الفصل 42 | من 56 فصل

رواية زهرة الاشواك الفصل الثاني والأربعون 42 - بقلم نور

المشاهدات
21
كلمة
3,486
وقت القراءة
18 د
التقدم في الرواية 75%
حجم الخط: 18

فتحت فريدة عينيها، كانت تشعر بتخدير في جسدها. تقلبت، لكن توقفت عيناها عندما رأت ياسين بجانبها وكان عاري الصدر. اتسعت عيناها، نظرت حولها، وجدت نفسها في غرفتها وعلى سريرها. نظرت لنفسها وقربها منه، كان قلبها ينبض بخوف. رفعت الغطاء الذي عليها لتنصدم وتنتفض وهي تضع الغطاء عليها تداري جسدها وتدمع عيناها بصدمة. فاق ياسين من حركتها، سمع صوت شهقات. نظر إلى فريدة، تفاجأ من ظهرها العاري. نظر حوله، جلس فوراً وهو في حالة ذهول.

"إحنا عملنا إيه؟ قالت ذلك بصوت مبحوح وخوف. نظر إليها، بكت وقالت: "إزاي ده حصل؟ كان هو الآخر مصدوماً، لا يصدق أنه فعل بها ذلك. كانت تحاول تستر جسدها وتبكي بشدة وفي حالة هستيريا. "فريدة." "إحنا عملنا إيه يا ياسين؟ هببنا إيه؟ مسك الحلف ولفه على ظهرها. صرخت به وهي تقول: "ابعد، متلمسنيش." عادت للخلف وهي تبتعد عنه وتزحف بقدمها لتوصل لآخر السرير. نظر إليها بحزن شديد وهي تبكي. مسكت رأسها

وهي تزيح شعرها وتقول: "إزاي أعمل كده.. ليه خليتني أرتكب غلط زي ده أندم عليه العمر كله.. ليه خليتني هنا؟ "فريدة، أهدي، متعيطيش." "أهدى! قالت بصياح لتكمل: "بتقول لي أهدى؟ مش المصيبة اللي أنا فيها وعايزني أهدى... إحنا عملنا غلط أكبر.. زنينا يا ياسين." نظر إليها من ما قالته. بكت بحرقة من تلك الجملة لتقول: "أنا مش كده.. مش أنا اللي أغلط كده." "عارف والله مش غلط." "... بتقول لي مش غلط؟ فاكرني لسا مراتك؟

مش شايف اللي حصل مابينا؟ مصيبة.. إحنا زنينا... اللي حصل ده اسمه زنا، زنااا افهم بقى.. إزاي قادر تبقى هادي كده؟ عشان مصيبتك مش زي." "متعيطيش، أرجوكي، هنلاقي حل." "أنا إزاي طاوعتك؟ إزاي بغبائي طاوعتك ومعارضتش؟ حزن ياسين، فهو لم يكن يفكر سوى بها. "اطلع برا." نظر لها. أردفت وهي تدير وجهها وتقول: "اخرج، أرجوك، مش عايزك تشوفني كده." "فريدة." قطعته بحدة وهي تقول: "اخرج حالاً... كاره نظرتك ليا.. يلااا."

صمت وهو يرى رجاءها بأن يذهب ودمعتها التي تسيل قهراً. ابتعد عنها وذهب. توقف ونظر إليها وهي غارقة في بكائها، لا يصدق أنه فعل ذلك بها. لماذا أوصلها لهنا؟ كيف كان البارحة معها؟ لماذا حدث ذلك الآن؟

استوقفته بقعة دمها، دليل عذريتها. لقد أخذها. كان الرجل الأول بحياتها. إنه من امتلكها في الأخير. كل الطرق أوصلتها لأن يأخذها هو. سامحيني يا فريدة، لكنني لن أنسى تلك الليلة مهما حييت. لست ناظم، لم أكن لأسمع أن يمتلك رجل غيري. كنتِ من حقي ولا زلتي. سامحيني أرجوك، كاره نفسي كثيراً على أذيتك بتلك الطريقة. بكت فريدة بانهيار بعدما ذهب. وقفت لكن شعرت بألم والتوت ساقيها الضعيفة. استندت على الكمود وبكت.

نظرت إلى المرآة لترى نفسها وشكلها وهي ملتفة بذلك اللحاف كالعاهرات، مجردة من ملابسها. لماذا فعلتي ذلك؟ لماذا أيتها الحمقاء أذللتِ نفسك؟ تعهدتِ بأن تعطيه أي شيء ليعود لكِ، لكنكِ أعطيته نفسك ولم يعد، بل طلعتِ بأكبر خسارة. كيف يمكن أن تفعلي ذلك؟ أهذا حبك الذي نعتيه بالضعيف؟ هذا الحب الذي أوقعك في المعصية فقط لتكوني معه؟ ليتكِ لم تفعلي، ليتكِ فكرتِ بعقلك قبل هذا القلب الغبي الذي أرشدك لطريق خاطئ، طريق الظلام...

هذه النتيجة، وصلتي لوحة لم تتمني أن تكوني فيها. أهذه أنتِ حقاً؟ هل الحب ما يفعل ذلك ويجر قدم صاحبه للمعصية، أم أنها من لم تحمِ نفسها جيداً وتخطت كامل الحواجز من أجل حبه؟ نسيتِ الحواجز وذلك الرجل، نسيتِ أنه رجل وهي فتاة. نسيتِ أخلاقها وأن مكانها خطأ. أنها الخطأ بأن عينه. وضعت يدها على وجهها بضيق شديد من تلك الأصوات. لماذا؟ حقيرة. ماذا يراها؟ لماذا فعل بها ذلك؟ لماذا؟!

مسكت زجاجة العطر ودفعتها بقوة لتتكسر المرآة وتتهش، وتنظر إليها وكأنما تنظر إلى كامل صورها المتعددة وهي على الأرض كالذي قيمتها قد تدنست. تتذكر لحظة استيقاظها ورؤيته معها. يا لسخرية القدر! لم تتوقع أن اليوم الذي كانت تتمناه تستيقظ وتراه معها يكون بتلك الفجعة المفزعة. بل لا تتمنى ذلك البتة. "كفاية، اسكتي بقى." أليست تلك روحها وإرادتها التي تحدت الكل بأن تعيده؟ وأخبرته: "أفعل أي شيء لإرضائك." أنسيت من تكون لذلك الحد؟

سندت والدموع تسيل منها وهي تبكي. ذهبت فدعست على زجاج، تألمت بقدر روحها وضميرها الذي يؤلمها. دخلت الحمام، اقتربت من البانيو وفتحت المياه على آخرها لتبكي دون أن يسمعها أحد. تبكي على نفسها وحبها، تندب حظها. كان ياسين في غرفته ويجمع قبضته بضيق من نفسه. سمع صوت كسر، نظر وقلق.

خرج وراح لغرفة فريدة. كان خائفاً أن يدخل فتصرخ في وجهه، لكن فتح الباب بتجاهل. فلم يجدها. نظر ليجد المرآة متكسرة. نظر حوله وكانت الغرفة مبعثرة. تنهد، لكن رأى لزج أحمر على الأرض. تعجب، نظر إلى الحمام بقلق شديد وراح سريعاً. فتح الباب. وتوقف حين رأى فريدة جالسة على سلالم البانيو. "فريدة." لكن لم تكن تتحرك. اقترب منها ليجد الماء بلون محمر ويدها بها. نظر إليها بشدة، اقترب منها، مسكها وهو ينظر إليها وكانت مغشياً عليها.

مالت عليه، شالها سريعاً وخرج ليجد الخدم الذين أتوا. "خير يا ياسين بيه؟ نظروا إلى فريدة بقلق من شكلها. قال: "اطلبوا الدكتور. مش عايز حد هنا... يلا." مشوا فوراً. أن قال ذلك، وقفلو الباب وهما مش فاهمين حاجة. حط ياسين فريدة على السرير، جاب لها هدوم. *** "عاملة إيه يا تسنيم؟

كان إيهاب واقفاً أمامها. كانت تنظر إليه وجرحها يتفتح. لم ترد عليه، بل كانت جملته أفاقتها على الواقع. دمعت عينها، خفضت رأسها. نظر لها إيهاب، انحنى والتقط الكتاب، قالت وهي تنفضه من الغبار: "الحمد لله." مشيت ولم تزد في كلمة، لكنه أمسك يدها يوقفها، لكنها أفلتتها ليرى ردة فعلها ويحزن. قال: "مبتردّيش على تليفونك ليه؟ كانت تخفي وجهها، قالت: "ده يهمك في حاجة؟ "أكيد يهمني."

استوقفتها كلمته، وارتسمت ابتسامة ساخرة على شفتيها. ابتسامة مريرة، منكسرة. "لو مكنش يهمني، كنت هجيلك في المكان اللي عرفك بتبقى فيه عشان أشوفك." "تعبت نفسك." نظرت له ورأت أعينها المنكسرة، لتقول: "متبقاش تيجي تاني." تفاجأ من قولها. مشيت وهي تحتضن كتابها وتمسك دمعتها وتبتعد عنه، وكأنها تهرب من جرح قلبها والخذل الذي لم تتعافى منه. *** جاء الدكتور وكشف على فريدة. قال: "جروح صغيرة." "مفقتش ليه؟ "الإغماء مكنش من الإزاز."

"امال؟! "ضعف جسدي.. كانت مرهقة حبتين، أدى أنها تفقد وعيها عادي، بتحصل." صمت ياسين ونظر إليها. ضعف جسدي. تذكر ليلة البارحة، يتساءل كيف تحملت فريدة برغم مرضها ولم يجد عقبة تمنعه. لقد تحملت. كانت تمارس تمارين ضبط نفس كي لا يحدث أي اضطرابات. تلك التمارين التي تدربت عليها، فعلتها من أجله. أيعقل أنه استغل ضعفها لذلك الحد؟ أرادت أن تكون معه، فتحملت برغم تألمها. كيف أذيتها بتلك الطريقة يا ياسين؟ المعقول أنك فعلت بها ذاك؟

فاقت فريدة ونظرت إلى الطبيب، ثم نظرت إلى ياسين ومن وجوده. قال الطبيب: "خلي بالك بعد كده." افتكرت ما حدث. نظرت إلى نفسها فوراً، لتجد أنها بملابس ومرتبة. نظرت إلى ياسين بصدمة. "شكراً يا دكتور." "العفو." وقف وذهب. نظر ياسين إلى فريدة ليجدها تغطي نفسها. تعجب، فهي لابسة بالفعل. "مين اللي لبسني؟ نظرت له وعيناها تدمع بحزن وتقول: "وانت بتعمل إيه هنا؟ مين لبسني؟ قول، أرجوك." "كان لازم تلبسي عشان الدكتور...

بكت وقالت: "دخلت هنا وشوفتني تاني... ليه؟ خدت عليها؟ بتلبسني بنفسك؟ استحلتها؟ كنت تسبني." "فريدة، أهدي." "ليه بتعمل معايا كده؟ ليه عملت كده؟ ولي لسا بتعمل؟ ليه بتكرهني فيك وفي نفسي؟ شعر بالحزن الشديد من كلامها. اقترب منها، قال: "متعيطيش، انتي تعبانة." "بسببك... انت السبب... التعب ده منك. اخرج، جاي ليه؟ "أهدي." "اخرج بقولك، حالا." مسك وجهها وقال بحدة: "أهددددي."

صمتت بخوف ودموعها تسيل. نظر إلى عينيها التي ترتعش وتشهق بين يديه، قال: "ملبستكيش والله.. خلت واحدة تلبسك. كنت عارف إن دي هتبقى ردة فعلك." بكت من بين يديه. نظر إلى دموعها التي مالها وجهها، قالت: "خلتهم يشوفوني وأنا كده.. حتى لو واحدة، مكنتش عايزة حد يشوفني.. بتمنى لو اختفي حتى من قدامك دلوقتي." وقته بعيداً عنه وقالت: "ليه عملت فيا كده يا ياسين؟ ليه محذرتنيش منك؟ ليه جيتلي امبارح؟ ليه مخرجتش بدام شايف نفسك كده؟

"والله مكنت أقصد.. ضعفت يافريدة. نسيتي إنّي راجل عشان مسكت نفسي سنين وحميتك مني." "وفي الآخر خدتني بس إزاي؟ ياريتني منسيت.. كنت فعلاً شايفاك أمان." تنهد وقال: "أهدي." "قولي إزاي انت هادي كده؟ معقول مش همك ولا فارقة معاك؟ أنا قليلة عندك أوي كده؟ خدت اللي انت عايزه خلاص." "متقوليش كده يافريدة، أرجوكي.. بتظلميني تاني بكلامك." "قولي إزاي أبقى هادية زيك؟ بدل النار اللي جوايا." "عايزك تهدّي الأول ونتكلم." "لسه بتقولي أهدي؟

نتكلم في إيه؟ نتكلم عن إيه أصلاً؟ عن امبارح و... صمتت بخجل شديد وتردف ببكاء: "ليه؟ "قولتلك معملناش غلط، والله مكنت أقصد. أحلفلك بأي؟ "مكنش غلط إزاي؟ إزاي مكنش غلط؟ اومال إيه العلم في نظرك؟ صمت قليلاً وهو ينظر لها، ثم قال: "اللي حصل كان لازم يحصل من الأول." وهنا صرخت في وجهه وقالت: "بتتكلم بكل ثقة ولا كأني مراتك؟ يحصل من زمان مش دلوقتي؟ مخدتوش زمان ليه؟ حرام اتسمى حبه لها حراما. الم ترى كم مشاعره كانت صداقة معها؟

لم تكن شهوة فقط، بل مشاعر حبه الذي لم يخرج سوى لها هي. "حرام عليك، حرااام! قال بانفعال من صرخاتها: "أهدى بقا، انتي لي؟ محسسني اني غصبتك، اللي حصل كان بإرادتك." وهنا صمتت فريدة ونظرت له بشدة، وهو الآخر استوعب ما قاله ليرى نظرة انكسار عميقة، وقالت: "معاك حق، كان بإرادتي." تنهد بضيق لتردف: "أنا الغبية الحقيرة اللي سلمتك نفسي. أنا قذرة." "فريدة! "ابعد عني." "مقصدش كده والله... عارف إنك...

"إني كنت عايزك زي ما انت عايزني، واللي حصل كان بموافقتي وشاركت فيه... نظر لها من ما قالته، لتقول: "معاك حق، أنا اللي وافقت. أنا زااانية." تألم من ذلك النعت الذي وصفت به نفسها، قال: "متقوليش كده." "بس أنا سألتك، سألتك غلط ولا لأ؟ ليه معرفتليش إنه غلط؟ أكبر غلط بعمله. ليه مبعدتنيش وفوقتني؟ ليه منصحتنيش زي ما بتنصحني؟

تبكي ويرى ندمها الشديد. تندم أنها بقيت معه، وكأنها أرادت أن تكون لأحد غيره لهذا الحد، لا تتمناه لهذا الحد، نادمة عليه. ليته آفاق نفسه أولاً يا فريدة، ليته نصح نفسه وابتعد من تلقاء ذاته ولم يكمل أذيته عليكِ، ويراكِ هكذا وهي تسخطه وتجهش أمامه. "اخرج، سبني لوحدي." نظر لها وصوت بكائها يمزق قلبه، رجفة جسدها، دفء المجروحة، حالتها تمزقه وتجعله نذل أمام نفسه. معقول... أفعل بها كل ذلك؟ "أنا آسف."

قال ذلك وابتعد عنها. خرج وتركها. نظرت له الخادمة، قال: "متسيبيهاش غير ما تاكل، لما تهدى." أومأت له بتفهم. ذهب وهو يفكر بها وبنفسه. دخل غرفته. "إزاي عملت كده؟ افتكر البارحة، مسك رأسه بضيق. كيف يضعف لهذه الدرجة؟ كيف يفعل بها ذلك؟ كيف يحدث ذلك بينهم؟ لقد نسي من تكون. تلك حبيبته، فريدة وصيته. أهذه الأمانة التي أؤتمن عليها؟ لقد خانها. خانها وأذاها وهي مريضة، كالوحش الذي فقط يريد إشباع رغباته. نسي مرضها، نسي كل شيء.

أنه خائن. منذ متى وهو شخص غير مسؤول؟ منذ متى وهو لا يستطيع التحكم؟ كان ضعفه البارحة ليس مثل أي ضعف مر عليه. وكأنه كان فقط ينتظرها لتحركه، فكان ضعيفاً بالفعل. ضعيف الإرادة وهو المسيطر الدائم على نفسه. يشك بأنه كان هو. لم يكن أنا. أنا لا أفعل ذلك. لا أستغل، لا أجبر أحداً، لا أرتكب خطأ. أنا لا أؤذيكِ يا فريدة.

أنا الذي صبرت تلك السنين، أبعدتها عني، وضعت حداً، وهي زوجتي وحميتها من نفسي. لم أستطع كبح نفسي عن لحظة ضعف. لحظة شيطان صور له كفريسة. شيطان. لقد كان هو الشيطان. ماذا فعلت يا ياسين؟ اللعنة عليك. كيف تأذيها لهذا الحد؟ كيف فعلت ذلك بها؟ كيف وصلت لهنا؟ ليته يقسم لها أنها لم تكن شهوة، بل كان حباً، حباً مفرطاً في قلبه لسنين عاش به معها.

افتكرها وهي تبكي وتبتعد عنه. ليته مات قبل أن يرى تلك النظرة والنظم بأعينها. أخذها لكنها لا تريد البتة، نادمة عليه كأنه ورطة، ونادم هو على أذيتها فقط. *** روحت تسنيم. نظرت لها والدتها قالت: "جيتي.. كنتي فين؟ مهواش تعليم وخروج." "بعدين يماما." ومشت. نظرت لها تعجبت، قالت: "هي البت متسرعة كده ليه؟

دخلت تسنيم، جلست وافتكرت إيهاب. فتحت تلفونها ودخلت على الأكونت. شافت رسالته التي لم ترد عليها بالفعل، فكانت تقفل الرسائل كي لا ترى أحد. دخلت على صفحته، لكن استوقفها شيء. الحالة الذي يكتبها (أعزب) لكن كيف؟ هل نسي تغيير حالته إلى متزوج؟ أم عاد ليسخر منها ويرى انكسارها من بعد ما فعلوه بها؟ أم يريد تلك الصديقة الغبية التي لن تعود لها مجدداً؟

لكن نبذت نفسها بسببه، حتى أنها لا تستطيع الذهاب لجامعتها كي لا ترى فريدة وتتذكره. "تسنيم." نظرت، فتح الباب ودخلت والدتها، قالت: "فيه حاجة يماما؟ "تعالي كلي." "مش عايزة." "يعني إيه مش عايزة؟ انتي نشفتي." "مش جعانة دلوقتي يماما." "احسن." نظرت لها، ذهبت وتقفلت الباب. تنهدت تسنيم وأغلقت هاتفها، لكن نظرت إلى الاتصالات وكم المكالمات من أصدقائها يارا و... فريدة. تلك التي تهرب من لقائها، لكن يبدو أن الأوان. ***

كان ياسين واقف في البلكونة بشرود. نظر إلى غرفة فريدة، لعلها واقفة ويراها. لكنها لم تكن كذلك. فهو لم يكن رآها اليوم بأكمله. لا يعرف عنها شيئاً. فقط أخبرته الخادمة أنها أكلت، وهذا ما أراح باله، انشغل عليها. لم يكن يذهب لعمله ولا يفعل شيئاً غير التفكير بها. "هتعذبيني لحد امتى يا فريدة؟ *** في اليوم التالي في الجامعة، كانت تسنيم خارجة من المدرج وهي مستغربة وتلقي بنظرها بحثاً.

كانت يارا واقفة مع صحبتها، لكن تفاجأت من رؤية تسنيم. "تسنيم! توقفت ونظرت لها. اقتربت منها قالت: "تسنيم أخيرا." عانق بعضهم، وسعدت تسنيم هي الأخرى أنها رأتها. ابتسمت. ابتعدت يارا قالت: "ظهرتي." "كان لازم." لم تفهم. لتردف: "امال فين فريدة؟ مشوفتهاش يعني؟ "آه مجتش النهارده حتى تليفونها مقفول." أكملت بسخرية: "انتي تختفي، هي تظهر. انتي تظهر، هي تختفي." صمتت تسنيم. نظرت لها يارا وقالت: "لو تعرفي إنك جاية أكيد هتيجي."

"ليه يعني؟ قالت ذلك باستغراب. صمتت، فهل تخبرها أن فريدة تعلم بحبها لإيهاب؟ قالت: "وحشتيها عادي. كنتي بتغيبي ليه؟ فاتتك محاضرات كتير." "بابا زعقلي، اضطريت أنزل." "كويس. فرحانة إني شوفتك." ابتسمت لها. نظرت يارا وتبدلت ملامحها. تعجبت تسنيم. نظرت لها يارا قالت: "جاي لمين؟ لم تفهم. لفت وتفاجأت لما شافت إيهاب. "بيعمل إيه هنا؟ "يعني إيه بيعمل إيه؟ تلاقي بيحسب فريدة جت." "وهو ماله بفريدة؟ "ماله إزاي؟ هي مش مراته؟

"لا، معدتش كده." نظرت لها باستغراب. قالت يارا: "بيبصلك، شكله جاي ليكي." نظرت تسنيم إليه لتجده ينظر لها. صمتت. نظرت لها يارا ابتسمت ووضعت يدها على كتفها قالت: "good luck." نظرت لها. ذهبت وهي تودعها. تنهدت تسنيم وذهب وتجاهلت إيهاب كأنها لا تراه. "تسنيم." توقفت. تقدم منها قال: "ممكن نتكلم؟ "لا، لازم أمشي." "نقعد في كافيه خمس دقايق." قالت بضيق: "أقعد معاك في كافيه بتاع إيه؟ وبتكلمني ليه أصلاً؟ "بكلمك ليه؟

"لو ممشيتش هصوت وأقول إنك بتعاكسني." "بعاكسك؟ بتقولي إيه انتي؟ "تحب تشوف." أنصدم. فهي مجنونة، ممكن أن تفعلها. قال: "خلاص، كلمتين وهمشي." لم ترد عليه. ليردف: "وحشني كلامنا." نظرت له من ما قاله وزال غضبها، لكنها اختنقت وقالت ببرود: "احترم إنك متجوز على الأقل." مشيت. أوقفها وقال: "بس أنا مش متجوز." تعجبت. هل سمعت صحيح؟ أكمل: "أنا وفريدة منفصلين بقالنا كتير." نظرت له، فيبدو جاداً. قالت: "إمتى؟

"لو كنتي بتظهري كنتي عرفتي." "مش عايزة أعرف. زعلتلكوا." قال آخر جملة برسمية كأنها لا تهتم بأي منهما. وكان يرى حزنها. قال: "ممكن نقعد في حتة؟ "لااا." "ماما عايزة تقابلك." نظرت له. قال بإستدراك: "جايلك عشانها." يا للسخرية. لقد ظنت أنه أتى من أجلها، إنما ليُوصلها لوالدته. "لا، أنا كنت جاي عشانك. بس هي بتسألني عليكي بقالها كتير، قلتلك إني هشوفك، فعازت تيجي معايا." صمتت تسنيم ونظرت إلى السيارة، فلا أحد بها.

قال إيهاب: "هتيجي؟ تأففت وقالت: "هي فين؟ "اركبى." ذهب لسيارته وجدها متوقفة وتقول: "أركب فين؟ "هنُمشي ده كله يعني؟ "آه." "اركبى يا تسنيم." "مش راكبة، يا نمشي يا لأ." نظر حوله وكانت صوتها مرتفع. قال بجدية: "الناس بتتفرج." "ما يتفرجوا." "المكان بعيد، مش هتستحملي. بتكلم عشانك انتي." صمتت وهي تنظر له. قال: "مش واثقة فيا؟ "لا."

وكانت تلك الجملة أحزنته، فقد قالتها بكل جدية. تقدمت، ركبت بخنقة. تنهد وركب. نظر لها، كانت تنظر إلى النافذة. قالت: "لحد أما نوصل، مسكنش في كلام." تنهد منها ولم يرد عليها وذهب. كانت يارا واقفة وتعمل مكالمة بعدما رأت تسنيم تغادر مع إيهاب. "ردي يا فريدة." كانت ترن، لكن بلا استجابة. حتى فتحت المكالمة: "فريدة، انتي فين؟ مجتيش ليه؟ "تعبانة، فيه حاجة." "تسنيم جت." تفاجأت فريدة وقالت: "انهاردة؟ "آه." حزنت أنها لم تراها.

قالت: "سألت عني؟ "آه. وعارفة كمان لسه ماشية مع مين. إيهاب." "إيهاب؟ "آه، جه الجامعة وكلمها، معرفش قالوا إيه، بس ركبت معاه ومشيو. معرفش إيهاب بيحاول يعمل إيه، بس انتي بنت عمه، لو عملها حاجة... "متخافيش يا يارا، إيهاب بيفكر صح دلوقتي." تعجبت. "واثقة ليه؟ هو اللي جرحها قبل كده." "وأنا جرحتها؟ قالت ذلك بحزن. صمتت يارا. "بتمنى الأمور تبقى كويسة معاهم." تعجب من نبرتها، وكانت تكتم دموعها. قالت: "فيه إيه؟ مال صوتك؟ "ماليش."

"متاكدة؟ من أول المكالمة وانتي غريبة." صمتت لتسمع صوت شهقة. تعجبت. "قولتلك تعبانة." "فريدة، انتي بتعيطي؟ "لا... سلميلي عليها." "مش هتيجي بكرة؟ "معرفش." "فيه إيه؟ انتي كويسة؟ أجلك؟ "لا، أنا كويسة. شكراً." قفلت. تعجبت يارا ونظرت لهاتفها. كانت فريدة في غرفتها التي لا تريد الخروج منها. تريد أن تقبع في السواد الذي اختارته. وضعت الهاتف.

كانت سعيدة لأجل تسنيم. تتمنى رؤيتها. تتمنى أن إيهاب يفعل شيئاً صح، ويُربت على قلبها. بيتها قابلتها، لكن لا تستطيع الذهاب. غارقة من بين بكائها، ولا يسمع صوتها غير قلبها الذي بدأ يتألم، تشعر بوخزات وكأنه يعطيها تحذيرات، لكن لا تأبى سماعه. فذلك هو من جعلها ترمي نفسها لتهلكه. لقد ركنت عقلها ولم تستمع له، نسيت الخطأ والصح، وكانت كل أفعالها خطأ. وها هي تكتشف الآن. لكن ياسين ماذا عنه هو؟ ماذا فعل وهو يفعل معها ذلك؟

تعلم أنه ليس هكذا، فلماذا؟ فهل ذلك معها وأخطأ ذلك الخطأ؟ قلل من نظره؟ ألم يجد سواها؟ تتساءل لماذا أبقاها هنا. بات عقلها ينفث أفكاره بأنه لم يكن ذلك الشخص الذي أحبته، بل كان رجلاً تركها لرغباته. لكنها تنفي بأنه ليس كذلك، تعرفه أكثر من نفسها. لكن تبرير لم يعد شيئاً، فما حدث حدث وانتهى. لقد انتهيا معاً. مستحيل أن يراها ولن أن يفكر بها. لا تزال تحبه، لكن لن تفكر به ثانياً، ولن تسمح لقلبها بأن يتمادى. يتمادى؟

وهل يوجد تمادي أكثر من ذلك؟ هل تخبره أنها أعطته كل شيء وتخلت عن كرامتها من أجله؟ فعلت ما لم تتخيله لترجعه. كانت شهوة ليس إلا. ليلة وانتهت. لم يرها وجهه منذ البارحة ولا تعلم عنه شيئًا، لم تكن أيضًا تريد الاحتكاك بها، تخجل منه ومنها. أخذها، لقد وفّت بوعدها له. "أنا لك.. أوعدك". وعدته أن تكون له، لذلك كانت تحافظ على نفسها من أجله. لأنها كانت مؤمنة دومًا أن ذلك حقه. لطالما رأت حفاظه عليها، تعهدت بأنه الذي يستحقها.

دمعت بحزن وهي تتساءل: هل لا يزال يستحقها أم أنها دنيئة فقط؟ *** دخلت تسنيم مع إيهاب إلى مطعم. نظرت له، أشار لها وقال: -يلا. تبعته. -مامتك هنا. -هكذب عليكي. صمتت. نظر لها، فهي لم تعد تصدقه بالفعل. نظرت لمعانها به، لقد انطفأت. باتت تراه شخصًا عاديًا الآن. كانوا ماشيين، وجدته يقترب من طاولة، وفعلاً رأت سلوى بها. تقدمت منها، ابتسمت حين رأتها وقالت: -تسنيم، عاملة إيه؟ حضنتها. نظرت لها تسنيم، ابتسمت وربتت عليها وقالت:

-الحمد لله. وحضرتك عاملة إيه؟ -أنا كويسة. نظرت إلى إيهاب وقالت: -اطلب لنا حاجة يا إيهاب، هنقعد كده. -إنتي ما طلبتيش؟ -لا، استنيتكم لما تيجوا. -تمام. ذهب وتركهم. مسكت سلوى يدها وقعدتها وقالت: -زعلك في الطريق. -لا، ما اتكلمناش أصلًا. نظرت لها وإلى ابنها وهو بعيد. -تسنيم، أنا عارفة إنك واخدة على خاطرك.. وعارفة إن ابني غلط معاكي. نظرت لها، تنهدت بقله حيلة وقالت:

-ما تزعليش منه.. هو كان في صراع كبير وظهر أول ما عرف هو عايز إيه.. هو وفريدة.. قاطعتها وهي تقول: -مش مهتمية أعرف حاجة عنه. نظرت لها لتكمل: -هو حر في حياته، سواء دلوقتي أو قبل كده. -بس إنتي.. -كان في الأول، دلوقتي أنا ببدأ تاني من غيره، وقفلته إذا كان هو أو فريدة. نظرت لها وحزنت. جاء إيهاب، نظرت والدته له. جلس وقال: -في ركن قراءة لو عايزة تقعدي فيه.

وكأنه يعرفها أنه لا يزال يتذكر أوقاتهم وهم يجلسون بمقاهي القراءة ويتذمر عليها وتحدثه هي كثيرًا، بينما هي لم تتذكر سوى أنه لم يستمع لتلك الأحاديث. -مش عايزة. -زي ما كنتيش عايزة تيجي هنا خالص. نظرت سلوى إليها وقالت: -ليه ما قولتلهاش إني موجودة؟ صمتت تسنيم. نظر لها إيهاب وقال: -ما كذبتش عليكي، عايزة تشوفك أهي. نظرت له وقالت: -لو ما كنتش مصدقة، ما كنتش جيت معاك. -بتقولي كده قدامها؟ -وقدامك.. أنا مش بخدع.. زيك.

نظر لها حين قالت ذلك، وكانت سلوى تنظر لهم. -عن إذنكم، همشي. قالت سلوى: -بس الأكل. -اتأخرت، شكرًا، مش جعانة. لم يتحدث إيهاب. مشيت وتركتهم. وقف وتبعها. نظرت سلوى إليه. خرجت تسنيم وكأنها تهرب من ذلك المكان. -تسنيم، استني. وقفت وهي توقف تاكسي. -مش بكلمك. -في حاجة تانية؟ -اتكلمناش في أولاني عشان نتكلم في تاني. تقدم منها وقال: -اتكلمت مع ماما وأنا اللي كنت جايبك عشانا. -عشانا؟!

-آه، عايز أقعد معاكي.. نتكلم زي الأول، بس بتتجاهليني، حتى امبارح. قالت بحنق: -أنت وجودي لازم أتجاهله. مشيت. أوقفها وقال: -زعلانة مني ليه.. عشان اتجوزت؟ استغربت وقالت: -دي حاجة ترجعلك، أنا مالي بجوازك. -شفتي مين بيخدع تاني. تقدم منها، عادت للخلف. -مش فاهمة. -جوازي ما يفرقش معاكي. -آه. -يعني مبتحبنيش. نظرت له قليلاً حين قال ذلك. ابتسمت بمرارة وقالت: -بتتريق عليا، بقيت مغفلة لدرجة دي. استغربت. نظرت له وقالت:

-غريب أنت يا إيهاب.. وقت ما كنت بظهر حبي كنت بتتجاهله، وقت ما نسيته بقيت تفكرني بيه.. أيوه، كنت بحبك. -كنتِ؟! -حط خط تحتها.. ندمانة لأني بتذل من الحب ده. -أنا ما ذللتكيش، أنا.. -أنت بتعمل عليك زي كل مرة وأنا الهبلة اللي بصدقك. شعر بالحزن من كلامها. -أنت ندل يا إيهاب.. واحد مشوه منها وكنت بتعوض نقصك فيا.. مش فريدة اللي كنت بتحبها بردو.. اللي سببتلك عقدة ومش عايز ترتبط عشانها.. فروحت اتجوزتها في الأخير. يرى جرحها.

-عايز مني إيه؟ -اديني فرصة أتكلم. -ابعد.. مقابلتنا انتهت، ما كنتش موجودة عشان تنتهي. مشيت وهي تصدم في كتفه وتكمل طريقها. وكان واقفًا، نظر لها. ركبت وغادرت. تنهد وذهب ليجد والدته واقفة وتنظر له بشفقة عليه وعلى تلك الفتاة التي جرحت لهذا الحد. ليس متعاطفة مع ابنها بقدر تعاطفها معها، فكم رأت حبها له من قبل، وبحجم الحب يكن الجرح عميقًا. تقدم من والدته وقال: -قولتلها. -خلاص.. مش عايزة. نظرت له، قال ذلك وهو يذهب. ***

في منزل، كانت ميرال واقفة بالروب وتمسك الهاتف وتحرك ساقيها، والضيق يملأ وجهها. لم يحدثها ياسين، لم يتصل بها ولو مكالمة واحدة. لقد تركته لها، وها هي جالسة معه وتشعر بالانتصار بأنه اختارها بدلًا منها. لن يحدث.. لن ولم يحدث ما تريدينه يا فريدة.. سيكون لها فقط، انتظري وترين. نظرت لهاتفها، ثم دفعته بضيق ودهست فوقه لشدة غضبها ونار الذي في قلبها بأنه لم يهتم بها. ذهب. جاءت الخادمة. تنهدت. فهل ستنظف ثانيًا؟

كل ثانية تكسر شيئًا من غضبها. *** في الليل، خرجت فريدة من غرفتها بعد عزلتها الأخيرة، كانت عطشى. وهي تسير متوجهة للمطبخ، رأت ضوءًا، لترى ياسين جالسًا على الأريكة. نظر لها. أكملت سيرها بوجه يخلو من التعبيرات وهي تتغاضى النظر إليه. -فريدة. توقفت وجمعت قبضتها، تتماسك نفسها. وقف، تقدم منها. نظر إلى يدها ورجفتها، كم حزن من ذلك. أتخاف منه لهذا الحد؟ -خايفة مني؟! -عايز إيه؟ نظر إليها وقال: -بصيلي وإنتي بتكلميني.

دمعت عينها وخفضت وجهها. -فريدة. قالت باختناق: -مش قادرة أبصلك. صمت عند نبرتها تلك، وشعر بكم الحمل الذي يضع على عاتقه. -لو مش عندك حاجة تقولها، همشي. تنهد وقال بجدية: -البسي. أردف وهو يذهب: -هنروح المأذون. استوقفت جملته فريدة. نظرت له بشدة وهو يذهب. -مأذون.. ليه؟! توقف، نظر إليها وقال: -هرجعك.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...