طرقات على باب الشقة جعلتها تندفع هاتفة: طيب جاية.. حاااضر.. كانت تعتقد أنه أحد إخوتها، لكن ما انفرد الباب حتى تطلعت نحو الطارق لتشهق في صدمة مغلقة الباب من جديد. لا تصدق ما رأته عيناها. عاد الطرق من جديد لتفتح الباب في هدوء متطلعة نحوه هاتفة في تعجب: أنت إيه اللي جابك هنا؟! هتف منتصر مؤكداً في هدوء: جاي أزور سيادة العميد.. عندك مانع؟ روحي بلغيه.. ولا انتوا بتقابلوا ضيوفكم ع السلم؟! هتفت بدور: انت بتهزر!! أبلغ مين؟!
لا مليش دعوة.. أنا هدخل.. وانت رن تاني وأي حد يفتح لك ويبلغه غيري. قال بلغيه.. مليش فيه. أمسك ضحكاته هاتفا: يا جبانة. وما أن هم باستطراد الحديث حتى هتفت تسبيح من الداخل: مين يا بدور؟! اضطربت واندفعت للداخل، وما هي إلا برهة وكانت تسبيح تستقبله في حفاوة توصله حتى غرفة الصالون. واستأذنت لتخبر حازم، الذي تطلع نحوها متعجباً: معقول!! يمكن جاي وعنده جديد. هم بالخروج من الغرفة لتستوقفه تسبيح هاتفة بنبرة أم أدركت
ما بقلب ابنتها تجاه منتصر: حازم!! مينفعش تتساهل شوية. تنهد حازم مؤكداً: في حاجات مينفعش يبقى فيها تنازلات يا تسبيح. ربنا يسهل وبكون جاي بالخير. اندفع حازم نحو الصالون، وما أن أبصره منتصر حتى انتفض محيياً في احترام. جلسا قبالة بعضهما. ليهتف به حازم مشيراً لعلب الحلوى المتعددة التي كان قد وضعها جانباً ما أن دخل الغرفة: مكنش في داعي تكلف نفسك يا منتصر. أنت داخل بيتك. ابتسم منتصر وهتف متفائلاً:
وده العشم برضو يا فندم. أنا جاي أجدد طلبي بخصوص الآنسة بدور. ابتسم حازم هاتفا: اكيد وصلك من المرة الأولى إن دي حاجة تسعدنا. أنت ظابط محترم وأخلاقك عالية. وأنا معنديش أي اعتراض عليك. بس يا ترى.. الشرط اللي قاله عمي عاصم فالبلد هيتحقق؟! تنحنح منتصر هاتفا: أنا جاي عشان أثبت رغبتي الحقيقة. حاولت أقنع أهلي كتير بس للأسف مفيش أمل. وكنت متعشم إن حضرتك تتغاضى عن الشرط ده. هتف به حازم مستنكراً:
عايزني أجوزك بنتي وانت جايلي بطولك يا حضرة الظابط؟! نكس منتصر رأسه مستشعراً الهزيمة، ليستطرد حازم بنبرة حانية: مجيتك دي كبيرة قوي عندي. لكن حط نفسك مكاني كأب.. هل هاترضى تجوز بنتك لواحد جايلك بطوله؟! إجابتك هاتبقى كفاية عشان ننهي النقاش. تنهد منتصر ونهض في انهزام مستأذناً. وما أن رحل حتى طالت بدور من حجرتها وقد سمعت الحوار كله عن طريق الشرفة المشتركة بين حجرتها وحجرة الصالون.
تطلعت نحو حازم وتسبيح وانفجرت باكية في وجع. وأخيراً عادت لحجرتها تغلق عليها بابها من جديد. دخل حازم حجرته تتبعه تسبيح باكية وهتفت متحسرة: بدور بتحبه يا حازم. أكد حازم وهو يضع رأسه بين كفيه: عارف.. وهو كمان بيحبها وعايزها بجد. بس أنا فأيدي إيه أعمله!! تنهد وهتف مستطرداً في حنق: أنا لو عليا أجوزههم. بس فيه حاجات كتير تمنع. أولهم خوفي عليها. جلست تسبيح تربت على كتفه تحاول تهدئته:
طب اهدى يا حازم.. اهدى عشان خاطري.. للسكر عندك يعلى. وهم لو ليهم نصيب في بعض ربنا هايقسم بالنصيب. وملست على رأسه تشاكسه: ولا أنت شكلك نسيت حكايتنا؟! ابتسم في شجن مؤكداً: حرام عليكِ.. هي دي حاجة تتنسي برضو!! ابتسمت بدورها ليتنهد أمراً: قومي شوفي بدور.. طيبي بخاطرها. وأنا هقوم ألبس ونازل المديرية. كانوا طالبني من ساعة وأنا أتأخرت عليهم.
ربتت على كتفه من جديد واندفعت نحو غرفة بدور تحاول أن تشاركها وجيعتها التي تدرك تماماً أن ما من شيء يمكن أن يداويها. وصل لنجع الصالح أخيراً في سلام. وعرج على بيت عمته هداية، وما أن خطت قدماه عتبات الدار حتى ارتفعت الزغاريد من هنا وهناك. تعجب هاتفا في مزاح: إيه في!! كل الفرحة دي عشان شوفتي؟! قهقه عبد الله الذي اندفع محتضناً يونس في سعادة لمرآه، بينما هتفت به عمته هداية:
حمد الله بالسلامة يا يونس. والله اتوحشناك يا غالي. قبل يونس هامتها تقديراً وهتف مقدماً الصور الفوتوغرافية: أها الأمانة يا عمتي.. عشان أنا عارف كنتِ هتزعلي لو مچبتهمش المرة دي. تطلعت هداية لصور الأحباب الراحلين وقد دمعت عيناها في حنين وشوق. وهتفت بعبد الله أمراً: تعالى يا واد يا عبد الله علّقهم فالصالون. هتف عبد الله مبتزاً إياها: ساندوتشين جبنة وكباية شاي.. عشان أعرف أعلقهم بمزاج. قهقه يونس وهتفت هداية في حنق:
يا واد هو أنا بجلك عدي البحر بيهم.. دول مسامير فالحيطة. جوم لأعلق دماغك. قهقه يونس من جديد وعبد الله يشاكسها: من غير السندوتشات والله ما أنا جايم.. اعتبريها أجرة التعليق. هتفت هداية حانقة: والله ما حد عايز يتعلج من ودانه إلا أنت يا بعيد. هتف يونس لعمته: هاتي يا عمتي الشاكوش والمسامير وأنا أعلقهم لك. هتف عبد الله مازحاً: بجي كده يا يونس.. قطاع أرزاق بصحيح.
تطلعت هداية نحو ولدها في ضيق وعادت بعد برهة تحمل بعض المسامير ومطرقة. ناوتهم ليونس الذي تبعها للصالون لتشير له على المواضع المناسبة لتعليقهم. بدأ يونس في دق أول مسمار، إلا أنه تذكر الزغاريد التي سمعها ما أن دخل الدار فهتف متسائلاً: مجلتيش يا عمتي.. كانت ليه الزغاريد؟! سمية جالها عريس؟! أكدت هداية في فرحة: لاه يا حبيبي.. احنا رايحين نخطبوا لمؤمن النهاردة ع المغرب باذن الله. هتف يونس وقد أوشك على تثبيت المسمار الأول:
الف مليون مبروك.. نويتوا على بت مين؟! هتف هداية في فرحة: سهام بت باسل التهامي. سمع يونس الاسم ودون أن يدرك سقطت الطرق الأخيرة على أحد أصابعه ما جعله ينتفض مسقطاً المطرقة من كفه. هتفت هداية في لوعة: اسم الله عليك يا ولدي.. أنت بخير؟! أكد يونس ما أن تدارك الأمر: آه بخير يا عمتي.. معلش مكنتش مركز. انحنى ملتقطاً المطرقة من جديد ليعاود عمله لتهتف به عمته:
بكدفاك يا ولدي.. أنا أبقى أخلي مؤمن يعلقهم.. أنت برضك جاى تعبان من السفر. هتف يونس وهو يعلق الصورة الأولى على مسمارها في حرص: والله أبداً.. ما حد يعلقهم غيري.. ييجي العريس عايزه فاضيلك يعلق تصاوير. قهقهت هداية هاتفة: عقبالك يا يونس.. ربنا يرزقك ببت الحلال اللي تريح جلبك. هتف يونس مؤمناً. والعجيب أن ما من صورة زاحمت مخيلته اللحظة إلا صورة سماحة التي كان يهرب من مطاردتها له طوال طريق العودة لنجع الصالح.
طرقات على باب حجراته جعلته يتنبه. وما أن طالت زوجة عمه إيمان من خلف الباب حتى انتفض مذعوراً: إيه في يا مرت عمي؟! زهرة بخير!! هتفت إيمان تطمئنه: أيوه يا عاصم.. كله تمام. تنهد في راحة، لكنه تنبه لفضح مشاعره بهذا الشكل، لكنه تظاهر باللامبالاة. إلا أن إيمان استطردت كأن شيئاً لم يكن هاتفة: بقولك يا عاصم.. تعالى اقعد مع زهرة عقبال ما أخطف رجلي للسرايا أجيب شوية حاجات وأرجع. هتف يحاول التملص من هذه المهمة العويصة رغم
رغبته الملحة في رؤيتها: طب قوليلى عايزة إيه وأنا أروح أجيبولك.. أو حتى نكلموا حد يجيبه.. أنا معرفش ليه الدكاترة مصممين على رجعتي دي وأنا بخير وكويس أها!! هتفت إيمان مفسرة: يمكن عشان عارفين إنك أول ما هتخرج من هنا.. هتمارس حياتك عادي ومش هتنتبه لذراعك وده هيبقى فيه خطر. وبعدين أهي فرصة تبقى جنبنا. هز رأسه موافقاً على تفسيرها ما جعلها تؤكد في عجالة:
أنا نازلة بجى عشان عمك ماجد مستنيني تحت.. هروح وهرجع طوالي مش هتأخر. خليك جنبها يا عاصم. اندفعت إيمان مغادرة دون أن تعطيه الفرصة للرفض أو القبول. ما جعله ينهض في هدوء ما أن غابت زوجة عمه، متجهاً صوب غرفتها القابعة بنفس الرواق الذي يضم غرفته. وقف أمام بابها مضطرباً ومد كفه يطرق الباب في وجل. كان يعلم أنها لن تجيب، فهي ما تزال بعالم آخر، منعزلة عن عالمنا كلياً.
فتح باب الغرفة متسمراً على أعتابها متطلعاً نحوها وقلبه يترنح في وجيعة على حالها المحزن وشحوبها الشديد. دبلت زهرته وهي ما تزال يانعة على غصنها. تنهد هاتفا: السلام عليكم.. كيفك دلوقتي؟! كان سؤالاً أحمق أجوف لا يحمل أي ذكاء ولا يستحق الإجابة من الأساس، لكنه سؤال بحكم العادة لمحاولة فتح الحديث. فقد كان حالها الظاهري كافياً كإجابة شافية وافية.
جلس على المقعد الملاصق لفراشها والذي كان موضع جلوس أمها الدائم. استعاره اللحظة في محاولة ليكون أنيسها حتى عودة أمها من مهمتها. تنحنح هاتفا وهي ما تزال على جمودها الظاهري مشيراً لتلك الرواية التي حملها معه من حجراته: تحبي أقرالك حاجة؟! عارفك بتحبي القراية وجبت لك الرواية اللي كانت عاجباكِ.. "الحب في زمن الكوليرا".
كان قد أخبر سمير منذ عدة أيام ليحضرها حتى يقضي معها وقته الذي يمضيه هنا بالمستشفى في ملل ورتابة. وها قد جاء وقتها. لقد أوشك على إنهائها بالفعل. لم تكن الرواية هي ما أثار إعجابه، كان إصرار البطل هو المثير لإعجابه بحق. كانت محقة في ملاحظاتها فعلاً. تنبهت للمرة الأولى ما جعله يهتف في حماسة: أنا قريتها كلها.. حلوة بجد. بصي.. دي أكتر حتة عجبتني.
أدارت رأسها متطلعة نحوه وهو منهمك، منكس الرأس يقلب في صفحات الرواية. وما أن رفع رأسه متطلعاً نحوها، يهم بالقراءة حتى توقف مصدوماً ونظراتهما تتشابك. نظراتها تحمل مزيجاً عجيباً من مشاعر مختلطة، وقد كان هو من الاضطراب ما جعله عاجزاً تماماً عن تفسيرها. قطع النظرات معاوداً النظر لصفحات الرواية هامساً بأحرف مهزوزة أدركها من فوره ما جعله يتنحنح مجلياً صوته هاتفا بنبرة أودعها كل ما يحمل من ثبات يقرأ الأسطر
التي حازت على إعجابه: "نحنثرثر كثيراً.. ومع ذلك.. نعجز عن وصف مشاعرنا كما يجب". رفع ناظره نحوها، لتقابله نظراتها المثبتة نحوه بشكل أثار تعجبه. أعاد النظر نحو صفحات الكتاب مقلباً ليقرأ من جديد: "ما أعظم أن يستطيع الإنسان أن يخفي مشاعره حتى لو تنازعته نفسه لتفجيرها بعيون دامعة، انكساراً لأجل صمت أنيق وحزن أحمق وأنانية فارغة". رفع ناظره مرة أخرى متطلعاً نحوها ليسود الصمت، لتهتف بصوت متحشرج لأول مرة منذ
أيام بأحد تلك الاقتباسات: "الشيء الوحيد الذي يؤلمني بالموت.. هو ألا أموت حباً". انتفض لا يصدق أنها أخيراً تفاعلت معه ونطقت بعدة أحرف. كان اقتباساً عجيباً ومحزناً، يضم الموت والحب بجملة واحدة. هل كانت ترغب لو أنها رحلت مع زوجها لعدم قدرتها على تحمل عبء حب أصبح طرفه في عالم آخر؟!
كان هذا هو تفسيره لما نطقت به. حاول تجاهل تلك الغصة بحلقه وهم بالحديث إلا أن باب الحجرة انفرد. كان يعتقد أنها أمها قد عادت، رغم أنه لم تمر الساعة بعد على رحيلها. كانت الممرضة تحمل صينية الغذاء. تطلعت نحوه هاتفة: حضرتك هنا؟! طب خد بقى صينية غداك بالمرة بدل ما أسيبها في أوضتك وتبرد. هز رأسه موافقاً، لتضع الممرضة صينتي الغذاء جانباً، راحلة في هدوء. نهض حاملاً صينية طعامها واضعاً إياها على طرف الفراش. هاتفا:
يالالا عشان تاكلي حاجة. لم تمد يداً نحو الصينية كأنها عادت سيرتها الأولى، وتلك الكلمات التي همست بها كانت درباً من الخيال ليس أكثر. ما دفعه ليعاود الجلوس مجدداً. كان وضع ذراعه المحمولة لرقبته بحامل طبي معيقاً له عن التصرف حتى أثناء تقليب صفحات الرواية، لكن الآن يمكنه أن يناولها الطعام على الأقل.
هزت رأسها رفضاً عندما قدم لها طبق الحساء. أعاد الطبق للصينية من جديد. وساد الصمت بينهما. إلا أنه تجرأ وأمسك بالملعقة يحمل بها بعض الحساء من طبقها نحو فمها. حاول أن يجعل كفه ثابتة لا ترتجف جراء تلك النظرات التي شملته بها. وللعجب مدت فمها تتناول ما بالملعقة من حساء. ما جعله رغم اضطرابه يبتسم في انتصار أنه استطاع إقناعها بتناول الطعام الذي كانت تعافه منذ ما حدث. حتى أنها أنهت الطبق.
صرخات متقطعة وهمهمة وجع متكررة وهتاف ما بين الصرخات مصاحباً لأنفاسها اللاهثة المتتابعة: سامحني يا رائف.. سامحوني كلكم. ارتفعت الصرخات من جديد ما جعله ينتفض في ذعر على فراشه متلفتاً حوله في تيه. نفس الحلم بنفس التتابع الذي يعاوده ما بين فترة وأخرى ولم يفارقه أبداً.
تنهد في ضيق وهو يمسح وجهه بكلتا كفيه، محاولاً دفع النعاس عنه. فما عاد لديه الرغبة فيه من الأساس. نهض متوجهاً للحمام متوضئاً لصلاة الفجر التي كان أذانها يصيح بالخارج في هذه اللحظة. اندفع من حجراته بعد بعض الوقت وما أن هبط الدرج حتى طالعه محيا جده المتسلل ليلاً كعادته. ابتسم محاولاً أن يبدو لا يدرك. وانحنى مقبلاً هامته. ليهتف جده عبد السلام السليماني: إيه اللي جومك دلوقتي؟! ده الفجر يا دوبك لسه مأذن مفيش.
أكد رائف متنهداً: أبدا يا جدي.. قلقت جمت لحالي. ومقدرتش أكمل نوم. فرحت جومت أعملي حاجة مفيدة. بدل المطروحة ع السرير من جنب لجنب. تنهد الجد متسائلاً: لسه شايل جواك كتير يا رائف.. وتوهت عن نفسك كتير. ميتا ترجع لنفسك يا ولدي؟! هتف رائف متطلعاً لكفيه في حسرة: مبينهاش رجوع يا جدي.. اللي راح مبيرجعش.
واستأذن مندفعاً للخارج حيث فرسه الأدهم الذي يمتطيه مسابقاً الريح معتلياً تلك الربوة البعيدة منعزلاً عن العالم. لعل تلك الفترة البسيطة من العزلة التي يفرضها على نفسه كلما زارته بأحلامه تجعله قادراً على مجابهة أوجاع ذاك الجرح الذي لم يندمل بداخله أبداً. ظل على حاله حتى بدأت شمس الضحى في شق الغيم قبالة ناظريه والتي استطاع التطلع إلى عينها القوية بسهولة من خلف منظاره الشمسي الأنيق.
من هناك على أول الطريق نحو السليمانية لاحت عربتها قادمة. لا تخلف موعدها يوماً. ابتسم رغم شجونه التي تعربد بدواخله. وكأن بقعة النور التي تشبه اسمها تضيء تلك العتمة التي تشمل روحه الحيرة. جذب لجام فرسه موجهاً إياه ليهبط التلة في اتجاه الطريق. ليظهر قبالتها ما أن ترجلت مغادرة سيارتها، والتي غادر خفيرها للتو.
رفعت ناظريها نحوه، وخفق قلبها في قوة. كانت تلك المرة الأولى التي تراه فيها بعد ما كان بينهما من نظرات داخل الاستراحة وهي تطيب له جرحه، والذي على ما يبدو قد شفي بالفعل. فهو يقبض على لجام فرسه بقوة جعلت شيئاً ما يضطرب داخلها. هتفت بحكم العادة والأدب: صباح الخير يا رائف بيه. ترجل سائراً بجوارها وهو ما يزال قابضاً على لجام فرسه ليسير خلفه: صباح الخير يا دكتورة.
ساد الصمت بينهما. لم يكن كلاهما بارعاً في الحديث. لكن صمتهما كان أبلغ من أي كلمات يمكن أن تقال. صمت ظاهري يحمل داخله صخب ألعاب نارية في يوم مهرجان. همت بالحديث ليهم بالحديث في نفس اللحظة. تطلع كلاهما للآخر. واتسعت ابتسامته بشكل غير اعتيادي أورثها اضطراباً في جزء ما مجهول داخلها. هتف مشيراً لها: اتفضلي.. كنتِ عايزة تجولي إيه؟! همست متسائلة:
أبدا.. كنت هسألك.. وشعرت بحمق سؤالها والذي قد يجلب عليها ذكرى تزيدها اضطراباً. فصمتت. ما دفعه لتعجلها: هاا.. عن إيه؟! استطردت وما عاد لها من مهرب: جرح دراعك.. بقى كويس؟! ابتسم مؤكداً: الحمد لله.. بخير.. دكتورة سميحة قامت بالواجب. همست بنبرة معتذرة: أنا آسفة إن ده حصل بسببي. وصلا للاستراحة ما دفعه ليهتف مبتسماً على غير عادته: محصلش حاجة يا دكتورة.. محصلش إلا كل خير. هم بالرحيل لتستوقفه متسائلة بفضول: يا رائف بيه..
استدار نصف استدارة نحوها مستفسراً ما دفعها لتستطرد: كنت عايز تسألني عن إيه صحيح؟! صمت للحظة ظنت أنه سيعقبها بسؤال ما إلا أنه هتف بتعبيرات وجه جامدة عادت لطبيعتها: مفيش.. حاجة مهياش مهمة.. مش عايز أعطلك عن شغلك.. سلام عليكم.
لم يكن الفضول قاتلها يوماً. لكنها اللحظة تكاد تقسم أن لها رغبة حثيثة في الركض خلفه حتى يخبرها عن سؤاله الغير هام ذاك. والذي رغم اعترافه بسذاجة فحواه إلا أنها ستموت فضولاً لمعرفته. لكنها عزّت نفسها مؤكدة.. أن الفضول خلق سيء.. فكم قتل الفضول من قطط!! ما دفعها لتتجاهل تلك الرغبة في المعرفة متجهة صوب الوحدة الصحية.
كان عليه الصعود لحجرة القائد الذي استدعاه لأمر هام. كان في اتجاه حجرة المكتب بآخر ذاك الرواق الطويل نوعاً ما عندما توقف فجأة عندما أبصرها. كانت تقف مع ذاك الشاب اللزج الذي حذرها مراراً من الوقوف أو التعامل معه من الأساس. لم يكن يدرك أنها ما فعلت إلا عندما لمحته قادماً فاندفعت تقف لتحدث ذاك الشاب الذي كانت لا تستلطفه أبداً. لكنها لرغبتها في إثارة غيرته فعلت. ربما يتحرك ذاك التمثال الصخري ويعود لسابق عهده قبل أن يقر لها برغبته الحمقاء في جعل ما بينهما صداقة بريئة لا أكثر بعد أن رفض والدها مطلبه في التقدم لخطبتها.
توقف هو بالفعل لبرهة.. يتآكله الغضب وتنهش قلبه الغيرة العمياء. لكنه تمالك أعصابه وتمسك بآخر درجات ضبط النفس وهو يمر أمامهما في لامبالاة ظاهرية جعلتها تكاد تموت قهراً ما دفعها رغماً عنها لتناديه بتهور: سيادة النقيب.. ممكن لحظة؟! توقف ولم يستدر لها لتندفع تقف قبالته متطلعة نحوه في حنق هامسة: إيه.. عديت ومسلمتش حتى.. هي دي أصول الصداقة يا كابتن؟! ضغطت على كلمة الصداقة عن عمد لكنه تجاهل ذلك هاتفا ببرود ظاهري:
لقيتك مشغولة محبتش أزعجك وكمان أنا مستعجل الصراحة. كادت أن تصرخ غيظاً إلا أنها هتفت بتفهم: تمام.. يبقى مش هعطلك. وتركته مندفعة لتقف من جديد مع ذاك الشاب الذي ظل بانتظارها ولم يتزحزح عن موضعه ما أورث منتصر رغبة في العودة إليه ليوسعه ضرباً محذراً إياه من الاقتراب منها إلا أنه زفر بقوة واندفع لمكتب القائد الذي دخله بعد عدة طرقات متسارعة أذن له بعدها ليهتف به القائد بسعادة:
اتفضل يا منتصر.. عندي لك خبرية حلوة وأنت كنت مستنيها. هتف منتصر بلهفة: اللي في بالي حصل يا فندم؟! أكد القائد بهزة من رأسه: أيوه بالظبط.. طلب النقل اللي طلبته اتوافق عليه. إزاي.. معرفش.. ده أنت شكلك مسنود جامد بقى. ابتسم منتصر بتأكيد: مسنود على كرم ربنا والله يا فندم. بس أنا فعلاً كلمت سيادة اللواء مرتضى السعدي اللي كنت بخدم معاه في إسكندرية من كام سنة.. والحمد لله ربنا سهل. هتف قائده بتعجب:
بس أنا مستغرب الصراحة.. حد يسيب الراحة ويروح للشقا برجله يا بني؟! ابتسم منتصر مؤكداً: أنا هبقى مرتاح فالشقا ده يا فندم أكتر من الراحة اللي هنا والله. تنهد القائد متطلعاً إليه باستغراب وأخيراً هتف بمحبة: على بركة الله يا وحش.. أنت ظابط ممتاز وهتسند في أي مكان تروح له.. بالتوفيق.
ألقى منتصر التحية العسكرية مستأذناً براحة وقد اطمأن أنه سيرحل عن هنا فما عاد قادراً على رؤيتها في كل لحظة دون أن يكون لها دوماً.. حبيب لا مسمى آخر. لكنه لن يستطيع تنفيذ ذاك الوعد الذي قطعه على نفسه وهي أمام ناظريه بهذا الشكل الذي يورثه الجنون ويسلب منه راحة البال ويخلف له الحسرة. فكان عليه أن يبتعد من أجلها أولاً قبل أن يكون لأجله.
طالعها من جديد ما تزال تقف في نفس موضعها السابق لكن هذه المرة مع مجموعة من الشباب ليس واحداً فقط. ورغم أنه كان هناك العديد من الفتيات في صحبتها لم تكن تقف بينهم وحيدة إلا أنه شعر بنفس المشاعر القاتلة التي تفتك بحشاه فهو يعلم تماماً أن الاختلاط بهذا الشكل لم يكن من شيمها وأنها لا تفعل هذا إلا لتسترع انتباهه وتثير حفيظته.
مر بجوار الجمع متجاهلاً نظراتها التي كانت تتبعه والذي استشعرها ملتصقة بظهره حتى غاب. تنهد بضيق وهو يدفع بنفسه لداخل سيارته مؤكداً على نفسه أنه اتخذ الإجراء السليم وأن قرار ابتعاده عن الجامعة برمتها كان الأصوب برغم الوجع الذي يستشعره اللحظة وهو يدير سيارته راحلاً عنها بلا رجعة.
شغل مذياع السيارة لعله يصرف ذهنه عن تلك التي تركها خلفه ترجوه بنظراتها أن لا يذهب رغم كبريائها الذي كان يدعي الصمود أمام بروده المصطنع والذي كان يخفي خلفه ناراً مستعرة بروحه لا يعتقد أنها ستخبو يوماً. ارتفع شدو المطرب يذكره بحاله الميئوس منها: وإن شفته ويا غيري مطول في السلام وشافني شايفه يعند ويطول في الكلام ويا عيني ع اللي كان بيحب الثاني أكثر بيهرب من المكان وبيبقى عذابه أكبر ويا عيني ع اللقا من غير غيرة وعتاب
ده مفيش بين الصحاب غيرة وعتاب..
دمعت عيناه حتى بدأ يفقد علامات الطريق أمام ناظريه وهنا انفجر غضبه كله دفعة واحدة وقد أخذ في الضرب على مقود السيارة بكفه في ثورة لعدة مرات متتالية قبل أن يتمالك نفسه مغلقاً المذياع بعنف مخرساً تلك الكلمات التي كانت كالبنزين الذي يلقى على نار وجعه المستعرة بصدره من الأساس فتزيدها اشتعالاً. جذب شهيقاً قوياً كتمه بصدره للحظة قبل أن يطلقه زفيراً محملاً بلهيب غضبه وهو يضغط على دواسة البنزين أكثر رغبة في الهرب بشكل أسرع من ذكرياته التي تلاحقه وهو يدرك تماماً أن لا مفر منها أبداً.
خرجت من مقر اجتماعها الذي انتهى لتوه متوجهة صوب عربتها التي ما أن استقلتها حتى لمحته خلفها. يركب عربته بدوره. هل كان ذاك صدفة؟!
أم أن الأمر بات متكرراً في الآونة الأخيرة ما جعلها تعتقد أنه يتبعها حيث تكون. انتشت لهذا الخاطر الذي أطرب قلبها فرحاً. لكنها لوهلة تذكرت أن هذه المشاعر التي ما زالت تكنها له باتت محرمة عليها. فهي ليست من حقها في الأساس. فهو رجل متزوج.. ينعم بحياة زوجية مستقرة وزوجة محبة كانت من البداية حب عمره. أحبطها الخاطر الأخير لتهبط من علياء أحلامها لحضيض الحقيقة والواقع.
اندفعت بسيارتها بسرعة تفتح مذياع السيارة الذي رفعت مستوى الصوت فيه لأعلى درجة لعل ذلك يصرف خاطرها عن التفكير في حبها المستحيل ومشاعرها المحرمة. لذا لم تتنبه لتلك السيارة التي ظهرت فجأة ما أن دخلت بأحد الشوارع الهادئة نسبياً بعيداً عن ضجيج الشوارع الرئيسية. إلا واسرعت هذه السيارة بشكل جعلها تنتبه قسراً عندما اعترضت طريقها ما اضطرها لتضغط على مكابح سيارتها لتتوقف متطلعة لما يحدث في صدمة.
اندفع عدد من الرجال نحو سيارتها التي اتخذت دفاعاتها وأغلقت أبوابها إلكترونياً وظلت حبيسة الداخل لا تدري ما الذي يجري بالضبط!! وماذا يريد هؤلاء الرجال منها!؟ جذبت حقيبتها باحثة عن جوالها لطلب النجدة. لكن من شدة اضطرابها والرجال يحاولون فتح أي من أبواب السيارة الأربع سقط الهاتف أسفل قدمها في عتمة الدواسة لتهتف متذمرة بغضب.
صرخت ما أن تجرأ أحدهم وكسر إحدى النوافذ واستطاع مد كفه لفتح الباب ليصل إليها أخيراً. بدأت في الصراخ وهم يجرونها لخارج السيارة. إلا أن تلك الطلقات التي ارتفع صداها بالقرب جعلتهم يتركوها مترنحة وأحدهم قد وضع منديلاً على أنفها بغية تخديرها لتلوذ بالصمت ولا تلفت صرخاتها أي من كان.
بدأ الدوار يزحف لعقلها بظلمته. ولم تدرك من أمرها شيئاً. إلا تلك الطلقات التي دوت من جديد وهي تسقط بين ذراعي نزار الذي هتف باسمها عدة مرات. لكنها لم تستطع الإجابة. وهو يحملها نحو سيارته، مندفعاً نحو بناية ما على الأرجح كانت البناية التي يقطن بها. لتتوقف العربة التي كانت تتبع نزار شاهدة على كل ما حدث. يبتسم صاحبها بتشفٍ ضاغطاً على أزرار جواله. لحظة وهتف بفخر: الموضوع خلص.. والفار دخل المصيدة.
قهقه شخص ما على الطرف الآخر منتشياً فأخيراً تحقق ما كان يصبو إليه.
كانت تشعر بالاختناق. وحيدة بهذا البيت العريض بعد وفاة أبيها التي مر عليها أكثر من شهرين كاملين. لم يكن هناك إلا شيئ واحد فقط هو الذي يخرجها من حالة الاختناق والضيق هذه.. الرقص. ربنا لا يدرك مخلوق أن تلك الفتاة المسترجلة والتي تتشبه بالرجال في تعاملاتهم وملابسهم هي راقصة بارعة. عندما ترقص تتلبسها روح عجيبة.. روح أنثى ثائرة قررت أن تؤكد للجميع أنها أكثر أنوثة من كثيرات.
دخلت حجرتها وعبثت قليلاً بخزانة ملابسها حتى أخرجته. أخرجت ذاك الفستان الحريري الذي كان يوماً لأمها الراحلة. والذي يعد كذلك الذكرى الوحيدة لها بهذا المنزل. كان أبوها قد أخرج كل ما كان لها لوجه الله صدقة على روحها. ولم يبق إلا هذا الثوب الحريري الذي طالما أخبرها أنه كان يعشق رؤيته عليها.
لقد أمسكت به متلبساً ربما مرة عندما كانت في الرابعة عشرة من عمرها. كان يبكي بحرقة وهو يحتضن ذاك الثوب العزيز. علمت منه أنها كان يعشقها. ورحيلها الغير متوقع قهر روحه. يومها قررت أن تحتفظ بالثوب لنفسها دونه حتى لا تثير رؤيته شجون أبيها ومواجع قلبه. وضعت الثوب على جسدها تتطلع للمرآة اللحظة. كان الثوب ملائماً لها بشكل يفوق الخيال وكأنما قد صُنع خصيصاً لأجلها.
دارت به دورة خفيفة لترتفع حوافه كبتلات زهرة تحتضن ساقها المياس. همت أن تمد كفاً للمذياع لتشغيل الموسيقى لكنها أدركت أن الصوت قد يتسلل للخارج في مثل هذه الساعة المتأخرة من الليل. ما دفعها لتضع سماعات الأذن على جوالها وتخرج للردهة الواسعة وتبدأ السحر. كانت ترقص كغجرية ولدت ما بين نغمتين حائرتين من جيتار ثائر.. أو جنية ترقص على دخان مبخرة مغوية ومغرية. كل خلية في جسدها تستجيب لاستفزاز الوتر.
لا تعرف كم استغرقت من وقت وهي على حالة النشوة تلك. إلا عندما بدأت تتصبب عرقاً ملصقاً ثوبها الحريري بجسدها الأنثوي الأكثر إغراءً من جسد عارضة أزياء. فتنهدت أخيراً وقد شعرت بالإرهاق فخلعت عنها سماعات الأذن. لتفاجأ بطرق متعاقب على الباب بقوة. انتفضت موضعها باضطراب. ثم اقتربت بوجل من الباب متسائلة: مين؟! هتف محروس من خلف الباب: افتحي يا ست الكل خدي إيراد امبارح. هتفت حسن بحنق: وهو الإيراد ده مينفعش يستنى لبكرة؟!
هتف صوت أجش مصاحب: لا مينفعش يستنى يا ست الكل.. ده قاعد على نار الشوق بقاله مدة. لم ترد بل تسللت ببطء نحو جوالها لتطلب النجدة. من.. وجدت نفسها تبحث عن رقمه لا إرادياً. لكن من على الباب لم يمهلها بل دفع الباب دفعة قوية. فأصبح بوسط الردهة التي انتفضت هي صارخة تركض منها نحو حجرة نوم والدها تتحامى خلف بابها الذي كان قفله معطلاً ما جعلها تضع جسدها على بابه تزود عن نفسها.
لا تعرف أين ذهب صوتها الجهوري المعتاد. كأن الصدمة قد أخرستها فما عادت تمتلك صوتاً تصدح به طلباً للنجدة. بدأ الضغط على بابها يزداد رغم مقاومتها لكن إلى متى يمكنها الصمود!! تمدد يونس على فراشه عيونه معلقة بسقف الغرفة في تيه. تتمثل أمامه اللحظة صورته.. يقصد صورتها.. فهو لم يستوعب بعد تلك المفاجأة التي كادت أن ترديه قتيلاً عندما شرد أثناء قيادته في الطريق لبيت أبيه بعد اكتشافه سرها.. سر سماحة.
تنهد بضيق وهو يتطلع إلى الفراش المجاور لفراشه في الغرفة والذي كان لراضي. كان يشتاقه اللحظة ويحتاج وجوده. فلو كان هنا لكان قص عليه كل الحكاية وسأله النصيحة. أمسك هاتفه وضغط على رقمه. انتهى الرنين على الطرف الآخر دون رد فأعتقد أن راضي قد خلد للنوم.
زفر يونس بضيق واستدار مولياً ظهره للفراش الذي احتلّه بالفعل اثنين من إخوته الأصغر سناً. لتعود صورتها الظهور أمامه من جديد وهي تتمايل بكل ذاك الإغواء غير مدركة أنها أطاحت بثباته وتعقله. فكيف لامرأة بكل تلك الأنوثة الصاخبة تخدعه بزي ذكوري حتى أنه ما شك في حقيقتها للحظة؟! وطل ذاك السؤال الأهم بمخيلته.. لما فعلت ذلك؟! لما كتبت على نفسها العيش عكس طبيعتها مختبئة خلف كونها أحد الرجال؟! ما السر وراءها يا ترى؟!
ظلت دماغه على غليان أفكارها حتى جذبه النوم لعتباته لكنه لم يستطع انتزاعها من مخيلته فرافقته بأحلامه غير قادر على الفكاك منها.
تأفف شاعراً بالضيق. لا يعلم سبباً محدداً لذلك. لكن كل ما كان يعيه اللحظة هو رغبته في الرحيل عن الحارة والعودة للنجع بأسرع وقت ممكن. فقد اقتربت غايته من نهايتها وأصبح خبيراً في صيانة بعض أنواع السيارات التي تستخدم بشكل كبير في الصعيد. وعلى طرقه الوعرة. وقد حان الوقت ليفتح مشروع العمر الذي كان يحلم به.. مركز لصيانة هذه النوعية.. يديره بنفسه.
زفر ناهضاً من فراشه للخارج. يتطلع من سور السطح لقلب الحارة في مثل هذه الساعة وهو يدرك بقرارة نفسه أن سبب رغبته في تعجيل الرحيل هو.. نعمة.. ذات الجدائل التي تسلبه وقار قلبه. لم يخلق هو للحب وعذاباته. ولا نية له لخوض هذه التجربة الفاشلة في اعتقاده. عليه المغادرة وهو ما يزال قادراً على ذلك.
تطلع للنافذة أسفل موضع وقوفه. كان يعلم موضع حجرة نادر. وها هي نافذة غرفتها المشرعة. والتي يتسلل إليه من خلالها بعض الموسيقى.. التي انتشى لسماعها وعدلت من مزاجه قليلاً. لكنه تنبه اللحظة لدخول محروس وشخص ضخم الجثة معه إلى بيت حسن. لم يكن الأمر في حاجة للكثير من الذكاء ليدرك راضي أن هناك مصيبة ستقع إن لم يسرع بالتصرف.
اندفع يقفز درجات السلم نحو بيت ناصر طارقاً الباب بعجالة ليست من عاداته ليفتح نادر.. الذي صرخ في وجهه مؤكداً: حُسن في رجالة داخلة عليها بيتها مع محروس.
اندفع كلاهما يقفز الدرج للخارج ومنه لبيت حسن. وصلتهما الصرخات المكتومة من الداخل ما جعل الدم يثور بعروقهما عندما وجدا باب البيت من الخارج مغلقاً بسلسلة حديدية قوية. حاولا دفع الباب عدة مرات لكن بلا طائل ما دفع نادر ليندفع لداخل البيت المجاور ليتبعه راضي وكلاهما كان في غمرة اضطرابه حافياً. استفاقت الحارة على ذاك الهرج والمرج الحادث.
عندما وصل كلاهما لسطح البيت ومنه قفزا نحو سطح بيت حسن مندفعين يهبطا الدرج في هرولة نحو باب شقتها الذي كان يسده محروس بجسده. تاركاً شخصاً ما بالداخل لغرض ما. انقض راضي على محروس وبدأ في تسديد الركلات والقبضات له حتى خارت قواه ليندفع للداخل ليجد الرجل الضخم الجثة ذاك قد دفع باب غرفة حسن بالفعل وهم بالانقضاض عليها. لكن نادر كان الأسبق ليقفز نحوه. دافعاً به ليسقطا أرضاً. هتف نادر بها: اطلعي بره بسرعة.
كانت تقف متخشبة لا تعلم ماذا دهاها. عيونها باكية وجسدها متصلب. ما دفعه ليأمرها من جديد وهو يعتلي ذاك الضخم مكيلاً له اللكمات: بقولك بره.. اخرجي بره. كان أهل الحارة قد استدعوا الشرطة بالفعل. وحاول ناصر وبعض الرجال كسر قيد باب بيت حسن. لكن لم يفلح أحد.
ما دفع راضي ليدخل الغرفة بعد قضائه على محروس المكوم كخرقة بالية بالخارج دافعاً بها لخارج الحجرة مغلقاً بابها ليتكفل هو ونادر بالرجل الذي دفع بالأخير في سهولة كأن كل ما أصابه من لكمات نادر مجرد خدر بسيط استفاق منه سريعاً ليبدأ القتال الحقيقي. لم يكن يعلم أي منهما.. من يكون هذا الوحش الآدمي؟!
فلم يكن من الحارة أو حتى من المنطقة بأسرها. الوحيد الذي يعرف هو محروس. كل ما كان يهمهما الآن هو كيفية التغلب على ذاك الضخم بأي طريقة. تناوبا تسديد الركلات واللكمات له.. من هنا وهناك.. لكنه استطاع الوصول لنادر معتصراً إياه بين ذراعيه ما جعله يصرخ في ألم. اندفع راضي ملقياً مرتبة الفراش أرضاً وتناول أحد الألواح الخشبية وضربه به على رأسه. ليترنح أخيراً مفلتًا نادر من بين يديه. أخذ يتطوح لبرهة وهما على تحفز لأي حركة قد تصدر منه. إلا أنه سقط كالبرج المنهار على ألواح الفراش المتبقية.
ساد الصمت للحظات قبل أن يتنهد كلاهما.. في طريقهما لخارج الغرفة. وقد استطاع أهل الحارة فتح الباب ليصبح خميس وناصر وبعض الرجال بالداخل أخيراً. كان محروس مكوم أرضاً فاقداً الوعي. بينما راضي ونادر.. قد نالهما من الكدمات والضربات ما جعل كل منهما يلقي بجسده على أقرب مقعد لموضعه.
أما حسن.. فقد كانت تجلس على أحد مقاعد السفرة المهترئة. استطاعت أن تستر جسدها وشعرها بشال كانت تضعه دوماً على مقربة من الباب. عيونها منكسرة النظرة يملأ وجهها الدموع. هتف خميس متسائلاً: إيه اللي حصل؟! ومين دول يا حسن يا بنتي؟! هتف ناصر مشيراً على محروس: المكوم ده محروس اللي كان شغال عند أبوها الله يرحمه في الورشة. وبعدين اشتغل معاها. ده إحنا عارفينه.. لكن التاني ده إيه؟! لم ترد حسن.. فلم تكن تملك إجابة من الأساس.
بدأ الجمع ينفض.. في انتظار الشرطة. إلا أن من وصل اللحظة.. امرأة دخلت للبيت في ترقب لا تدري ما يحدث. وما أن أبصرت حالة حسن حتى اندفعت نحوها بلهفة بينما تبعها رجل. ما أن وضع قدمه داخل الشقة متطلعاً للفوضى الناتجة عن الشجار والكر والفر إلا وهتف بصوت يحمل نبرة غير مصرية رغم أنه يتحدث العامية المصرية بشكل جيد: إيه اللي حصل هنا؟! الحرب قامت!! كان مجرد تساؤل بسيط. لكنه لم يكن يعلم أن الحرب فعلاً على وشك الاندلاع.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!