الفصل 29 | من 39 فصل

رواية زاد العمر وزواده الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم رضوى جاويش

المشاهدات
22
كلمة
7,903
وقت القراءة
40 د
التقدم في الرواية 74%
حجم الخط: 18

هبط الدرج في هدوء، وكان الجميع يتطلعون له متعجبين من وجوده بينهم، فقد رحل منذ فترة وجيزة على أساس أنه سيبقى مع أحد أصدقائه، ما الذي حدث ليدفعه للعودة من جديد، هابطًا الدرج على هذه الهيئة المنشرحة، هاتِفًا بعمه بثبات: "أنا بتجدّم لك تاني وأطلب إيد زهرة يا عمي." جَلَتْ إيه!؟ كان عاصم الجد، يتطلع للمشهد من ركن قصي، يبتسم بسعادة، لطلب عاصم، الذي كان يعلم أنه لن يتوقف حتى ينال مبتغاه، ويغرس جذور زهرته بأرض عمره القادم.

هتف أبوه مهران بحنق: "خلاص ما بجيناه الموال ده يا عاصم، هي... قاطعه عاصم مؤكدًا: "هي موافقة." هتف ماجد متعجبًا: "موافقة إزاي!! مش... استوقفته إيمان، بضغطة خفيفة على عضده، جعلته ينظر إليها مستفهماً، لتشير إليه بطرف خفي، أن نعم، زهرة ابنتك موافقة على الارتباط به، ما جعله يتطلع لعاصم بمحبة: "وأنا كمان موافق يا عاصم، هلاقيلها أحسن منك فين!؟

اتسعت ابتسامة تسنيم، وهي تشاهد اتساع ابتسامة ولدها وسعادته التي تقفز جلية من عينيه، ما جعلها تصدح بزغرودة مرتفعة، ليهتف مهران وقد اتسعت ابتسامته بدوره، لا يعلم ما يحدث بالضبط، لكن سعادة عاصم التي غمرت الأجواء حوله، وصبغت الجميع ببعض من آثارها، جعلت أبيه يفتح ذراعيه متلقفاً إياه بفرحة، هاتِفًا بسرور: "ألف مبروك يا حبيبي، ربنا يتمم لك على خير."

جذبه ماجد بين ذراعيه، مهنئًا بدوره، بينما ارتفع صوت الزغاريد صادحًا من إيمان وتسنيم، اندفعت الفتيات سجود ونوارة على أعتاب الدرج العلوي، متطلعتين لما يحدث بفرحة غامرة، أما تلك العروس المعنية، فقد كانت في عالم آخر، لا تصدق أن حلم العمر، يتحقق أمام ناظريها كما تمنت، بل أروع مما تمنت وحلمت يومًا.

انسل عاصم من بين ذراعي عمه، متجهاً نحو جده، الذي كان يراقب المشهد باستمتاع، وما أن وصل لموضعه، حتى انحنى يقبل هامته بمحبة صافية، ما دفع عاصم الجد، ليجذبه بمودة، مطوقاً إياه بين ذراعيه، هامساً له بحبور: "حمد الله بسلامة جلبك من توهته ووچعه يا حبيبي، من هنا ورايح مفيش إلا الفرح، ألف مبروك يا عاصم." همس عاصم دامع العينين: "الله يبارك فيك وفعمرك يا چدي."

تلقفته زهرة الجدة بين ذراعيها بسعادة تباركه بدورها، لتهتف بهم جميعًا متسائلة: "هنجوز العرسان فين بقى!؟ هتف عاصم الجد مؤكدًا: "هنا مكانهم، هيكون فين يعني!؟ فالاوضة الكبيرة اللي فوج." وتطلع لزهرة بمحبة، فبادلته ابتسامة متفهمة، فهذه هي نفسها، الغرفة التي جمعتهما لأول مرة منذ زمن بعيد، حين دخل عليها رغبة في أن يشفي غليل انتقامه، لتداوي هي قروح روحه التي خلفها الحقد، ببلسم العشق.

تطلع الجميع لعاصم الكبير بتعجب، ليهتف ماجد مشاكساً: "الاوضة دي مقفولة ومحدش بيعتبها يا حاج عاصم، ده أنت حرمتها علينا كلنا لما نزلت قعدت فالاوضة اللي تحت!! إيه هو الموضوع فيه خيار وفقوس ولا إيه!! أكد عاصم الكبير مؤكداً بابتسامة: "أيوه فيه!! لك شوج فحاچة!؟ أكد ماجد مازحاً: "لا يا حاج، سلامتك." ليهقهق الجميع، ليربت عاصم على كتف جده بامتنان، والذي تطلع لحفيده بإكبار هاتِفًا:

"شد حيلك وظبط الاوضة لحد ما العروسة تخلص امتحانات ونفرحوا بيكم." لتعلو الزغاريد من جديد، معلنة أخيراً على اقتراب اجتماع قلبين، ربطهما العشق برباطه منذ زمن بعيد. *** هتف بتساؤله بأريحية وبفرنسية أنيقة، وهو يقف بثقة على منصة الدرس، متطلعاً لتلاميذه بثبات: "انتوا إيه رأيكم في اللي عمله سيرانو بطل روايتنا!؟ هل كان صمته عن الاعتراف بمحبته، خطأ أم صواب!؟

تطلع نحو طلابه، يرجو الإجابة، لم ينطق أحدهم بحرف، وقعت عيناه عليها، ليجد أنها الوحيدة التي هتفت بتعجل، وبفرنسية جيدة: "خطأ." كانت ما تزال متأثرة، بما حدث مع زهرة وعاصم، لذا أدركت أن كتمان مشاعر الرجل عن امرأة يحبها، حتى لو كان عنده بعض الشك على تقبلها لهذه المشاعر، خطأ فادح في حق نفسه وحقها. ابتسم يوسف ببساطة، متسائلاً: "لماذا!؟ أجابت بهدوء، رغم اضطرابها الداخلي، واستشعارها أنها ورطت نفسها:

"لأنه ظلم نفسه وظلمها، تخيل أن مجرد دمامة وجهه قد يجعلها تعافه، لا يعرف أن طبيعة المرأة مختلفة وتفكيرها يختلف في الأمور العاطفية عن الرجل، لو كانت أدركت كل هذا الحب العظيم من جانبه، لرأته أروع الرجال، وما تنبهت لأي نقص في مظهره الخارجي، وظلمها لأنه لم يعلمها بحبه ويعطيها حق الاختيار." ابتسم يوسف لإجابتها، هتف متطلعاً لتلاميذه، أمراً إياهم:

"السؤال ده هتكون إجابته، البحث المطلوب منكم الترم ده، كل واحد يجاوب باللي شايفه من وجهة نظره صح، شكراً.. تقدروا تتفضلوا." وأشار لباب المدرج الدراسي، وعاد ليجمع حاجياته، والتفت نحو موضعها فتنبه أنها في سبيلها للمغادرة مع إحدى صديقاتها، فهتف يستوقفها، منادياً: "آنسة سجود! تنبهت بدورها، واستأذنت من رفيقتها، لتعود لموضعه، متسائلة بحرج: "خير يا دكتور يوسف!؟ ابتسم بهدوء كعادته، معدلاً من منظاره الطبي أمام عينيه الزيتونية:

"أكيد خير، أخبارك وأخبار العيلة الكريمة! هزت رأسها مؤكدة: "كله تمام." تطلعت حولها باضطراب، ما جعله يسألها متعجباً: "فيه حاجة!؟ أكدت بهدوء: "لا أبداً، أصل وقفتنا كده الصراحة، يعني.." هتف يوسف قاطعاً: "مالها وقفتنا، هو أنا مش الدكتور بتاعك!! أكدت سجود بثبات، رغم أنها تنصهر خجلاً من الداخل: "آه طبعاً، بس وقفتنا مع بعض، وخاصة إن دي مش المرة الأولى، اللي تناديني فيها، مخلي الزملاء يعني... هتف متسائلاً:

"هم مش عارفين إننا قرايب ولا إيه!! أكدت باسمة بحرج: "ده كده الموضوع هيبجى أصعب يا دكتور!! أكيد لا.. أنا مجلتش لحد أننا جرايب، لأنهم فاكرين أننا.." وتوقفت عندما استشعرت أنها تمادت في كلامها، فقررت الرحيل فوراً، لكنه استوقفها متسائلاً بفضول: "إننا إيه!! أكدت باضطراب: "إن حضرتك شاب ومش متجوز، ودكتور المادة، وكمان تكون جريبي، كده أنا بأكد لهم إن فيه بينا مشروع ارتباط، وده... هتف مبتسماً:

"ده حاجة جميلة، أصل الصراحة مش ناوي أكرر غلطة سيرانو." تسمرت نظراتها على محياه، ما جعل ابتسامته تتسع بسعادة، لكن سجود لم يسعها إلا الاندفاع مبتعدة، لا تقدر على النظر خلفها لذاك الذي توقف يتطلع إليها، وعلى شفتيه ابتسامة رضا. *** طرقات أحذية قادمة بطول الردهة ما جعل حازم يتنبه بصحبة وحيد، ليجد أن اللواء الفنجري، ومعاونيه بصحبته، قادمين نحو غرفة العناية الفائقة التي انتقل لها منتصر بعد عملية طويلة استغرقت عدة ساعات. هتف

اللواء الفنجري باهتمام: "ها، إيه الأخبار! والولد عامل إيه دلوقت!! أكد حازم بنبرة مرهقة: "والله يا فندم الحالة مش مطمئنة، الدكتور اللي أشرف على العملية أكد أن موضع الرصاصات كان حرج، ونزف كتير، وربنا يسلم." تنهد اللواء الفنجري، وهو يتطلع عبر النافذة الزجاجية، نحو جسد منتصر المسجى، مؤكداً بنبرة تحمل كم كبير من الفخر: "الضابط ده قدم لنا خدمة عظيمة، وعمل اللي مقدرش حد يعمله، ربنا ينجيه." همس حازم:

"أمين يا رب، بس هو إيه اللي حصل بالظبط، عشان يبقى حالته كده!! هتف اللواء الفنجري: "والله إجابة السؤال ده عند منتصر نفسه، انت عارف إحنا بتبقى مخططين لحاجة، والوضع على الأرض ممكن يضطرك لحاجة تانية خالص، وواضح أن ده اللي حصل، بس إيه بالظبط، محدش عارف، إلا إن في انفجار كبير حصل، وفجأة لقينا منتصر بإصابته، وسعفان ميت جنبه!! واستطرد اللواء الفنجري هاتِفًا: "شكلك تعبان قوي يا حازم، لازم تستريح، إحنا عايزينك بصحتك."

أكد وحيد بأدب: "بعد إذن سعادتك، حضرتك روح استريح، وأنا قاعد هنا مش هتحرك، والدكتور قال منقدرش نحكم قبل مرور 48 ساعة، وبإذن الله خير." ربت اللواء الفنجري على كتف حازم مطمئناً: "يالا، تعالى معايا، نقابل الدكتور، نشوف الوضع النهائي إيه، وننزل سوا، أنت روح وأنا راجع المديرية تاني، الدنيا مقلوبة بعد العملية." هز حازم رأسه، عاملاً بنصيحة اللواء الفنجري، عائداً لبيته، لتستقبله تسبيح بلهفة، هاتفة به متسائلة بعجالة:

"أخباره إيه! طمنيني يا حازم متسبنيش كده." كان صامتاً تماماً لا ينبس بحرف، وهو في اتجاه حجرة بدور، فتح بابها بهدوء، مقترباً من فراشها، كانت ما تزال على حالها، تغط في سبات عميق، بسبب تلك الأدوية التي كتبها لها الطبيب. جلس على طرف الفراش، ممسداً على جبينها وجانب وجهها، وقد دمعت عيناه رأفة واشفاقاً على حال ابنته، وحال ذاك الذي يقف ما بين حد الحياة والموت، لا يعلم مخلوق ما قد يكون مصيره.

ربت على كتفها، ونهض مغادراً الغرفة باتجاه غرفته، وتسبيح ما تزال تسأله متلهفة تكاد تموت قلقاً: "ما ترد يا حازم، منتصر أخباره إيه!! مش كفاية مكنتش بترد على مكالماتي." هتف حازم متنهداً: "مش لما أكون عارف حاجة أبقى أقولك، الولد حالته حرجة يا تسبيح، الوضع ميطمنش، ادعي له." دمعت عينا تسبيح متضرعة: "يا رب يا حازم، يا رب." *** هم العساكر بالاندفاع لداخل الدار، إلا أن يونس اندفع يقف قبالة باب الدار، هاتِفًا

بالضابط بنبرة حازمة: "يا بيه ميصحش كده، البيت فيه حريم، ثواني أخش أديهم خبر، وأدخلوا زي ما تحبوا، وخلي العساكر يحاوطوا الدار لو حضرتك شاكك إن ممكن حد يهرب كده ولا كده." تنهد الضابط بنفاذ صبر، هاتِفًا بحنق: "إحنا مش فاضيين للكلام الفاضي ده، ادخل يا بني هاتي لنا اللي اسمه سماحة ده وتعالى."

اندفع العسكري وخلفه بعض من زملائه عنوة لداخل الدار، ليخرج الأمر من يده، يتطلع بترقب نحو الداخل، وصرخات أخوه سماحة تثير حفيظته، متوقعاً ما بين وأخرى جذبهم لسماحة، ليلقى بها لتهمة لا يصدق أن في إمكانها ارتكابها، حتى ولو كانت على وشك ذلك منذ أمد بعيد، لكنها وعدته بألا تفعل، ولا يعتقد أبداً أنها قد تخلف وعدها. اندفع العسكري للخارج خالى الوفاض، وخلفه زملائه، هاتِفًا لضابطه بتأكيد: "محدش جوه يا فندم، الحريم وبس."

تنهد يونس، متنفساً الصعداء، فما كان قادراً على احتمال رؤيتها تساق بين العساكر، وتلقى بسجن الرجال، بين المجرمين وقطاعي الطرق، هتف به الضابط محذراً: "لو متسترش على الغفير بتاعك هاتبقى حطيت نفسك في وش المدفع، سلمه أحسن للكل." هتف يونس متعجباً: "يا بيه إني لسه واصل من مشوار كنت غايب لي فيه ياجي أسبوع، وحضرتك لما وصلت، كنت واعيلي بنفسك وأنا لسه واصل، هعرف منين إيه اللي عمله الغفير الفجري ده!!

وبعدين هستر عليه ليه يا باشا، كان من بقية أهلي!! ما يغور بعيد عنا طالما هييجي من وراه وجع الراس." تنهد الضابط بقلة حيلة، عندما أدرك صواب منطق يونس، ما دفعه ليهرول نحو سيارته الميري مغادراً. ظل يونس يتطلع نحو العربة حتى رحلت، ليستدير واقفاً على أعتاب الدار بأدب، هاتِفًا بهدوء: "انتوا بخير يا خالة سعيدة!؟ اندفعت سعيدة من الداخل، تهرول نحوه، هاتفة بترحا: "يا مرحب يا يونس بيه، رجعت ميتا!!

هتف وعيونه تحاول أن تصل لمحياها بالداخل، لكنه كف عن ذلك احتراماً لحرمة الدار، هاتِفًا بهدوء: "توه واصل، هو إيه اللي جرى!! همت سعيدة بالإفصاح عما حدث، مؤكدة على براءة سماحة مما اتهموه به، لكن صوت حازم من الداخل، أخرسها أمراً: "خلاص ياما، البيه لازم يعرف كل حاجة."

شهقت سعيدة ما أن خرجت سماحة، على هيئتها الأنثوية، التي كانت تظل بها طالما هي بين جدران الدار، وهذا هو سبب دخول العساكر وخروجهم دون سماحة، الذي لم يكن هنا من الأساس، بل كانت هنا نسخته الأنثوية بديلاً عنه.

ساد الصمت، وهي تقترب من موضع أمها ويونس، الذي لم يحرك ساكناً، يتطلع نحوها بصدمة، لا لعدم معرفته بحقيقتها، بل لأنها تبدلت كلياً، المرة الوحيدة التي رآها فيها وهي تتمايل أمام مرآة غرفة نومه، تحتضن جلبابه بمحبة، لم تكن بهذا البهاء الذي طلع عليه اللحظة، سمراء سمرتها تسكر العابد، وعيونها نظراتها ألف مهر جامح، لم تعرف يوماً الترويض، تقترب منه بخطوات ثابتة، لتزداد نبضات خافقه عن طبيعتها، رغم ادعائه الثبات، حتى أصبحت قبالته، لتنسحب أمها بهدوء مبتعدة، تبعتها سماحة بناظريها حتى غابت، لتعود متطلعة إليه من جديد،

هامسة بهدوء: "حضرتك عايز تعرف إيه اللي حصل!! اتفضل وأني أحكيلك كل حاجة، بس قبل أي كلام، أكيد حضرتك بتجول هي مين دي من الأساس!! .. أنا.." قاطعها يونس، متطلعاً نحوها بمحبة: "سماحة! تطلعت إليه بنظرات كستها الصدمة، ليؤكد: "أيوه، كنت عارف، مش هكدب عليك وأقول من أول يوم، ما أنت كنتِ حابكة الدور تمام، بس بعدها بشوية، عرفت إنك.."

لم يستطرد وصفها بالرجل، فذاك الحسن الرباني الذي يربكه قبالة ناظريه، من الصعب نعته بصفة الرجولة مطلقاً، لكنه استطرد هاتِفًا: "لكن اللي عايز أعرفه، ليه!؟ وسماحة ده فعلاً اسمك!؟ هزت رأسها، وأشارت لإحدى الغرف، ليدخل إليها جالساً لأحد مقاعدها، لتجلس قبالته، هاتفة بلهجة تقريرية: "ليه!! دي حكاية طويلة جوي يا بيه، لكن سماحة ده مش اسمي، أنا سماح جابر الجناوي." ابتسم يونس مؤكداً: "سماح من سماحة مفرقتش كتير!! هتفت بلهجة موجوعة،

مؤكدة: "لأ يا بيه، الفرج كبير جوي، الفرج ده هو اللي خلاني عملت اللي عملته، وبقيت مكانه." هتف يونس متسائلاً: "مكان مين!؟ أكدت سماح: "مكان أخويا." تذكر يونس بطاقة الرقم القومي التي كانت تحمل اسمه، وفيه بعض الشبه منها، كأنها كانت تقلده رجلاً، منسلخة من كينونتها كأنثى، دافعة بنفسها لمعترك الرجال، متخذة مكان أخيها، للذود عن أمها وأخواتها الصغيرات. هتف يونس متسائلاً من جديد: "وهو فين دلوقتي!؟ تنهدت مؤكدة:

"عند ربه، الله يرحمه." تطلع يونس نحوها بريبة، متسائلاً بنبرة قلقة: "انقتل مش كده!! همست نافية: "لأ، مات من الجهر يا بيه." تساءل يونس: "يعني مش ولاد نجم اللي قتلوه، وأنتِ جيتي النجعة هنا تاخدي بتاره!! كيف ما وعيت لك يوميها وأنتِ بتتسحبي وواخدة السلاح، وطالعة بيه بره الدار في عز العتمة!! أكدت سماح:

"لأ هم يا بيه، بس مش كل الجتل بيكون بالسلاح، ضحكوا عليه، وشاركوه بكل مالنا فعربيات نقل، وبعدها جاله العربيات عملت حادثة وخلاص معدش فيه شراكة، ومليش حاجة عندينا، أخويا ده كان هو اللي باقي لنا بعد أبويا الله يرحمه، بس كان صاحب مرض، مكنش ينفع ينزل الأرض يشتغل فيها، وميجدرش على متابعتها، لاف عليه واحد من ولاد نجم، وعمل له البحر طحينة، وجاله بيع الأرض وشاركنا بمالها فعربيات النقل، مكسبها مضمون، وترجع لك الفلوس في ظرف

مافيش وفوجيها المكسب، وتجعد مرتاح تصرف على أمك وأخواتك البنات، أنا كنت يوميها في ثانوية عامة، وكان كل همي أدخل كلية عدلة، عشان أعرف أشتغل بها، وأشيل شوية من الحمل اللي على كتاف أخويا، لكن مفيش شهر والتاني، بعد ما دخلت كلية تجارة بشوية، حصل اللي حصل، وغدروا بأخويا اللي جلبه مستحملش، وراح فيها."

همس يونس: "لا حول ولا قوة إلا بالله." استطردت سماح وهي تزدرد ريقها بتأثر، لاحظه يونس على غير عادتها الصلبة: "راحت كل حاجة، أخويا، راجلنا الوحيد، والفلوس والأرض، حتى الدار اللي كانت لمَّانا." هتف يونس متعجباً: "مالها دي كمان!! أكدت سماحة باسمة بوجيعة:

"ولاد نجم جابوا اللي يثبت إن أخويا باعها لهم، وكان معاهم أوراق بيقولوا بها كده، لكن أنا متأكدة إن سماحة ميعملهاش، إلا الدار اللي كانت لمة لحمه، وورثنا من ريحة أبويا، اللي بنى الدار دي بيده، لكن مين يثبت بقى، انطردنا من الدار، وبقينا على فيض الكريم، وبعد ما كنا معززين مكرمين وأصحاب دار وملك، بقينا كيف كلاب السكك، مش لاجيين العيش الحاف." تنهد يونس يزفر بقهر، يكاد يندفع حتى دار أولاد نجم أخذاً بثأرها، وليكن ما يكون.

ساد الصمت للحظة، وأمها تدخل حاملة صينية بها كوبين من الشاي، وكوب من الماء، وضعتها ورحلت، ليمد كفه بمودة، حاملاً كوب الماء لها، هامساً بتفهم: "اشربي لك شوية ميه، واعي إن الحكاوي كلها وجيعة." تناولت منه كوب الماء باضطراب، وقد كادت أن تسقط بعض منه، ارتشفت بعضه، ثم وضعت الكوب قبالتها على الطاولة، ليمد كفه بهدوء، متناولاً الكوب، يشرب بعدها مرتويًا، لتغض الطرف، عن هذه الرسالة التي يرسلها لها، ليهمس هو:

"طب عملتوا إيه، وعشتوا كيف!! وكيف جيتوا على هنا من أساسه، وكيف معرفوش انتوا مين أساسه، واسمك هو اسم أخوكِ!! أكدت سماح:

"يا بيه عدوتنا مش مع ولاد نجم كلهم، مع مرتضى نجم بس، هو اللي نصب على خويا وراح بسببه، ومحدش يعرف أخويا من ولاد نجم غيره، وأنا لما عرفت هو فين، جيت بأخواتي وربنا عثرنا فدار الحناوي، عشان تلمنا، وجعدت ألف وأدور لجل ما أعرف هو فين، بس كان مسافر، غار بره مصر، ولما وعيت لي يوم ما كنت واخدة السلاح وخارجة، كان يومها رجع بس بعدها غار تاني، وأنا كنت وعدتك يا بيه، إني معملش حاجة تضيع أمي وأخواتي، ولا تسئ لك كمان، وأني نفذت."

هتف متسائلاً رغم علمه بالإجابة: "يعني أنتِ ملكيش يد في قتل مرعي نجم!؟ نفت مؤكدة: "لأ يا بيه، مليش صالح، بس هو يعني.." هتف يونس يتعجلها: "يعني إيه!! همست منكسة الرأس: "أصلك واحد من العمال جاني من كام يوم، وجالي إن العمال مكبرين دماغهم عن الشغل عشان حضرتك كنت غايب، فروحت الأرض، وهناك اتعاركت مع اللي اسميه مرعي ده، عشان كان قاطع المية عن الأرض." نهض يونس حانقاً بعد أن أمسك نفسه حتى انتهت من اعترافها كاملاً، صارخاً

بثورة: "تتحرج الأرض على صاحبها، أنتِ.." قاطعته بعجالة هاتفة: "بعيد الشر.." وكأن كلمتها التي أطلقتها بعفوية شديدة، استشعرت الحرج بعدها، مطرقة الرأس بحياء، كانت هي الماء البارد الذي أطفأ نيران غضبه، التي أشعلها عدم طاعتها له، ونزولها الأرض على غير رغبته. ما جعله يتنهد، جالساً من جديد، هامساً بنبرة ساخرة: "يعني يا بت الناس حلو كده اللي بيحصل ده!؟ طب أجيب أمي تخطبك فين دلوقتي!؟ فالأوضة وهي جيبالك عيش وحلاوة!!

فغرت فاها واتسعت عيونها عن آخرها، تتطلع إليه كالبلهاء لا تصدق ما تفوه به لتوه، ليهتف مازحاً: "أهو بالخلجة اللي واعيالها دلوقتي دي، احتمال أصرف نظر من أساسه!! تنبهت هامسة بصوت متحشرج، متردد الأحرف: "بتجول تخطبني!! تخطب مين جنابك!؟ تطلع يونس حوله مازحاً، وهتف مؤكداً: "هو فيه هنا غيرك،!! أيوه يا ستي تخطبك أنتِ، موافقة ولا هتغلبينا، أنا لسه شارب من كبايتك، يعني هفضل أجري وراكِ لحد ما أقطع نفسك، وهتوافجي برضك."

دمعت عيناها وهي تتطلع نحوه، لا تصدق أن أروع أحلامها يمكن أن يتحقق هكذا في طرفة عين، لكنها همست بتيه: "طب والمصيبة اللي تهمني فيها دي يا بيه !! هتف مازحاً: "لما يبجوا يلاجوا سماحة اللي بيقولوا إنه قتل ده، يبجوا يسلموا لي عليه!؟ وأنتِ لا تروحي ولا تيجي لحد ما نشوفوا موضوع ولد نجم ده هيرسى على إيه!! هزت رأسها موافقة، ليهمس مشاكسًا: "هو أنتِ كان لازم تعمليلي فيها سبع البرمبة!! كان زمانا بنبلوا الشربات ونرفعوا الرايات."

اضطربت سماحة، لا تعرف لنظرات عينيها موضعاً، وهو يحاصرها بنظراته المشاكسة، ما دفعها لتندفع هاربة من أمام سطوة نظراته، باتجاه غرفتها، ليرول بدوره لخارج الدار ومنه للطابق العلوي، يصلها بالأسفل شذوه في سلطنة، وهو الذي كان قد قاطع الغناء لفترة طويلة، ها هو يصدح بما يعتمل بقلبه، مرسلاً لها رسائل من عشق على أجنحة الكلمات العذبة، التي يترنم بها اللحظة: "وأدي اللي مش عاملينله حساب.. العشق سكرنا.. وإحنا اللي قولنا الحب عذاب..

وبيبانه سكرنا.. بنت اللذينا.. جدرت علينا.. سكنت فأفكارنا.." *** رنات متتابعة على هاتفها، ويبدو أنها ليست المرة الأولى التي تصدح فيها، ما دفعها لتركض نحو غرفتها، حين تناهى لمسامعها الرنين، لترد بلهفة: "ألوو.." تسلل تنهد من الطرف الآخر، وهمس بنبرة مشتاقة: "أخيراً رديتي، كنت فاكر إني هدخل أوضة العمليات قبل ما أسمع صوتك." هتفت آية بصدمة: "هو خلاص!! أنت داخل العمليات دلوقتي!! أكد مروان هامساً:

"آه، ده أنا مأخرهم لحد ما أسمع صوتك، عايزة يكون آخر حاجة أسمعها قبل ما أدخل العملية." بكت ولم تعقب، ما دفعه ليستطرد بعشق: "آية!! أنا داخل العملية وعارف إن ربنا مش هايخذلني، بس لو بفرض وده كان اللي ربنا كاتبه، ومخرجتش من... هتفت آية بنبرة مذعورة: "لا يا مروان عشان خاطري متقولش كده!! هتطلع وتبقى زي الفل." أكد هامساً: "بإذن الله، خلي بالك من نفسك، وعايزك تعرفي حاجة مهمة قوي." همست تسأل من بين دمعاتها: "خير!!

همس بشوق طاغٍ: "إني عمري ما حبيت حد زي ما حبيتك يا آية." شهقت باكية، وهمست تسأله: "حتى بعد اللي عرفته عني!! أكيد والدتك حكت لك عن.." قاطعها مؤكداً: "ولا يفرق معايا، أنا لما حبيتك، حبيت فيك قلبك وروحك، وأنتِ عمرك ما بصيتي لعجزي وحال رجلي، بل بالعكس، معاكِ رغم نقصي، كنت دايماً بحس إني راجل كامل في نظرك، وكان ده يكفيني." همست بشوق: "أنت راجل وسيد الرجالة كمان، اوعدني إنك ترجع لي يا مروان." همس متنهداً:

"بأمر الله، ادعيلي، واوعديني أن مهما حصل تفرحي، عايزك دايماً فرحانة يا آية." همت بالحديث، لكنها استمعت لبعض الحديث بلغة أخرى يبدو أنهم يعجلونه، مما زاد من انقباض قلبها، وهو يستأذنها مؤكداً على صدق توقعها: "بيستعجلوني، لازم أروح دلوقتي، أقولك مع السلامة." سال دمعها مدراراً، وهي تهتف بوجع: "مع ألف سلامة، في حفظ الله." هم بغلق الهاتف، لكنها صرخت باسمه تستوقفه: "مروان!

استشعرت من ارتفاع صوت أنفاسه على الجانب الآخر، أنه ما زال يسمعها، لتهمس بعشق: "بحبك." ارتفع صوت تنهده، مغلقاً الهاتف وقد كان له ما أراد، أن يكون صوتها، وهذه الكلمة التي تمنى سماعها كثيراً، هي آخر ما يربطه للواقع، قبل أن يذهب في رحلة لعالم الغيب، لا يعلم إلا الله، إن كان له عودة منها، أم ستكون هذه رحلته لمحطته الأخيرة!؟ *** دخلت تحمل صينية الطعام، تضعها على فخذيه، وتجلس على طرف الفراش، هاتفة بتودد:

"يالا كل يا واد يا راضي، أنت محتاج تشد حيلك، عايزة عايزك ترجع راضي بتاع زمان." ابتسم راضي مؤكداً: "من عنينا يا عيوش، هناكل ونرمي العضم ونبقى تمام، مع إن يونس كان عامل الواجب بس أنا اللي مكنش ليا نفس للأكل." هتفت به عائشة متسائلة: "هو البت اللي رايدها يونس دي زينة يا راضي!! أنت عارف يونس قلبه طيب، خايفة تكون ميلت عجله ولعبت عليه!؟

أمسك راضي ضحكاته، على اعتقاد أمه، فكيف ذلك، وهي ترتدي ملابس الرجال، حتى أنها تتعامل مع يونس كأنها رجل، ولا تعلم أنه اكتشف سرها، لكنه همس لأمه مؤكداً: "متجلجيش يا عيشة، والله بت حلال وزي الفل، وبميت راجل، وكفاية إن يونس بيحبها بجد، وجلبه متعلق بها، أنا عمري ما وعيت ليونس فرحان كده إلا وهو بيتكلم عنها." ابتسمت عائشة، فعادة ما تثق في عقل راضي وسداد رأيه، وهمست تشاكسه: "وأنت ميتا تفرح يا حبيبي!! اضطرب راضي، هامساً:

"أنا فرحان وأني معاكِ أهو، هعوز إيه تاني!! تساءلت بخبث: "يعني البت اللي لحقتها في مصر دي، واتشحنت عشانها الشحنة دي، مش في بالك، وعايز تخطبها كيف ما قال أخوك!! لم يعقب راضي، مدعياً الانشغال في تناول الطعام، كانت أمه تتطلع إليه، تحاول سبر أغوار نفسه، وهي أدرى الناس به، متى ما حاول أن يخفي شيئاً، يدعي الانتهاك في أمر آخر تماماً، ما دفعها لتهتف به بأمر ودود: "بصلي هنا لما بكلمك، أتوحشت الأكل فجأة!!

رفع راضي ناظريه متطلعاً لها، ما دفعها لهمس وهي تتطلع لعينيه بمحبة، هامسة: "بتحبها يا راضي!؟ ما استطاع أن يحيد ناظريه عن ناظري أمه المحاصرة لروحه، والتي استطردت بنبرة دافئة: "العشق مش عيبة يا حبيبي، ده فرحة وعيد، فرح جلبك يا راضي، العشق نعمة." ابتسم راضي رزينة: "وكمان عرفتي اسمها!؟ أكدت عائشة باسمة:

"والله ما أعرف اسمها، ولا أعرف عنها حاجة غير إنها بت الناس الطيبين اللي يعرفهم عمك حازم وبيعتبرهم أهله، واللي قعدت عندهم في مصر." تطلع لها راضي هامساً: "اسمها نعمة، وفآخر سنة في كلية آداب، وبنت الأسطى ناصر اللي عمي حازم بيعتبره أخوه، وهم فعلاً ناس طيبين ومشفتش منهم إلا كل خير." همست عائشة باسمة:

"يبقى على خيرة الله، شد حيلك أنت بس وإحنا نخطبهالك، بس بقولك، هي هتيجي تقعد معانا هنا، تفتكر أهلها يرضوا، ولا أنت بقى اللي هتروح معاهم هناك!؟ هتفت عائشة بتساؤلها بخباثة، ما دفع راضي يؤكد بهدوء، وهو يلوك لقمة دفعها بفمه: "لا هنا ولا هناك، أنا هكمل هنا الدور الثالث عند يونس، وهبني مركز الصيانة على الطريق هناك، عشان نرجع الحناوي أجرب للطريق من هنا، وأبقى مع يونس." ربتت عائشة على كتفه مشجعة:

"وماله يا حبيبي، مع إنكم هتبعدوا عني، بس كفاية عليا تكونوا بخير." ربت راضي على كفها بمحبة، لتنهض مندفعة تحاول أن تفض ذاك العراك بين أولادها، تاركة راضي، وقد راح مع ذكرى ذات الجديلة، التي اعترف بينه وبين نفسه، أنها عاشقها بحق. *** اندفع نزار داخل غرفة الاجتماعات التي تضم جميع المساهمين في الشركة، كان اجتماع طارئ يضم الكل، لاتخاذ قرارات حاسمة فيما يخص بعض الأمور.

تطلع الكل إليه بتعجب، كيف يقتحم عليهم حجرة الاجتماعات بهذا الشكل، وهو ليس من المساهمين، وغير مرحب به هنا من الأساس. هتف له حمزة بنبرة رسمية: "خير يا نزار بيه!! برغم أن طريقة دخولك المكان مش بتدل على أن حضرتك ناوي أي خير!! بس وماله.. أمر!!

هتف نزار متطلعاً لفريدة التي جلست بلامبالاة، هي لا تنكر أنها انصدمت في دخوله بهذه الطريقة المسرحية، لكنها اللحظة وعندما وقع ناظرها عليه، تأكدت أنها ما عاد يعني لها شيئاً، وما عاد القلب يخفق عند رؤياه كما اعتاد.

كان يراقب رد فعلها في تلك اللحظة، سامر الذي كان يجلس قبالتها مباشرة، ولم يحرك ساكناً، تجاه أفعال نزار، الذي هتف بجرأة شديدة، متطلعاً لفريدة لبرهة، ثم لسامر بنظرة عجيبة، قبل أن يعاود النظر لحمزة من جديد، هاتِفًا بنبرة قوية: "أنا جاي أصلح غلطة كبيرة، في حق الآنسة فريدة، وأطلب إيدها من حضرتك، قلت إيه!! تطلع الجمع لبعضهم بغرابة، لكن رد فعل فريدة، هو ما حسم الأمر. ***

دخلت للحجرة، ما جعله يتنبه أنها غادرت الفراش منذ فترة دون أن يع، فيبدو أن الحمى كانت قد سيطرت عليه البارحة، ليغيب في سبات عميق، تخلله الكثير من الأحلام. تطلع نحوها وهي تقترب، حاملة صينية وضعتها على الكومود الملاصق لموضعه، وتطلعت نحوه بمحبة وعلى شفتيها ابتسامة رقيقة، وهمست: "حمد الله بالسلامة، بقيت أحسن دلوقتي!! جذب نفسه ليرتفع جذعه قليلاً مسنداً ظهره على الوسادة خلفه، وهز رأسه بإيجاب رداً على سؤالها.

جلست على طرف الفراش، ومدت كفها تتحسس جبينه، ومنه انخفض كفها ليعانق جانب وجهه، وهي تؤكد: "لا ده كده عال، الحرارة نزلت، بس متفتكرش أن.." قاطعها ماداً كفه، لتنام بوداعة على كفها التي كانت ما تزال موضعها، وقرب باطن هذه الكف الرقيقة ملثماً إياها بعشق، لم تسحب هي يدها، بل نكست نظراتها حياء، ليمد هو يده الأخرى، تحت ذقنها، ليرفع وجهها مرغماً ناظريها على التطلع نحوه، هامساً:

"إيه الموضوع المهم اللي قلتي عليه فالڤويس، وكنتِ عايزاني فيه لما أرجع!! لم تحيد نظراتها عنه، على الرغم من أن الخجل يتملكها، لكنها همست برقة: "كنت برد على الرسالة اللي أنت بعتها، يا ترى الرسالة وصلت وفهمتها، ولا أقول تاني!! ابتسم مؤكداً: "لأ، جولي تاني، أصلي أنا في الحاجات دي عجلي تخين، وفهمي على كدي." همست متطلعة نحوه: "أنت سيد الناس." ارتجف قلبه لكلمتها المباغتة، وتطلع نحوها بنظرات عشق مفضوح، لتستطرد مؤكدة:

"أيوه يا سمير، أنت سيد الناس، وسيد الرجالة كلهم، لأن مفيش راجل يعمل اللي عملته، وأنا ربنا بيحبني إني كنت من نصيبك." كان يستمع إلى كلامها بسعادة غامرة، تصف أخلاقه وتمتدح أفعاله، لكن أين قلبها من الأمر!!

مدت كفها تتناول طبق الحساء من على صينية الطعام، وبدأت ترفع الملعقة العامرة لفمه، والتي كان يتناولها فاغراً فاه في كلمة مرة، وهو مشدود عيونه معلقة بمحياها الذي يعشق، يتمنى من صميم فؤاده، أن تنطق بكلمة عشق تبل بها ريق القلب الذي طاق إلى وصلها. أغلق فمه، مكتفياً، وهمس بهدوء: "هاجوم أخد دش، ريحة الحمى ماسكة فالهدوم."

نهضت من موضعها، مفسحة له الطريق، ترنح قليلاً وهو ينهض من موضعه، لتنحني واضعة الخف المنزلي بأقدامه، ليندفع مبتعداً عن تأثيرها المهلك برقة على أعصابه. أنهى حمامه، وقد نسي أن يأخذ ملابس نظيفة بصحبته، لكنها لم تنس، فتلك الطرقات على الباب، ثم الكف التي امتدت بجلبابه، هاتفة: "مخدتش هدومك وأنت داخل." تناول ملابسه من كفها، التي اختفت سريعاً من خلف الباب، لكن ما أن أكمل ارتداء بعض ملابسه، حتى وجدها تشرع الباب قليلاً،

هامسة بتساؤل متردد: "عايز مساعدة." تظاهر أنه يناولها إحدى القطع لتحملها عنه، وما أن مدت كفها، لأخذها، حتى كان هو الأسبق، ليجذبها للداخل، لتشهق بصدمة، وقد وجدت نفسها مدفوعة لصدره، تطلعت نحوه باضطراب، ليسقط قطعة الملابس، محتضناً خصرها بتملك، مقرباً إياها نحوه أكثر، مطوقاً جسدها بين ذراعيه، هامساً بالقرب من مسامعها، وهي تدفن وجهها بأضلعه، بنبرة متحشرجة تضج شوقاً: "أنا توك اللي خفيت." رفعت ناظريها نحوه بتردد، وهمست بنبرة

عاشقة لم تخطئها أذن قلبه: "اتوحشتك." ضمها إليه أكثر، وأخيراً، حملها بين ذراعيه، دافعاً الباب بقدمه لينفرج، مندفعاً بها حتى غرفة نومهما، وعيونهما تتواصل في هيام لم ينقطع. *** هتفت نعمة بأمها بضيق: "مش وقته يا ماما، أنا داخلة على امتحانات ومش عايزة حاجة تشغل دماغي، لما أخلص نبقى نتكلم فى الموضوع ده." هتفت جدتها نعمة مؤكدة:

"ما هو العريس مش هيستنى، هو مش بيقول يتجوزك بكرة، هو عايز بس رد، عشان يبقى ربط كلام، والواد شاري ومستني ردك قبل ما يسافر." هتفت نعمة الحفيدة بضيق، وهي خارجة من باب المطبخ، حاملة أطباق الغذاء، لتضعها بعنف على المائدة، مؤكدة بحزم: "يبقى يسافر بقى، ويسبني فحالي، أو يروح يشوف له شوفة تانية." دخل ناصر وخميس، اللحظة من باب الشقة، لترتبك نعمة مندفعة نحو المطبخ، والتي ما أن رأتها شيماء أمها، حتى اتسعت ابتسامتها

متشفية فيها هاتفة: "كلتي لسانك دلوقتي، أول ما أبوك وجدك وصلوا، لكن عاملة علينا إحنا سبع البرمبة!! همت شيماء بالخروج من المطبخ حاملة آخر الأطباق، لتجد نعمة تنكمش موضعها، لا رغبة لها في الخروج لتناول الطعام من الأساس، لتجذبها شيماء خلفها، هامسة لها بمحبة: "يا بت تعالي، مش هنديله كلمة إلا بعد موافقتك." سارت نعمة خلف أمها، لتجلس بعد أن تجمع الكل حول المائدة، وما أن بدأوا الطعام، حتى هتف ناصر من جديد:

"عريسك جاني النهاردة تاني يا نعمة، بيستعجل الرد، طولنا ع الراجل، وهو عايز يرتب أموره، عشان خلاص سفره قرب." امتعضت نعمة ولم ترد بحرف، ليهتف خميس مؤكداً: "العريس الصراحة ميتعيبش، أهله ناس طيبين، وأخلاقه عالية، وكمان حالته المادية كويسة، يعني تمام من كله، عريس ع المازورة." دخل نادر اللحظة من الخارج، واندفع يجلس بينهم على المائدة، هاتِفًا بمزاح:

"بس أنا مش موافق يا معلم، كان على المازورة كان ع الفرازة، أنا مش موافق إنه ياخد نعمة." تطلعت نعمة نحو أخوها بتعجب، بينما هتفت نعمة الجدة بدهشة: "ليه يا بني، توقف سوق أختك، طالما النصيب جه." هتف نادر وهو يقذف لقمة نحو فمه باستمتاع، متطلعاً نحو نعمة أخته مازحاً: "مش لما يبقى فعلاً النصيب يا ستي!! النصيب خلاص دق ع الباب، والصراحة كده أنا موافق وبالتلاتة." تطلع ناصر نحو نادر، هاتِفًا بحنق: "إيه الفوازير دي!؟

ما تنطق على طول، وتقول فيه إيه!؟ أكد نادر، وهو يغمز بعينه لنعمة بمشاكسة: "راضي الحناوي، كلمني النهاردة، طالب إيد نعمة، إيه قولكم!؟ انتفضت نعمة بسرعة، مهرولة نحو غرفتها، لا تصدق أنه أخيراً تحرك، فقد كان الضغط عليها شديداً لقبول هذا العريس، كان صدرها يعلو ويهبط، مقيماً الأفراح بساحة الروح، دقات فؤادها تعلو بسعادة لا توصف، لكنها انتفضت حين أتاها طرق على الباب، دخل نادر متطلعاً لاضطرابها اللذيذ، واقترب مشاكسًا:

"كلهم رفضوا بره، مش عارف ليه! رفعت نظراتها إليه بصدمة ممزوجة بالدموع، إلا أنه عاجلها فاتحاً ذراعيه مهنئاً، قبل أن تنفجر باكية: "وافقوا والله، كنت بضحك معاكِ." شهقت باكية بين ذراعي أخيها، الذي لم يظهر حنو كهذا من قبل، هامساً بها بمحبة خالصة: "هو الصراحة راجل جدع ويتحب، وأنا جاوبت بالنيابة عنك، وقلت له شد حيلك وتعالى، وإحنا مستنينك، بعد ما هي تخلص امتحانات." رفعت رأسها تمسح دموعها، ليستطرد نادر مشاكسًا:

"عشان المذاكرة وكده يعني!! امتعضت براءة، ليقهقه نادر مؤكداً: "خلاص، نجيبه على ملا وشه، بلا امتحانات بلا يحزنون." اتسعت ابتسامة نعمة، وهي تخبئ وجهها بأحضان أخيها من جديد، والذي تنهد بسعادة، وعيونه معلقة بخصاص نافذة تلك التي حملت الفؤاد معها، وغادرت تاركة له اللوعة. ***

دخلت حجرتها، تحاول أن تتغلب على أوجاع روحها بأهازيج الفرحة المنتشرة بالسراي منذ أن تم إعلان خطبة عاصم وزهرة، ابتسمت بشجن وهي تتمدد على فراشها، تشعر بخواء رهيب يخيم على ذاك البراح بصدرها، لا تعلم هل كان هذا القرار الذي اتخذته فيما يخص علاقتها برائف، صحيح أم به بعض الإجحاف والظلم!؟

للمرة الأولى يغلبها التردد، وتنازعها الحيرة قراراتها الحاسمة، وهي التي ما ترددت لحظة في قرار ما، كانت امرأة باترة لكل ما يقلق راحتها، أو ينغص صفو حياتها، لكن هذه المرة الأمر مختلف، والقرار ليس قرار عقلها الذي ما خزلها يوماً، إنما قرار هذه المضغة الخافقة بين جوانحها، والتي تخالف طبيعتها الحاسمة كلياً، بترددها المقيت الذي يكاد يدفعها أحياناً إلى حافة الجنون، متمنية لو كان باستطاعتها دفع كف يدها بين أضلعها، وانتزاع ذاك المتمرد على قرارات عقلها المطواع.

تنهدت من جديد، تحاول أن تفكر، ما عليها فعله لإنهاء هذه الفترة العصيبة من حياتها بأقل الخسائر الممكنة، ونهضت تبحث بين كتبها على كتاب ما تدفن به بعض من أفكار عقلها المشوش على غير عادته، مدت كفها تسحب ذاك المرجع الهام، الذي كان عليها مطالعته منذ مدة، لكن العمل بنجع السليمانية امتص وقتها، جلست تحمله بين يديها، تشعر بالحنق، متسائلة، لما كل ما فكرت في الابتعاد عن هذا النجع وناسه، تجرها الأفكار قسراً إلى هناك!!

فتحت المرجع الضخم، لتسقط منه فجأة، تلك الرواية التي أعطاها لها يوم أن أرسل فيها خطاب الاعتراف بعشقها، والتي تذكر أنها لم تقرأها حتى، بعد أن وعيت للخطاب، وتناسيتها، كيف لم تتنبه وتعيدها إليه!؟ مدت كفها ترفعها عن الأرض، ليسقط منها بالتبعية جواب الاعتراف، فضته بأكف متمهلة، وقد قررت أن تقرأه للمرة الأخيرة، قبل أن تمزقه، لا تعرف ما الداعي من الأساس، لتعذيب الذات بهذا الشكل!!

لكنها فعلت، وبدأت في القراءة، لتنساب دموع عينيها دون وعي، أنهت الخطاب ودفعت به بطول ذراعها، لكن الورقة عاندتها لتعود فتسقط في حجرها، تطلعت لها نوارة ما بين ألق دمعها بنظرة مشوشة، لتتنهد ممسكة بالخطاب، لتضعه من جديد بين ضلفتي الرواية سميكة الغلاف، والذي شهقت عندما تمزق الغلاف الخلفي تاركاً فراغاً بين الغلاف الورقي الداخلي والغلاف الخارجي السميك، فكرت في لصق الغلافين وينتهي الأمر، لكن هذه الورقة المطوية الموضوعة هنا، لم ترها من قبل.

مدت كفها لتخرج هذه الورقة المطوية بحرص، وبدأت في فضها، عيونها تجري على اعترافات فتاة ما، تبرئ فيها ساحة أحد الأشخاص، والذي ما أن وقع اسم نوارة عليه حتى شهقت بصدمة. إذن هذا هو سبب شجاره مع أمه وجده، وعار كوني من الهوارية، والذي كان السبب في عدم قدرته على المجيء لطلب يدها للزواج!!

انتفضت مسرعة، فعليها الذهاب لنجع السليمانية، فوراً.. ستحنث في وعدها هذه المرة، بعد أن أقسمت أنها لن تطأ قدماها ثراه من جديد، لكن لهذه الضرورة القصوى أحكام. اندفعت تستدعي عبد الباسط بعجالة، متعللة أن هناك حالة حرجة تستدعي تواجدها هناك، حيث مقر عملها، الذي حمدت ربها أنها لم تخبر أحداً بتركها له.

أمرت عبد الباسط على طول الطريق، بالإسراع، حتى إذا ما اقتربت، وقعت عيونها على تلك التلة التي كان رائف ينتظرها عليها كل صباح فوق فرسه الأدهم، غصت بدمع وغامت الرؤية من جديد، وفجأة بدأت في السعال، ماذا يحدث هنا!؟

تطلعت من النافذة وهي على مشارف الطريق الترابي المفضي لدار السليمانية، أن الجو ملبد بالدخان، وما أن توقفت السيارة على بداية الطريق، حتى أبصرت بالفعل أعمدة من الدخان تخرج من داخل الدار، وصرخات النساء وركض الرجال من هنا وهناك، يؤكد أن الحدث جلل، لتترجل بسرعة من العربة، مندفعة تركض باتجاه دار السليمانية، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...