الفصل 43 | من 56 فصل

رواية زهرة الاشواك الفصل الثالث والأربعون 43 - بقلم نور

المشاهدات
23
كلمة
6,431
وقت القراءة
33 د
التقدم في الرواية 77%
حجم الخط: 18

قال ياسين: –البسي.. هنروح المأذون. تفاجأت فريدة وقالت: –مأذون.. لي؟! –هرجع. تفاجأت كثيراً من تلك الجملة، هل سمعت خطأ؟ هل ستعود إليه؟ ذلك اليوم الذي تمناه، لماذا أتى هكذا؟ –اشمعنى؟ تعجبت كثيراً مما قاله، شافها لم تسعد، لم ترتح، بل وجدت الهم قد ملأ وجهها أكثر. –يعني إيه، اشمعنا؟ –بتعملي معروف فيا.. ولا غلطة عايز تصلحها. أنصدمت، نظرت له لتجدها جدية، فقال: –انتي بتقولي إيه؟ –رد، ده قرارك أنت. –أيوه.

–ومفكرتش ترجعني لي غير دلوقتي… بسبب اللي حصل.. لو كده مكنتش فكرت ترجعني؟! –انتي مش موافقة؟! –لو كان القرار منك… –ردي عليا، موافقة ولا لا.. مش عايزاني… تقدم منها وهو يرى تعبيراتها بأن تخيب آماله، قال: –… مش عايزة نتجوز. صمتت بحزن، تتمنى ذلك، نظر لها بشدة، قال: –ردي. لم تعطيه إجابة، بل أدارت الموضوع وقالت: –ميرال… هتتجوزها؟ أنا هبقى إيه؟ صمت، لتقل باستدراك: –زوجة تانية، مش كده؟ كأنها تتحجج بميرال، قال:

–أنا بتكلم علينا. –وميرال طرف تالت، أو أقول إن أنا الطرق التالت.. رد، عايز تتجوزني وتتجوزها؟ صمت بضيق. قالت: –اللي وافقتش عليه من الأول، عايزني أوافق عليه دلوقتي بوضع أصعب.. عايزني أبقى مراتك وأشوفك بتتجوز وتعيشي معاها.. مش هقدر. فكرة بس إنك كنت بتسافر لدارين موتتني، عايزني أوافق دلوقتي إزاي؟ نظر لها وقال بجدية: –ميرال هي اللي مضايقاكي. صمتت، وهو ينتظر ما تقوله، لكنها ردت: –كل حاجة غلط.. حتى القرار مش منك.

كأنها لا تطاوعه فيما يريده، لم تعطيه إجابة يتلهف بسماعها، تفكر في نفسها فقط، وهو يفكر فيها. –لو اللي حصل انتهى ومتحسس بالذنب، اعتبرها نزوة. نظر لها بصدمة. مشيت، مسكها وقال: –نزوة.. بتسمي اللي حصل نزوة؟ بكت وقالت: –أمال تبقى إيه.. لا أنت بتحبني ولا فيه حاجة بينا، تبقى إيه؟ لتلك الحد، هي غبية، ألم ترَ أنه لولا حبه لما فعل ذلك؟ حبه الذي أضعفه معها، لم يضعف مع أي امرأة أخرى طوال السنين، غير أمامها.

–لو كانت نزوة، ما عملت كده مع غيرك لي.. لي اخترتك انتي.. أنا مش كده. –بحاول ألاقي لك تبرير، بس حتى أنا شايفاك عادي، ولا كأنك معترف بالغلط… نظرت له وأردفت: –عايزة أسألك نفس سؤالك.. لي أنا يا ياسين؟ لو كانت ميرال، كنت عاملت معاها كده؟ تريده أن يعمل علاقة مع غيرها؟ أحقاً تخبره بفعل ذلك، وأنها ستكون سعيدة إن فعلها معها بدلاً منها؟ قال: –لا يا فريدة. ويقول لأنه لا يكن لها تلك المشاعر ليفعل ذلك، لكنها حزنت وقالت:

–لأنك شايفها غالية، بس أنا… أسكتها وهو يقول: –بس بقى يا فريدة، بس. مش قادر أستحمل كلامك.. اسكتي خالص. سكتت وهي شيفاه مضايق جداً منها، وكان يعطيها ظهره. –لي بيوجعك.. هو ما يهمكش أصلاً. أغمض عينه بضيق ورجاء لتصمت: –أرجوكي، تحرقي قلبي مراراً، تظلميني مراراً، ونظرتك تقتلني مراراً. هذا القلب بات يصبح ميتاً تحت يديك. قال: –قوليلى أعمل إيه يا فريدة.. بحاول أرضيكي ومش عارف انتي عايزة إيه. –هتعمل إيه؟

–اللي انتي عايزاه هيحصل.. بس عرفيني عايزاني أعمل إيه. صمتت، فهل بالفعل سيفعل ما تريده؟ تتمنى أن تخبره بأن يعانقها لتشعر بالأمان من جديد، يخبرها أن كل شيء سيكون بخير، تتمنى لو تخبره ألا يتزوج، وأنها تحبه.. تحبه كثيراً، أن يعود إليه. نظر لها من صمتها وهو ينتظر، قال: –ردي يا فريدة، هعملك اللي عايزاه. شعر بضيق منها، فهل لم تتغير؟ ينتظر منها كلمة واحدة ليغير هو كل شيء، كلمة واحدة منها لا تستطيع أن تخبره بها.

–عايزة أمشي من هنا. نظر لها بشدة، لقد سمع صحيح، تريد المغادرة. قال: –تمشي؟ تروحي فين؟ –مكاني اللي لازم أكون فيه من الأول… شكلك نسيت إن عندي بيت. تريد أن تغادر وتنفرد بنفسها، لقد اختارته الوحدة التي تخاف فيها بسببه. –وجودي كان غلط من الأول، بس كنت بكابر لأني كنت عايزة أبقى معاك، بس دلوقتي خلاص، اكتشفت الغلط من الأول في اختياراتي. –غلط؟!

–غلط كبيرة، وعارفة إنك عارف ده، بس مش عايز تقول لي عشان متجرحنيش، بس أنا كمان كنت عارفة إن وجودي معاك غلط، وما ينفعش معرفش عمي وافق إزاي ولا قلت له إيه… بس كفاية. أنا عارفة إنك بتستحمل كون طليقتك عايشة معاك في نفس البيت، مش هخليك تستحمل تاني أو تشوفني وتحس بالذنب. تخبره بأن يتحمل، فلماذا هي لا تتحمل مثله؟ تحمل الألم منها، تبتعد عنه كي تريح قلبها من ميرال، وهو الذي كلما ينظر إليها يرى إيهاب بها. –عايزة تمشي ليه؟

مش هينفع أسيبك لوحدك وانتي كده. –كده إزاي؟ أنا كويسة.. متحسش بالشفقة ناحيتي، قولتلك أنا كويسة… أول ما أخرج من هنا… مشيت، أوقفها وقال: –مش هينفع يا فريدة. نظرت له وقالت: –لي مش هينفع؟ –مش هينفع أسيبك. –ومينفعش أفضل، ف أي تاني يحصل… كنت متخليني معاك عشان كده، وأديك خدت اللي انت عايزه. نظر لها بذهول من اللي سمعه منها، قال: –بجد دي نظرتك عني؟ قالت بحزن وهي تعلم أنها تحزنه:

–فيا إيه أتمسك فيه يا ياسين.. خلاص حقك وخدته، أرجوك سيبني أمشي. لا يصدق أنها تفكر فيه بتلك الصورة الحقيرة. –عايزة أمشي، بعفيك من مسؤوليتي وصايتي.. بس كفاية لحد هنا، انت شوف حياتك وأنا أشوف حياتي.. مش قادرة أقعد هنا، صدقني ده مش مكاني من بعد اللي حصل، مخنوقة، عايزة أخرج. سكت وهو ينظر إليها من ذلك القرار الذي مثابة قرار كبير بالنسبة له. –لو ده اللي عايزاه، مقدرش أمنعك.

نظرت له حين قال ذلك، سالت دمعة من عينها بحزن، وذهبت من أمامه. حزن ياسين، وكان لا يصدق ما قالته له، كلامها يتردد في أذنه، الحناجر التي تلك شريان لتتناثر دماؤه كمن ضخ الألم في قلبه. جلس من بين خيبات قلبه المتراكمة. دخلت فريدة أوضتها ودموعها تسيل. مسحتهم، فهي تأخذ القرار الصحيح، أه سيؤلمها قلبها، لكن بعد ما حدث، لتبتعد. أنه بالفعل لم يعد يريدها، لم يتمسك بها حتى. راحت ناحية الدولاب ولمت هدومها وهي بتحطها في شنطتها.

وقفت ومسكت فستان ليعود بها بذكرياتها معه حين كان في كندا. –مش طويل عليكي. اتغاظت، لكن قالت بثقة: –هظبطه، أو اللبس كعب… مش هو حلو؟ –جميل. نظرت له من نبرته الهادية، خجلت. قالت: –خلاص، عايزاه. ابتسم عليها لتبادله البسمة. كم اشتاقت لبسمتهم معاً، لم تعلم هل تتركه؟ لم تأخذه؟ لا تعلم هل ذلك لها أم لم يعد كذلك؟

كانت حين تشتري ملابس تركية إياها وتأخذ برأيه، كان يخبرها ألا تحصر بناطيل، ويضيق حاجبيه بضيق منها حين يراها أحضرت، فيصبح وسيم كثيراً وتبتسم عليها. اشتاقت لحياتهم سوياً، اشتاقت لصفاء حبهم، كان نقياً، أم الآن فدنس بالمعصية. تريد المغفرة، لعل ذلك عقاب الله على أفعالها وتفكيرها الخطأ. عقاب كبير لن تتحمله.

في اليوم التالي، لم ينم ياسين، لا يزال جالساً في مكانه منذ ليلة البارحة، فلم يستطع النوم من آخر محادثة. ولم تكن فريدة نامت هي الأخرى. سمع صوت، نظر، وجدها تخرج من أوضتها وهي تسحب حقيبتها. تفاجأ، وقف ونظر لها. –جاهزة؟ –إيه ده؟ –نسيت كلامي امبارح؟ –لسا عايزة تمشي. –مغيرتش قراري. ستذهب، يلقي الأثمان. نظرات على بعضهم، كنظرات الوداع، يريدها أن تتطلع بعينه، لكنها حتى تنفر النظر إليه. –خليكي يا فريدة.

صمتت وهي تنظر له، وتود البقاء. –لو خايفة مني، هبعد عنك.. ثقي فيا. –كنت محل ثقة يا ياسين.. كنت زي المراة اللي وقفت قدامها متخافش، لأني باصة لنفسي.. بس ده مش بيتي.. ده بيتك انت يا ياسين. صمت، فلا مجال للكلام معها. خد منها الشنطة بدلاً منها، فهي ثقيلة عليها، وذهب، تبعته للخارج. تقدم من السيارة، أخذها السائق، وضعها في الحقيبة. قالت فريدة: –ملوش لزوم تيجي معايا… أنا منسيتش المكان، هعرف السواق.

كانت تعرض أن يرافقها حتى وهي تغادر. ركبت فريدة. نظر السائق لياسين، أومأ له بأن يسمع كلامها ويذهب معها. أومأ بالطاعة وركب. ابتعد ياسين، لم تكن تنظر له حتى ذهب السائق. وبعدما غادرت فريدة، خفضت وجهها ودمعتها تسيل على وجنتيها. ها هي تتحرر.. لن تستحي من رؤية بعد الآن. لفت ونظرت له لتجده يلف ويدخل. حزنت.. أهذه نهايتهم حقاً؟ لماذا فعلت ذلك؟ لماذا تمنع نفسك؟ كمثل كل مرة، لماذا لم تحميني من شرك؟ أم لأنك لن تعد تحبني؟

تلاشى حبك وأنا الذي كنت أحارب لأن أعيده، ولا أعلم بأنه قد اختفى. لأخرج بأكبر خسارة لي.. لعلك سعيد الآن، أعطيتك أغلى ما أملك ولا زلت لم تعد لي.. عقابك شديد القسوة، وقلبي لا يتحمل قسوتك عليه… أخطأت وندمت على خطئي بحقك.. أقسم لك أني أتمنى أن يعود يوم زفافها، لتشبثت بك وأخبرتك أنهم يسعون لتفريقنا، لاخبرتك ألا تتركني لأفكاري وغيرتي التي ستهلكنا.. ليتني اختبأت في أحضانك وبكينا سوياً وعاتبنا بعضنا لبعض.. لما كنا هنا الآن.. أظل السبب فيما أنا عليه..

–مدام فريدة. فاقت على صوت السائق. نظرت، وكانت السيارة متوقفة. قال: –وصلنا. أومأت له، فتح الباب، نزلت لتنظر إلى منزلها الذي أمامها. خرج السائق الشنطة. اقترب منها، تقدمت فريدة وفتحت البوابة. تقدمت من الباب، خرجت المفتاح الذي لطالما تساءلت متى تستخدمه من جديد، وها قد أتى. كانت تتمنى أن تأتي معه حين يصبح عائلة، لكن لا تستطيع أن تدخله ذلك البيت من بعد ما حدث بينهم، كأنه أصبع نقطة سوداء في حياتها.

فتحت الباب، تنهدت وهي تستجمع قواها وفتحت لتدخل. نظرت حولها، ذلك البيت التي ولدت وترعرعت فيه. تسمع أصوات ضحكتها، أصوات تذمرها، تدللها على والدها وهم يصنعون الطعام معاً. فكان أبيها طباخ ماهر. كان يعاملها كأميرة. لطالما الجميع يراها متدللة بزيادة، لكن ذلك داخلها، أبيها من علمها أن الأميرات تدلل كيفما شاءت وما تطلبه مجاب… ذلك هو والدها. مسحت دمعة سالت منها. دخل السائق، وضع الحقيبة، قال: –حاجة تاني يا مدام فريدة؟ –شكراً.

أومأ لها، نظر للمنزل وذهب وهو مستغرب، هل ستعيش هنا؟ قفلت فريدة الباب ودخلت، حط شنطتها. نظرت إلى المكان، كان يبدو نظيفاً، شالت الفرش إلى ع العفش، لتجده كما كان، ليس مترب حتى. معقول أن ياسين أرسل أحد البارحة حين علم أنها ستأتي لهنا؟ فظبط المكان كي لا يتعبها، فيعلم أنها مريضة والغبار خطر عليها. ألا تزال تهتم بي ياسين؟ لم أعد أعلم ماذا تريد مني. أنت شخص نرجسي؟ بعد الأوهام تحيط بي.

قعدت فريدة على الأريكة وهي تلمسها باشتياق، مسكت وسادة، نظرت لها، دمعت عينها. كانت مخدة ذو تطريز يدوي. ابتسمت، فكانت صنعتها ليعقوب قديماً وأهدتها له. كانت تلك مخدته المفضلة لأنها منه، لم يكن يسند ظهره سوى عليها. عانقتها وهي تتشم رائحتها. شافت براوز ع الطرابيزة، مسكته، كانت صورتهم معاً حيث التقطتها وهو جالس وهي تعانقه رقبتيه ومواقفه خلفه، والبسمة تتسع شفتيه.

لطالما اشتقت لتلك البسمة. لطالما فقدت روح أبيها وأخذت روحها معها. ذلك الفقدان لم يعوضه أحد، حتى ياسين لم يسد فراغ أبيها. لقد كان أول حب لحياتها وأكبر حب. ذلك الرجل أعطاها كل شيء. سالت دموع من عينها وهي تنظر له، وكأنما ينظر إليها بسخط. –بكره بخجل، تركت الصورة بحزن. –متسألنيش كده.. أنا آسفة.. مكسوف إني بنتك.. أنا كمان مكسوفة منك ومكسوفة وأنا قاعدة هنا.

أخطأت ونسيت تربيتها له، تعتذر له بشدة، تقسم له أنها نادمة أشد الندم. بكت بحزن وهي تضع يدها على وجهها وتبكي بمفردها دون أن يستمع لها أحد غير جدران منزلها. تبكي من وحدتها التي تخاف منها وأصبحت فيها، وتبكي عليها وعلى قلبها. تخشى النوم أو أن ترتاح، تخشى أن يأتي لها في الأحلام وهو غاضب منها. حتى غفت على نفسها بعد كثرة البكاء.

كانت فريدة نائمة وتشعر بيد على رأسها. فتحت عينيها، لقت أنها نايمة على أقدام أحد. رفعت عينيها من الذي يمسد على رأسها لتقابل أعين هادئة، منيرة وجه اشتاقت له وتمنت لقياه. كان يعقوب من يجلس أمامه. دمعت عينها وهي تنظر له، فلقد كانت نايمة على حجره ويربت عليها مثلما يفعل. –بابا. انقضت عليه وهي تعانقه وتبكي وتقول: –بابا… وحشتني أوي.. الدنيا دي وحشة وحشة… أنا آسفة، سامحني أرجوك. –آسف إني سيبتك، كان لازم أكون معاك.

–أنا تايهة من بعدك، مكنش ليا حد غيرك، مكنتش احتاجت لحد لو انت موجود.. خليك متمشيش. عارفة إنك مضايق مني.. ممكن بتتعذب بسبب إني ابنة زي… –فريدة. بكت وهي تحضنه باشتياق. قال: –فريدة. أبعدها ونظر لها، قال: –انتي بنتي، مبتغلطيش. –بس أنا غلطت. –ما يرميكم للهلاك… مش واثقة في أبوكي واختياراته. لم تفهم، لم تعانيه. تعلقت برقبته وقالت: –متبعدش، ارجع، عيش معايا. ربت عليها بابتسامة، قال: –خلي بالك من نفسك.. لسا قدامك حياة.

–مش عايزها، عايزك انت.. حياتي انتهت، انت متعرفش حاجة. اشتدت عليه وكأنما ستخترق أضلعه لتشمم رائحة المسك الخاصة به، بادلها العناق، الأب الحنان الذي اشتاقت له. كانت فريدة نايمة على الأريكة وتحتضن الوسادة. كان تلفونها يرن. فتحت عينيها وصحيت. نظرت حولها، لتجد أنها في منزلها، لقد كان حلماً. حست بحاجة، مسحت الدمعة التي سالت من عينها، فكانت الدموع حقيقية.

نظرت إلى وسادة أبيها، لا تعلم أن كان هو بالفعل، أنه ليست غاضب منها. بل أتى يربت على قلبها. لم تفهم آخر ما قاله، ما معناه؟ أيخبرها أن تثق بياسين؟ صمتت، فهو لم يكن سوى حلم، بتأكيد ليس والدها. بصت لتلفوتها، مسكته، وكانت يارا. ردت عليها: –الو يا يارا. –هتيجي الجامعة بكرة؟ –معرفش. –تعالي.. نقعد احنا التلاتة… تسنيم جاية. –هشوف. –تمام.

قفلت وذهبت، كانت جائعة ونسيت إحضار كل ما يلزم البيت. نظرت للساعة، فكانت متأخرة، لا تستطيع الخروج. بعد مرور يومين في الجامعة، كانت يارا واقفة مع تسنيم ويتحدثان. قالت: –غبي، مبيعرفش يتكلم.. يعني مقاللكيش أي حاجة؟ –ومش عايزاه يقول لي، أنا خلاص شلته من دماغي. –بيرفكت، أحسن قرار. تنهدت تسنيم منها، فهي ترى الأمر بهذا السهل. –فريدة جت. نظرت تسنيم لترى فريدة، تعجبت. قالت: –فين البودي جارد؟ مش قولتي أنها رجعت له؟

شكل ياسين مرجعش زي الأول. قالت يارا: –هو فعلاً مش زي الأول.. فريدة بتعاني.. اتغيرت وتفكيرها بيكبر لما عرفت غلطها. –هو كمان هيبقى غلطان، لو رجعلها. نظرت لها يارا، تقدمت فريدة ونظرت لتسنين الذي لم تراها منذ فترة. سلمت يارا عليها. قالت: –كويس إنك جيتي.. كنت هتصل عليكي. –مكنتش حابة القعدة. نظرت إلى الأخري، ولصمتها قالت: –تسنيم مش هتسلمي عليَّ؟ نظرت لها تسنيم، فتلك صديقتها المقربة. قالت: –ازيك؟ –الحمد لله، وانتي؟ –كويسة.

تنهدت وأردفت: –همشي عشان ورايا مشوار.. باي يا يارا. –باي. ومشت. نظرت لها فريدة، شعرت بالحزن. قالت: –مش شيفاني أصلاً. –مش زعلانه… قولتلي إن إيهاب اتكلم عنها؟ –اه، خدها ومشيو، بس الظاهر إن إيهاب ده طلع مبيعرفش يعمل حاجة. –بحسبه قدر يرجعها. –هو شكله عاوز. –هي قالتلك حاجة؟ –اتكلم معاها امبارح.. وكلامهم مكنش كويس. هل قطعت الكلام وحسيت أنه يهينها؟ متفهمة ابن عمك ده عشان حرضهاش عليه. –بلاش تدخل، يا يارا. –لي؟ خايفة عليه.

–هتبوظي كل حاجة، إيهاب شكله عرف هو عايز إيه. –مكنش سابها من الأول. صمتت فريدة. قالت يارا: –أنا آسفة. –عادي.. هروح المحاضرة. –فريدة. –امم. –انتي إيدك اتعورت تاني؟ نظرت لها، مسكت أيدها، افتكرت فريدة حين جرحت من الزجاج. قالت: –وقعت بس مش أكتر. –وعينك مالها؟ –مالها عيني؟ –وسط شكله غريب.. انتي كنتي بتعيطي. –لا، تعبانة بس. –مالك؟ كويسة؟ –اه.. أشوفك بعدين. ودعوا بعضهم وذهبوا. وسعت فريدة يدها تحت عينيها، فهل أصبحت قبيحة؟

ألم تعد تلك الزهرة؟ أم الزهرة ذبلت وزال إشراقها؟ تنهدت بحزن. *** كان ياسين لابس ليذهب لعمله الذي قطعه خلال تلك الأيام. نظر لغرفة فريدة، تنهد وذهب. –ياسين. نظر، شاف ميرال، تعجب من مجيئها. تقدمت منه، قالت: –عايزة أتكلم معاك. قال بجدية: –فيه حاجة؟ –مبتتكلمش معايا لي.. المفروض أنا اللي زعلانة مش انت. تنهد، قال: –أنا متأخر.. نتكلم بعدين. مسكت أيده تمنعه من الذهاب. نظر لها، قالت: –لي متصلتش عليا؟ استنيتك تهتم؟

معقول مفكرتش فيا ولا حتى تراضيني؟ –انتي اللي مشيتي يا ميرال. –مش بسبب مين؟ بسببها. –بسببك.. وانتي عارفة قولتي إيه. –خيرتك مبنا، وانت اخترتها بدالي. –كنتي عارفة قراري من ناحية فريدة، حطيتيني في مقارنة، عارفة آخرتها.. متحطيش ذنبك عليا. صمتت ونظرت له، وأنه متضايق منها. قالت: –أنا آسفة.. عارفة إن مكنش لازم أحطك في الموقف ده.

نظر لها، فهو لم يتخيل أن ميرال من نوع تلك المرأة التي تخضع لرجل، فهي واثقة من نفسها كثيراً، لكن لم يعلم أن ليس معه هو. –غلط لما قارنتيني بيها، وعارفة إنك واخده وصاية مش أكتر.. خلاص، معنديش مانع، عرفت غلطي، موافقة إنها تبقى معاك. قال بتأكيد: –حتى لو اتجوزنا.

–عارفة.. لازم أكبر عقلي أكتر من كده. أنا بس بغير عليك.. شوف عايز تعمل إيه، وأنا معاك. مش هقولك سيبها، خليك معاها لحد ما تتجوز وتشوف حياتها، ونشوف احنا كمان حياتنا. تتزوج فريدة؟ تتزوج غيره؟ تكن لرجل آخر؟ مستحيل أن يحدث ذلك. قربت منه، نظر لها، قالت: –كنت اتصل بيا، متسبنيش مع نفسي، كنت بفكر فيك. ابتعد عنها، قال: –معلش. –خلاص، مش مهم. نظرت حولها، قالت: –أمال هي فين.. مش هنا يعني؟ صمت، وكانت تقصد فريدة. حزن من التذكر.

تنهد وقال: –مشيت من يومين. –مشيت راحت فين.. هي زعلت عشان اتخانقنا بسببها؟ لو زعلان، أقدر أكلمها وتخليها ترجع. –لا، ملوش علاقة بيكي. –يعني مش زعلان مني؟ مسكت يده ومالت عليه، قالت: –عايزة أقعد معاك. أبعدها عنه بحرج. نظرت له، قال: –لما أجي، ورايا شغل. أومأت له بتفهم، ذهب. تنهد، فكيف يخبرها بما حدث بينه وبين فريدة؟ الأمور تتعقد. نظرت ميرال لغرفة فريدة، فهل معقول أنها ليست هنا؟ هل تركته لها؟ ماذا حدث ولما يبدو ياسين كذلك؟

سعيدة أنها غادرت دون أن تفعل شيء وتتعبها، فحين تبتعد ستكون أمورها مع ياسين بخير. سعيدة أنهم تصالحا، فهي لن ولم تتركه لها كما تريد. *** انتهت فريدة من جامعتها وكانت ماشية مع يارا، التي كانت ملاحظة تغيرها وشرودها طول الوقت. –يارا، هي الناس بتبص عليا؟ –لا يا فريدة، دي تالت مرة تسأليني، هيبصوا عليكي لي؟ صمتت، تنهدت وقالت: –انتي غريبة.. تعالي نقعد، لسا ساعة ع المحاضرة التانية. –أنا همشي، محاضراتي خلصت.

–اقعدي شوية، هتمشي طول الوقت كده؟ –عايزة أروح. –انتي مملة أوي انهاردة.. براحتك. *** في الشركة، كان ياسين في مكتبه يتكلم في التلفون. –هقولها. –غيرت رأيك لي؟ –الوضع اختلف.. هعرفها عشان تستريح. –لو حصل تعقيد، هجي. –تمام. قفل الهاتف، وكان يفكر فيها. التف وذهب، وكان مقرر أن يذهب لرؤيتها اليوم ليطمئن عليها، وكيف تعيش هي.

كان ياسين في السيارة بقرب شوارع فريدة ويتطلع فيها. تنهد ونظر للهاتف، لكن توقف لوهلة لما شاف رجاله تخرج من البوابة. نظر، انصدم، فكان ذلك… ذلك منزل فريدة. –سرّع. نظر السائق له وأسرع. نظر له الرجال، سرعان ما ركضوا. توقفت السيارة، نزل ياسين والحراس اقتربوا منه. –فيه حاجة يا ياسين بيه؟ –وراهم.. متخليهمش يهربوا. ركبوا سيارتهم وذهبوا سريعاً تجاههم. نظر ياسين للمنزل، ركض لداخل بخوف شديد.

كان باب المنزل مفتوح، دخل فوراً بقلق. كان المنزل مبهدل. –فريييده. ذهب لغرفتها ليجد كل شيء على الأرض، والقلق ينبت في قلبه. ماذا يمكن أن يكون فعلوا بها؟ من هؤلاء؟ خرج وهو يبحث عنها. اتصل بها ويتمنى أنها أن تكون ليست هنا. سمع صوت هاتفها، نظر، ذهب تجاهه ليجد هاتفها على المنضدة. إذا كانت هنا أثناء وجود هؤلاء.. خاف كثيراً، هل هي بالمنزل؟ –ياسين. سمع صوتها، لف، لقاها عند الباب وكان معاها أكياس وتنظر للمنزل بذهول. قالت:

–الباب تتكسر إزاي.. ومين عمل في البيت كده؟ اقترب منها وهي تتكلم: –انت.. همجي؟ إزاي تدخل كده وتكسر الباب؟ قاطعها وهو يضمها إليه. تفاجأت كثيراً وابتلعت الكلام الذي كان في حلقها. –ياسين… –الحمد لله إنك كويسة. تعجبت وكان يضمها بقلق ليطمئن أنها بخير. وجهها مدفون بصدره لتحمر وجنتيها وتشعر بحرقة في عينيها بحزن. قالت: –إبعد… بعدت عنه وقالت: –بتعمل إيه هنا.. إيه اللي حصل في البيت؟ لي قلبتو كده؟ –مش أنا. –امال مين؟

–انتي كنتي فين؟ –في الجامعة. –جامعتك خلصت من ساعتين. –أيوه، بس روحت السوبر ماركت مع يارا اشتريت حاجات. أشارت ع الأكياس، قالت: –اتأخرت بسبب كده. –كويس إنك كنتي برا. –لي؟ –شوفي إذا كان فيه حاجة اتاخدت من هنا. –حاجة زي إيه؟ –فيه حرامية دخلوا يا فريدة.. شوفى خدوا إيه. انصدمت، قالت بخوف: –حرامية؟! .. دخلوا هنا إزاي؟

ذهبت لغرفتها سريعاً. نظر لها ياسين. شافت الأدراج ع الأرض، شالت الهدوم وهي تبحث. ثم التقطت شي، فأمسكتها بارتياح. نظر لها ليجدها تمسك صورتها مع يعقوب. وضعتها وأكملت بحث. نظر ياسين إلى الصورة، وهي صغيرة وتمتطي ظهر والدها. تذكر ذلك اليوم حين انقضت على ظهره لتريه هي ثقيلة بالفعل، أن لا، كانت فاصلة آنذاك. –كل حاجة موجودة. قالت فريدة ذلك. نظر لها، قال: –متأكدة؟ –الحاجه متبهدلة، بس مفيش حاجة اتاخدت.

صمت ياسين وهو يستوعب ما حدث وما كان يحدث. –ياسين بيه. نظر ليجد حارسه. قال: –مسكتوهم؟ –للأسف هربوا. غضب ياسين، لكنه أكمل: –بس مسكنا واحد منهم. –فين؟ ذهب ليجده يمسكون وكدمة على وجهه. أيار ضربهم وهم يطاردوه. –كنت بتعملوا إيه هنا؟ –كاسرين الباب ومبهدلين البيت، أكيد كنا بنسرق. قال ذلك ساخراً. تقدم ياسين منه، ابتعد الحراس. نظر لهم، وقالوا أنهم تركوه، فممكن أن يهرب. قال ياسين:

–كلهم مشيوا وسابوك، فقولي ع اللي جابكم، وكان عايز إيه؟ –معدش جايبنا، قولتلك كنا بنسترزق. تنهد ياسين، سرعان ما أكمل عليه بلكمة أطاحته عليهم. أمسك وجهه بألم، فكانت قبضته أقوى من لكمات حرسه. لقى أنفه تنزف. نظر إلى ياسين وهو يتقدم منه، خاف، قال: –قولتلك الحقيقة. –مفيش حاجة اتسرقت. انحنى إليه وعيناه تشع برود مخيف، قال: –هعيد تاني، كنتوا جايين لي؟! صمت. نظر وكانت فريدة خرجت من الغرفة وتنظر لهم بريبة. نظر إلى ياسين وإليها،

ثم قال: –عرفنا إن محدش قاعد هنا، فجينا، بس منعرفش إن فيه وليمة. وكانت عيناه تأكل فريدة. اشتعل ياسين غضباً، ولم يعلم أنه أيقظ بركانه. لكمة عند صدغيه بقوة، لتسيل الدماء من فمه. خافت فريدة كثيراً. مسكه ياسين ولكمة أخرى، كان الحراس ينظرون إلى ياسين ويريدون التدخل، لكنه لم يعطهم أمراً. بينما كان الرجل يقتل تحت يديه، يكيل عليه لكمات دون رحمة، حتى تراخى. –ياسين.

توقف، نظر إليها، وكان واقفة بعيداً تنظر له بخوف وعلى وشك البكاء، وهي تنظر إليه من شكله ومن الرجل. نظر ياسين إليه، تركه، قال: –خدوه. أومأ له وحملوه. نظرت لهم فريدة بخوف، قالت: –م..مات؟ اقترب ياسين منها، قال: –لا. –مات، مبيتحركش. –مماتش، أهدي. مسك أيدها، وقال: –يلا معايا. نظرت له، ذهب، لكنها أفلتت يدها. قالت: –يلا فين؟ –هنمشي.. لازم تيجي معايا يا فريدة. –إيه؟ فين.. عندك، في بيتك. –مش هينفع أسيبك تاني، يلا.

تقدم منها، عادت للخلف. قالت: –مش جاية في حتة. –إيه تاني يحصل؟ كنت متخليني معاك عشان كده، وأديك خدت اللي انت عايزه. نظر لها بذهول من اللي سمعه منها. قال: –بجد دي نظرتك عني؟ قالت بحزن وهي تعلم أنها تحزنه: –فيا إيه أتمسك فيه يا ياسين.. خلاص حقك وخدته، أرجوك سيبني أمشي. لا يصدق أنها تفكر فيه بتلك الصورة الحقيرة.

–عايزة أمشي، بعفيك من مسؤوليتي وصايتي.. بس كفاية لحد هنا، انت شوف حياتك وأنا أشوف حياتي.. مش قادرة أقعد هنا، صدقني ده مش مكاني من بعد اللي حصل، مخنوقة، عايزة أخرج. سكت وهو ينظر إليها من ذلك القرار الذي مثابة قرار كبير بالنسبة له. –لو ده اللي عايزاه، مقدرش أمنعك.

نظرت له حين قال ذلك، سالت دمعة من عينها بحزن، وذهبت من أمامه. حزن ياسين، وكان لا يصدق ما قالته له، كلامها يتردد في أذنه، الحناجر التي تلك شريان لتتناثر دماؤه كمن ضخ الألم في قلبه. جلس من بين خيبات قلبه المتراكمة. دخلت فريدة أوضتها ودموعها تسيل. مسحتهم، فهي تأخذ القرار الصحيح، أه سيؤلمها قلبها، لكن بعد ما حدث، لتبتعد. أنه بالفعل لم يعد يريدها، لم يتمسك بها حتى. راحت ناحية الدولاب ولمت هدومها وهي بتحطها في شنطتها.

وقفت ومسكت فستان ليعود بها بذكرياتها معه حين كان في كندا. –مش طويل عليكي. اتغاظت، لكن قالت بثقة: –هظبطه، أو اللبس كعب… مش هو حلو؟ –جميل. نظرت له من نبرته الهادية، خجلت. قالت: –خلاص، عايزاه. ابتسم عليها لتبادله البسمة. كم اشتاقت لبسمتهم معاً، لم تعلم هل تتركه؟ لم تأخذه؟ لا تعلم هل ذلك لها أم لم يعد كذلك؟

كانت حين تشتري ملابس تركية إياها وتأخذ برأيه، كان يخبرها ألا تحصر بناطيل، ويضيق حاجبيه بضيق منها حين يراها أحضرت، فيصبح وسيم كثيراً وتبتسم عليها. اشتاقت لحياتهم سوياً، اشتاقت لصفاء حبهم، كان نقياً، أم الآن فدنس بالمعصية. تريد المغفرة، لعل ذلك عقاب الله على أفعالها وتفكيرها الخطأ. عقاب كبير لن تتحمله.

في اليوم التالي، لم ينم ياسين، لا يزال جالساً في مكانه منذ ليلة البارحة، فلم يستطع النوم من آخر محادثة. ولم تكن فريدة نامت هي الأخرى. سمع صوت، نظر، وجدها تخرج من أوضتها وهي تسحب حقيبتها. تفاجأ، وقف ونظر لها. –جاهزة؟ –إيه ده؟ –نسيت كلامي امبارح؟ –لسا عايزة تمشي. –مغيرتش قراري. ستذهب، يلقي الأثمان. نظرات على بعضهم، كنظرات الوداع، يريدها أن تتطلع بعينه، لكنها حتى تنفر النظر إليه. –خليكي يا فريدة.

صمتت وهي تنظر له، وتود البقاء. –لو خايفة مني، هبعد عنك.. ثقي فيا. –كنت محل ثقة يا ياسين.. كنت زي المراة اللي وقفت قدامها متخافش، لأني باصة لنفسي.. بس ده مش بيتي.. ده بيتك انت يا ياسين. صمت، فلا مجال للكلام معها. خد منها الشنطة بدلاً منها، فهي ثقيلة عليها، وذهب، تبعته للخارج. تقدم من السيارة، أخذها السائق، وضعها في الحقيبة. قالت فريدة: –ملوش لزوم تيجي معايا… أنا منسيتش المكان، هعرف السواق.

كانت تعرض أن يرافقها حتى وهي تغادر. ركبت فريدة. نظر السائق لياسين، أومأ له بأن يسمع كلامها ويذهب معها. أومأ بالطاعة وركب. ابتعد ياسين، لم تكن تنظر له حتى ذهب السائق. وبعدما غادرت فريدة، خفضت وجهها ودمعتها تسيل على وجنتيها. ها هي تتحرر.. لن تستحي من رؤية بعد الآن. لفت ونظرت له لتجده يلف ويدخل. حزنت.. أهذه نهايتهم حقاً؟ لماذا فعلت ذلك؟ لماذا تمنع نفسك؟ كمثل كل مرة، لماذا لم تحميني من شرك؟ أم لأنك لن تعد تحبني؟

تلاشى حبك وأنا الذي كنت أحارب لأن أعيده، ولا أعلم بأنه قد اختفى. لأخرج بأكبر خسارة لي.. لعلك سعيد الآن، أعطيتك أغلى ما أملك ولا زلت لم تعد لي.. عقابك شديد القسوة، وقلبي لا يتحمل قسوتك عليه… أخطأت وندمت على خطئي بحقك.. أقسم لك أني أتمنى أن يعود يوم زفافها، لتشبثت بك وأخبرتك أنهم يسعون لتفريقنا، لاخبرتك ألا تتركني لأفكاري وغيرتي التي ستهلكنا.. ليتني اختبأت في أحضانك وبكينا سوياً وعاتبنا بعضنا لبعض.. لما كنا هنا الآن.. أظل السبب فيما أنا عليه..

–مدام فريدة. فاقت على صوت السائق. نظرت، وكانت السيارة متوقفة. قال: –وصلنا. أومأت له، فتح الباب، نزلت لتنظر إلى منزلها الذي أمامها. خرج السائق الشنطة. اقترب منها، تقدمت فريدة وفتحت البوابة. تقدمت من الباب، خرجت المفتاح الذي لطالما تساءلت متى تستخدمه من جديد، وها قد أتى. كانت تتمنى أن تأتي معه حين يصبح عائلة، لكن لا تستطيع أن تدخله ذلك البيت من بعد ما حدث بينهم، كأنه أصبع نقطة سوداء في حياتها.

فتحت الباب، تنهدت وهي تستجمع قواها وفتحت لتدخل. نظرت حولها، ذلك البيت التي ولدت وترعرعت فيه. تسمع أصوات ضحكتها، أصوات تذمرها، تدللها على والدها وهم يصنعون الطعام معاً. فكان أبيها طباخ ماهر. كان يعاملها كأميرة. لطالما الجميع يراها متدللة بزيادة، لكن ذلك داخلها، أبيها من علمها أن الأميرات تدلل كيفما شاءت وما تطلبه مجاب… ذلك هو والدها. مسحت دمعة سالت منها. دخل السائق، وضع الحقيبة، قال: –حاجة تاني يا مدام فريدة؟ –شكراً.

أومأ لها، نظر للمنزل وذهب وهو مستغرب، هل ستعيش هنا؟ قفلت فريدة الباب ودخلت، حط شنطتها. نظرت إلى المكان، كان يبدو نظيفاً، شالت الفرش إلى ع العفش، لتجده كما كان، ليس مترب حتى. معقول أن ياسين أرسل أحد البارحة حين علم أنها ستأتي لهنا؟ فظبط المكان كي لا يتعبها، فيعلم أنها مريضة والغبار خطر عليها. ألا تزال تهتم بي ياسين؟ لم أعد أعلم ماذا تريد مني. أنت شخص نرجسي؟ بعد الأوهام تحيط بي.

قعدت فريدة على الأريكة وهي تلمسها باشتياق، مسكت وسادة، نظرت لها، دمعت عينها. كانت مخدة ذو تطريز يدوي. ابتسمت، فكانت صنعتها ليعقوب قديماً وأهدتها له. كانت تلك مخدته المفضلة لأنها منه، لم يكن يسند ظهره سوى عليها. عانقتها وهي تتشم رائحتها. شافت براوز ع الطرابيزة، مسكته، كانت صورتهم معاً حيث التقطتها وهو جالس وهي تعانقه رقبتيه ومواقفه خلفه، والبسمة تتسع شفتيه.

لطالما اشتقت لتلك البسمة. لطالما فقدت روح أبيها وأخذت روحها معها. ذلك الفقدان لم يعوضه أحد، حتى ياسين لم يسد فراغ أبيها. لقد كان أول حب لحياتها وأكبر حب. ذلك الرجل أعطاها كل شيء. سالت دموع من عينها وهي تنظر له، وكأنما ينظر إليها بسخط. –بكره بخجل، تركت الصورة بحزن. –متسألنيش كده.. أنا آسفة.. مكسوف إني بنتك.. أنا كمان مكسوفة منك ومكسوفة وأنا قاعدة هنا.

أخطأت ونسيت تربيتها له، تعتذر له بشدة، تقسم له أنها نادمة أشد الندم. بكت بحزن وهي تضع يدها على وجهها وتبكي بمفردها دون أن يستمع لها أحد غير جدران منزلها. تبكي من وحدتها التي تخاف منها وأصبحت فيها، وتبكي عليها وعلى قلبها. تخشى النوم أو أن ترتاح، تخشى أن يأتي لها في الأحلام وهو غاضب منها. حتى غفت على نفسها بعد كثرة البكاء.

كانت فريدة نائمة وتشعر بيد على رأسها. فتحت عينيها، لقت أنها نايمة على أقدام أحد. رفعت عينيها من الذي يمسد على رأسها لتقابل أعين هادئة، منيرة وجه اشتاقت له وتمنت لقياه. كان يعقوب من يجلس أمامه. دمعت عينها وهي تنظر له، فلقد كانت نايمة على حجره ويربت عليها مثلما يفعل. –بابا. انقضت عليه وهي تعانقه وتبكي وتقول: –بابا… وحشتني أوي.. الدنيا دي وحشة وحشة… أنا آسفة، سامحني أرجوك. –آسف إني سيبتك، كان لازم أكون معاك.

–أنا تايهة من بعدك، مكنش ليا حد غيرك، مكنتش احتاجت لحد لو انت موجود.. خليك متمشيش. عارفة إنك مضايق مني.. ممكن بتتعذب بسبب إني ابنة زي… –فريدة. بكت وهي تحضنه باشتياق. قال: –فريدة. أبعدها ونظر لها، قال: –انتي بنتي، مبتغلطيش. –بس أنا غلطت. –ما يرميكم للهلاك… مش واثقة في أبوكي واختياراته. لم تفهم، لم تعانيه. تعلقت برقبته وقالت: –متبعدش، ارجع، عيش معايا. ربت عليها بابتسامة، قال: –خلي بالك من نفسك.. لسا قدامك حياة.

–مش عايزها، عايزك انت.. حياتي انتهت، انت متعرفش حاجة. اشتدت عليه وكأنما ستخترق أضلعه لتشمم رائحة المسك الخاصة به، بادلها العناق، الأب الحنان الذي اشتاقت له. كانت فريدة نايمة على الأريكة وتحتضن الوسادة. كان تلفونها يرن. فتحت عينيها وصحيت. نظرت حولها، لتجد أنها في منزلها، لقد كان حلماً. حست بحاجة، مسحت الدمعة التي سالت من عينها، فكانت الدموع حقيقية.

نظرت إلى وسادة أبيها، لا تعلم أن كان هو بالفعل، أنه ليست غاضب منها. بل أتى يربت على قلبها. لم تفهم آخر ما قاله، ما معناه؟ أيخبرها أن تثق بياسين؟ صمتت، فهو لم يكن سوى حلم، بتأكيد ليس والدها. بصت لتلفوتها، مسكته، وكانت يارا. ردت عليها: –الو يا يارا. –هتيجي الجامعة بكرة؟ –معرفش. –تعالي.. نقعد احنا التلاتة… تسنيم جاية. –هشوف. –تمام.

قفلت وذهبت، كانت جائعة ونسيت إحضار كل ما يلزم البيت. نظرت للساعة، فكانت متأخرة، لا تستطيع الخروج. بعد مرور يومين في الجامعة، كانت يارا واقفة مع تسنيم ويتحدثان. قالت: –غبي، مبيعرفش يتكلم.. يعني مقاللكيش أي حاجة؟ –ومش عايزاه يقول لي، أنا خلاص شلته من دماغي. –بيرفكت، أحسن قرار. تنهدت تسنيم منها، فهي ترى الأمر بهذا السهل. –فريدة جت. نظرت تسنيم لترى فريدة، تعجبت. قالت: –فين البودي جارد؟ مش قولتي أنها رجعت له؟

شكل ياسين مرجعش زي الأول. قالت يارا: –هو فعلاً مش زي الأول.. فريدة بتعاني.. اتغيرت وتفكيرها بيكبر لما عرفت غلطها. –هو كمان هيبقى غلطان، لو رجعلها. نظرت لها يارا، تقدمت فريدة ونظرت لتسنين الذي لم تراها منذ فترة. سلمت يارا عليها. قالت: –كويس إنك جيتي.. كنت هتصل عليكي. –مكنتش حابة القعدة. نظرت إلى الأخري، ولصمتها قالت: –تسنيم مش هتسلمي عليَّ؟ نظرت لها تسنيم، فتلك صديقتها المقربة. قالت: –ازيك؟ –الحمد لله، وانتي؟ –كويسة.

تنهدت وأردفت: –همشي عشان ورايا مشوار.. باي يا يارا. –باي. ومشت. نظرت لها فريدة، شعرت بالحزن. قالت: –مش شيفاني أصلاً. –مش زعلانه… قولتلي إن إيهاب اتكلم عنها؟ –اه، خدها ومشيو، بس الظاهر إن إيهاب ده طلع مبيعرفش يعمل حاجة. –بحسبه قدر يرجعها. –هو شكله عاوز. –هي قالتلك حاجة؟ –اتكلم معاها امبارح.. وكلامهم مكنش كويس. هل قطعت الكلام وحسيت أنه يهينها؟ متفهمة ابن عمك ده عشان حرضهاش عليه. –بلاش تدخل، يا يارا. –لي؟ خايفة عليه.

–هتبوظي كل حاجة، إيهاب شكله عرف هو عايز إيه. –مكنش سابها من الأول. صمتت فريدة. قالت يارا: –أنا آسفة. –عادي.. هروح المحاضرة. –فريدة. –امم. –انتي إيدك اتعورت تاني؟ نظرت لها، مسكت أيدها، افتكرت فريدة حين جرحت من الزجاج. قالت: –وقعت بس مش أكتر. –وعينك مالها؟ –مالها عيني؟ –وسط شكله غريب.. انتي كنتي بتعيطي. –لا، تعبانة بس. –مالك؟ كويسة؟ –اه.. أشوفك بعدين. ودعوا بعضهم وذهبوا. وسعت فريدة يدها تحت عينيها، فهل أصبحت قبيحة؟

ألم تعد تلك الزهرة؟ أم الزهرة ذبلت وزال إشراقها؟ تنهدت بحزن. *** كان ياسين لابس ليذهب لعمله الذي قطعه خلال تلك الأيام. نظر لغرفة فريدة، تنهد وذهب. –ياسين. نظر، شاف ميرال، تعجب من مجيئها. تقدمت منه، قالت: –عايزة أتكلم معاك. قال بجدية: –فيه حاجة؟ –مبتتكلمش معايا لي.. المفروض أنا اللي زعلانة مش انت. تنهد، قال: –أنا متأخر.. نتكلم بعدين. مسكت أيده تمنعه من الذهاب. نظر لها، قالت: –لي متصلتش عليا؟ استنيتك تهتم؟

معقول مفكرتش فيا ولا حتى تراضيني؟ –انتي اللي مشيتي يا ميرال. –مش بسبب مين؟ بسببها. –بسببك.. وانتي عارفة قولتي إيه. –خيرتك مبنا، وانت اخترتها بدالي. –كنتي عارفة قراري من ناحية فريدة، حطيتيني في مقارنة، عارفة آخرتها.. متحطيش ذنبك عليا. صمتت ونظرت له، وأنه متضايق منها. قالت: –أنا آسفة.. عارفة إن مكنش لازم أحطك في الموقف ده.

نظر لها، فهو لم يتخيل أن ميرال من نوع تلك المرأة التي تخضع لرجل، فهي واثقة من نفسها كثيراً، لكن لم يعلم أن ليس معه هو. –غلط لما قارنتيني بيها، وعارفة إنك واخده وصاية مش أكتر.. خلاص، معنديش مانع، عرفت غلطي، موافقة إنها تبقى معاك. قال بتأكيد: –حتى لو اتجوزنا.

–عارفة.. لازم أكبر عقلي أكتر من كده. أنا بس بغير عليك.. شوف عايز تعمل إيه، وأنا معاك. مش هقولك سيبها، خليك معاها لحد ما تتجوز وتشوف حياتها، ونشوف احنا كمان حياتنا. تتزوج فريدة؟ تتزوج غيره؟ تكن لرجل آخر؟ مستحيل أن يحدث ذلك. قربت منه، نظر لها، قالت: –كنت اتصل بيا، متسبنيش مع نفسي، كنت بفكر فيك. ابتعد عنها، قال: –معلش. –خلاص، مش مهم. نظرت حولها، قالت: –أمال هي فين.. مش هنا يعني؟ صمت، وكانت تقصد فريدة. حزن من التذكر.

تنهد وقال: –مشيت من يومين. –مشيت راحت فين.. هي زعلت عشان اتخانقنا بسببها؟ لو زعلان، أقدر أكلمها وتخليها ترجع. –لا، ملوش علاقة بيكي. –يعني مش زعلان مني؟ مسكت يده ومالت عليه، قالت: –عايزة أقعد معاك. أبعدها عنه بحرج. نظرت له، قال: –لما أجي، ورايا شغل. أومأت له بتفهم، ذهب. تنهد، فكيف يخبرها بما حدث بينه وبين فريدة؟ الأمور تتعقد. نظرت ميرال لغرفة فريدة، فهل معقول أنها ليست هنا؟ هل تركته لها؟ ماذا حدث ولما يبدو ياسين كذلك؟

سعيدة أنها غادرت دون أن تفعل شيء وتتعبها، فحين تبتعد ستكون أمورها مع ياسين بخير. سعيدة أنهم تصالحا، فهي لن ولم تتركه لها كما تريد. *** انتهت فريدة من جامعتها وكانت ماشية مع يارا، التي كانت ملاحظة تغيرها وشرودها طول الوقت. –يارا، هي الناس بتبص عليا؟ –لا يا فريدة، دي تالت مرة تسأليني، هيبصوا عليكي لي؟ صمتت، تنهدت وقالت: –انتي غريبة.. تعالي نقعد، لسا ساعة ع المحاضرة التانية. –أنا همشي، محاضراتي خلصت.

–اقعدي شوية، هتمشي طول الوقت كده؟ –عايزة أروح. –انتي مملة أوي انهاردة.. براحتك. *** في الشركة، كان ياسين في مكتبه يتكلم في التلفون. –هقولها. –غيرت رأيك لي؟ –الوضع اختلف.. هعرفها عشان تستريح. –لو حصل تعقيد، هجي. –تمام. قفل الهاتف، وكان يفكر فيها. التف وذهب، وكان مقرر أن يذهب لرؤيتها اليوم ليطمئن عليها، وكيف تعيش هي.

كان ياسين في السيارة بقرب شوارع فريدة ويتطلع فيها. تنهد ونظر للهاتف، لكن توقف لوهلة لما شاف رجاله تخرج من البوابة. نظر، انصدم، فكان ذلك… ذلك منزل فريدة. –سرّع. نظر السائق له وأسرع. نظر له الرجال، سرعان ما ركضوا. توقفت السيارة، نزل ياسين والحراس اقتربوا منه. –فيه حاجة يا ياسين بيه؟ –وراهم.. متخليهمش يهربوا. ركبوا سيارتهم وذهبوا سريعاً تجاههم. نظر ياسين للمنزل، ركض لداخل بخوف شديد.

كان باب المنزل مفتوح، دخل فوراً بقلق. كان المنزل مبهدل. –فريييده. ذهب لغرفتها ليجد كل شيء على الأرض، والقلق ينبت في قلبه. ماذا يمكن أن يكون فعلوا بها؟ من هؤلاء؟ خرج وهو يبحث عنها. اتصل بها ويتمنى أنها أن تكون ليست هنا. سمع صوت هاتفها، نظر، ذهب تجاهه ليجد هاتفها على المنضدة. إذا كانت هنا أثناء وجود هؤلاء.. خاف كثيراً، هل هي بالمنزل؟ –ياسين. سمع صوتها، لف، لقاها عند الباب وكان معاها أكياس وتنظر للمنزل بذهول. قالت:

–الباب تتكسر إزاي.. ومين عمل في البيت كده؟ اقترب منها وهي تتكلم: –انت.. همجي؟ إزاي تدخل كده وتكسر الباب؟ قاطعها وهو يضمها إليه. تفاجأت كثيراً وابتلعت الكلام الذي كان في حلقها. –ياسين… –الحمد لله إنك كويسة. تعجبت وكان يضمها بقلق ليطمئن أنها بخير. وجهها مدفون بصدره لتحمر وجنتيها وتشعر بحرقة في عينيها بحزن. قالت: –إبعد… بعدت عنه وقالت: –بتعمل إيه هنا.. إيه اللي حصل في البيت؟ لي قلبتو كده؟ –مش أنا. –امال مين؟

–انتي كنتي فين؟ –في الجامعة. –جامعتك خلصت من ساعتين. –أيوه، بس روحت السوبر ماركت مع يارا اشتريت حاجات. أشارت ع الأكياس، قالت: –اتأخرت بسبب كده. –كويس إنك كنتي برا. –لي؟ –شوفي إذا كان فيه حاجة اتاخدت من هنا. –حاجة زي إيه؟ –فيه حرامية دخلوا يا فريدة.. شوفى خدوا إيه. انصدمت، قالت بخوف: –حرامية؟! .. دخلوا هنا إزاي؟

ذهبت لغرفتها سريعاً. نظر لها ياسين. شافت الأدراج ع الأرض، شالت الهدوم وهي تبحث. ثم التقطت شي، فأمسكتها بارتياح. نظر لها ليجدها تمسك صورتها مع يعقوب. وضعتها وأكملت بحث. نظر ياسين إلى الصورة، وهي صغيرة وتمتطي ظهر والدها. تذكر ذلك اليوم حين انقضت على ظهره لتريه هي ثقيلة بالفعل، أن لا، كانت فاصلة آنذاك. –كل حاجة موجودة. قالت فريدة ذلك. نظر لها، قال: –متأكدة؟ –الحاجه متبهدلة، بس مفيش حاجة اتاخدت.

صمت ياسين وهو يستوعب ما حدث وما كان يحدث. –ياسين بيه. نظر ليجد حارسه. قال: –مسكتوهم؟ –للأسف هربوا. غضب ياسين، لكنه أكمل: –بس مسكنا واحد منهم. –فين؟ ذهب ليجده يمسكون وكدمة على وجهه. أيار ضربهم وهم يطاردوه. –كنت بتعملوا إيه هنا؟ –كاسرين الباب ومبهدلين البيت، أكيد كنا بنسرق. قال ذلك ساخراً. تقدم ياسين منه، ابتعد الحراس. نظر لهم، وقالوا أنهم تركوه، فممكن أن يهرب. قال ياسين:

–كلهم مشيوا وسابوك، فقولي ع اللي جابكم، وكان عايز إيه؟ –معدش جايبنا، قولتلك كنا بنسترزق. تنهد ياسين، سرعان ما أكمل عليه بلكمة أطاحته عليهم. أمسك وجهه بألم، فكانت قبضته أقوى من لكمات حرسه. لقى أنفه تنزف. نظر إلى ياسين وهو يتقدم منه، خاف، قال: –قولتلك الحقيقة. –مفيش حاجة اتسرقت. انحنى إليه وعيناه تشع برود مخيف، قال: –هعيد تاني، كنتوا جايين لي؟! صمت. نظر وكانت فريدة خرجت من الغرفة وتنظر لهم بريبة. نظر إلى ياسين وإليها،

ثم قال: –عرفنا إن محدش قاعد هنا، فجينا، بس منعرفش إن فيه وليمة. وكانت عيناه تأكل فريدة. اشتعل ياسين غضباً، ولم يعلم أنه أيقظ بركانه. لكمة عند صدغيه بقوة، لتسيل الدماء من فمه. خافت فريدة كثيراً. مسكه ياسين ولكمة أخرى، كان الحراس ينظرون إلى ياسين ويريدون التدخل، لكنه لم يعطهم أمراً. بينما كان الرجل يقتل تحت يديه، يكيل عليه لكمات دون رحمة، حتى تراخى. –ياسين.

توقف، نظر إليها، وكان واقفة بعيداً تنظر له بخوف وعلى وشك البكاء، وهي تنظر إليه من شكله ومن الرجل. نظر ياسين إليه، تركه، قال: –خدوه. أومأ له وحملوه. نظرت لهم فريدة بخوف، قالت: –م..مات؟ اقترب ياسين منها، قال: –لا. –مات، مبيتحركش. –مماتش، أهدي. مسك أيدها، وقال: –يلا معايا. نظرت له، ذهب، لكنها أفلتت يدها. قالت: –يلا فين؟ –هنمشي.. لازم تيجي معايا يا فريدة. –إيه؟ فين.. عندك، في بيتك. –مش هينفع أسيبك تاني، يلا.

تقدم منها، عادت للخلف. قالت: –مش جاية في حتة. –إيه تاني يحصل؟ كنت متخليني معاك عشان كده، وأديك خدت اللي انت عايزه. نظر لها بذهول من اللي سمعه منها. قال: –بجد دي نظرتك عني؟ قالت بحزن وهي تعلم أنها تحزنه: –فيا إيه أتمسك فيه يا ياسين.. خلاص حقك وخدته، أرجوك سيبني أمشي. لا يصدق أنها تفكر فيه بتلك الصورة الحقيرة.

–عايزة أمشي، بعفيك من مسؤوليتي وصايتي.. بس كفاية لحد هنا، انت شوف حياتك وأنا أشوف حياتي.. مش قادرة أقعد هنا، صدقني ده مش مكاني من بعد اللي حصل، مخنوقة، عايزة أخرج. سكت وهو ينظر إليها من ذلك القرار الذي مثابة قرار كبير بالنسبة له. –لو ده اللي عايزاه، مقدرش أمنعك.

نظرت له حين قال ذلك، سالت دمعة من عينها بحزن، وذهبت من أمامه. حزن ياسين، وكان لا يصدق ما قالته له، كلامها يتردد في أذنه، الحناجر التي تلك شريان لتتناثر دماؤه كمن ضخ الألم في قلبه. جلس من بين خيبات قلبه المتراكمة. دخلت فريدة أوضتها ودموعها تسيل. مسحتهم، فهي تأخذ القرار الصحيح، أه سيؤلمها قلبها، لكن بعد ما حدث، لتبتعد. أنه بالفعل لم يعد يريدها، لم يتمسك بها حتى. راحت ناحية الدولاب ولمت هدومها وهي بتحطها في شنطتها.

وقفت ومسكت فستان ليعود بها بذكرياتها معه حين كان في كندا. –مش طويل عليكي. اتغاظت، لكن قالت بثقة: –هظبطه، أو اللبس كعب… مش هو حلو؟ –جميل. نظرت له من نبرته الهادية، خجلت. قالت: –خلاص، عايزاه. ابتسم عليها لتبادله البسمة. كم اشتاقت لبسمتهم معاً، لم تعلم هل تتركه؟ لم تأخذه؟ لا تعلم هل ذلك لها أم لم يعد كذلك؟

كانت حين تشتري ملابس تركية إياها وتأخذ برأيه، كان يخبرها ألا تحصر بناطيل، ويضيق حاجبيه بضيق منها حين يراها أحضرت، فيصبح وسيم كثيراً وتبتسم عليها. اشتاقت لحياتهم سوياً، اشتاقت لصفاء حبهم، كان نقياً، أم الآن فدنس بالمعصية. تريد المغفرة، لعل ذلك عقاب الله على أفعالها وتفكيرها الخطأ. عقاب كبير لن تتحمله.

في اليوم التالي، لم ينم ياسين، لا يزال جالساً في مكانه منذ ليلة البارحة، فلم يستطع النوم من آخر محادثة. ولم تكن فريدة نامت هي الأخرى. سمع صوت، نظر، وجدها تخرج من أوضتها وهي تسحب حقيبتها. تفاجأ، وقف ونظر لها. –جاهزة؟ –إيه ده؟ –نسيت كلامي امبارح؟ –لسا عايزة تمشي. –مغيرتش قراري. ستذهب، يلقي الأثمان. نظرات على بعضهم، كنظرات الوداع، يريدها أن تتطلع بعينه، لكنها حتى تنفر النظر إليه. –خليكي يا فريدة.

صمتت وهي تنظر له، وتود البقاء. –لو خايفة مني، هبعد عنك.. ثقي فيا. –كنت محل ثقة يا ياسين.. كنت زي المراة اللي وقفت قدامها متخافش، لأني باصة لنفسي.. بس ده مش بيتي.. ده بيتك انت يا ياسين. صمت، فلا مجال للكلام معها. خد منها الشنطة بدلاً منها، فهي ثقيلة عليها، وذهب، تبعته للخارج. تقدم من السيارة، أخذها السائق، وضعها في الحقيبة. قالت فريدة: –ملوش لزوم تيجي معايا… أنا منسيتش المكان، هعرف السواق.

كانت تعرض أن يرافقها حتى وهي تغادر. ركبت فريدة. نظر السائق لياسين، أومأ له بأن يسمع كلامها ويذهب معها. أومأ بالطاعة وركب. ابتعد ياسين، لم تكن تنظر له حتى ذهب السائق. وبعدما غادرت فريدة، خفضت وجهها ودمعتها تسيل على وجنتيها. ها هي تتحرر.. لن تستحي من رؤية بعد الآن. لفت ونظرت له لتجده يلف ويدخل. حزنت.. أهذه نهايتهم حقاً؟ لماذا فعلت ذلك؟ لماذا تمنع نفسك؟ كمثل كل مرة، لماذا لم تحميني من شرك؟ أم لأنك لن تعد تحبني؟

تلاشى حبك وأنا الذي كنت أحارب لأن أعيده، ولا أعلم بأنه قد اختفى. لأخرج بأكبر خسارة لي.. لعلك سعيد الآن، أعطيتك أغلى ما أملك ولا زلت لم تعد لي.. عقابك شديد القسوة، وقلبي لا يتحمل قسوتك عليه… أخطأت وندمت على خطئي بحقك.. أقسم لك أني أتمنى أن يعود يوم زفافها، لتشبثت بك وأخبرتك أنهم يسعون لتفريقنا، لاخبرتك ألا تتركني لأفكاري وغيرتي التي ستهلكنا.. ليتني اختبأت في أحضانك وبكينا سوياً وعاتبنا بعضنا لبعض.. لما كنا هنا الآن.. أظل السبب فيما أنا عليه..

–مدام فريدة. فاقت على صوت السائق. نظرت، وكانت السيارة متوقفة. قال: –وصلنا. أومأت له، فتح الباب، نزلت لتنظر إلى منزلها الذي أمامها. خرج السائق الشنطة. اقترب منها، تقدمت فريدة وفتحت البوابة. تقدمت من الباب، خرجت المفتاح الذي لطالما تساءلت متى تستخدمه من جديد، وها قد أتى. كانت تتمنى أن تأتي معه حين يصبح عائلة، لكن لا تستطيع أن تدخله ذلك البيت من بعد ما حدث بينهم، كأنه أصبع نقطة سوداء في حياتها.

فتحت الباب، تنهدت وهي تستجمع قواها وفتحت لتدخل. نظرت حولها، ذلك البيت التي ولدت وترعرعت فيه. تسمع أصوات ضحكتها، أصوات تذمرها، تدللها على والدها وهم يصنعون الطعام معاً. فكان أبيها طباخ ماهر. كان يعاملها كأميرة. لطالما الجميع يراها متدللة بزيادة، لكن ذلك داخلها، أبيها من علمها أن الأميرات تدلل كيفما شاءت وما تطلبه مجاب… ذلك هو والدها. مسحت دمعة سالت منها. دخل السائق، وضع الحقيبة، قال: –حاجة تاني يا مدام فريدة؟ –شكراً.

أومأ لها، نظر للمنزل وذهب وهو مستغرب، هل ستعيش هنا؟ قفلت فريدة الباب ودخلت، حط شنطتها. نظرت إلى المكان، كان يبدو نظيفاً، شالت الفرش إلى ع العفش، لتجده كما كان، ليس مترب حتى. معقول أن ياسين أرسل أحد البارحة حين علم أنها ستأتي لهنا؟ فظبط المكان كي لا يتعبها، فيعلم أنها مريضة والغبار خطر عليها. ألا تزال تهتم بي ياسين؟ لم أعد أعلم ماذا تريد مني. أنت شخص نرجسي؟ بعد الأوهام تحيط بي.

قعدت فريدة على الأريكة وهي تلمسها باشتياق، مسكت وسادة، نظرت لها، دمعت عينها. كانت مخدة ذو تطريز يدوي. ابتسمت، فكانت صنعتها ليعقوب قديماً وأهدتها له. كانت تلك مخدته المفضلة لأنها منه، لم يكن يسند ظهره سوى عليها. عانقتها وهي تتشم رائحتها. شافت براوز ع الطرابيزة، مسكته، كانت صورتهم معاً حيث التقطتها وهو جالس وهي تعانقه رقبتيه ومواقفه خلفه، والبسمة تتسع شفتيه.

لطالما اشتقت لتلك البسمة. لطالما فقدت روح أبيها وأخذت روحها معها. ذلك الفقدان لم يعوضه أحد، حتى ياسين لم يسد فراغ أبيها. لقد كان أول حب لحياتها وأكبر حب. ذلك الرجل أعطاها كل شيء. سالت دموع من عينها وهي تنظر له، وكأنما ينظر إليها بسخط. –بكره بخجل، تركت الصورة بحزن. –متسألنيش كده.. أنا آسفة.. مكسوف إني بنتك.. أنا كمان مكسوفة منك ومكسوفة وأنا قاعدة هنا.

أخطأت ونسيت تربيتها له، تعتذر له بشدة، تقسم له أنها نادمة أشد الندم. بكت بحزن وهي تضع يدها على وجهها وتبكي بمفردها دون أن يستمع لها أحد غير جدران منزلها. تبكي من وحدتها التي تخاف منها وأصبحت فيها، وتبكي عليها وعلى قلبها. تخشى النوم أو أن ترتاح، تخشى أن يأتي لها في الأحلام وهو غاضب منها. حتى غفت على نفسها بعد كثرة البكاء.

كانت فريدة نائمة وتشعر بيد على رأسها. فتحت عينيها، لقت أنها نايمة على أقدام أحد. رفعت عينيها من الذي يمسد على رأسها لتقابل أعين هادئة، منيرة وجه اشتاقت له وتمنت لقياه. كان يعقوب من يجلس أمامه. دمعت عينها وهي تنظر له، فلقد كانت نايمة على حجره ويربت عليها مثلما يفعل. –بابا. انقضت عليه وهي تعانقه وتبكي وتقول: –بابا… وحشتني أوي.. الدنيا دي وحشة وحشة… أنا آسفة، سامحني أرجوك. –آسف إني سيبتك، كان لازم أكون

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...