الفصل 30 | من 32 فصل

رواية يونس الفصل الثلاثون 30 - بقلم اسراء علي

المشاهدات
18
كلمة
2,832
وقت القراءة
15 د
التقدم في الرواية 94%
حجم الخط: 18

الفصل الثلاثون يونس الكراهية تشل الحياة، والحب يطلقها. الكراهية تربك الحياة، والحب ينسقها. الكراهية تظلم الحياة، والحب ينيرها. ظلام.. كل ما خلفوه وراءهم هو الظلام.. ولكنه لا يضاهي عيناه ظلام.. كان يجلس أرضًا في المنتصف يضم ركبتيه إلى صدره وأخذ يتأرجح إلى الأمام والخلف.. توعد لأكثر من مرة بأغلظ الإيمان أنها ستكون له.. سيمحي يونس وجذوره من الوجود.. كل من يحمل حروف الاسم سيكون مصيره الموت...

لم يأبه إلى ثيابه المشعثة ولا تورم وجهه.. ولا تلك الدماء التي جفت على وجهه.. بل ما يشغله هو انتقام منها ولها.. منها لأنها خانت عهده وأحبت غيره.. ولها لأنها تم تدنيس روحها من قِبل أكثرهم بغضًا إلى قلبه... فتح الباب ودلف رجلٌ ما ثم دنى إلى سيده وقال باحترام: "عز الدين بيه!! رفع عز الدين أنظاره ولم يتحدث.. فأكمل الآخر حديثه بجدية: "سيادة العقيد رفعت قبضوا عليه الصبح.. كل حاجة إتكشفت...

ولم يتأثر عز الدين ولم تتحرك عضلة واحدة من جسده.. ولكنه تساءل بجمود: "فين سيف؟ "وصل من شوية.. وهو جاي على هنا... أشار عز الدين بيده كي ينصرف.. فانصرف الرجل بهدوء.. نهض هو صعد غرفته وبدأ في تبديل ثيابه وغسل وجهه بالماء البارد عكس النيران المشتعلة داخله.. تفحص وجهه بالمرآة ولم يهتز أيضًا لمظهره المشوه.. بل جففه ودلف إلى الخارج.. صعدت خادمة تتحدث بتلعثم وخوف من هدوئه... "السيد سيف تحت...

رفع أنظاره القاتمة لها والتي دبت الذعر في أوصالها ثم صرفها بإشارة من يده.. وما أن أشار لها بالرحيل حتى هربت تتنفس الصعداء.. أعاد ارتداء تلك الحلقة الفضية في يسراه تلك المرة وكأنه يثبت للجميع أنها ستعود له بل وستكون ملكًا له.. هبط الدرجات بفتور وكأن شيئًا لم يكن...

نظر إليه سيف من بعيد وقد أثار توجسه من هدوئه ولا مبالاته.. حقًا ذلك أكثر رعبًا من ثورته.. ستكون العاصفة شديدة وستقتلع كل من يقف بطريقها.. وصله من بعض الأشخاص أنه رفض تدخل الشرطة وبعض الجهات العسكرية من أجل ما حدث.. وما حدث قد تم مواراته ودفنه مع الأشخاص الحاضرين.. حقًا لا يعلم ماذا أصاب من هنا فالجميع اختفى ولا يوجد أثر لأحد... ابتلع ريقه وهو يجد عز الدين قد وصل أمامه وبجفاء قال:

"تجبلي بتول من تحت الأرض.. وليك حرية التصرف حتى لو اغتصبتها.. تجبهالي.. سامع! جحظت عينا سيف بقوة حتى كادت أن تخرج من محجريهما.. حقًا قد فقد ما تبقى من عقله ولكن أثار اشمئزازه بطريقة مخجلة.. ليقول سيف بتقزز: "أنت أكيد اتجننت يا عز.. أنت جرى لمخك حاجة؟! لم يتأثر.. يبدو أنه فقد الحياة طريقة حديثه وهدوئه تثيران الرعب بطريقة مخيفة.. رفع عز الدين أحد حاجبيه وقال بجمود:

"معنديش وقت لسؤالك الغبي دا.. هتجيبها ولا أتصرف بطريقتي! أشاح سيف بوجهه وقال بلا مبالاة: "إتصرف بطريقتك." ابتسم عز الدين بشراسة وهتف: "حاضر هتصرف بطريقتي... أشار له بحاجبيه وقال بتجهم: "بره... ابتسم سيف بسخرية ثم خرج.. وضع عز الدين يده بجيب بنطاله.. ثم هدر باسم أحدهم: "جعفر!!! أتاه المدعو جعفر بخطواته الرتيبة وهدوئه المثير للأعصاب ثم قال باحترام: "أؤمرني يا سيادة الوزير." ابتسم عز بشيطانية وقال:

"طلع كل حبايبنا من المخزن واعملهم حفلة شوي معتبرة." وبلا ملامح رد جعفر: "حاضر يا عز بيه... أخرج عز الدين لفافة تبغ ذات لون بني.. ثم أخذ في تدخينها.. وأخذ يشاهد جعفر ورجاله وهم يخرجون العديد من الأناسي والذين هم ضيوف حفلته.. والصراخ يدوي وأحدهم يصرخ بتوسل: "ارحمنا يا عز بيه.. محدش هيعرف حاجة... اقترب منه عز بخطى رتيبة ثم قال بخبث: "منا عارف إن محدش هيعرف.. بس دي احتياطات أمنية...

ثم تجهم وجهه مرة أخرى وعاد يشاهد رجاله وهم يسكبون السائل القابل للاشتعال على الأرضية.. والجميع يصرخ الصحافيون وذوو الشأن والمراتب العليا والجميع يصرخ بأنه مجنون ولا أحد يعلم أنه تخطى مرحلة الجنون بمراحل عديدة.. تقدم جعفر منه وهمس: "كل حاجة جاهزة... نظر له من طرف عيناه ثم أشار برأسه كي يرحل.. تبعه هو بخطوات تدب الرعب حتى وقف على الباب ثم التفت وقال بنبرة رجل على حافة الجنون: "أتمانلكوا سهرة سعيدة...

ثم أخذ آخر نفس من لفافة التبغ وقذفها أرضًا.. لتشتعل النيران بالمنزل.. أغلق الباب بإحكام وهو يستمع إلى الصرخات بالداخل.. صرخات لو سمعها معدومو الرحمة كان قد رق قلبه وأنقذهم ولكن عز!!! .. كان قد جُن بالفعل.. وقف بجانب ذلك الرجل الهادئ.. ثم قال وهو يشاهد اندلاع النيران: "زي ما اتفقنا... "حاضر يا عز بيه... أملى عليه عنوانًا ما وقال بجمود: "هتلاقي بنت فالعنوان دا.. تجيبها وتحصلني ع المخزن...

وأومأ الرجل بطاعة ورحل.. بينما بقى يتابع تآكل النيران لذلك المنزل كما تتآكل نار الكره والحقد بقلبه والانتقام سبيله الوحيد... **************************************** لم يفق من نشوته إلا على صوت طرقات الباب التي تجاهلها المرة الأولى.. إلا أن بتول أبعدته وقالت لاهثة: "الباب يا يونس... وضع وجهه في تجويف عنقها وظل يأخذ أنفاسه المسلوبة رُغمًا عنه وصمت.. وبصوت متهدج نطق: "ردي أنتي أحسن." "حـ..حاضر...

أخذت عدة أنفاس لتستعيدها وحاولت تطويع ضربات قلبها التي أبت الهدوء.. وبصوت حاولت إخراجه ثابت: "أيوة!! أتاها صوت والدتها الخبيث: "كل دا عشان تردي! همست بوجع: "يا لهوي اتفضحنا... ولكن يونس أبعد ما يكون عما تتفوه به الحمقاء.. يشتم رائحتها التي تسكره ولا تزال يده تعتقل خصرها.. أبعدته عنها وقالت بذعر: "يونس ماما بره." "طيب...

قالها يونس بتأفف وتركها.. استعادت رباطة جأشها وفتحت الباب.. لم يخفَ عليها نظرات والدتها التي طالعتها بخبث.. فتشدقت بتول بتحذير: "متبصليش كدا يا ماما الله يكرمك." مصمصت بدرية شفتيها وقالت بضحكة: "هو أنا عملت حاجة.. أنا جاية أقولك أبوكي عاوزك." أخذت بتول نفسًا عميق ثم قالت: "حاضر جاية أهو... ورمقتها والدتها مرة أخرى بخبث وكذلك يونس الذي اتسعت ابتسامته ما أن رأى حماته.. همس بسعادة:

"حماتي كدا هتبقى فالصفي.. دا أشطه أوي... أغلقت بتول الباب وما كادت أن تستدير حتى وجدت يونس يحتضنها مرة أخرى وأخذ يقبل عنقها الظاهر.. عدة قبلات رقيقة أسرت الدفء في جسدها.. أمسكت قميصه عن كتفه الأيمن وقبضت عليه بقوة.. تستشعر قبلاته التي يضع بها جميع مشاعره التي رفضتها قبلًا.. تلاحقت أنفاسها بصورة مقلقة إلى أن شعرت بقدميها تخور.. ولكن يونس لم يسمح لها بالسقوط.. فأمسكها جيدًا من خصرها ثم رفعها إليه...

وتوقفت قبلاته مع توقف أنفاسه.. تلك الصغيرة ستودي بحياته لا مفر.. همس من بين شفتيه بسبة بذيئة وتبعها قوله الحانق: "كان لازم أعمل فيها شهم وأقول لأبوكي إني مش هقربلك! .. إزاي هستحمل!! ولم يقابله سوى تسارع أنفاسها.. ليحكم يده حولها ثم قال بحزم: "روحي شوفي باباكي.. واعملي حسابك.. هتيجي معايا دلوقتي.. أنا مش هستنى لبكرة...

ثم دفعها إلى الخارج تحت ذهولها وعدم قدرتها على الحديث بعد عاصفته منذ قليل.. وضعت يدها على خافقها تهدأ من نبضاته وترسم الهدوء على وجهها.. ثم سارت بخطى بطيئة حتى تستعد لمواجهة أبيها ولكنها ما أن مرت بإحدى المرايات حتى لطمت وجهها وقالت بشهقة: "خبر أسود.. منك لله يا يونس.. منك لله...

أخذت تنظر إلى عنقها الذي تحول إلى اللون الأحمر في مواقع قبلاته.. فبحثت بعينيها حتى تجد ما يخفي عنقها.. لتجد وشاح والدتها فأخذته ووضعته حول عنقها باهتمام حتى لا تظهر عنقها المفعم بمشاعر يونس... وبعد مدة كان يونس وبتول يودعان عائلتها بدموع.. ليقول إسماعيل برجاء: "هي أمانة فرقبتك.. أنا سلمتهالك وأنا مطمن إني سلمتها لراجل." ربت يونس على ذراع حماه ثم تشدق وهو ينظر إلى بتول بحب:

"متوصنيش على روحي يا عمي.. بتول كمان أغلى من روحي... ودعت بتول والدتها للمرة التي لا تعلم عددها وشقيقها مرة أخرى والذي حذر يونس من العبث بقلبها... **************************************** أخذ يتطلع إلى تلك الغرفة التي وضعوه بها ولم يأتي أحد.. يعلم أن كل شيء تم اكتشافه وأنها النهاية.. سمع صوت الباب يفتح بتمهل يستمتع صاحبه بنصره ودلف بعدها سعد ويتبعه عدي. نظر لهما رفعت بلا مبالاة، ثم نظر أمامه مرة أخرى.

جلس سعد أمامه وقذف ملفًا ما على الطاولة، وعدي يستند إلى الحائط خلفه يرمقه بازدراء. كان رفعت أول من شق الصمت بحديثه الساخر. -هتفضلوا تبصولي كتير!! ولم يرد أحد عليه، بل أزاح الأوراق إلى رفعت والذي بدوره أعادها إلى سعد وقال بفتور: -عارف فيها إيه. -ومش همك؟! انطلق هذا السؤال من عدي، والذي أكمل بحدة:

-الملف دا فيه بلاويك أنت وعز.. فيه كام روح قتلتم كأنكم نصبتوا نفسكم عزرائيل.. كام سرقة سرقتوها.. كام صفقة أدوية فاسدة دخلتوها مصر، وكام واحد مات.. فيه كام سلاح مسكتوه لشباب زرعتوا فيهم مفاهيم إن يا الإسلام يا الإرهاب.. الإسلام اللي متعرفوش عنه حاجة.. فيه كام شاب ضحكتوا عليهم بالسفر برة وأنتوا كنتوا بتسلموهم تسليم أهالي لتجار الأعضاء وتروحوا تقولوا لأهله إن السفينة غرقت أو الطيارة وقعت...

نظر إلى رفعت ببرود ولم يهتم، لم يشعر بالشفقة أو الندم لما فعل، بل رد بجمود: -دا اللي تستحقه البلد بعد أما قتلوه.. قتلوا ابني قدام عيني. -ابنك كان إرهابي و... ابنك قتل وكان لازم يتعدم.. ابنك خان بلده وكان لازم يدفع الثمن... ضرب رفعت سطح الطاولة بعنف وغضب، وساد الصمت. ارتخى في جلسته ونظر إلى سعد ثم تشدق: -شوف شغلك يا سعد.. أنا لا هنكر ولا هعترف.. وأنت في إيدك الأدلة.. خلصني من الفيلم الهندي دا...

سحب سعد الملف ونهض بكل وقار، ثم تشدق أخيرًا بجفاء: -زي ما تحب.. محاكمتك هتكون كمان يومين.. والحكم هيتنفذ بعد المحاكمة بيومين... ثم دلف إلى الخارج وتبعه عدي، أغلق الباب وتحدث مع سعد بحنق: -مش ممكن يكون بني آدم... أشار سعد بيده وقال بهدوء: -خلصنا.. المحكمة هي اللي هتقوم بالواجب بعد كدا.. الموضوع دا ميتفتحش تاني... أومأ عدي برأسه ليسأله سعد مرة أخرى: -يونس مش جاي!! -أيوه.. هيروح عشان يتكلم مع أبو مراته.

-غبي وهيفتح أبواب جهنم على الكل... هز عدي رأسه بقلة حيلة ولم يرد، بينما ركض أحد الضباط وبعدما أدى التحية العسكرية قال بذعر: -بيت سيادة الوزير عز الدين ولع بالمسؤولين اللي فيه... **************************************** أغلقت الهاتف مع عدي والذي بدا وكأنه يصارع الرياح، الجميع يتكالب ضده. أخذت تهدئه وتبث في قلبه الاطمئنان إلا أنها كانت تشعر بأن هناك خطبًا ما سيحدث، ظلت تبتهل إلى الله أن ينتهي كل شيء على ما يرام.

دلفت إلى غرفتها وهي تستجدي النوم ولكن كيف وحبيبها يعاني؟ تنهدت بتعب ثم جلست وأخرجت إحدى الكتب المفضلة لديها وأخذت في قراءتها حتى غفت مكانها. بعد مرور عدة ساعات، استيقظت روضة على صوت غريب منبعث من المطبخ. نهضت وهي تعقد حاجبيها بتعجب، ثم همست لنفسها: -هو في قطة دخلت المطبخ ولا إيه!! ولكنها هزت منكبيها بفتور وتحركت إلى الخارج، أضاءت الأنوار ثم توجهت إلى المطبخ وكما توقعت هرة تعبث بمحتويات المطبخ. زفرت روضة بيأس ثم

قالت وهي تنظر إلى الهرة: -يعني أعمل فيكوا إيه عشان تبطلوا تخشولي في نص الليل كدا... ثم تحركت في اتجاهها وأخرجت لها بعض الطعام لتأكل. سمعت مواء الهرة والذي يدل على سعادتها في الحصول على الطعام أخيرًا، سارت بيدها على جسد الهرة وتساءلت فجأة: -أنتي دخلتي إزاي!! ونظرت إلى نافذة المطبخ لتجدها مفتوحة، زفرت بضيق وقالت: -دخلتي من الشباك.. بس أنا قفلاه.. يمكن مقفلتوش كويس...

هزت رأسها بنفاذ صبر ثم أخرجت الهرة بعدما أنهت طعامها. أغلقت النافذة وعادت إلى الغرفة، وما أن دلفتها حتى وجدت من يكمم فاها. ظلت تصرخ صرخات مكتومة وتركل حتى خبت قواها وفقدت الوعي. وضع ذاك الملثم يده أسفل ظهرها والأخرى أسفل ركبتيها ثم حملها واتجه إلى الخارج. *****************************************

استيقظ سيف على صوت هاتفه بالصوت الخاص بوصول رسالة. نهض بتكاسل ثم أضاء الأنوار ومد يده إلى الهاتف والتقطه. فتح الرسالة وما أن أبصرها حتى انتفض كالملسوع وهو يرى حبيبته فاقدة للوعي ومقيدة. لم يسعفه الوقت للتفكير فآتاه اتصال من رقم روضة، وعلى الفور وضع الهاتف على أذنه وتشدق بلهفة: -روضة! -حبيبتي أنتِ كويسة؟ أتاه صوت غليظ وهو يقول: حبيبتك مش فاضية دلوقتي، تقدر تقول مسافرة رحلة في عالم تاني. هدر سيف

بعنف وعيناه تقدحان شرر: أقسم بالله لو إيدك مستها، لأكون مقطعك حتت. لم يسمع رد سوى صوت تنفس هادئ، ليعود ويصدح ببرود: والله كل ده متوقف عليك، هتعمل خدمة وترجعلك حبيبتك صاحية سليمة. -على جثتي وروضة هترجع. -متتأملش كتير عشان روحها وروحك في إيدي، دي خدمة صغيرة، تعملها حبيبتك ترجعلك. صمت قليلًا وهو يستمع إلى أنفاس سيف الحارقة ثم قال: ها، قولت إيه؟ كز سيف على أسنانه وهتف بزمجرة: عاوز إيه! اتسعت

ابتسامة الرجل وقال بهدوء: هنبعتلك صورة شخص، تجيبه على عنوان هنديهولك وبكده ترجعلك حبيبتك. -مين! -قولتلك هنبعت الصورة، موافق ولا لأ! رد عليه سيف بغضب: ماشي، بس أقسم بالله... آآآ... ولم يكمل حديثه إذ أغلق الرجل في وجهه. قبض على الهاتف بغضب حتى كاد يهشمه. ظل يحدق أمامه بقتامة وبداخله يتوعد إذا أصابها سوء. أفاق على صوت الرسالة ليفتحها، ثم صرخ بعدها بغضب جامح: هقتلك يا عز، ورحمة أمي هقتلك يا *****.

*************************************** دلفا معًا إلى المنزل وقد بدا عليه السكون. أضاء يونس الأنوار ودفع بتول إلى الدلوف، فبعد حديثه الطويل مع أبيها حتى وافق أن يرسلها اليوم معه. أغلق الباب وهمس: ادخلي. ولكن فجأة فُتح باب غرفة والدته، التي دمعت عيناها، وهمست بنشيج: يونس! أسرع يونس يحتضن والدته والتي لم تكف عن تقبيله والنحيب على رجوعه. قبّل كفها عدة مرات وهي لا تسمح له بالخروج من بين أحضانه. همست

صفوة مرة أخرى باشتياق: وحشتني يا قلب أمك. قبّل جبينها وقال بابتسامة: وأنتِ كمان يا ست الكل. ولكن والدته ظلت تبكي. أزال يونس عبراتها وقال بحنو: خلاص متعيطيش يا ست الكل، أنا أهو في حضنك ومش ناوي أبعد خالص. جذبته مرة أخرى إلى أحضانه وقالت بصوت مبحوح: فكر بس تعملها وأنا أقتلك بجد المرة دي.

ضحك يونس وهو يربت على ظهر والدته. رفع أنظاره إلى والده الذي أدمعت عيناه سعادة. ترك والدته واتجه إلى قدوته في الحياة. رفع رفعت يده وأخذ يتلمس وجهه وأنه حقيقة وأصبح بينهم الآن. كانت عينا الأول تنظر إلى والده باشتياق فتشدق الأخير: حمد لله على سلامتك يا سيادة المقدم. ثم ارتمى في أحضان ولده وأكمل بصوت مختنق: كانت روحنا رايحة من غيرك يا بني. ربت على ظهر والده وقال: وأديها رجعت. -برجوعك يا بني، برجوعك.

جذب يونس يد والده فقبّلها عدة مرات وعيناه تلمع بعبرات أبت النزول. ربت رفعت على رأس ولده. ثم رفع أنظاره إلى تلك التي تتابع المشهد بعبرات تنساب ممزوجة بابتسامة. ابتسم هو الآخر وقال بهدوء: تعالي يا بنتي. ترددت في التحرك ولكن نظراته الحنونة ونظرات والدة يونس شجعتها على التحرك. وصلت إليه وهي تبتسم بتوتر. أمسك يونس يدها وقال لوالده بابتسامة: دي بتول، مراتي. لم تتغير ملامحه الحنونة ولم يبدُ عليه الصدمة، بل اتسعت

ابتسامته وقال بجدية زائفة: مش واجب عليكِ برضه تسلمي على حماكي! ارتبكت بتول كثيرًا ثم اتجهت بسرعة وهي تمد يدها. تشدقت بتوتر وهي تنظر إلى والده وقد علمت ممن ورث يونس ملامحه البشوشة: آسفة يا عمي، إزيك حضرتك! ضحك رفعت وقال: حضرتي كويس. ثم أكمل بصرامة زائفة: ومفيش عمي تاني، من النهارده بابا وبس. ضحكت بتول بخجل ولكنها أومأت بموافقة. ثم اتجهت إلى صفوة واحتضنتها بحب. لكز رفعت ولده بخفة ثم هتف بمرح: أيوة يا واد وعرفت تنقي.

ضحك يونس وأكمل: أيوة يا واد خدت السنيورة. وضحكا كلاهما. وبعد مدة من الجو المرح والمليء بالأجواء العاطفية وقد تفاجأت بتول من ردة فعلهم الودودة. لم تتوقع كل ذاك القدر من الترحيب والسعادة بها، بل ظنت أنها ستُنبذ وسيثور والده ما أن يبصرها، إلا أنه حدث العكس تمامًا. أخذت تحدق بغرفة حبيبها والتي تتسم بالطابع الرجولي. استشعرت منها هيبته ووقاره الهادئ. حنون ورائع. نطقت غرفته بكل ذلك.

شعرت بيده تحاوط خصرها وقبلة رقيقة توضع على منكبها وهمسه المغري يداعب أذنها: هتنامي الليلة في حضني. إلا أن بتول ابتعدت عنه ورمقته بغضب تفاجأ به. ثم تشدقت وهي تضع يدها في خصرها بحدة: لا يا بابا لا، مضمنكش وأنت وعدت بابا. وضع إصبعه أمام فاه وبوداعة طفل في الخامسة من عمره تشدق: والله هنام مؤدب. ضحكت بتول وهي تضرب كف على آخر ثم قالت: وعد! وضع يده على أذنيه وبمرح تشدق: وعد.

وبحركة خاطفة جذبها إلى أحضانه. حاوط خصرها وهو يقربها إليه. استند بجبينه على جبهتها وقال بعبث: بس ده ميمنعش إني أحكيلك حكاية قبل النوم.

وقبل أن تستفسر كانت شفتاه تتكفل بالشرح وهي تضم شفتيها إليه بتملك وكأنه يصك ملكيتها له. تحركت يده عن خصرها وارتفعت إلى ظهرها تحاوطه كله. عاصفة مجنونة. هذا هو حبهما. جنون وعشق لا متناهي. كان يونس يظن أنه ستكون قصة حب من طرف واحد وسيظل يتلظى بنار العشق. أما بتول لم تكن تظن في أعظم أحلامها أنها ستعشق يونس إلى تلك الدرجة. شعرت به يسري بروحها. عشق كامل لا يتخلله ثغرة سوى ذاك الخطر المحدق بهم.

ابتعد يونس عن مرمى شفتيها فلو بقي لحظة أخرى، سيرمي كل وعوده خلف ظهره ويجعلها زوجته قلبًا وقالبًا. استند جبهته بجبهتها وظل صدريهما يصعدان ويهبطان بجنون متأثرًا بما عايشاه منذ قليل. هتف يونس وهو يتحسس شفتيها المتورمة بإبهامه وقد غلب على نبرته العاطفة: حبك طوفان غرقني.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...