يونس أحبك جدًا، وأعرف أني أسافر في بحر عينيك دون يقين وأترك عقلي ورائي وأركض أركض أركض خلف جنوني أيا امرأة تمسك القلب بين يديها سألتك بالله لا تتركيني، لا تتركيني فماذا أكون أنا إذا لم تكوني أحبك جدًا وجدًا وجدًا وأرفض من نار حبك أن أستقيلا وهل يستطيع المتيم بالعشق أن يستقلا؟! دلف كالمجنون وهو يزأر بصوته: -بتول.. بتـ...
ولكن توقفت الكلمات في حلقه وتصلب جسده كله ما أن وقعت عيناه على بقعة ما. شعر بأن روحه تُسحب منه بطريقة مؤلمة، مؤلمة للغاية. تجمعت العبرات في عينيه وأخذت تسيل على وجنتيه في سباق. توجه بساقين متخاذلتين إليها. جثى على ركبتيه وهزها برفق ثم قال بابتسامة مهزوزة وقلب يخفق برعب: -بتول قومي وبلاش هزار.. قومي عشان خاطري.. ما تسبنيش كدا وتمشي. ولكن لا رد. وبدأ هو في هزها بقوة وهو يهتف بغضب وذهن لا يُريد تصديق تلك النهاية البشعة:
-قومي وبطلي هزارك السخيف دا.. أنا مش هستحمل هزار من النوع دا. وأيضًا لا رد. صدى صوته هو كان مؤنسه الوحيد. علا صوت نحيبه وهو يجذب رأسها إلى صدره وصرخ بوجع. صرخة تلتها صرخة تُعلن عن استسلام قلب عاشق خفق بجنون لمن قررت الرحيل، هكذا دون وداع. شدد من احتضان رأسها إلى صدره وأخذ يتأرجح إلى الأمام والخلف وصوت صرخاته ممتزج ببكاء رجل هُزم في حربه شر هزيمة.
أغمض عينيه بألم وتضرع وهو يضم جسدها إليه. ذراعاها مفرودتان على الأرضية يهتزان مع اهتزاز جسد يونس ورأسها مدفون في صدره الذي تلوث بدمائها. ظل يبكي ويبكي وما تلا ذلك لم يشعر به. من دلوف شقيقه والذي أخذ منه الأمر سويعات حتى يستدرك ما حدث. ولم يشعر بانتزاعه لها من بين يديه وركضه إلى الخارج بها، ليركض خلفه وصوت عدي يصدح بصرامة ولكنها وصلت مشوشة إلى يونس: -هنطلع على المستشفى العسكري.. هي أقرب مستشفى.
ولكن رد يونس بشرود حزين: -بس هي ماتت... لم يستوعب يونس تلك الصفعة التي دوت على وجهه. ثم نظر إلى عدي بوجه مصدوم، إلا أن الأخير صرخ بجموح: -فوق يا يونس.. بتول عايشة وأنتو هتعيشوا اللي ما عشتوهوش. ثم جذبه وأدخله إلى السيارة عنوة. وفي ثوانٍ انطلقت السيارة مُحدثة صريرًا تقشعر له الأبدان.
وها هم بالمشفى وما يمر به يونس ما هو إلا عرض سينمائي أقنع به نفسه المُلتوعة. لحظات وأتى الفراش المتنقل وبعض الممرضين يجرونه خلفهم وبتول مستلقية عليه بهدوء لا يعجبه. فهو اعتادها صاخبة ولا يزال يُريدها صاخبة. أما ذاك الهدوء فكم أشعره بالنفور والضعف. دلفوا إلى غرفة الجراحة ومن ثم أمرهم الطبيب والذي كان يعرف يونس جيدًا: -استنى هنا يا سيادة المقدم.. وإن شاء الله هتكون كويسة.
رفع أنظاره إلى الطبيب وبالفعل كان يحتاج إلى أن يُطمئنه أحدٌ ما. دلف الطبيب تاركًا يونس يُكمل بكاء. حقًا لقد شعر بالضعف والضياع من دونها. **************************************** سار في الطرقات هائم الوجه، شريد القدمين. لم يأبه لأولئك الذين أخذوا يتهامسون عنه. بل ظل واجم الوجه، ولسان حاله ينطق بلا وعي: -أنا قتلتها.. قتلت بتول.. قتلت حلمي والحاجة النضيفة اللي في حياتي. ذرف العبرات وأخذ يُكمل بصراخ:
-خلاص ما عدتش موجودة.. قتلتها وهي كرهاني. ولم يجد نفسه سوى أمام أحد الأقسام. دلف إليه مُحطم النفس ورث الهيئة، لم يقترب منه أحد فهم يعلمون من هو. وأول مكتب قابله دلفه لينتفض الضابط واقفًا بقلق: -سيادة الوزير! ثم قال بلهفة: -اتفضل.. اتفضل. رفع عز أنظاره الضائعة وهمس بعدم تصديق لما أثمته يداه: -أنا قتلتها. تعجب الضابط وتساءل: -أفندم! همس مرة أخرى بشرود أكبر: -سبتها تقع.. أنا قتلتها. تقدم الضابط منه ووضع
يده على منكبه وقال بتوجس: -طب اتفضل اقعد. دفعه عز بعنف ثم هتف بشراسة: -بأقول لك قتلتها.. يعني ارميني في الحبس.. أعدمني.. أنا قتلتها. حاول الضابط تهدئته ولكن عز الدين ظل يدفعه وأخذ يصرخ بوحشية: -أنا قاتل.. أنا قتلت الحاجة النضيفة في حياتي.. وديني الحبس.. عاوز أتعفن فيه. لم يجد الضابط سوى أن يقول بخنوع: -طيب.. طيب.. زي ما حضرتك تؤمر.
وفعل ما طلبه من أجل عز الدين والذي بدا أنه على حافة الجنون أو أنه سقط في هوة الجنون. جلس الضابط ثم رفع سماعة هاتفه وتحدث إلى أحدهم. ***************************************** كان يونس جالسًا على الأرضية يضع رأسه بين كفيه وعدي بجانبه يتذكر ما حدث في الساعات الفائتة. "عودة إلى وقت سابق" كان عدي يقود السيارة ويداه تشتد على المقود بعنف حتى كاد أن يُهشمه. ويونس بجانبه يُحاول تهدئته. إلا أن عدي صرخ:
-الـ***.. مش هرحمه والله مش هرحمه. ربت يونس على منكبه وقال بهدوء: -اهدى يا عدي.. هو عايزني وأدينا رايحين. تأسف عدي بألم: -آسف يا يونس.. بس لـ... ولكن يونس قاطعه بابتسامة: -ما تقولش كدا أنت أخويا وأفديك بروحي. لم يرد عدي ولم يبتسم من الأساس وكل شيء يسير ضده وضد شقيقه الذي لم تدم فرحته سوى سويعات.
وبعد نصف ساعة وصلا إلى المكان المنشود. ترجل عدي من السيارة بسرعة دون أن يستمع إلى نداءات شقيقه. تقاتلا مع رجلين من ذوي العضلات المفتولة. ودلفا من الباب في نفس الوقت الذي دلف منه سيف من باب آخر. وبقى الثلاثة يُحدقون ببعضهم بشراسة وحقد. وروضة في المنتصف تصرخ وتبكي. كان أول من تحرك هو سيف. بينما عدي كاد أن يتحرك ويقتله إلا أن يونس أمسكه وعيناه مُثبتتان على روضة وسيف.
حل سيف قيد روضة التي ثبتت نظرها برعب على عدي والذي كانت نظراته جامدة، شرسة، تحوي الشر الذي كانت تتوقع أن تراه. وقف أمامها ثم أنهضها وتساءل بلهفة: -عملك حاجة! آذاكي؟! هزت روضة رأسها بنفي وعيناها لا تزال مُثبتتان على عدي، والذي تحرك خطوات هادئة بعدما نفض يده من يونس. ثم قال بصوت هادئ ولكنه يحوي شيئًا من الخطورة: -ابعد عنها.
وبالرغم من تعجب سيف من الحديث وطلبه الغريب، إلا أنه ابتعد عن روضة والتفت إلى عدي وعلى ثغره ابتسامة ماكرة. وهتف بتسلية: -سيادة الرائد عدي! إيه سر الزيارة دي! لم يرد عدي بل بقى جامدًا ومن ثم تحرك مرة أخرى وهمس بحدة: -قولتلك ابعد عنها أحسنلك. عقد سيف ذراعيه أمام صدره وقال بهدوء: -بمناسبة إيه! عارف إن عز استدرجنا إحنا كلنا عشان نخلص على بعض.. بس ليه يا ترى!
نطق الأخيرة بنبرة ذات مغزى وهو ينظر إلى يونس الذي وقف مُتأهبًا شاعرًا بانقباضة عنيفة رجت قلبه. كانت روضة تبكي وتدعو الله في نفسها أن يخرج الجميع سالمًا من هذا الجحيم. إلا أن صوت سيف البغيض همس: -وبما إنه تعب عما جابنا.. فإحنا هنحققله أمنيته. ثم أخرج سلاحه تحت أنظار عدي ويونس المشدوهة وقذفه إلى ركن بعيد وقال بشيطانية: -إيه رأيك نبدأ بيك يا سيادة الرائد. همست روضة من خلفه وهي تضم قبضتيها إلى صدرها: -لأ...
ولكن لم يستمع أحد ويبدو أن عدي كان ينتظر تلك المواجهة فعل المثل ولحظات وهجما على بعضهما البعض. دارت معركة طاحنة بين الاثنين وروضة تصرخ وكادت أن تركض للفصل بينهما لكن يونس منعها. نفى برأسه قائلًا: -ما تخافيش على عدي. هذا ما نطقه بجمود ولكن داخله براكين تثور من جملة سيف الغير مفهومة أخذ يُتابع المعركة الدائرة في استعداد إن حدث شيء. وكما توقع كان النصر حليف سيف وهو يُشهر مسدسه إلى وجه عدي، ومنه إلى يونس ثم قال بخبث:
-نزل سلاحك يا حضرة المقدم.. نزله. ظل يونس مُتصلب الجسد وعضلاته تأبى الانصياع إلى أوامره. ضحك سيف وقال بتحذير: -يلا يا سيادة المقدم. وبالفعل قذف السلاح إلى قدم سيف وظل ينظر إليه بجمود. كانت روضة تصرخ وتبكي إلى أن لاحظت سلاح عدي في أحد الأركان. نظرت إلى سيف الموليها ظهره ثم اتجهت بخطى ثقيلة إلى السلاح. وفي تلك الأثناء تشدق سيف قائلًا: -مش عاوز تعرف عز الدين قصده إيه من وجودنا هنا؟!
تصلبت عضلات فكه وما لبثت أن اتسعت عيناه هلعًا وهو يهمس بخوف بائن: -بتول. ضحك سيف وقال: -اسم الله عليك.. بتول. كور يونس قبضته وقد طار كل هدوءه وثقته أدراج الرياح وسيف يُكمل: -بيرجع الحق اللي أخدته منه.. لأ وعارف أخدها فين؟ عاد يُكمل ضحك وهو يستشعر لذة الانتصار ناظرًا إلى يونس الذي كاد ينفجر غضبًا وهلعًا. إلا أن صوت روضة الجامد جذب كل الأنظار إليها: -سيب مسدسك يا سيف.
استدار ببطء وهو يراها تُشهر السلاح في وجهه وعيناه تلمعان بعزيمة لا يعلم أهي لقتله أم لسلامته! همس سيف بابتسامة متوجسة: -سيبي المسدس يا حبيبتي.. أنا هخلص عليهم وهنمشي مع بعض. صرخت روضة بعصبية: -ما تقوليش حبيبتي.. أنا عمري ما كنت حبيبتك ولا هكون.. أنا ما بأحبكش.. وبأكره الوقت اللي بأقضيه معاك.. كرهت نفسي لما بأسمحلك تلمس إيدي.. كرهت وساختك وعدم ضميرك. شحب وجه سيف تدريجيًا وهو يسألها بتوتر: -يعني إيه!
أنتي كنت بتضحكي عليا! طب وحبي ليكي و... لم يستطع الحديث أكثر وهو يشعر بغصة في حلقه، وخاصة تحت نظراتها الجامدة وملامحها التي لم تتقلص إلى الندم. فأكمل: -يعني عمرك ما حبتيني! كل دا وهم عيشتيني فيه! طب ليه؟! صرخ بالأخيرة لتصرخ بالمثل: -لأخويا اللي قتلتوه بدم بارد لما دخل السجن بسببكوا.. لنفسي وأمي اللي ضاعوا بسببكوا.. لحاجات كتير أوي.. أهمها كرهي ليكم. ثم تشدقت بحدة: -ودلوقتي سيبه وسيب المسدس بدل أما أقتلك. همس بعدم
تصديق وكأنه أدرك لتوه: -بتحبيه! لم ترد عليه وظلت تنظر إليه بكره. ليعود ويصرخ: -بتحبيه؟! هتفت بقوة: -أكتر من أي حد في حياتي. كان يونس يقف على أحر من الجمر وهو يُتابع ذلك الحديث ويتمنى أن يعلم أين هي بتول وأين أخذها عز الدين. وعدي الذي كان يصرخ بهم أن يوقفا هذا الحديث ولكن لا أحد يستجيب. كان يصرخ بسيف أن يحدثه هو لا روضة ولكن لا حياة لمن تُنادي.
بينما سيف كان على وشك الإصابة بذبحة صدرية. أخفض رأسه ثم رفعها مرة أخرى وابتسم قائلًا: -كنت عاوز أنضف عشانك.. عشان أستحقك.. كنت عاوزلك ديما الخير والأحسن.. لو كنت شايف سعادتك بموتي كنت قتلت نفسي. تعجبت روضة من هدوئه وحديثه فابتلعت ريقها بتوجس ولم تتحدث. هتف سيف بغموض: -عز الدين عنده بيت في... دا كان البيت اللي هيتجوزا فيه.. هتلاقيها هناك أكيد.
ثم نظر إلى روضة وهو يرى كم الكره والحقد النافذ من عينيها، وأدرك أنها النهاية. هي لم تحبه ولن تحبه قط. كان يشعر بها، ولكنه أوهم نفسه أنها تشعر بالنفور من عمله. يرى التصميم على قتله في سبيل إنقاذه. يرى كم تعشقه ونظراتها تنضح قلقًا وخوفًا عليه. ابتلع تلك الغصة المريرة في حلقه، ثم قال بابتسامة: -عاوزك تعرفي يا روضة أني حبيتك.. حبك كان الشئ الطاهر في حياتي.. حبك الحاجة الوحيدة اللي مش هندم عليها.. سلام.
تصاعدت ضربات قلبها وهي تستمع إلى حديثه الغريب وتتساءل عما أصابه من جنون. ثوانٍ واتسعت حدقتاها برعب وهي تراه يرفع السلاح إلى رأسه مبتسمًا، ثم أطلق النار لتخترق رأسه من أحد جوانبها، ويسقط بعدها جثة هامدة وسط صرخات روضة ودموعها المرعبة. وما تلا ذلك ركضهم خارج المكان وإيصال روضة إلى منزلهم وانطلاقهم إلى ذاك المنزل، وبعدها المفاجأة المفجعة. "عودة إلى الوقت الحالي" تنهد عدي بحزن وهو يرى أخيه في قمة ضعفه وعجزه. ربت
على منكبه وقال بمواساة: -هتكون بخير إن شاء الله. وبعد لحظات خرج الطبيب، فانتفض يونس يسأله بلهفة: -بقت كويسة مش كدا! ابتسم الطبيب بمجاملة ثم قال: -الحمد لله ربنا كتبلها عمر جديد. تنفس يونس الصعداء وكأن روحه عادت إليه، ثم استمع إلى باقي حديث الطبيب: -حاليًا المؤشرات مستقرة.. لكن الخبطة كانت جامدة جدًا ع المخ عشان كدا هي دخلت في غيبوبة. تلاشت ابتسامة يونس وسأل بقلق: -يعني إيه؟!
-يعني دي حاجة طبيعية.. المسافة مكنتش هينة والنزيف كان شديد.. بس إحنا سيطرنا ع الوضع وإن شاء الله لما الحالة تتحسن هتفوق. ثم تحرك الطبيب ولكنه عاد مرة أخرى يخرج شيئًا من جيب مئزره الطبي: -إحنا اضطرينا نشيل الخاتم من إيدها.. اتفضل. أخذه يونس وقبض عليه بقوة دون حديث. *****************************************
بعد عدة ساعات كان يجلس بجانبها على الفراش. يملس على رأسها برفقته المعهودة وابتسامته التي أصبحت حزينة. عينان تذرفان الدمع دون انقطاع وهو يراها ساكنة ذات وجه شاحب ورأسها يحوطه الشاش الطبي. همس بصوت مبحوح: -آسف يا حبيبتي خذلتك.. آسف إني جيت متأخر. انخفض يقبل جبينها بحنو ولم يسلم من العبرات التي بللته. ثم عاد يهمس بألم: -آسف.. والله آسف وهاخد بالي منك بس ارجعيلي.. ارجعيلي.. أنتي وحشاني.. وحشاني أوي.
وأجهش في بكاء مرير. إشاراتها الطبية تصدر صوتًا يبعث الانقباض بلحنه الرتيب. مسح عبراته بعد مدة من البكاء وأخذ يتلو بعض آيات القرآن بصوته العذب ذات البحة الطبيعية. ثم حدثها بندم: -يا ريتني كنت حكيتلك حكاية يونس وعزيزة.. ليه قولتي أن هيجي اليوم اللي مش هعرف أحكيلك فيه؟ .. كان قلبك حاسس واليوم جه قريب أوي.. أوي أوي. تنهد بحرارة ثم قال بإصرار: -اصحيلي أنتي بس وأنا هحكيلك كل اللي نفسك فيه.
ولكن صوت الأجهزة الطبية طغى على صوت تنفسه. هي لا تجيب والغرفة تبدو كئيبة. وهو يشعر بالاختناق. ولكنه لن يتركها أبدًا. انحنى برأسه مرة أخرى وقبلها على شفتيها المفتوحة الموضوع بها خرطوم ما ثم همس بلوعة: -بحبك يا بنت السلطان. *************************************** بعد مرور شهر...
كان يجلس على ذلك المقعد الموضوع بجانب النافذة التي تطل على حديقة تعج بالمرضى وحولهم الأطباء وبعض الأهالي. يجلس منذ ما يقارب عشرين يومًا بعدما أحاله الطبيب الذي قرر أنه يجب نقله إلى مشفى الأمراض العقلية، نظرًا لحالته التي كان يهذي بها منذ أن دلف إلى القسم. الأحداث تتوالى أمام عينه. يقبلها بشراسة وهي تهرب. يترك يدها ألمًا وهي تسقط فاقدة الحياة. أغمض عينيه ودمعتان وحيدتان هبطتا على وجنتيه. وظل يردد عبارته الهستيرية:
-أنا قتلتها.. قتلت الحاجة النضيفة في حياتي. لم يتوقف عن ترديدها منذ أن نقلوه إلى هنا. تذكر أنه بعد أيام قليلة كان قد تم نقله بعد معاينة الطبيب له والأحداث التالية كانت مبهمة. سمع صوت أقدام تدلف إلى الغرفة وصوت إغلاق الباب والأقدام تقترب. لم ينظر ولم يتحدث كعادته. إلا أن ظل جلس أمامه على الطاولة. رفع عز الدين أنظاره ليجد يونس يجلس أمامه بجمود.
لم يصدم عز الدين بل نظر إليه نظرة خالية من الحياة وعاد ينظر إلى النافذة. أخرج يونس من خلف جذعه سلاحًا ما ثم وضعه على الطاولة وقال بجمود ونبرة ميتة: -ماتت.
ثم تركه ورحل. أغلق الباب خلفه. مضى في طريقه وسمع صوت طلق ناري من غرفته. لم يجفل ولم يشعر بالصدمة وظل يسير بخيلاء يشعر بانتصار عظيم وها قد انتقم لذاته وانتقم لها. انتقم لحبيبته ولكنه ناقصًا يشعر بالفراغ والألم لعدم وجودها. يتدافع العاملون بالمشفى يتخبطون به وهو لا يتأثر بهم إطلاقًا بل تفكيره انحصر عن تلك الغائبة عن عالمهم ولم يشعر بعبراته التي غرقت وجنته. *****************************************
وبعد مرور شهر آخر.. كانت والدة بتول تجلس معها بالغرفة تقرأ بالمصحف الشريف وبعد أن انتهت ظلت تضرع إلى الله. فتح الباب بعد قليل يطل منه يونس وعلى وجه ابتسامة صغيرة. ابتسمت بدرية ونهضت. ربتت على كتفه وقالت بخفوت: -متيأسش يا ابني. ابتسم يونس ببهوت وقلبًا لا يضخ سوى عشقًا خالصًا لها. جلس على نفس مقعد والدتها ثم أمسك يدها يقبلها كعادته منذ ستين يومًا ثم أخرج الحلقة النحاسية من جيب بنطاله وهمس بحنو:
-بقالك كتير مش لابساها.. وأنتي وعدتيني. أمسك يدها اليسرى ثم ألبسها الحلقة ولم يترك يدها بل انحنى بجذعه أكثر ويده الأخرى تملس على خصلاتها التي استطالت قليلًا. وأكمل حديثه بابتسامة حزينة: -هحكيلك حكاية يونس وعزيزة.. بس تفوقي بعدها. ضحك على عبارته ولكنه أكملت يداه سيرها على خصلاتها ثم أكمل بشرود:
-يونس دا يا ستي كان ابن أخت أبو زيد الهلالي.. كان فيه واحدة اسمها عزيزة بنت معبد السلطان حاكم تونس.. كانت بتحب يونس حب مش عادي.. عرضت عليه كتير مقابل بس إنه يحبها بس برضه مقدرتش.. انتهت بحبسها ليه لمدة سبع سنين ولما عرضت عليه الجواز مقابل أنها تفك أسره.. رفض وقالها مينفعش الحرية تكون مشروطة.. مينفعش أقايض حريتي بمشاعري.. بس هو فضل أسير عندها لحد أما أبو زيد فك أسره. تلألأت العبرات في عينيه وهمس بضحك:
-يونس اللي في القصة نال حريته.. بس يونس الحقيقي لسه ما نالهاش. تشوشت الرؤية بفعل تلك العبرات التي أبت الانهمار. إلا أن الصدمة هاجمته وهو يشعر بتأوه خافت يصدر عنها. أزال عبراته ليجدها بالفعل تكابح من أجل فتح عينيها. لا يعلم كم انتابته المشاعر. تتنقل من الصدمة إلى عدم الاستيعاب إلى السعادة. وجدها تبتسم وتقول بنعومة: -هاي. ضحك يونس بتحشرج ولا تزال يده تملس على خصلاتها وهمس بالمقابل: -هاي. رفعت يدها تملس على ذقنه التي
استطالت وهتفت بشوق حقيقي: -وحشتني.. أوي. انهال عليها يقبل وجنتها وجبهتها ويدها ثم قال بصوت مبحوح: -وأنتي وحشتيني أوي.. أوي يا قلب يونس وروح يونس من جوه.
ضحكت بتول ولا تزال يدها على وجنته وعيناها تسيران وتلتهمان من ملامحه التي اشتاقت إليها. لروحه التي تبعث في نفسها الاطمئنان. لعينيه التي تخبرانها بأن العالم جميل. وهو فعل بالمثل ولكن نظره مثبت على عينيها التي اشتاقها حد الجنون. إلى زيتون عينيها الذي يتيه فيهما بكامل قواه العقلية. همس يونس بصوته العذب: -بحبك يا بنت السلطان. ردت عليه يونس بنبرة أكثر عذوبة: -وأنا بموت فيك يا أسير بنت السلطان.
***************************************** بعد يومين كان يطعمها طعام الإفطار وذهنه شارد. بعد أن استيقظت واكتظت الغرفة بالعائلة. سألته بتول عما حدث وأنها لا تتذكر أي شئ. كيف حدث هذا لا تعلم. إلا أن يونس أخبرها بابتسامة متوترة: -عملتي حادثة. وعندما سأل الطبيب عن حالها أخبره باختصار: -حصلها ارتجاج في المخ وأكيد لازم تنسى اللي حصل.. دا طبيعي.
وبعدها لم يثر معها مرة أخرى ذاك الحديث ولم يحاول تذكيرها. ربما القدر يقف بصفه كي يجعلها تنسى اللحظات الذي خذلها فيها. أفاق من شروده ثم نظر إليها مطولًا وقال بنبرة حذرة وقلب يخفق بجنون: -عز مات. تبعها صمت ثقيل. لحظات مرت عليه كسنون. لم يجرؤ على رفع عينيه لها وينظر إلى عمق عينيها. إلا أن ردها جعل الذهول يرتسم بحرفية على وجهه مصطحبًا معه مشاعر أخرى لم يستطع تحديدها: -مين عز!!
حينها رفع رأسه سريعًا ينظر إلى حاجبيها المعقودان بتساؤل. وملامح البراءة مرتسمة على وجهها. صمت يستشف ما إن تصطنع الجهل أم حقيقي. إلا أنه تنهد وقال بهدوء نسبي: -حد مش مهم. هزت كتفيها بلامبالاة وقالت: -طيب. ظل يراقبها ولكنها لم تتوتر ولم تهتز حدقتها. لا شئ سوى أن القدر حليفه بأن تنسى أسوء الشخصيات التي عرفها يومًا. ذلك الحقير الذي قتل قرية كاملة من أجل النفط فقط. من أجل بضع قطرات تهرب إلى بلاد لا تعرف سوى إراقة الدماء.
ابتسم يونس لها بحنان قبل أن يدنو منها مرة أخرى وهمس بعبث: -هو أنا قولتلك أني بحبك! هزت كتفيها بدلال وقالت: -امممم.. دلوقتي! .. لأ. ليقول بعبوس: -لأ إخص عليا.. غلطة وهصلحها حالًا.
ثم مال على شفتيها يمتص رحيقًا لا يرتوي منه أبدًا. وكأن حياته تتوقف على تلك القطرات التي ينهلها منها. وهي لا تستطيع مجابهة جموح عشقه وعنفوانه. لا تجد بدًا سوى الانجراف وراء عشقه الذي تتعلم أبجدياته على يديه وهي حقًا محت تلك الفترة السابقة وكان يونس هو أول عشق عذري يكتسحها ببراءة وطهارة. ***************************************** بعد مرور ستة أشهر...
كانت بتول تقف بالمطبخ الخاص بمنزل عائلة يونس وبجانبها روضة التي عقد قرانها قبل شهرين بحضور والدتها لمدة يوم واحد خارج دار رعايتها. واليوم يعدان مأدبة يحضر بها الجميع. احتفالًا بزوال المحنة وترقية يونس إلى رتبة نقيب. وقد تم طمس الحقائق المتعلقة بموت وزير البترول وانتهى بموته على أنه أحد أبطال الوطن الشرفاء. سمعت بتول صوت روضة يأتي من خلفها: -بتول.. أنا هشوف ماما صفوة اتأخرت ليه. غمزتها بتول بوقاحة: -ماما صفوة برضه!
اشتعلت وجنتا روضة بخجل ثم هتفت بحنق مفتعل: -بتول كدا عيب.. مش مصدقاني يعني! رفعت منكبها وهتفت بنبرة ذات مغزى: -لأ مصدقاكي.. حتى هتلاقي ماما صفوة في البلكونة مع عمو رفعت ويونس بتلعب طاولة معاهم. وكزتها روضة ثم خرجت من المطبخ وقبل أن ترنو إلى داخل أحد الغرف كانت يد صلبة تلتف حول خصرها وتسحبها إلى المرحاض. شهقت روضة بهلع ثم هتفت بتوتر: -عدي.. افرض حد...
ولم تكمل حديثها وهي تجد شفتاه تسكتها كما تعود منذ عقد قرانها. لا يشبع منها ولا يمل من إغضابها ومصالحتها كما يعشق. مرت العاصفة ليضع جبهته على جبهتها ثم هتف بعشق: -بعشقك يا روضتي. قبلت وجنته بنعومة وتشدقت بنبرة توازي نبرته: -وأنا بعشقك. ****************************************
بحث بعينيه عنها وقد اشتاق إليها كثيرًا وقد تحجج بأن يذهب للاستراحة قبل ميعاد الغداء. ولكن عينيه تبحث عنها بكل السبل حتى وجدها تقف بداخل المطبخ وخصرها يتمايل مع دندنة خافتة من بين شفتيها بأغنية شعبية. كانت تقلب محتويات القدر وهي تتمايل مع نغمتها الخافتة: -دا تاعبني وبرضه عجبني وأنا لا حول ليا ولا قوة. لتتفاجأ بعدها بيد صلبة تحيط خصرها بقوة يضمها إليه بقوة أكبر وهو يهمس بعبث: -دا مين دا اللي تاعبك وأنا أقطعه؟!
أغلقت الشعلة بعد نضوج الطعام ثم التفتت إليه ليجدها تحيط عنقه وتتحدث بدلال يغوي القديس: -أقطعلك إيدك لو مديتها عليه.. وبعدين هو عاجبني. رفع أحد حاجبيه وتساءل بتسلية: -عاجبك! غمزته بإحدى عينيها وقالت: -جدًا. ضحك يونس ملء فاه وعيناه تبعثان لها معاني العشق السامية. لم يقترب منها طيلة الستة أشهر التزامًا بوعده لأبيها وهو يخبره أن حفل زفافه سيكون مع أخيه. ولكنه لا ينفك ويبثها العشق بطرقه الخاصة. تشدق بمرح:
-اممم.. طب أغنيلك أنا! تحمست بتول وهي تتعلق بعنقه أكثر: -أيوة أيوة. ضحك يونس بخبث وقال: -هغنيلك أغنية "هاتي حتة يا بت". امتعضت ملامحها وقد خبت حماستها ثم قالت بتقزز: -حتة إيه اللي أجيبها!! شهقت وهي تراه يحملها ثم يتجه إلى الخارج. هتفت بتول بجزع: -رايح فين يا مجنون! غمزها بوقاحة: -هقولك حتة إيه اللي عاوزها.
ثم اتجه إلى باب المنزل وفتحه. كادت أن تعترض بتول ولكنها تاهت مع شفتاه التي تنثر حبات القبل بنعومة على وجهها و شفتيها الورديتين ووجنتيها الناعمتين وهو يبثها كلمات الغرام حتى وصل إلى سقفية المنزل. دفع الباب بقدمه وقد عمل على إلهائها عن مفاجأته. شعرت به يتجه إلى ركن ما ثم أنزلها وهو يهمس بابتسامته التي تذيبها: -بصي هناك.
نظرت إلى ما أشارت له رأسه. لتتسع عيناها بدهشة وهي ترى أرجوحة في منتصف السقيفة المنزل. حبلان قويان يلتف حولهما أفرع من النبات المتسلق ذو زهرات جذابة والمقعد خشبي قد اصطبغ لونه بالوردي.
شهقت بتول وهي تضع يديها على فاها من الصدمة والسعادة. نظرت إليه بعينان مغروقتان بالدموع. ليبادلها الابتسامة الحانية والنظرة التي تختصها هي فقط. ثم اتجه إليها وجذبها من يدها ليجلس أولًا وبعدها أجلسها على قدماه. أخذ يتأرجح بها بواسطة قدمه ولم يقدر أحدهما على الحديث فقد تكفلت العيون بذلك. دفنت رأسها في صدره القوي وأحاطت خصره بقوة خشية أن يهرب. وهو ماثلها في فعلته إذ التفت يداه حول خصرها والأخرى تحيط بعنقها ثم همس بنبرة
تحمل في طياتها عشق أبدي: -كان نفسي أعملك حاجة مميزة بإيدي.. حاجة رقيقة زيك.. ملقتش غير دي. تشدقت وهي لا تزال مختبئة في صدره: -من النهاردة دي مملكتنا ومحدش هيدخلها. انحنى يقبل عنقها وهمس بتأكيد: -دي مملكتنا الصغيرة.. اللي بينا وبين أطفالنا هتكبر.. بحبك يا بنت السلطان وهفضل لآخر نفس أحبك. وما كان منها أن تزداد في ضمه لها وكأنها تخبره بطريقتها عن مدى عشقها له.
ربما يأتينا العشق متأخرًا عن ألا يأتي أبدًا. والحكمة أن نستغل الفرصة المتاحة لنا لربما لا يعيدها القدر. تمسك بما تؤمن وحافظ على من تحب فالحياة قد تغدر بنا في لحظة وتسرق منها أجمل اللحظات.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!