يونس هكذا يرحلون دون وداع... هذه الحياة قاسية لتنتزع منا لحظات لم نعشها بعد... داعبت كلمته قلبها برقتها، كلمة انبعثت من شفتاه لتصيب قلبها. ابتسمت بخجل ومن ثم هتفت بخفوت: -الكلام دا هياخد منحنى تاني... وكدا مش هينفع، أنت وعدت بابا. ظل بعض الوقت ينظر إليها دون حديث حتى ظنت أنه قد غفى في وقفته. نظرت إليه بتدقيق لتلمح نظرات الخبث التي تراقصت في حدقتيه، ليقول بعدها بهمس عابث: -امممم...
هتاخد منحنى تاني زي إيه مثلًا يا بتولِ؟ تضرجت وجنتاها بحمرة خجلة وقالت بتلعثم: -آآ... أنت... أنت عارف. اتسعت ابتسامته خبثًا وأكمل: -لأ معلش عرفيني... تأففت بحنق ثم أبعدت يده عن خصرها وابتعدت هي. ضيقت عيناها بحدة وأشارت بسبابتها تحذيرًا، ثم تشدقت من بين أسنانها: -أنت على فكرة مش محترم، وأنا هقول لبابا يرجعني... وضع يده على فكه وظل يحركها عليه ببطء جعلها تتيقن أنها نطقت بحروف حمقاء مثلها، وهذا ما سمعته
وهو يقترب منها بخفة فهد: -عيبك يا بتول الكلب إنك بتنطقي بحاجات أنتي مش قدها. ابتلعت ريقها بصعوبة وهتفت بشجاعة زائفة: -لأ قدها، وهروح دلوقتي... وقبل أن تتحرك بخطوات واهية كان هو ينقض عليها ويحملها على كتفه. تدلت رأسها على خصره وظلت تركل بقدميها بعد شهقة قوية صدرت منها غير قادرة على الصراخ. همست بتحذير: -يونس أهلك بره، وهياخدوا عنا فكرة مش حلوة...
لم يرد عليها بل يبدو أنه لم يسمعها من الأساس. وبلا أي مقدمات، رماها على الفراش ومن ثم جثى فوقها. تأوهت هي بقوة وكادت أن تنهض ولكنه كبل حركتها ورفع يده أعلى رأسها. ظهرت ابتسامة متسلية وهو يتشدق: -طب ما ياخدوا، ما لهمش حاجة عندنا... ظلت تتلوى أسفله بعنف علها تتملص منه ولكنه كان يتراقص بحاجبيه باستفزاز، إلى أن سكنت وهتفت بتعب لاهثة: -خلاص تعبت. ارتسمت ملامح خبيثة على وجهه وقال: -خلاص أريحك أنا. هتفت بذعر: -يونس...
بلاش تهور... انخفض بوجهه حتى اقترب من خاصتها وظل يداعب أنفها بأنفه ثم تشدق وهو يراها قد بلغت من الذعر ما يكفي: -خلاص مفيش التهور النهاردة، نخليها بكرة. زفرت بارتياح وقالت: -جميلك دا فوق راسي... ضحك يونس ملء فاه ثم نهض عنها، ولكنه ما أن ترك يدها حتى لاحظ حلقته النحاسية التي لم تنزعها عنها كما وعدته. نظر إلى زيتون عينيها ليجدها تنظر إليه بابتسامة رائعة ثم همس بعدم تصديق: -ما قلعتيهاش! هزت رأسها بنفي ثم قالت وهي
لا تزال تحتفظ بابتسامتها: -أنا وعدتك، وبعدين دي شبكتي... لمعت عيناه بوهج رائع جعلها تتيه فيه، وابتسامتها تتسع عشقًا. ليجذب يدها ثم أزال الحلقة من يمناها تحت نظراتها المتعجبة ثم وضعها بيسراها. رفع يدها وقبلها بحنو ثم قال بنبرة عذبة مشبعة بالعشق: -بعشقك يا بنت السلطان... وضحكت ملء فاها على ذلك اللقب الذي لا ينفك ويلقبها به. بالفعل تشعر بأنها ابنة سلطان من العصور القديمة ما أن تتواجد بجانبه. هدأت ضحكاتها ثم همست بفضول:
-عوزاك تحكيلي حكاية يونس وعزيزة كلها. رفع حاجبيه ثم قال بمداعبة: -تؤ. وضعت يدها على صدرها وقالت بإلحاح: -عشان خاطري. تراقص بحاجبيه مرة أخرى وقال: -مش قادر، بعدين... لوت شدقها بضيق ثم قالت بعبوس: -خليك فاكر هيجي اليوم اللي هتعوز تحكيلي فيه الحكاية ومش هسمعك. قرص وجنتها بخفة وقال: -لما يبقى يجي اليوم، هخليكي تسمعيني غصب عنك... ***************************************
أنت بـ خفوت وهى تفتح عيناها، لتجد ظلام يحيط بها إلا من خيط رفيع من الضوء الصادر عن القمر. رفعت رأسها وهي تتأوه لتتسع عيناها بذعر وهي تتأمل السكون والفراغ حولها. حاولت النهوض ولكنها وجدت نفسها مكبلة. ظلت تصرخ ولكن خرج صوتها مكتوم من تلك القماشة التي تمنع فمها عن الصراخ. ظلت تبكي بنحيب وخوف، أخذت تتلوى بعنف ونحيبها يزداد...
فتح باب ذاك المكان الدامس ومعه صوت أزيز منفر. تبعه صوت خطوات رتيبة هادئة هدوء يبعث الرهبة في النفوس. توقفت حركتها وظلت تتطلع إلى الجسد الذي يتقدم إليها. كان الظلام يحجب عنها الرؤية، حتى أبصرت وجهه البغيض. اتسعت عيناها بهلع وهي تهمس بصوتٍ مكتوم: -عز الدين!!!
ابتسامة حقيرة ارتسمت على وجهه، ثم دنا بجسده الضخم إلى جسدها الضئيل. شعور من الرهبة والذعر تملكها وهي تبصر وجهه وعيناه التي أصيبت بالجنون. كانت تسمع عنه من عدي وسيف ولكنها لم تتخيله بذلك الجنون وقد لمحت بعض الهوس... ابتلعت ريقها بصعوبة وهي تراه ينظر إليها نظرات بثت الرعب في جسدها. مد يده ليزيح القماشة عن فاها ولكنها تراجعت بهلع. ارتفع حاجبيه بذهول مصطنع وقال ببراءة مريضة: -الله مالك!
دا أنتي حبيبة الوحش، معقول تخافي مني، دا سيف حبيبي... دمعت عيناها مرة أخرى ولم ترد عليه. رفع إبهامه يزيل العبرات ولم تملك سوى البكاء أكثر وملامحها ظهر عليها النفور جليًا. همس بفحيح أفعى سامة: -ما كنتش أعرف أنك حلوة أوي كدا، صحيح أول مرة أشوفك والظروف مش مساعدة، بس أحب أتعرف عليكي...
أخفضت رأسها بتعب وأكملت نحيب. جلب هو مقعد حديدي كالمقيدة عليه وجلس أمامها. رفع يده إلى خصلاتها الحريرية وبحركة سريعة جذبها منها ليرفع وجهها إليه. تأوهت بصراخ حاد ولكنه لم يكترث. مال إلى وجهها وأكمل همسه بنعومة: -طول ما أنا بكلمك، ما تحطيش وشك في الأرض... زاد نحيبها وقد بدأت ضربات قلبها في التسارع من لهجته وملامحه المريعة. خفت قبضته عن خصلاتها وأخذ يملس عليها برقة. همست في داخلها: -أنت واحد مريض... ابتلعت ريقها
الذي جف ثم همست بخوف: -آآ... أنت عاوز مني إيه! -مستعجلة ليه أدينا بندردش... توقف عن تمليس خصلاتها واستراح في جلسته، ثم أكمل حديثها بهدوء: -أنتي خطيبة سيف المستقبلية، مش كدا! توسعت عيناها بذهول ولكن لم تملك سوى أن تومئ برأسها اتقاءً لجنونه. ابتسم بخبث وأكمل: -عظيم، طب هو عارف إن ست الحسن بتعط من وراه، لأ ومع مين! ... شحب وجهها بدرجة كبيرة وقد فقدت قدرتها على النطق. ليكمل هو حديثه بنبرة قاسية: -الرائد عدي أبو شادي...
ألجمت الصدمة لسانها وقد زاد شحوب وجهها وشفتاها تحولتا إلى اللون الأبيض. شعر هو برجفتها وعيناها التي بدأت في ذرف العبرات مرة أخرى، لتتسع ابتسامته الشيطانية وهو يهمس: -أنا هوريكي عرض مجاني، كمان كام ساعة... ******************************************
جلس على الأريكة بغضب بعد أن طردته بتول شر طرده عقب استفزازه لها. نزع عنه قميصه القطني وبقي عاري الصدر عله يخفف من حرارة جسده التي أصابته من الغضب. ظل يهز قدمه بعصبية ثم نهض بعنف قائلًا: -البيت بيت أبونا والغرب بيطردونا...
وبخطوات غاضبة توجه إلى الغرفة وقبل أن يطرق بابها بعنف، وجدها تفتح الباب مع ابتسامة ناعمة. حدق بها ببلاهة وهو يراها ترتدي منامة من اللون البني ذات بنطال واسع من خامة الحرير. تعلوه كنزة من نفس اللون بالكاد تصل إلى بداية البنطال وحمالاتها رفيعة، رفيعة جدًا، فأظهر جمال منكبيها المرمرية...
دلف إلى الغرفة مسلوب الإرادة فارغ الفاه. نسي غضبه وتطاير أدراج الرياح. فتح فاه كي يتحدث ولكن تطايرت الحروف وهو يرى خصلاتها السوداء الممزوجة باللون الذي حاكى لون منامتها وهو ينسدل حول وجهها كهالة. ابتسمت برقة تذيب القلوب وهي تقول: -مالك يا يونس! رد هائمًا: -يونس!! ... يونس عظيم... ضحكت برقة أكبر ولم ترد. توجه إليها حتى وقف أمامها ثم همس وعيناه تدور على معالم وجهها الرقيقة:
-والمفروض أكون قديس وأنا معاكي بالمنظر دا، صح!! أومأت برأسها بقوة. ليضع يده على وجهه ويفركه بعنف صاعدًا إلى خصلاته. أخفضت وجهها ولم تتحدث تاركة إياه يتلظى بمظهرها الذي يسلب الألباب. تشدق بصوتٍ أجش: -روحي نامي يا بتول، وأنا هغير وأجيلك... -طيب...
قالتها بخفوت ومن ثم ركضت إلى الفراش. تمددت عليه ثم أعطت إلى يونس ظهرها والذي كان يتحرك بعصبية ارتفاعًا وهبوطًا. أبدل ثيابه إلى بنطال قماشي من اللون الأسود يعلوه كنزة بلا أكمام من ذات اللون واتجه إليها. ظل يزفر عدة مرات بضيق وقلبه كمضخة جبارة لا يستطيع إسكاتها، فقربها منه إلى تلك الدرجة وهناك رابط قوي يربطهم يجعله في موقف لا يحسد عليه...
رفع الغطاء وتمدد عليه معطيًا ظهره إليها. أغمض عيناه يستجدي النوم وكذلك أنفاسه الهاربة والتي توقفت وهو يشعر بأنفاسها تحرق ظهره. تصلب جسده كله وما زاد تلك الصاعقة التي ضربت مراكزه الحسية ما أن شعر بيدها تلتف حول خصره، ثم سمع همسها الخجول: -كنت عاوزة أجرب إحساسي وأنا حضناك... ثم دفنت رأسها في ظهره تتنفس رائحته الرجولية بعمق. ستهلكه...
ستهلكه لا محالة. لا يستطيع التحكم في نفسه بمجرد قربها والآن تبادر باحتضانه. ابتسم بعشق لتلتف يده حول يدها الملتفة حوله ثم رفعها وقبلها. همس بنبرة عذبة تبعث الأمان في نفسها: -تصبحي على جنة. اتسعت ابتسامتها وهي تهمس بحب: -وأنت من أهل الجنة... ***************************************
ارتدى ملابسه بعشوائية ولم يهتم إلى هيئته. أخذ هاتفه ومفاتيح سيارته وانطلق لا يدري إلى أين. اتصل بعز الدين ولكنه لا يرد. مرة واثنتان وثلاث ولكن لا رد. صرخ بصوته كله وهو يدير المحرك... انطلقت السيارة ومعها رنين هاتفه. أخرجه ليجده عز. فتح الخط وصرخ بكره: -أقسم بالله هقتلك يا عز خلاص أنت جبت آخرك معايا... أتاه صوت عز الدين يضحك بصخب ثم تشدق بعتاب خبيث: -أخص عليك يا سيف، وأنا اللي كنت هقولك تعالى عشان تستلم السنيورة...
تجمدت ملامح سيف وكذلك يده القابضة على الهاتف، فأكمل عز الدين بفحيح أفعى: -تعالى على العنوان دا وهتلاقي روضة هناك. هدر سيف: -عاوز أسمع صوتها. -من عنيا... ثم سمع صوت خطوات وبعدها بكاء مكتوم، ثم صوت روضة الضعيف يهمس: -سيف!! رد عليها سيف بلهفة: -أيوه يا قلب سيف، آذاكي؟ ولكنه لم يستمع إلى ردها بل إلى صوته الكريه وهو يقول: -أهي كويسة أهي ومش ناقصة صابع حتى، تعالى على العنوان اللي هديهولك...
ثم أملاه العنوان وسيف قد قست ملامحه دون أن يرد. أكمل عز الدين حديثه بجدية اتسمت بالخبث: -تعالى بعد ساعتين وهتلاقيها هناك... ولم يمنحه الوقت للرد إذ أغلق الهاتف بوجهه... وعلى الجانب الآخر، مال عز الدين إليها وقال بفحيح أفعى: -استعدي للـ show (العرض) اللي هيحصل. ملس على وجنتها بتقزز ثم عبث بهاتفه. ثوان وفتح الخط ثم جاء صوته الرخيم: -أيوه مين!!
اتسعت عيناها بهلع وقد فطنت لمخططه القذر. ارتفع نشيجها وأخذت تتلوى بعنف. نظر إليها عز الدين بلا مبالاة ثم رد على عدي بصوتٍ ماكر: -عندي أمانة تخصك! جاءه صوت عدي الغاضب: -أمانة إيه يا ***! رد عز الدين بعبوس: -طب وليه الغلط! عمومًا هسمعك صوتها... مد الهاتف إلى فاها ثم قال بنبرة شيطانية: -سلمي على حبيب القلب. هزت رأسها بنفي. لتتلقى صفعة مدوية على وجنتها جعلتها تتأوه. ثم عاد حديثه بصوتٍ جهوري: -اخلصي. همست بنحيب: -عدي...
تسارعت أنفاس عدي في تلك اللحظة وقد أظلمت عيناه بدرجة مرعبة، ولكنه قد بدا وأنه فقد النطق. جاءه صوت عز الدين الذي تحدث بمكر: -إيه رأيك في المفاجأة؟ تهوس مش كدا؟ صدح صوت عدي الجهوري: -أقسم بربي لو لمستها لأكون قتلتك بأبشع الطرق... قهقه عز الدين بلا أي مرح ثم قال بتجهم: -قدامك ساعتين بالضبط، تيجي تستلمها ومعاك الـ*** أخوك، غير كدا صدقني هتستلمها جثة متقطعة...
أملاه العنوان وهو يستمع إلى سباب عدي إلا أنه لم يعط للأمر أهمية وأغلق الهاتف. دسه في جيب بنطاله، ثم انحنى ومر بإبهامه على وجنتها إلى عنقها هامسًا بانتشاء: -أتمنى إن عرضي البسيط يعجبك... وتحرك بخطىً رتيبة كما دلف تمامًا، تاركًا إياها في الظلام يؤنسها نشيجها... **************************************** فتحت جفنيها بتثاقل وهي تشعر بألم رهيب في رأسها. كل ما تتذكره أنها انتفضت فزعة على صوت عدي وهو يزأر كأسد جريح...
"عودة إلى وقتٍ سابق" انتفضت من نومها وصوت عدي قد صدح بالخارج: -يونس... بسرعة اطلع... نهض يونس مسرعًا وقد انتفض قلبه بفزع. فتح باب الغرفة ليجد عدي يسحبه وقد هاله منظر وجهه البشع. تساءل يونس بقلب منقبض: -في إيه يا عدي؟ رد عدي بكلمات امتلأت رعبًا: -خطفها... خطفها يا يونس ومحتاج مساعدتك. أوقفه يونس جبرًا وقد خرج الجميع على صوت عدي، ثم تساءل بهدوء: -مين اللي خطفها! -روضة... أبوس إيدك يلا قبل ما يعمل حاجة فيها.
لم يفكر مرتين: -ثواني هلبس وجاي... ثم تركه ودلف يبدل ملابسه. توجهت بتول تواسيه وقد ارتسمت ملامح الحزن على وجهها: -هتلاقيها إن شاء الله. رمقها بقسوة قائلًا: -أنتي السبب، لو جرالها حاجة، مش هتكفيني عيلتك. شهقت بتول ولم ترد. بينما لمعت عيناها بعبرات أبت النزول، نهره والدته ووالده، كما أنهم واسوه. ربّتت صفوة على كتفها وقالت بإحراج: -معلش يا بنتي، أكيد ما يقصدش. ابتسمت ببهوت وقالت: -أكيد يا طنط، ربنا معاه.
خرج يونس في تلك اللحظة وسحب عدي خلفه، دون حديث، دون وداع، هكذا تركهم جميعًا. كانت تعلم جيدًا أن الحرب القذرة ستشتعل، ولكن مبكرًا، فلم يكد يفوت أكثر من ساعات حتى بدأ عز الدين في شن هجومه. دلفت إلى الغرفة واجمة، ولكنها استمعت إلى صوت هاتفها والذي أعلن عن وصول رسالة ما. فتحتها فوجدتها من يونس يطلب منها على عجالة جلب سلاحه. قذفت الهاتف ثم أخذت تبحث عن ذاك السلاح فوجدت أحدهم دون أن تعلم ما نوعه حتى.
وضعت سترة سوداء على كنزتها الفاضحة وخرجت. سألتها والدة يونس فأخبرتها باختصار ثم تحركت سريعًا حتى لا تتأخر. لكنها لم تكد تخطو خارج المنزل حتى وجدت من يكمم فاها ثم ضربة على رأسها أفقدتها الوعي. "عودة إلى الوقت الحالي" وأفاقت هنا على ذلك الفراش الغريب عنها. نهضت بتثاقل وهي لا تزال تترنح إثر الدوار. توجهت إلى باب الغرفة وكادت أن تفتحه إلا أنه فُتح على مصراعيه ليدلف هو. ارتجف بدنها بقوة وقد شحب وجهها فجأة كشحوب الموتى.
اتسعت عيناها هلعًا وهي تهمس برعب: -عز الدين! ابتسم أبشع ابتسامة قد تراها يومًا وهو يقترب منها. أغلق الباب خلفه، ثم نظر إليها بنظرات أحرقتها. عقد ذراعيه أمام صدره وقال بغموض: -عارفة أنتِ فين؟ لم ترد عليه بل ظلت تتراجع، إلا أنه صرخ بها بصوته الجهوري: -ردي، عارفة أنتِ فين؟ هزت رأسها سلبًا، ليعود ويتقدم منها بخطاه التي تسبب الرعب في النفوس. ثم أكمل حديثه بمرارة:
-ده المفروض هيكون بيتنا، ده بيتنا يا بتول، كنت عاملهولك مفاجأة. ابتلعت ريقها بصعوبة وهي تشعر بانسداد حلقها، ثم همست بخوف: -عز، سيبني أمشي بالله عليك. توقف لحظة ثم عاد يتقدم منها وقال بهدوء خطير: -عايزة تمشي عشان تروحيله؟! نجوم السما أقربلك. صمت ثم أكمل بقسوة وقتامة: -البيت ده كان هيشهد على حبنا، دلوقتي هيشهد على حاجة تانية.
كانت تتراجع وهي تهز رأسها بهستيرية، ولكنه بلمح البصر جذبها من ذراعها بقوة، لتصرخ صرخة شقت هذا الهدوء القاتل. أمسكها من كلا ذراعيها وضغط بقسوة عليهما، ثم اقترب منها وأخذ يشم عبقها. أغمضت عيناها بنفور وأكملت نحيبها الهلع. تشدق عز الدين بغضب وصوته دوى كالرعد: -أنا شامم فيكِ ريحته، هو لمسك صح؟ ارتفع نحيبها مع صوت الصرخات إلا أنه هزها بعنف: -ردي عليا، لمسك! سيبتيه يلمسك ليه! أنتِ كلك ملكي، أنا بس اللي مسموحلي ألمسك.
ثم دفعها بعنف إلى الفراش لتتسع عيناها بهلع وازدادت صراخها قوة. كبل هو يديها أعلى رأسها وبقدميه كبل قدماها. اقترب من وجهها وهمس بحدة وشهوة: -كنت مانع نفسي عنك عشان خاطرك، وفي الآخر تخليه يلمسك!! لأ يا بتول، أنتِ كل حاجة فيكِ بتاعتي، مش هتخرجي من هنا غير وأنا مالكك. ثم مال أكثر وهمس في أذنها ما جمدها وجعل الدماء تهرب من عروقها: -أنا عايز أدوق اللي داقه يونس. وكانت الصرخات تتوالى ولكنه يكتمها بشفتيه القذرتين.
صفعها عدة مرات ولكن مقاومتها لم تخبُ. ظلت تتحرك أسفله بهستيرية إلا أنه لم يزده إلا إصرارًا. مال على عنقها يلتهمه وهي لا تزال تصرخ حتى شعرت بأحبالها تتمزق. وفي ظل غمرته أفلت يدها لكي يشق كنزتها، فاستغلت ذلك وخدشته في وجهه بأظافرها. تأوه عز الدين وابتعد عنها. استغلت تلك الفرصة ونهضت تركض، إلا أنه أمسك قدمها لتقع أرضًا. سحبها له لتعود وتصرخ، إلا أنها ركلته بقدمها في وجهه ونهضت بسرعة تركض.
فتحت باب الغرفة لتسمع صوت أقدامه خلفها. ازدادت هلعًا لتخرج من الغرفة سريعًا، إلا أنه أمسك يدها لتظل تجذب نفسها بعنف وكانا قد وصلا إلى الردهة. وفي ظل شراسته لم تجد سوى أن تنبش أظافرها بمعصمه وهي تجذب نفسها. وتحت شراسة أظافرها ترك يدها متأوهًا. اختل توازنها لتعود بضع خطوات إلى الخلف لتجد نفسها تتخطى سور الردهة القصير وصرخة وحيدة طويلة انطلقت منها قبل أن يسمع صوت ارتطام عنيف على الأرضية الرخامية.
اتسعت عيناه بصدمة ثم اتجه إلى السور بخطى بطيئة ونظر إلى الأسفل، ليجد جسدها يفترش الأرضية وبقعة الدماء تتسع حول رأسها. ساكنة بلا حراك. همس بشرود: -أنا قتلتها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!