جلس عز الجبالي في صدر المجلس يضع ساق على ساق، يشرب قهوته الثقيلة؛ رجال كثيرون حوله لكن الصمت كان سيد المكان... فالكل يعرف أن الجبالي لا يقاطع إذا تكلم، ولا يرد إذا قرر. دخل الحاج عبد الرازق رجل نحيل بعينين زائغتين، وبجواره فتاة لا تتجاوز السابعة عشرة، وجهها شاحب، وثيابها بسيطة تنظر للأرض كأنها تلتمس منها رحمة. قال الحاج وهو يمد يده بورقة: دي وصية المرحوم... قال أمانة توصلها ليك، والبنت دي أمانة في رقبتك.
فتح عز الورقة وقرأها في صمت ثم طواها ببطء ووضعها في جيبه. نهض واقفًا، وذهب ليقف أمام الفتاة مباشرة. كانت لا تزال لا تجرؤ على النظر إليه. رفع ذقنها بإصبعه، نظر في عينيها ثم قال: اسمك إيه؟ همست: ملك. قال بجمود: من الليلة، انتي بقيتي تبعي مش هتروحي مطرح، ومش هتقولي لا. ثم نظر للحاج وقال: خُد رجالتك وامشي. الصفقة خلصت. خرج الجميع... وبقيت هي. وقف يتأملها، ثم التفت وأمر: تعالي ورايا.
ومشت خلفه، لا تعلم أإلى غرفة نوم، أم إلى زنزانة... لكنها عرفت شيئًا واحدًا: حياتها القديمة انتهت. ذهبت خلفه حتي رأت بعينها التي تكذب ما تراه قصر ذو جدران عالية وضخمة يحيطه حديقة مليئة باللون الأخضر والطبيعة الخلابة. وقفت لعدة ثواني تتأمل هذا الجمال وتتذكر تلك الغرفة الصغيرة التي تربت بها. كان عز يخطو خطواته السريعة أمامها حتي لاحظ انعدام صوت سيرها خلفه ليتوقف وينظر خلفه ليجدها في عالم آخر وكأنها رأت الجنة.
ثم تقدم إليها وبجمود: هتسرحي كتير ولا إيه؟ لتلتفت ملك له بخضة كأن صوته قد أفاقها من ذكرياتها ثم همست وقالت: آسفة. ثم سار عز أمامها ليدخل من بوابة القصر وكانت كبيرة جدا. شافت حرس كثير رغم أنهم ماسكين سلاح إلا أنه في عيونهم خوف ورهبة من عز الجبالي كأن عاصفة قد مرت عليهم. دخلت ملك السرايا بخطوات مترددة فهي لا تعرف من هذا الرجل ولما أتت إلى هنا.
حتي قطع شرودها عز وهو ينادي على كبيرة الخدم سعيدة بصوت كاد أن يهدم جدران القصر. حتى تجمعت عائلته من قوة الصوت. جليلة والدة عز: في إيه ياعز ومين دي؟ عز: زين إنكم اتجمعتوا دي تبقي مراتي اللي هكتب كتابي عليها النهارده. كان كلامه صدمة للكل. عز يتجوز فجأة كدا وهيتجوز مين أصلا؟؟؟ أما عن ملك ترددت وأرادت أن تسأله: ليه؟ ليه أنا؟ إنت مين أصلا عشان تتحكم فيا كدا؟ لكن كل الكلمات علقت في حلقها. ماهر ابن عمه:
يعني إيه تتجوزها ومين دي أصلا وجايبها منين؟ عز بثقة تهد جبل: دي حاجة تخصني محدش مسموحله يسأل أي سؤال. ثم سار في طريقه في ثبات وهو يوجه حديثه لسعيدة: وريها أوضتها. سعيدة: تعالي ياست... بهامس من شدة خوفها: ملك. سعيدة: عاشت الأسماء ياست ملك اتفضلي معايا. سعيدة أخذت ملك لغرفتها. الغرفة كانت تقريبًا قد بيتهم، كانت كبيرة جدا، أثاثها ممتاز، فيها بلكونة بتطل على المنظر الخلاب، فيها نسمات هوا خفيف. سعيدة:
ارتاحي هنيه شوية كدا كدا كلها ساعات وتروحي أوضة عز بيه. ملك: مين عز وهو عايز مني إيه؟ هو صحيح هيتجوزني؟ أنا مش عايزة أتوز أنا عايزة أرجع بيت بابا روحيني لو سمحتي أنا معرفهوش أنا خايفة منه أوي. يدخل في هذه اللحظة عز إلى غرفتها لتغادر سعيدة الغرفة فورًا. ملك كانت مرعوبة منه، كل حاجة فيه كانت بتخوف. سلاحه اللي دايما في إيده، عيونه اللي مليانة شر.
لتتراجع ملك للخلف وهو يتقدم خطوة تلو الأخرى نحوها حتى اقترب منها كثيرا هامساً في أذنها: لو عندك أسئلة اسألي أنا سامع. ملك خافت من نبرة صوته بس قررت تسأل: أنا هنا ليه؟ ... عز: عشان ملكيش غيري دلوقتي. في أسئلة تاني؟ ملك: آه كنت... قاطعها: شكله مفيش أسئلة تاني. ملك سكتت وفهمت أنه مبيحبش الأسئلة الكتير. ليجلس عز على الكنبة ساندًا بيده عليها واضعًا سلاحه على الطاولة: اسمعي لو عايزة تعيشي هنيه...
يبقي تقولي كلمتين حاضر ونعم. غير كديه أنا ممكن أقلب عليكي عادي واسألي عن قلبه عز الجبالي عاملة إزاي.... خلاصة الكلام نامي وجهزي نفسك بكرة لكتب الكتاب. ليتركها غارقة في أسئلتها ويذهب إلى مكتبه يجلس على الكرسي ويخرج الوصية من جيبه، وقرأها تاني ببطء. "إلى من له نخوة الرجال، دي بنتي ومفضلش ليها غيركم، وانتو أهلها من بعدي....
كنت أعرف جدك عمران وكان راجل من صلب، وإن مت، يبقي ديني عليكم تحافظوا على بنتي وروحي. بنتي أمانة في رقبتك وأنا متأكد من أنك هتحافظ على الأمانة من كلام جدك عمران عليك وهو وعدني أنك هتعمل الأصول." عز نفخ بقوة، ورمي الورقة على المكتب. "آآآه ياعمران... انت وعدت، وأنا مضطر أوفي."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!