تنحنح بصوت أجش قبل أن يدخل عندما سمحت له مرحبة. فرغم رفقة كلبه الهادئة إلا أنها كانت تخافه. دخل مباشرة إلى الحمام وغاب لحظة، ثم عاد متجها نحوها لتدرك أنه حتى لم يغير بنطاله الذي كان ما يزل أثر البلل ظاهرا عليه. مد كفه أمرا: يا الله ع الحمام، الحمد لله أن السخان رغم أن مفيش كهرباء بس لسه محتفظ بشوية مياه سخنة. غيري هدومك، أنا جبت لك هدوم نضيفة.
حاولت النهوض متحاملة على قدمها المصابة، خطوة والثانية، ولم تستطع أن تعقبها بالثالثة. ما دفعه ليقدم ذراعه لتستند عليها وهمست متسائلة: أنتِ ليه بتعملي معايا كل ده؟ هتف في لهجة باردة ووجه يحمل قسمات صلبة: عشان أنتِ ضيفة عندنا، وإحنا بنكرموا ضيوفنا يا دكتورة. وصلت لباب الحمام وتحاملت على نفسها حتى دخلت وأغلقت الباب، وذاك الكشاف الذي وضعه بداخله قد أضاء جوانبه ما جعل أمر بقاءها به محتمل.
دقائق وخرجت وقد أصبحت أفضل حالاً، وخاصة بعدما استشعرت الدفء يسري بأوصالها بعد حمام الماء الساخن والملابس الجافة النظيفة التي تحمل عبقاً عجيباً. تحاملت قليلاً متخذة الجدران سندا حتى استطاعت الوصول لموضع جلوسه أمام الركوة بصحبة كلبه.
جلست وعلى الرغم من إدراكه لحضورها إلا أنه لم يرفع ناظريه إلى موضعها وكأنما يتحاشى النظر إليها. كان هناك أمر ما غريب تدور رائحته بالمحيط حولهما. لقد رحل عنها بوجه، وعاد من البيت بالملابس والكشاف بوجه آخر مغايراً تماماً. هتفت تسأله: هي الدكتورة سميحة فين؟ أكد في هدوء محاولاً جذب ناظريه بعيداً عن محياها: نايمة، واخدة حباية منومة ونايمة من حوالي ساعتين. هتفت متعجبة: الهدوم دي بتاعتها، مش كده؟
لم يرد على سؤالها بل دفع لها بكوب من شراب دافئ كان يحضره على الركوة أثناء تواجدها بالحمام لأن الموقد الكهربائي بالمطبخ لم يكن صالحاً للاستخدام. هتف في هدوء مصطنع ورغم اضطرابه الذي كان يحاول جاهداً إخفائه بمهارة شديدة والذي استشعرته بحدس أدهشها: اعتبريها بتاعتها. هم بالنهوض ليزيد من فحم الركوة، فسقطت عيونه عليها وهي ترتدي هذه الملابس، ليدرك أنه ما عاد يحتمل البقاء هاهنا، وأنه يشعر باختناق عجيب.
فاندفع في اتجاه الباب مغادراً وهتف وهو على أعتاب الاستراحة: أنا بره يا دكتورة لو عاوزة حاجة. خرج صافقاً الباب خلفه في عنف، كأنها تتعقبه وهو يحاول الهرب منها. أغضبها الخاطر المزعج وآثار حنقها، لكنها تحاملت قدر استطاعتها وهي تدخل لحجرة النوم وتغلق عليها بابها حاملة ذاك المرهم والرباط الضاغط اللذان أحضرهما معه لتعالج بهما قدمها الملتوية.
جلست على الفراش تدهن المرهم وتلف الرباط الضاغط على موضع الإصابة وأخيراً تناولت حبة المسكن التي تملك بحقيبتها وتمددت تفكر في هذا الرجل العجيب الذي تستشعر بحدسها أنه يخفي سراً عظيماً. *** رفع الغطاء الصوفي عن قدمه لتصل إشاعة الشمس الشتوية الدافئة إلى عظامه الواهنة. شاركته زهرة المجلس وهي تضع أمامه صينية الشاي وبعض قطع من كيك "الرواني". ربت على كفها المحاذية لكفه وساد صمت ناعم بينهما.
تطلع إليها عندما وجدها تضع كفها على موضع قلبها فهتف متسائلاً: إيه في؟ تعبانة ولا إيه؟ هتفت تطمئنه: لا متقلقش، دي نغزة خفيفة كده، وراحت لحالها. تلاقيني منمتش كويس إمبارح. هتف متطلعاً نحوها: تلاقي شايلة الهم زي عادتك. ابتسمت له ليستطرد متطلعاً
إليها في محبة: فاكرة لما دخلت عليك فمرة لقيتك بتبكي، عشان حال مهران. وأها، بفضل الله مهران حاله زي الفل. وبعدها على حال ماجد واللي جراله. وأها كمان ماجد تمام وهو ومرته كيف القطة والفار. ابتسمت لتشبيهه ليستطرد مكملاً: وسندس يا عاصم، والبت يا عاصم. وأها، جالها ولد عمتها المجنون، وخدها وخلفوا شوية مجانين، وراثة من سهام اختي ربنا يديها الصحة وتجننهم كمان وكمان.
قهقهت زهرة على أقواله، ليستطرد معاتباً: دلوقت شايلة هم مين واجع جلبك غيري يا جميلة؟ ابتسمت متنهدة: طب بزمتك، حال عاصم عاجبك؟ تنهد بدوره وهو يتطلع لحفيدتهما زهرة التي ظهرت بمجال رؤيتهما ملوحة لهما من بعيد وهي في طريقها لغرفة القراءة وهتف متحسراً: يا عيني عليك يا ولدي، جَلبه مكسور يا زهرة. أنا واعيلة، بيموت من جواه ولا يبين. بس إيه اللي بأيدينا، القلوب وما تريد، وكله نصيب ومتقسم.
هتفت زهرة متحسرة: صدقت يا عاصم، ربنا يريح باله، ويجبر بخاطره ببنت الحلال. همس عاصم: يسمع منك ربنا. مدت زهرة طبق الحلوى لعاصم ليتناول قطعة هاتفا: هاتي، أهو نحلي مرار العلقم اللي في حلقنا على القلوب اللي كاويها العشق. وكله فاكر نفسه حويط ومداري. هتفت به زهرة: اديك أنت اللي شايل الهم أهو! أكد عاصم وهو يلوك قطعة من الحلوى: طب نعمل إيه بس!
والله لو كان بيدي لأجوزهم واللي يحصل يحصل، بس لا هي هتهون عليا ولا هو هيرضاها على نفسه. هتفت زهرة: كله بالرضا يا عاصم، مبقاش الغصب ينفع اليومين دول. أيامهم غير أيامنا. تطلع عاصم نحوها هامساً في مشاكسة: بس كان أحلى غصب في الدنيا، تنكري! قهقهت مؤكدة: هنكر بعد إيه بس! بعد ٣ عيال و٨ أحفاد، ده أنا أبقى ضلالية.
تعالت ضحكات عاصم وشاركته إياها في محبة، غير مدركين أن صاحب حديثهما يقف في لوعة متطلعاً من نافذة حجرته المشرعة إلى حيث مجلسها المعتاد وكأنه طقس لتعذيب الذات. طالت وقفته لكنه ترك موضعه خلف النافذة وجلس على حاسوبه وبدأ ينقر على أزراره في قوة: "قلبي، ذاك الجرح النابض الحي بين حنايا صدري والذي إذا طاب وسكن.. مات". شيخ العاشقين.
أغلق الحاسوب متنهداً، ربما تهدئ تلك الكلمات التي يطرحها من جوفه بعض من تلك النيران المستعرة بين جنبات روحه. *** خرجت سجود من الحمام الخاص بالغرفة هاتفة بنوارة التي كانت تعدل من فراشها قبل أن تدخله: إيه الهدوم الغريبة اللي أنتِ غاسلاها في الحمام دي يا نوارة! دي مش هدومك! جبتيها منين وليه بتغسليها أصلاً! تنهدت نوارة وهي تدخل تحت الغطاء الوثير هاتفة: دي مش هدومي فعلاً، ولازم أرجعها مغسولة بعد ما لبستها.
هتفت سجود في فضول: طب مقلتيش هدوم مين! وإيه اللي خلاكي تلبسيها! تذكرت نوارة ما حدث معها البارحة واستشعرت دفئاً عجيباً يسري بأوصالها ما أن تذكرت كيف كانت محمولة بين ذراعيه رغم بللها والصقيع الذي كان ينخر عظامها. وكيف دثرها واهتم بكل كبيرة وصغيرة حتى التواء كاحلها. رغم غرابة هذا الرجل، إلا أن بعض من إنسانية تختبئ خلف هذا المظهر المتعجرف والصوت الآمر والوجه العبوس.
هتفت بها سجود ربما للمرة الثالثة لتوقظها من خواطرها. تنبهت نوارة أخيراً لتهتف بها سجود في تخابث طفولي: لا الموضوع فيه إن ولازم أعرفها. هتفت نوارة وهي تجذب الغطاء عليها جيداً مستمدة الدفء: لا إن ولا أخواتها، مفيش موضوع من أساسه. كل الحكاية إني وقعت في الطين، ودي هدوم من الدكتورة سميحة بدل هدومي اللي اتبهدلت مش أكتر. أي سؤال تاني يا غلباوية! تعجبت سجود هاتفة: بس دي هدوم شبابي شوية ع دكتورة سميحة دي!!
أنتِ مش قلتيلي فمرة أنها تقريباً في الخمسينات. تنبهت نوارة لهذه النقطة، كيف لم تفطن لذلك؟ حتى رائحة العطر التي كانت تفوح من الملابس، مختلفة عن ذلك الذي تستخدمه الدكتورة سميحة فعلاً. لم ترد نوارة على تساؤلاتها بينما شعرت سجود بالإحباط، فقد اعتقدت أن فالأمر حكاية عاطفية تشبع نهمها لحكايات القلوب العاشقة. لكن كيف لهذا أن يأتي من جانب هذه الجزارة عديمة المشاعر!
هكذا نعتتها سجود كالعادة وهي ترحل مبتعدة عنها عائدة لفراشها. وفتحت إحدى أغانيها العاطفية تردد معها في انسجام تام، تاركة نوارة تدعي الخلود للنوم لكن عقلها ما يزال واعياً تماماً، يعيد كل لحظاتهما معاً. منذ أن هل عليها بعد انقطاع التيار الكهربائي بلحظات، حتى رحلت صباحاً مبتعدة بعد أن وصلها عبد الباسط بالسيارة أخيراً عند فتح الطريق بعد ذاك الحادث المؤسف ليلاً. كان جالساً على صخرة ضخمة جوار باب الاستراحة وقد راح في سبات
عميق مسنداً رأسه على حائط وقد بات ليلته هنا بالقرب منها حتى لا تشعر بالذعر. لكنه نهض راحلاً عند بزوغ الفجر. رأته من شباك حجرة نومها عندما قلقت فجراً، لتجده على هذه الحال. بعدها بدقائق شاهدته ينهض راحلاً قبل أن يعرف أحدهم أين بات ليلته. أغمضت عينيها، وراحت مع كلمات الأغنية الحالمة، ليسبقها محياه لأحلامها، عنوة.
*** همست سعيدة التي كانت تتمدد على مرتبتها الموضوعة أرضاً بأحد أركان تلك الحجرة الوحيدة التي تجمعها وبناتها مستفسرة: البيه حسه حلو جوي يا سماحة. كان يونس يشدو في أريحية وهو يتطلع لتمام القمر بدراً بسطح البيت مترنماً: عنيكي تحت الجمر.. كيف الكلام والخوف. فيهم كلام للجدر.. مداري مش مكشوف. بودي أزرع شجرة.. شجرة حنان وضل. ترخى عليكي يا سمرة.. وتلم شمل الكل.
همس سماحة متنهداً: إيوه ياما.. عاشق وبيحلا له سهر الليل بيفكر في اللي ناسيه. همست سعيدة مهمهمة: عاشق! طيب.. ربنا يجرب بعيده. همس سماحة متمهداً: رفضته ياما.. طلبها وجالتله لأ، وراح هربان على هنا. همست سعيدة: ومين يقدر يهرب من جَلبه!! هيروح فين ووجعه مرافجه يا ولداه. تنهد سماحة: نامي ياما.. ربنا يريح جَلبه وجلوبنا. همست سعادة متخابثة: وأنت جلبك ماله يا سماحة! تنهد سماحة مؤكداً: جَلبي!
جَلبي مدفون ياما تحت هم كيف الجبل ما بيتزحزح. عرفتي جَلبي ماله ياما! تنهدت سعيدة في حسرة: ربنا يعين ويساعد. نام يا سماحة.. نام. أدارت سعيدة ظهرها لسماحة الذي ظل متمدداً على ظهره يتطلع لسقف حجرتهم المعرش بأعواد الخشب الصلبة يتناهى لمسامعه شدو يونس الذي ما زال يترنم وحيداً على سطح الدار. *** الرفاق حائرون.. يفكرون.. يتساءلون في جنون. حبيبتي أنا! من تكون حبيبتي! من تكون حبيبتي! حبيبتي أنا!
هتف بالأغنية الشهيرة أحد الضباط من أصدقاء منتصر متهكماً عليه محاولاً مناكفته. وبدور تمر بالبوابة مصادفة مع إحدى صديقاتها، التي ابتسمت لذاك الضابط في خجل ابتسامة على استحياء. تنبهت بدور لتلك الابتسامات المتبادلة فهمست لصاحبتها: هو فيه إيه! أنتِ تعرفي الظابط ده! هزت الفتاة رأسها إيجاباً هامسة في وله: آه.. بنحب بعض وهايجي يخطبني أول ما أخلص الترم ده. هتفت بدور مشاكسة: والأغنية اللي اطربنا بها دي ليكي!
متخليهوش يغني تاني وحياتك. قهقهت كلتاهما لتنفى الفتاة مؤكدة: لا مش ليا.. ده بيغيظ صاحبه اللي جنبه. تنبهت بدور.. فقد كان منتصر هو صديقه الذي يرافقه والذي تعمدت تجاهل وقوفه بالبوابة من أساسه كأنها لا تعرفه. وهتفت في فضول قاتل: ليه؟ هو صاحبه بيحب واحدة ومداري عليهم ولا إيه؟ أكدت الفتاة: محدش عارف.. بس اللي حصل يوم المظاهرة بيقول كده. هتفت بدور في صدمة: ايه اللي حصل يوم المظاهرة؟
هتفت الفتاة في حماسة: بيقولوا أن الظابط ده اختفى في عز المظاهرة من بين القوات.. ولما سألوا عرفوا إنه خرج بعرببته وساب المظاهرة عشان يلحق بنت كانت معاه فالعربية.. البنت دي محدش عرف هي مين.. بس الكل من ساعتها بيقول إنها حبيبته اللي محدش يعرف عنها حاجة ولا هو لمح حتى إنه بيحبها. صمتت بدور ولم تعقب لتستطرد الفتاة في حسرة: اتصوري كان رئيس الحرس هيديله جزا على عملته دي. شهقت بدور لكنها تداركت
الأمر هاتفة في تعاطف: ليه بس حرام. أكدت الفتاة: يا بنتي بقولك ساب مكانة بين قوات الأمن في عز المعمعة.. بس ربنا ستر.. لولا إنه ظابط شاطر ومنضبط مكنش رئيس الحرس عفى عنه واكتفى بلفت نظر خفيف. تنهدت بدور في راحة حاولت ألا تظهرها ما أن علمت أنه لم يضر من جراء أفعالها.
استأذنت من صديقتها لبرهة.. وعادت أدراجها في اتجاه البوابة.. وعلى مقربة تطلعت نحوه في امتنان.. كان يضع على جانب وجهه الأيسر غطاء طبي رفيع على موضع الجرح الطولي الذي سببته أضافرها التي حفرت صفحة وجهه في قسوة.
تنهدت لا تعرف ما عليها فعله.. رن هاتفها من موضع تسترها.. تطلعت لشاشته.. لقد كان نادر.. يبدو أن دكتور المادة قد دخل المحاضرة وهو يستدعيها على وجه السرعة.. ضغطت على زر إلغاء الرد ليدرك أنها في طريقها للمدرج.. تحركت في هوادة لا رغبة لديها للمغادرة.. لكنها أولت ظهرها للبوابة وحارسها الجسور واندفعت تلحق بالمحاضرة.. محاولة ألا تدير ناظريها لموضعه. ******************
انتظرت على أحر من الجمر هدوء الدار من ذهاب وإياب.. وتسللت نحو اسطبل عنتر الذي رفع رأسه عن طعامه مستطلعا من القادم عندما أرهف السمع لخطواتها المقتربة في وجل. ربتت على عنقه ما أن اصبحت بجواره ليهدأ ويعود من جديد ملتهيا بالطعام وهي تمد كفا مرتعشة في اضطراب لتجد الخطاب موضعه المعتاد. أخذته مسرعة نحو الدار.. لكن ما أن خطت قدمها عتبات الدار حتى سمعت هتاف جدتها وجيدة متسائلة في ريبة: كنتِ فين الساعة دي؟
اضطربت لكنها استطاعت إخفاء الخطاب في عجالة بين طيات ثيابها وهتفت في نبرة حاولت أن تبدو طبيعية رغم ارتعاش حروفها: أصل سمعت عنتر يا ستي.. جلت يكون فيه حاجة.. نزلت أشوفه. ابتسمت وجيدة في سعادة رابتة على كتفها في محبة: بتطمني على فرس الغالي! ربنا يرده بالسلامة.. ويجرب البعيد.
غام وجهها في ضيق مكتوم واستأذنت مهرولة تصعد الدرج في عجالة لتصل لحجرتها التي ما أن أغلقت بابها بإحكام خلفها حتى أخرجت خطاب مروان.. لتشهق في صدمة وقد تمزق أحد أطرافه عندما حاولت أن تفتحه.. كانت تعتقد أن تعجلها السبب فراحت تسب نفسها وتلومها في حنق ولم تكن تعي أنه هو من وضع بعض من مادة لاصقة على طرف الخطاب ليتأكد أنها قد قرأته بالفعل.. جلست في تيه لا تعلم ما عليها فعله.. فلم يعد من الممكن أن تعيد الخطاب موضعه كأن شيئا لم يكن.. سيعلم أنها قرأته بعد اكتشافه هذا الجزء الممزق.. وإن لم تضعه سيعلم أنها أخذته.
تنهدت في قلة حيلة.. فما ترك لها خيارا سوى الذهاب لتعلم ما هي تلك الأمانة التي يحتفظ بها.. ولتعيد له خطابه الممزق الطرف والذي بالمناسبة لم يكن يحمل بين طياته إلا كلمتين: "هستناكي مع عنتر".. وكأنه كان على يقين أنها قادمة.. تطلعت للخطاب من جديد.. ورغم كل شيء ابتسمت.. وتنهدت في راحة لم تعلم من أين يكون مصدرها. ***************
طرقت الباب ودخلت إليه تشاركه مجلسه الذي لا يمله على تلك الشرفة التي تطل على البحر.. جلست جواره في هدوء تشعر برغبة في السكينة لا تستشعرها إلا بصحبة جدها زكريا الذي همس متطلعا للجو المحيط: الجو غيم.. والبحر شكله هيجلب.
أومأت فريدة برأسها إيجابا ولم تنبس بحرف.. لا رغبة لها في الحديث من أساسه.. هي تدرك أن أمورها لن تكون كسابق عهدها بعد لقائها بنزار.. هناك شيء ما لا تدرك كنهه.. لكنها تستشعر قرب حدوثه بحدسها.. ما يثير قلقها وتوترها بلا سبب مفهوم. استطرد جدها مؤكدا: البحر كيف الجلب.. مهما اتجلب.. محدش يعرف اللي في جفوه إلا صحابه اللي رموا نفسهم في حضنه. الحبيب هو اللي يعرف إيه اللي في جلب حبيبه من غير ما ينطق.
همست فريدة في نبرة مضطربة: هو صحيح يا جدو اللي بنسمعه عن الحب ده؟ ولا ده كلام روايات؟ تنهد زكريا متبسما وهمس مؤكدا: لاه.. صح يا حبيبة جدك.. المحبة دي سر من أسرار ربك.. لا تجولي ليه.. ولا كيف.. ولا ميتا؟ لو سألتي حد بيحب بجد.. حبيته ليه.. هيجولك معرفش.. أهو لقيت ربنا زارع حبه في قلبي.. كيف!! ولا حد يدري. همست فريدة في وجل: للدرجة دي؟ هز زكريا رأسه مؤكدا وهمس متطلعا للبحر الذي بدأت تقلبات أمواجه في
الظهور معلنة عن بعض غضبه: يوم ما وعيت لستك بدور.. أم خالك حازم الله يرحمها.. حاجة مني اتخطفت ومرجعتش لحد دلوقت.. ولما راحت.. عرفت إنها خدت روحي معاها.. من يومها وزكريا معدش زكريا. همست فريدة في خبث محبب: طب وستي زينة الله يرحمها.. فين من كل ده؟
همس مؤكدا: زينة كانت القلب.. وشريكة عمري كله.. لكن العشق اللي كان لبدور كان حاجة تانية.. حاجة رباني لا لك يد فيها ولا تعرف لها سبب.. عاشجها على كل حال وبكل طريقة.. روحك معلقة لا عارف تفر منها ولا عارف تفارقها.. ولا ناوية هي تفارقك.. كان موتها وجع ربنا ما يدوجه لحد.. هانت عليا الدنيا كلها من بعدها.. ولولا خالك اللي كان لحمة حمرا.. لا كنت عشت ولا صلبت طولي.. ولا بقيت زكريا اللي أنت وعياله دلوقت.
تساءلت فريدة متعجبة: هو فيه راجل بيعرف يحب قوي كده يا جدي؟ قهقه زكريا مؤكدا: الرجالة ملهمش في المعشجة والمواويل دي.. بس لما الراجل بيوجع محدش بيسمي عليه. وتنهد هامسا: عشق الرجالة كيف دموعهم عزيز.. لكن لما الدموع تظهر مبتظهرش إلا لغالي والعشق لما يبان.. عمره ما يكون إلا برضك لغالي.. وساعتها الطريق يا بتي بيبجى روحه بلا راجعة.
هزت فريدة رأسها مبهورة بكلام جدها ذاك الصعيدي الصلب الذي لا يمكن لأحد أن يتوقع أن له قلب عاشق بهذه الروعة. ساد الصمت لبرهة وكلاهما يتطلع لتقلبات البحر الرمادي أمامهما حتى هتف زكريا متنهدا: ياللاه جومي اعمليلي فنجان قهوة من يدك الحلوة دي. نهضت ملبية طلبه في هدوء وما أن همت بالخروج من الغرفة إلا وهتف بها يستوقفها: فريدة! استدارت مستفسرة ليؤكد لها في
لهجة العالم ببواطن الأمور: مش الرجالة بس اللي عشقهم واعر.. الست لما تعشق ممكن تدي الراجل اللي معاها حياتها.. بس المهم.. الراجل ده يكون راجل على حق ربنا.. وإلا.. الخسارة بتبجى كبيرة جوي يا بتي.. والوجع ما بيطيبش. حاولت فريدة ألا تظهر اضطرابها جراء حديث جدها الذي كان على ما يبدو يثبر أغوار نفسها ويجيب على تساؤلات شتى كان تؤرقها منذ زمن بعيد. هزت رأسها مؤمنة على حديثه وقبل أن تمس كفها مقبض
الباب راحلة هتف جدها أمرا: شغلي الست قبل ما تروحي. مدت كفها تضغط زر جهاز تشغيل الأغاني الذي كان على مقربة.. ليصدح صوت ام كلثوم شادية: هو صحيح.. صحيح.. الهوى غلاب..!! معرفش أنا.. تطلعت لزكريا الذي بدأ يتمايل برأسه في سلطنة مترنما مع صوت الست.. تاركا إياها تردد سؤال الأغنية الأكثر حيرة.. هل حقا.. الهوى غلاب؟
أدارت مقبض الباب تفر من حجرة جدها إلى غرفتها يطاردها ذاك السؤال.. وكلام جدها الأخير.. حتى أنها نسيت أمر إعداد قهوته. ************ كان الجميع مجتمع على طاولة الغداء ليهتف عاصم مقررا وهو يتطلع لطبقه يعبث بمحتوياته: أنا مسافر بإذن الله مع واحد صاحبي.. واحد قريبه عنده شركة هندسية هناك ومحتاجين مهندسين حاسبات.
لم يرفع أبوه وأمه عيونهما باتجاه عاصم الجد.. كانا على علم بالأمر فقد استطاع إقناعها بضرورة سفره ورغبته الملحة في التجربة وثقل الخبرة.. لم يقتنعا بالحجج لكنهما أذعنا بأخر الأمر. لكن الاضطراب كان من نصيب كل من ماجد وإيمان.. واللذان تطلعا لبعضهما.. لا يخفى عليهما سبب رغبته في الابتعاد.
أما عاصم الجد فتطلع للجميع ولم ينبس بحرف.. سقطت عيناه على حفيدته زهرة ولم يعقب بحرف وهو يراها على نفس هدوئها وتيهها المعتاد.. لم يكن يدرك أن تلك الهادئة كماء راكد.. استشعرت اضطرابا غريبا لا تعرف كنهه ما أن نطق عاصم برغبته في الرحيل.. مالها ورغباته!! فليرحل كما يحلو له.. إن الأمر لا يعنيها.. عليها الاعتناء بتحضير حفل عقد قرانها والمزمع عقده خلال أسبوع من الآن.. هذا ما عليها الاهتمام به ولا شيء آخر.
حاول عاصم الجد النهوض مغادرا.. لكنه لم يقدر فدفع بكرسيه نحو قاعته المفضلة مغادرا سفرة الطعام.. همت زهرة باللحاق به.. لكن عاصم حفيدها أشار عليها بالبقاء مندفعا في عقب جده لداخل القاعة مغلقا بابها خلفه. هتف عاصم الجد معاتبا: بجي كده يا عاصم! هان عليك تجول أسافر وتفوت جدك؟ اندفع عاصم منحنيا يقبل جبين جده في محاولة لتطييب خاطره: معلش يا جدي.. أنت عارف إن يعز على فراقك.. ده لازما يحصل.. أمر الله. هتف الجد: أمر الله برضك!
ولا أمر دماغك الناشفة.. أنت بتهرب.. وأني متعودتش عليك جبان. هتف عاصم في اضطراب: هرب من إيه بس يا جدي؟ موضوع السفر ده في دماغي من زمن وآن أوانه. ابتسم الجد في تفهم هاتفا في لهجة العالم ببواطن الامور: والله لو رحت أخر الدنيا.. هتهرب من شوفتها لكنها هتكون قصادك مهما عملت. اضطرب عاصم يحاول تحاشي النظر إلى عيني جده التي تشبه عينيه لحد كبير وكأنه ينظر لملامح روحه بمرآة القدر.. وهتف
ما أن استجمع شتات نفسه: أنت بتبالغ جوي يا جدي.. آه أنا كنت عايزها لكن خلاص هي اختارت الأصلح ليها.. وفي الأول والآخر هي بت عمي وربنا يسعدها ويهنيها. همس الجد أمرا: جرب يا عاصم. أمتثل الحفيد في طاعة وانحنى ليكون على نفس مستوى جده الذي يجلس على كرسيه المدولب والذي أخذ يمسح على رأس حفيده في حنو وأخيرا انحدرت كفه ليضعها مفرودة موضع قلب حفيده هامسا في تضرع: يا رب.. يا تحجج لقلبه مناه.. يا تريح القلب العليل من عشجه.
وضع عاصم كفه فوق كف جده وعيناه يلتمع بها دمع شامخ هامسا بصوت متحشرج وهو يبتسم ابتسامة تقطر وجعا: لاااه يا جدي.. بلاها الراحة.. لو قلبي ارتاح.. هيموت.. أنا راضي بقلب عليل بعشقها. تطلع الجد لحفيده وهتف في وجع: واااه يا ولدي. وجذب حفيده مغيبا إياه بين ذراعيه يحاول أن يحمل عنه بعض من تلك المواجع التي أرهقت كاهل روحه. *************** صرخات متعاقبة هزت جنبات الحارة.. صرخات صادرة من قلب مكلوم وروح تصدعت ذعرا للفراق.
صرخات فزع الجميع لها واندفعوا في اتجاه مصدرها لإدراك الحدث الجلل الكائن في بيت سالم الأسطورجي. كان بيت المعلم خميس الأقرب.. وكان نادر هو الأسرع نحو البيت.. فقد كان قادما من الخارج يخطو أول خطوات نحو درج بيت جده في سبيله لشقة أبيه عندما تعالت صرخاتها.
فكان الأسبق عندما أدرك مصدرها. وقف يدفع الباب بكتفه لينفرج في الدفعة الثانية، وصوت نشيجها القوي يصله من الداخل مثيرا بداخله مكامن الرغبة في الاندفاع نحوها. لا لسبب إلا لنجدتها من ذاك الحزن الذي يغلف الصرخات الموجوعة. اندفع لداخل البيت ومنه إلى الحجرة ليجدها منكبة على صدر أبيها الراحل تبكيه في صدمة. توجه نحوها وبلا وعي منه جذبها لتبتعد. لكنها تشبثت بصدر أبيها هاتفة في نبرة تفطر القلب: "معدليش غيره.. بقيلي مين!
سبني معاه." لم يستمع نادر لتوسلاتها، بل جذبها من جديد بعيدًا عنه. وقد بدأ البيت والحجرة في الامتلاء بالجيران الذين لم يتوانوا عن الاندفاع لنجدتها بدورهم. هتفت بنادر الذي كان ما يزال ممسكًا برسغها جاذبًا إياها للخارج حتى يتسنى للجمع المحتشد التصرف. لا يعرف لم. لم يكن يعنيه إلا إبعادها عن الغرفة التي تحمل مصدر الوجيعة.
وصلت نعمة أخته وشيماء أمه ليدفعها لأحضانهما. تلقفوها ودموعهم تشاطرها حزنها وألمها. بكت بين أحضانهما وهو متسمر موضعه يتطلع إليها وهو أشد غرابة من نفسه لا منها. هي تبكي أبيها، هذا طبيعي. لكن هو لم يبكيها ويشاطرها وجعها داخليًا. يتمزق وهو يراها على هذه الحالة ولا يعلم ما عليه فعله لإخراجها من حالتها تلك. يعلم أن ما من شيء بالكون قادر على تعويض وجود أبيها بحياتها. لكن رغم ذلك.. هو يريد لها تعويضًا يليق بهذا الحزن المروع الذي يهز جنبات روحه ويستشعره يزلزلها. ويعلم أنها تعاني أضعافه.
صرخات من أمه وأخته جعلته يتنبه من تيهه وهي تسقط بين أذرعهن. غير قادرات على اللحاق بها. لكنه كان الأسرع والأقدر على اللحاق بها وحملها بين ذراعيه. هاتفًا بنعمة وأمه أمرًا: "أسبقوني وافتحوا باب البيت على وسعه.. دي مش لازم تقعد هنا وسط المعزا والغسل." أطاعت أمه واندفعت تسبقها نعمة في اتجاه بيت جدهما. فتحن الأبواب على مصراعيها. ليصعد حاملاً إياها يضمها بشكل عجيب وبقوة أعجب إلى صدره.
كان جبينها ملتصقًا تمامًا بموضع قلبه الذي كان يخفق بسرعة جنوبية لا علم له بسببها. لكن جبينها ذاك كأنما اتصل بشكل لا شعوري بذاك القلب الغافل
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!