حاول أن يتقلب على الفراش، لكنه تأوه لألم حل به. تنبه فإذا بذراعه مجبر من بداية كتفه وحتى ما بعد مرفقه. ما الذي حدث بالضبط؟
لحظات من التشوش والتيه، أعقبها تذكر للنيران وما حدث بعدها، وعواقبها التي دفعته للتفكير في مثل هكذا عمل جنوني. رغبة في إنقاذها مهما يكن. اغمض عينيه وجال بناظريه نظرتها المرتعبة لوجود النيران والمصدومة لفعلته وهو يجذبها بين ذراعيه مطوقا إياها. ابتسم في محبة. هذه هي نوارة، سيدة التناقضات بلا منافس. المرأة التي تحمل قلب أسد وخفقات عصفور. ملامح على الرغم من رقتها، تتحول لملامح شديدة الصرامة، توقف أي من كان عند حده، دون أن يجرؤ على أي تجاوز في حقها.
كان يعلم أنها بالتأكيد بخير، فقد حرص تمام الحرص وهو يطوقها حماية، أن يجعل سقوطهما غير مضر لها، وأن يتحمل وحده تبعات السقطة وثقل جسديهما. وعلى الرغم من ذلك، ضغط زر استدعاء الممرضة، والتي دلفت للحجرة بعد برهة، ليسألها معاجلاً: "هو والدتي الدكتورة سميحة، والآنسة نوارة اللي كانت...
قاطعته الممرضة مؤكدة: "أه الدكتورة سميحة بخير، بس مرضتيش تخرج إلا بعد ما تطمن على حضرتك، وجت زارتك هنا مرتين. أما الدكتورة نوارة، دي طلعت بعد ما فاقت على طول، وسألت عليك وعلى والدة حضرتك، ومشيت." ما أن همت الممرضة بإنهاء كلماتها، حتى طلت الدكتورة سميحة من الباب، بعد أن شعرت بتحسن، وجاءت لزيارته. كان يعلم أنها بخير منذ أن أودعها سيارة الإسعاف بصحبة أحد الأطباء من معارفه، لكن على الرغم من ذلك،
هتف محتجا: "إيه اللي خلاكي تتعبي وتيچي على هنا؟! أكدت سميحة في هدوء: "أنا بقيت كويسة، أنا كنت أصلا كويسة لولا شوية الدخان اللي الواحد خدهم دول، مع تأثير المنوم، بس الحمد لله ربنا سلم." هتف رائف مؤكدا: "ده بفضل نوارة، اللي دخلت وفتحت عليك الباب والشباك." هتفت سميحة وقد تغيرت سحنتها: "لو سمحت يا رائف، بلاش تفكرني بان وجودها كان السبب في حياتي دلوقتي، أنا مش حابة افتكر ده."
أكد رائف في تعجب: "حضرتك حاولتي تنكري أو تعترفي بس ده حصل، الناس كلها جعدت تتفرچ ع البيت اللي بيولع، وكلهم كام چردل مية اترمى من برة، وسحبوا جدي من أوضته اللي هي جنب الباب من أساسه، ومحدش غامر ودخل چوه الدار والنار والعة، جبل ما أچي، عشان يدور عليك إلا هي، نوارة." تنهدت تحاول أن تغير مجرى الحديث،
هاتفة: "أنا سألت الدكتور، قال إنك ممكن تخرج النهاردة، ها حابب تخرج ولا تاخد لك يومين كمان واروح انا اشوف هنعمل ايه في اللي حصل فالبيت، وكمان اشوف جدك اللي قاعد عند بيت واحد من ولاد عم بباك، واكيد مش هيرتاح إلا فبيته، ده كفاية عقدة الذنب اللي زمانها ركباه، بعد ما عرفنا إن اللي حصل ده بسببه." تنهد رائف وقد أدرك رغبتها في إغلاق الحديث عما حدث، وعدم ذكر نوارة، فاستجاب لرغبتها لكي لا يحزنها،
هامسا: "اه فعلا چدي زمانه فعلا تعبان بعيد عن أوضته، وبعدين الموضوع كله كان غصب عنه، نام وهو بيدخن.. والنار مسكت فالستارة والسجادة، ده كويس انه خرج منها سليم، بس على العموم أنا همشي معاك، لازم نشوف هنعمل إيه فالبيت." أكدت سميحة: "والله سامر جه جري أول ما عرف اللي حصل، وبدأ الإصلاحات على طول أهو، يا رب نخلص على خير." هتف رائف: "فيه الخبر، بس أنا لازم ابجى معاه، عشان ننچز." هتفت سميحة: "طب أنا هروح اجهز، عشان نخرج سوا."
وتحركت لخارج الحجرة، تاركة إياه يتحرك في هوادة، مقررا لبس جاكت ما على ملابسه التي كان يرتديها، والتي لا قدرة له على خلعها عنه اللحظة. وضع كفه في جيب قميصه ليتنبه لتلك الورقة المطوية متعجبا: "ليس من عادته أي شىء بجيب قميصه." جلس من جديد، محاولا فضها، وبدأ في القراءة: "أخي العزيز: عارفة إنك هتستغرب من اللي هتفراه دلوقتي، وبتقول في نفسك ليه!! اقولك باختصار عشان كنت خايفة، مش عارفة انا عملت فنفسي وفيكم كده إزاي!!
انا عارفة أن اللي علمته غلط، وان مش رقية اخت رائف السليماني اللي تعمل كده، بس والله ما كان قصدي، انا اضحك ليا من واحد ندل، لا بحبه ولا عمري حبيته، ولا كان فيه بيني وبينه حاجة، ده يمكن لو كنت فعلا وحشة، مكنش فكر فيا، لكن علشان انا كنت بصده ده خلاه يحطني فدماغه، وعرف يستدرجني لحد ما لقيت نفسي فبيته، إزاي وامتى!! اقسم لك معرفش."
تنهد رائف لأن كل تلك التفاصيل، هو سمعها من أخته عندما اكتشفوا حملها، وكانت صدمة للجميع. ابنتهم الصغرى ومدللته التي كم أسبغ عليها من حنانه وعطفه، معوضا فقد أبيهما، وانشغال أمها بحزنها وعملها، تفعل بهم وبنفسها هذا. يومها سقطت أمها سميحة مريضة. ثارت ثائرته وأقسم أن يقتل ذاك الحقير، والذي أبدا لم ترضى أن تعطيهم اسمه، خوفا عليه من تهوره، وقتله لذاك الشاب فعلا. وعندما استمر الضغط عليها اعطتهم اسمه أخيرا، ذاك الإسم الذي ظل
محفورا في ذاكرتهم جميعا. قرر رائف يومها، تنحية العقلية الصعيدية جانبا، والتفكير بعقلية رجل عاد مؤخرا من الخارج بعد حصوله على درجة الدكتوراه، محاولا إصلاح ما يمكن اصلاحه، بالذهاب إلى أهل الشاب، ومطالبتهم بإصلاح خطئه مع ابنتهم. لكن ذاك الشاب كان يومها اقرب للموت من الحياة. كان في غيبوبة كاملة بعد أن سقط من فرسه، في مسابقة ما. مروان الهواري، ذاك الاسم الذي كان حامله هو سبب كل ما حدث من تداعيات.
أعاد القراءة، متنهدا بعد أن أثارت المزيد من الذكري الموجعة التي ما كان له الرغبة في تذكرها:
"أنا عارفة إني قلت لك إن اللي عمل كده، هو مروان الهواري، زميلي فالكلية، لكن ده مش صح، أنا اديتك أسمه لاني كنت عرفت أنه فغيبوبة، وانك لو فكرت تروح تواجهه أو حتى تأذيه، هتلاقيه في الغيبوبة وده هيخليك تبعد عن التفكير في انك تضره أو تضر نفسك. عارفة إني غلطت أني قلت كده، بس مكنش عندي حل تاني بعد ما ضغطوا عليا، عشان تعرفوا اسم الشاب اللي آذاني، ومكنش عندي نية اعرفكم اسمه خوفا عليك يا رائف. أنا كتبت الجواب ده وانا رايحة عند
ربنا، ميقتش قادرة استحمل إني أكون سبب في اذيتكم واذية حد برئ، عشان كده قلت لازم اقولك إن مروان سيد الهواري برئ، وعمره ما كان ليا علاقة به، وحطيت رسالتي دي هنا بالذات في الرواية اللي انا عارفة ومتأكدة إنك هتفتحها وتقراها عشان كنت دائما بتقولي انك بتحبها قوي.
سامحني يا رائف، وخلي ماما تسامحني، انا تعبانة قوي وعايزة استريح.. افتكرني وادعيلي.. أختك.. رقية" اخفض رائف كفه التي كانت تحمل الخطاب، متطلعا نحو الفراغ قبالته. لا يعرف ما الذي يتوجب عليه فعله. لا ينكر أنه شعر بالوجع ما أن اكتشف أن نوارة من الهوارية، لكنه ما لبث أن طغت مشاعره تجاهها على حنقه، محاولا التفكير بعقلانية. فما ذنب نوارة في خطأ ارتكبه أحد أبناء عمومتها، لتحمل هي وزره!
لكن أمه وجدها كان لهما رأي أخر. ويوم أن فكر في المعارضة وإثبات وجهة نظره، كان سقوط جده بنوبة قلبية كادت أن تودي به، ما دفعه ليكتم رغبته، ويئد عشقها بصدره، لعله يعود لإقناعهم من جديد، بعد أن تهدأ الأمور.
لابد وأنها من وضع الخطاب بجيبه. ذاك الخطاب الذي كان يودي بحياتهما معا والذي على ما يبدو كان بحقيبتها التي قاتلت النيران بحثا عنها، لا رغبة في الحقيبة ذاتها، ولكن في إنقاذ دليل براءة عائلتها، والذي بالتأكيد وجدته في نسخة الرواية التي أعطاها لها، دافعا بها رسالته مهرولا ليعطيها نوارة، دون أن يتصفحها، فقد كان لديه عدة نسخ من الرواية نفسها، موزعة هنا وهناك بالمكتبة.
طرقت سميحة الباب ودخلت، لتجده على حاله العجيبة تلك من الشرود. هتفت به في قلق: "رائف أنت بخير؟! رفع في آلية الخطاب، والذي تناولته منه في تردد، لتبدأ في القراءة، ودمع عينيها يسيل أنهارا. *** فتح حازم باب حجرة منتصر، ودلف إليها برفقة بدور. كان منتصر نائما ما دفع حازم ليؤكد عليها: "خليكي هنا وأنا هروح اشوف الدكتور."
وكأن بإمكانها أن تبرح موضعها مبتعدة عنه، فلقد عادت إليها روحها وهي تراه حيا يرزق أمامها. تألق الدمع بعينيها وهي تتطلع نحو جسده المسجى، وبعض الشاش والضمادات تملأه من هنا وهناك، من قمة رأسه المعصوبة، حتى أخمص قدميه المرفوعة عن الفراش قليلا.
تقدمت نحوه بقلب وجل، كل خلية من خلاياها ترتعش اضطرابا. وما أن أصبحت ملامسة لطرف فراشه، حتى غابت متطلعة لملامح وجهه الرجولية الآسرة، الموشومة على جدار روحها، والتي رغم شحوبها لم تفقد ولو جزء بسيط من خشونتها. بلا وعي مدت كفها لتضعها على كتفه الصلب في وداعة، هامسة لا تعرف لهمسها سببا إلا أن ذاك مدعاة للراحة: "كنت عارفة إنك راجل، ولا يمكن تكون خاين، ولو كان جرالك حاجة، مكنتش هسامح نفسي أبدا، ده يمكن كنت رحت وراك فيها.."
تحركت رأس منتصر في هوادة، ليميل بخده على ظاهر كفها التي تصلبت على كتفه، هامسا دون أن يفتح ناظريه: "تروحي فين! ده محدش كان مشعلقني بالدنيا إلا أنت." وفتح ناظريه متطلعا نحوها في عشق: "كنت بموت وأنا مش طايلك، وقاومت الموت، متعلق بحبال الأمل، يمكن أقدر فيوم أنولك. لا عرفت اعيش معاك، ولا سيباني أموت واخلص. اعمل فيك إيه يا بنت سيادة العميد؟!
شهقت بدور باكية، لا قدرة لها على الرد على كلماته إلا بالدموع السخينة المسربلة بالعشق، والمعترفة رغم عن أنف الجميع، بذاك الهوى الذي يكبل روحها. طرقات على الباب جعلتها تتنبه مبتعدة، تحاول أن تستعيد ثباتها، تمسح الدموع عن وجهها ليعود طبيعيًا. اندفع وحيد مازحًا قبل أن يتنبه لوجود بدور. "أيوه يا عم يا بتاع بدور، أنا لازم أعرف مين... قطع وحيد مزاحه متحرّجًا، ما أن وعى لوجودها بحيز الغرفة في ذاك الركن القصي، أمام النافذة.
ما أن هم بالقاء التحية حتى هلّ حازم هاتفيًا: "حمد الله بسلامتك يا منتصر، شد حيلك بقى. أنا لسه سائل الدكتور على حالتك، قالي اللي حصل ده معجزة. فخد بالك من نفسك، عايزينك في أقرب وقت على رجليك من تاني، وانت قدها يا بطل." هتف منتصر وقد أشعره كلام حازم ببعض الأمل، وخاصة وقد أيقن اللحظة أنها جاءت بصحبة والدها ليست وحيدة: "ربنا يخليك يا فندم، كله على الله." هتف وحيد مؤكدًا:
"والله يا منتصر سيادة العميد مسبش لحظة من ساعة اللي حصل، ربنا يبارك له." هتف حازم مؤكدًا: "منتصر ابني، حد يتشكر على اهتمامه بابنه. ربنا يتم شفاه على خير، ومش عايزين نطول عليك يا منتصر، استريح." وتطلّع نحو بدور هاتفيًا: "ياللاه بينا يا بدور." هزت بدور رأسها طائعة، وتطلّعت بطرف خفي لمنتصر قبل أن تغادر بصحبة أبيها. ليهتف وحيد في شقاوة: "لا بقى، أنا مش هعتّق من هنا إلا أما أعرف إيه الحكاية يا بتاع بدور أنت."
تطلّع منتصر إليه بنظرة حانقة لذكر اسمها بهذا الشكل، ليستطرد وحيد مؤكدًا: "بقولك إيه! بلاها الدماغ الصعيدي دي، مش هنطق اسمها تاني يا عم. بس قولي إيه الحكاية، ما انت عارف إني بحب الحكايات دي قوي، بتفكرني بقصة عشقي الملتهبة مع باتعة مراتي، واللاموري وكده." أمسك منتصر ضحكاته على أقوال وحيد هامسًا: "على فكرة انت ظابط هايف." أكد وحيد مازحًا:
"إديني فالهايف وأنا أحبك يا فننس. وبعدين مش كفاية قاعد لك دادة، بدل ما يفرجوا عني وأروح أشوف باتعة والواد اللي حامل فيه ده، جايلك يا باتعة." اتسعت ابتسامة منتصر على أفعال وحيد المازحة. *** خبطات مهللة على باب الدار جعلت سماحة تندفع لتفتح في عجالة، ليندفع يونس مهللاً، لا تسعه الفرحة، حتى أنه أمسك بعضدي سماحة يهزها في سعادة بالغة. "براءة يا واد يا سماحة، براءة."
تنبه لفعلته، وكذلك هي التي وقفت متصلبة، ما دفعه ليرفع كفيه عنها، كالملسوع متحرّجًا، لتنكس رأسها خجلًا دون أن تنبس بحرف. اندفعت أمها من الداخل على إثر تهليله، متسائلة: "خير يا ولاد، متفرحونا معاكم؟ استجمع يونس شتات نفسه هاتفيًا: "الحكومة جبضت على قاتل مرتضى نجم اللي كانوا تاهمين فيه سماحة، يعني كده تمام، محدش ليه عندينا حاجة." اتسعت ابتسامة سعيدة مهللة:
"الحمد والشكر لله، ربك ما الغلابة قادر، ربنا يتمم فرحكم على خير يا ولدي." هتف يونس متضرعًا: "يا رب." اندفعت سعيدة عائدة للمطبخ تلحق بما تركته على الموقد قبل احتراقه، ليتطلع يونس نحو سماح مؤكدًا: "كده هجيب أمي تخطبك، ولا حد يجولي سماحة فين ولا بتاع! ده أنا اتهريت أسئلة فالنيابة، كده نتجوز بجى، ولا حد يجولي سماحة فين ولا عفريت أزرق." هتفت سماحة في صدمة: "عفريت أزرق؟ هتف مازحًا: "أقصد عسل أبيض وشهد مكرر." ابتسمت،
لتزداد وتيرة مزاحه: "هو أني صحيح هبجى أول واحد أتجوز واحد صاحبه، وسوابج كمان." تطلّعت إليه عاقدة حاجبيها حنقًا، لترتفع قهقهاته مؤكدًا: "بس على قلبي كيف العسل." اتسعت ابتسامتها حتى أشرق وجهها بجمال فطري خلب لبه، فتطلّع إليها كالأبله، وما أن تنبهت بنظراته الشاردة فيها، حتى اندفعت مبتعدة في خجل، ليصرخ يونس مازحًا: "أنت فين ياااامااا، تعالي جوزيني، سوابج سوابج، بس أتجوززز."
اندفع للخارج، ومنه لأعلى، لترتفع قهقهاتها على أفعاله. *** هتف عاصم الجد يستدعي عاصم حفيده ما أن رآه في سبيله للخروج من باب السراي: "يا عاصم، إيه واخد فوشك ورايح على فين يا عريس! توقف عاصم عائدًا لموضع جلوس جده المفضل، مقبلاً هامته، هاتفيًا: "رايح أشوف آخر التجهيزات، عشان الفرح يا جدي." هتف عاصم الجد في سعادة: "ربنا يتمم فرحتك على خير يا رب، بس بجولك! مش هتروح للحلاج! تسأل عاصم الحفيد: "عايز الحلاج!
نبعتوا نجيبوه لحد عندك يا جدي." هتف عاصم الجد مازحًا: "واه أما أنت تلم صحيح!! أني بتحجج بك يا عريس وشبطان فيك، عشان أخرج أشوف الدنيا، بجالي زمن مخرتش بره السرايا، ربنا ما يوريك جعدتي يا حبيبي." ربت عاصم الحفيد على ظاهر كف جده، الذي استطرد متنهدًا: "زمان كنت واخد النجف بطوله وعرضه، برمّح على فرسي أو ع الكارتة، دلوجت مبجاش، فخدني بالعربية معاك." هتف عاصم الحفيد متعاطفًا:
"يا سلام، ده أني أشيلك على كتافي وألف بك الدنيا كلها يا جدي." هتف عاصم الجد مازحًا: "لاه يا عم، بلاها شيل وحط، وفر عافيتك للعروسة يا خوي." قهقه عاصم الحفيد لأقوال جده، هاتفيًا به: "هجيب لك العباية من جوه يا جدي، ونروحوا على طول." هز عاصم الجد رأسه موافقًا، وهو يتطلع أمامه لأرضه التي اشتاق لها كثيرًا.
لحظات وعاد عاصم، يدثر جده بعباءته، واندفع محضّرًا العربة حتى الدرج الخارجي للسراي، مسندًا جده حتى صعد للعربة، مستديرًا يجلس خلف مقود العربة. "هبدأ عاصم في التقاط أنفاس أرضه، عبء بها صدري." ما أن اندفع عاصم الحفيد لخارج أسوار السراي، مستعيدًا كل ذكرى مضت، كانت له على هذه الأرض. ***
كانت تقف في انتظار وصول عبدالباسط ليقلها من أمام الجامعة، لكن الشمس تشتد ولا رد له على هاتفها، ما دفعها لتزفر في ضيق، وقد قررت الاندفاع حتى تلحق بأي وسيلة مواصلات قد تقلها بالقرب من نجع الصالح. تنهدت فما كان عليها النزول للجامعة من الأساس، فقد كانت تحضيرات فرح عاصم وزهرة على أشدها، وكان عليها المشاركة فيها، لكن رغبتها في رؤيته دفعتها لتنزل لتحضر محاضرته والتي بعد كل ما فعلت، اعتذر عنها ولم يحضر ما زاد من حنقها.
همت بالتحرك نحو موقف العربات الأجرة، دافعة بنفسها بين البنات، لتستقل العربة، إلا أن نفير تلك العربة التي وقفت جوارها، جعلتها تتوقف متطلعة نحوها في حنق، وما أن همت بالهتاف معترضة، حتى خرج من النافذة، مشيرًا: "اتفضلي معايا، أنا رايح نجع الصالح أوصلك فطريقي." هتفت سجود مؤكدة: "مبركش مع حد غريب." هتف يوسف متعجبًا: "حد غريب! وهتف مستطردًا في حزم:
"أنا فمقام ابن عمك، يعني أنزل أخدك دلوقتي أدخلك العربية، ويبقى حقي عشان مسبكيش تركبي فالزحمة والقرف ده بين الشباب." اضطربت، فقد كان كلامه في مجمله صحيحًا، لذا دفع الباب من ناحيتها لينفرج، فركبت في هدوء، غير معقبة بحرف.
استشعر أنه زاد من حد حنقه، لكن كلمتها التي وصفته بها بالغريب، أثارت شياطينه، فهو ليس بغريب، وقد أشار لها في آخر لقاء بينهما، أن لديه رغبة في التقدم لخطبتها. حاول تلطيف الأجواء، فمد كفه ليبدأ نغم فرنسي حالم يتهادى بالعربة، استشعر معه استرخاءها، ليهتف متسائلاً في نبرة لطيفة: "عاملة إيه في المذاكرة؟ هزت رأسها مؤكدة: "تمام." همس في نبرة مشاكسة: "مش عايزة مساعدة، أنا بعرف فرنساوي على قدي، بس أقدر أساعد برضو."
ابتسمت في هدوء، وهمست متسائلة: "هو أنت إيه اللي خلاك تسيب فرنسا وتيجي على مصر؟ همس في محبة: "عشان أقابلك." اضطربت في مجلسها، ليستطرد مفسرًا: "فعلاً مكنش وارد أنزل مصر خالص، وكنت مش برضى أنزل حتى مع المرات القليلة اللي كان بابا وماما بينزلوا مكنتش باجي معاهم، كنت ملزوق هناك بغرا، الدراسة والحياة السريعة وديچا." انتفضت متطلعة نحوه في تعجب، وبنبرة لا تخفي بعض من غيرة خفية: "ديچا مين؟ ابتسم مؤكدًا:
"ديچا دي يا ستي، كانت زي ما بتقولوا هنا فمصر، أقرب ما تكون لخطيبة، رغم أنها مكنتش خطوبة رسمية، بس الوضع هناك مختلف عن هنا شوية، أنتِ فهماني! هزت رأسها والحنق ظهر من عينيها جليًا، ووجدت نفسها تهتف في لامبالاة تدعيها: "مش عايزة أفهم، ولا فارق أعرف عنها حاجة." هتف يوسف مبتسمًا في هدوء وهو يعدل من وضع منظاره أمام ناظريه:
"أنتِ سألني، وأنا بجاوب، وقلت لك يمكن ربنا عمل كده، وخلى بابا وماما يفكروا فالمؤامرة دي عليا، ويقنعوني أن في ناس عايزين يضرّوهم بسبب أبحاثهم وعليه، لازم أبعد عن فرنسا خالص وأنزل مصر، وطبعًا صدقت ونزلت بعد ضغط رهيب عليا، مكنش طايق نفسي وأنا حاسس إني اتحذفت على هنا." قاطعته متعجبة: "اتحذفت! أيوه طبعًا ما انت بعدت عن الست ديچا! قهقه رغما عنه، هاتفيًا في تأكيد:
"أكيد طبعًا ده كان فالأول، لحد ما اتأكدت إن ده كان أفضل قرار خدته، إني أفضل هنا فمصر، وإن ماما وبابا كان عندهم كل الحق فإنهم يحدفوني على هنا، وكانت أجمل حدفة." اضطربت في خجل وقد أصبحوا على مشارف سراي الهواري، لتهبط في سرعة، ليهتف بها: "مبروك للبشمهندس عاصم، وبإذن الله هحضر الفرح." هزت رأسها وأسرعت تدخل السراي يتبعها بنظرات عينيه في سعادة. *** غابا فترة من الوقت، لم يرغب عاصم في العودة للسراي حتى اكتفى جده أمرًا:
"بكفايانا كده يا عاصم، نرجعوا بجى." هز عاصم الحفيد رأسه طائعًا، واستدار عائدًا للسراي. وهو في طريقه، وقعت عين جدي عاصم على أسوار دار جعفر أبو منصور، وجذب ناظره منظراً ما، هتف على أثره في عاصم: "وجف يا عاصم." تنبه عاصم قلقًا نحو جده، الذي فتح باب العربة وترجل منها في بطء، ما دفع عاصم لترك المقود، والاندفاع لمساعدته على الترجل من السيارة، لا علم له بما يحدث، وأين يمكن لجده الذهاب!
أشار عاصم الجد نحو دار أبو منصور، وبدأ في السير في اتجاه الباب، الذي كان متفرجًا على مصرعيه. تنبه عاصم الحفيد، لوجهة جده، فهتف ينبهه: "جدي، أنت رايح على فين، دي... أكد عاصم الجد في حزم: "عارف، جدي لسه بعجلة مخرفش."
صمت عاصم ولم يعقب بحرف، وكل ما استطاع فعله، هو إسناد جده حتى تخطى أعتاب الدار، وعرج نحو مجلسها الذي كانت تتخذه هناك. توقف للحظة، مؤكدًا على عاصم حفيده أن يتركه، والذي ما أن هم بتتبع خطواته، حتى استوقفه عاصم الجد، بإشارة صارمة من كفه.
اتجه إليها في خطى ثابتة رغم ضعفها، وما أن توقف قبالتها، حتى تطلعت وجيدة التي كانت تجلس على كرسيها المدولب، تحت أشعة الشمس، وحيدة بعد أن أطعمتها آية، وتركتها لإحضار شالها من الداخل، الاطمئنان على حال مروان كذلك. جلس عاصم على المقعد المقابل لها، مستندًا بذقنه على مجمع كفيه القابض على رأس عصاه الأبنوسية، هامسًا في تعاطف: "والله زمان يا وجيدة. كيفك؟ تطلعت وجيدة نحوه لبرهة، قبل أن يهتف متسائلًا: "فكراني؟
والله الزمن عمل عمايله معايا ومعاك! جالت بنظرها في ملامحه، وهزت رأسها مؤكدة أنها تذكره. ابتسم عاصم هازًا رأسه بدوره، مؤكدًا: "زمان وولى يا وجيدة، بس لساك كيف ما كنت. متغيرتيش." ابتسمت في هدوء لمجاملته المفضوحة، ليستطرد مؤكدًا: "حتى شوفيه دماغك لساتها كيف ما هي." تطلعت إليه في نظرة حانقة، ليؤكد هاتفا: "ليه يا وجيدة؟ ليه العند وتصليبة الدماغ؟ عيالك زي الفل. أن كانت آية الله أكبر عليها، ولا منتصر."
حطت رأسها في خزي، ليهتف عاصم مؤكدًا، وهو يشعر بالحنق من رجال عائلة أبو منصور: "حتى مكلفوش خاطرهم، يبيضوا توب ولدهم! تطلعت إليه وجيدة متعجبة، ليهتف عاصم مؤكدًا: "منتصر راجل وسيد الرجالة. منتصر عمل اللي محدش جدر يعمله. هو فالمستشفى دلوجت، بس بجي أحسن. لكن لا هو خاين ولا الكلام الفاضي اللي سمعتيه وخلاك فحالتك دي." تطلعت إليه وجيدة دامعة العينين، لا تصدق ما يدعه، ناطقة في صعوبة اسم حفيدها الغالي: "منتصر... ليؤكد عاصم:
"أيوة. عرفتي تربي راجل على حج، وعروسة زي الفل. كسبتيهم يا وجيدة من يد الزمن، متخسريهمش. دول هم زاد عمرك اللي جاي، ومضيعيش عليهم أيامهم، وتحرميهم من زاد عمرهم وزواد رحلتهم. راضي جلوبهم بحبايبهم يا وجيدة، كيف ما ربنا راضي كل واحد فينا بشج روحه." وتنهد مستطردًا، ودمعها يسيل على خديها:
"عارف إنك كنت مكتوبالي، وأني مكتوب لك. كلام واتفاجأت حريم، بين أمي وأمك. لكن الدنيا خدت كل واحد لسكة تانية. أني اتجوزت زهرة، وأنت ربنا رزقك بمسعد أبو منصور، راجل ولا كل الرجالة، وأني متأكد إنك كنت ريداه. ليه بجى الحمجة الكدابة، وكرهك للهوارية على كلام عدي وولى من زمن؟ مبجاش فاكره غير صحابه. انتهينا يا وجيدة وزمانا ولى. زمن عيالنا هو اللي جاي. بلاش نضيع عليهم فرحة عمرهم."
وتنهد من جديد، وهو ينهض في هوادة، مبتعدًا عن مجلسها، تاركًا إياها سائرًا في اتجاه حفيده، الذي عاجله مندفعًا نحوه، يسنده في طريق العودة للسيارة، هامسًا في مزاح، بعد أن أدار محرك العربة، متجهًا للسراي: "تدفع كام ومجلش لستي زهرة ع الجعدة اللي فاتت دي؟ تطلع عاصم الجد نحوه هاتفا في مزاح: "هدفع بالتي هي أحسن. هو أني أجدر على زعل ستك زهرة." قهقه عاصم الحفيد، ليؤكد عاصم الجد مازحا: "الجبن سيد الأخلاق، مش بيجولوا كده برضك!
لترتفع قهقهات عاصم الحفيد، وهو يصف السيارة بموضعها مسندًا جده في اتجاه مجلسه المعتاد. دخل مهران على عاصم الجد، وهو يغلق هاتفه الذي كان يتحدث فيه لتوه، وجلس بجانبه سائلا النصيحة: "بجولك يا حاچ، في چماعة اتصلوا بيا طالبين ياچوا في موضوع نسب." هتف عاصم متسائلا بدوره: "مين دول؟ أجاب مهران: "دول من عيلة السليماني، النجع اللي كانت شغالة فيه نوارة. الظاهر كده طالبين معاد عشان ياچوا يخطبوها." هتف عاصم في سعادة:
"جولتلي من السليمانية؟ يبجى الحاج عبدالسلام السليماني وولده عابد الله يرحمه. دول ناس مأصلين." أكد مهران في سعادة: "اهو ولد عابد، الدكتور رائف هو اللي كلمني، وعايز ياچي. هو مجالش عايز إيه، بس حسيت كده إنه موضوع نسب. أنا بفكر اعتذر له عشان اللخمة اللي إحنا فيها بسبب تچهيز فرح زهرة وعاصم. إيه جولك؟ هتف عاصم معترضا: "معلوم ياچي. برضك ده كلام. ناجلوا الفرح، ياچوا ونخلوا الفرحة فرحتين."
ابتسم مهران رابتا على ظاهر كف والده في امتنان، ليبتسم عاصم في سعادة، رابتا على أكتاف ولده في سرور: "ألف مبروك يا مهران. عجبال ما تچوز عيال عيالهم." هتف مهران في ابتسامة واسعة: "في حياتك يا حاچ عاصم." اندفعت تسنيم لداخل غرفة الفتيات، باحثة عن نوارة التي ما أن ابصرتها، حتى هتفت بها في سعادة: "يا نوارة، چالك عريس يا دكتورة!! انتفضت نوارة موضعها، ولم تعقب، بينما هتف سجود في فضول: "مين يا ماما؟ مين؟! أكدت تسنيم في سعادة:
"الدكتور رائف السليماني. لسه مكلم أبوك، وعايز ياچي. هو مجلش ليه، بس كان واضح إنه موضوع نسب." هتفت زهرة في سعادة: "ألف مبروك يا نوارة." تطلعت نوارة نحوهم في تيه، ولم ترد بحرف واحد، فقد كان ذكر اسم رائف أمام نوارة، يحتاج المزيد والمزيد من ضبط النفس، حتى لا تظهر تأثرها بفعلته التي تعترف أنها أثارت تعجبها. إنه ما يزال مريضا، حتى أنه لم يخلع الجبيرة عن ذراعه، فكيف سيأتي إلى هنا؟
اندفعت خارج الغرفة، مع دهشة سجود وأمها، التي تطلعت بنظرة متعجبة خلفها وهي تهرول مبتعدة. دقت على هاتفه، في انتظار رده، رد بنبرة مرحة: "ألوو. التليفون نور يا دكتورة." هتفت دون سلام، على الرغم من اعترافها أنها اشتاقت صوته بشدة: "حضرتك كلمت بابا ليه؟ هتف رائف مشاغبا: "هو البنات بيكلموا أبوهم ليه؟ هتفت في صرامة: "يا دكتور لو سمحت، عايزة إجابة واضحة عن سؤالي، مش سؤال رد على سؤال." أكد رائف ولم تغادره نبرته المرحة:
"حاضر يا فندم. إجابة مباشرة وصريحة وواضحة، عشان المكالمة دي كانت المفروض تحصل من بدري واتأخرت قوي." هتفت نوارة بصوت متحشرج: "وايه اللي اتغير يا دكتورة من ساعتها للنهاردة خلاك تغير رأيك؟ أكد رائف متأكدا أنها تثأر لكبريائها، لم تكن نوارة إن لم تفعل: "بالنسبة لي متغيرش حاجة. جلبي زي ما هو، ونوارة بنفس الغلاوة، وأنا جاي اطلب أيدها." استجمعت شتاتها، هاتفة في عناد: "وانا مش هوافق." أمسك ضحكاته على عنادها الطفولي:
"وماله. يكفيني شرف المحاولة، لحد ما ننول الرضا." هتفت نوارة وقد بدأت تلين: "متجيش يا دكتور أحسن." أكد رائف مبتسما: "هاچي يا دكتورة." هتفت نوارة متصنعة الحنق: "طب سلام، سلام. واعمل اللي يريحك." اغلق رائف الهاتف، وانفجر ضاحكا على أفعالها الصبيانية، التي لا تؤكد إلا شيء واحد فقط، أنها في انتظاره وبشدة رغم كل ما تدعيه.
أما هي فقد ضبطت نفسها متلبسة بابتسامة منشرحة مرسومة على محياها ما استطاعت اخفائها مهما حاولت، فقد كانت ابتسامة تكلل ثغر الروح.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!