطروا مع بعض، وبعد الفطار، خالها قال: "أنا عايز أتكلم معاكي لوحدنا." "طيب." دخلوا أوضتها، وقعدوا. "إيه اللي حصل يا حبيبتي؟ "مفيش حاجة يا خالو." "لا يا حبيبتي، فيه حاجة، أنا عارفك كويس." فضلت تعيط، وحكت له كل حاجة. "أنا مش عارفة أعمل إيه يا خالو."

"أنتِ قوية يا حبيبتي، وهتعدي من الأزمة دي." "بس أنا بحبه أوي يا خالو." "أنا عارف يا حبيبتي، بس هو اللي اختار يروح." "بس أنا مش عايزة أبعد عنه." "أنتِ مش هتبعدي عنه، هو اللي بعد عنك." "بس أنا مش قادرة أعيش من غيره." "أنتِ هتقدري يا حبيبتي، وهتلاقي اللي يحبك ويقدرك." "أتمنى." "أنا واثق فيكي يا حبيبتي." فضل معاها طول اليوم، بيتكلم معاها ويطمنها. تاني يوم الصبح، خالها قال: "أنا لازم أمشي النهاردة." "هتمشي وتسيبني؟

"مش هسيبك يا حبيبتي، أنا هبقى أعدي عليكي على طول." "طيب." مشي خالها، وهي فضلت حاسة بالوحدة تاني. بعد كام يوم، سيف قال: "أنا حجزت لنا تذاكر سفر." "لفين؟ "لباريس." "باريس؟ "أه، عايزك تغيري جو." "بس أنا مش عايزة أسافر." "لا يا حبيبتي، لازم تسافري." "طيب." سافروا باريس، وفضلت تحاول تستمتع بالرحلة، بس كانت كل حاجة بتفكرها بيونس. بعد أسبوع، رجعوا مصر. كانت حاسة إنها رجعت لنقطة الصفر.

في يوم، كانت قاعدة لوحدها، سمعت صوت خبط على الباب. قامت فتحت، لقت يونس واقف. "يونس؟ "أه يا حبيبتي." فضلت باصة له، مش مصدقة عينيها. "أنت جيت ليه؟ "جيت عشان أقولك إني بحبك، ومش قادر أعيش من غيرك." "بس أنت اللي سبتني." "أنا عارف إني غلطت، بس أنا ندمان أوي." "أنا مش عارفة أصدقك." "أنا عارف إنك مش هتصدقيني بسهولة، بس أنا مستعد أعمل أي حاجة عشان تسامحيني." "أنا عايزة وقت أفكر." "طيب، أنا هستناكي."

مشى يونس، وهي فضلت واقفة مكانها، مش عارفة تعمل إيه. تاني يوم، يونس بعت لها ورد، ومعاه رسالة: "أنا بحبك أوي، ومستعد أعمل أي حاجة عشان أكون معاكي." فضلت تفكر في كلامه، وفي اللي حصل. كانت حاسة إنها لسه بتحبه، بس كانت خايفة تتجرح تاني. بعد كام يوم، يونس بعت لها رسالة تانية: "أنا عارف إنك محتارة، بس أنا بتمنى إنك تديني فرصة تانية." فضلت تفكر، وقررت إنها تديله فرصة تانية. اتصلت بيه، وقالت له إنها موافقة.

يونس فرح أوي، وقابلها. "أنا مبسوط أوي إنك اديتيني فرصة تانية." "أنا لسه خايفة." "أنا عارف، بس أنا أوعدك إني مش هجرحك تاني." "أتمنى." بدأوا يتقابلوا تاني، ويونس كان بيحاول يعوضها عن كل اللي فات. في يوم، يونس قال: "أنا عايز أطلب منك طلب." "إيه هو؟ "عايزك تتجوزيني." فضلت باصة له، مش مصدقة. "أنت بتهزر؟ "لا يا حبيبتي، أنا بتكلم جد." "بس أنا لسه مش مستعدة." "أنا مستعد أستناكي العمر كله." فضلت تفكر، وقررت إنها توافق.

"أنا موافقة." يونس فرح أوي، وحضنها. "أنا بحبك أوي يا حبيبتي." "وأنا كمان بحبك." اتخطبوا، وبعد كام شهر، اتجوزوا. عاشوا حياة سعيدة مع بعض، ويونس كان بيحاول يعوضها عن كل اللي فات. بعد كام سنة، خلفوا ولد وبنت، وعاشوا حياة سعيدة مع بعض. تمت بحمد الله.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...