قالت فريدة بصدمة: –حبيبك! مسكت ميرال يد ياسين وهي تشابك أصابعهما: –ياسين مقالكش إننا هنتجوز؟ انصدمت فريدة، بل شعرت وكأن الخبر شق قلبها لنصفين. نظرت إلى ياسين بشدة، فهل هذا صحيح؟ لكن الصمت كان تأييداً لكلامها. شعرت بوخزة في قلبها ودمعت عيناها. نظر لها ياسين، ومن تلك النظرة التي قتلته، لأول مرة الصدمة تملأ عيناها. –مش هتباركيلنا؟ قالت ميرال ذلك، لكن فريدة كانت تنظر إلى ياسين وإلى أياديهما المتشابكة. خفضت
عيناها وهي تقول بصعوبة: –مبروك. كانت تشعر بغصة في حلقها، ذهبت وتشعر بحمل على قلبها. إنها تتركهم بمفردهم، لقد أصبحت هي الغريبة بينهم. كيف؟ ميرال وياسين معاً؟ كيف هذا؟ لماذا ياسين؟ لماذا؟ صعدت غرفتها. نظرت لها الخادمة وهي ترتب غرفتها: –سيبيني لوحدي. –مش عايزة حاجة. –خدي الأكل ده. –مش هاكل. –خديه.. أنا مش جعانة. نظرت لها باستغراب. أومأت لها بتنهيدة وأخذته وذهبت وهي تقفل الباب. جلست فريدة على سريرها،
سالت الدموع من عيناها: –مستحيل.. ياسين هيتجوز.. إزاي؟ تتذكر زواجها من إيهاب، فهي فعلت ما في رأسها، وتلك حياته التي لن تعود لها أن تدخل بها. أصبح لغيرها. كان ياسين لا يزال واقفاً. مسكت ميرال يده، نظرت له، أجلسته. قالت: –واقف لي؟ جلس معها. نظرت له وقالت: –أنت ناوي تعمل إيه؟ –مش عارف. جاءت الخادمة وهي تقاطع جلستهم وتقول: –الغداء يا ياسين بيه. أومأ لها وقال: –يلا. قامت معه. أخذت السفره وقالت:
–كنت عايزة نتغدى بره، بس مش مشكلة مرة تانية. جلست ميرال. كان ياسين سيعقد، استوقفه شيء. قال: –فريدة أكلت؟ نظرت له ميرال. ردت الخادمة بالنفي وقالت: –لا، قالتلي آخد الأكل وأسيبها لوحدها، تقريباً هتنام. –تنام؟!! نظر إلى غرفتها. قالت ميرال: –فيه حاجة يا ياسين؟ ممكن تكون تعبانة وعايزة تريح. صمت، فهو يعلم أنها استيقظت للتو ونامت كثيراً، لماذا تنام ثانياً؟
كان سيعقد، لكن شيئاً ما أوقفه، وهو مشهدها البارحة وهي ضعيفة. لأهمالها، تنهد وقال: –كلي أنتِ.. راجع. نظرت له. ذهب وراح إلى أوضة فريدة. كان سيدخل، بس وقف لما عرف أنه لازم يخبط الأول، فلم تعد فتاته، بل أصبح غريباً عنها. شعر بالاختناق من تلك الفكرة. تنهد وأطرق عليها وقال: –فريدة. لم ترد عليه. مسح المقبض بتردد ليسمع صوتها وهي تقول: –عايز إيه؟ استغرب من صوتها وقال: –ممكن أدخل؟ –لأ وامشي.
لم يسمع كلامها وفتح. شافها نايمة ورافعة الغطاء عليها. قال: –مأكلتيش ليه؟ –مش عايزة. كانت تحدثه وهي لا تنظر له. تنهد وقال بنفاذ صبر: –قومي يا فريدة عشان تاكلي. قالت بصراخ وغضب: –قلت مش عايزة. تضايق منها وقال بضيق: –يعني إيه مش عايزة تاكلي؟ –يعني مش عايزة آكل. قرب منها، مسكها وهو يلفها بغضب، بس تفاجأ حين رآها تبكي، فتوقف وزال ضيقه أمام دموعها. –أنتِ بتعيطي؟! نشجت ودموعها تسيل وتبعد وجهها وتقول: –ده يهمك في إيه؟
–أكيد يهمني.. نظرت له حين قال ذلك، ليردف: –أنتِ عارف إن دموعك بتضايقني. خرج منديل وهو يمسح وجهها بحنان، لتنظر له بحزن وتقول: –لسه بتضايقك يا ياسين؟ ولا كان الأول؟ نظر لها. التقت عيناهما، الذي لم، لا يعلم ذلك الحزن الذي داخلهما. قال: –بتعيطي ليه؟ مش عايزة تسيبيه؟ زقته وهي تقول بغضب: –مش عايزك تسيبني. تعجب من قولها، لتردف: –ليه هتتخلى عني؟ –هتخلي عنك؟ –أيوه، هتتجوز وتبعد عني.. وأنا!!
كانت تبكي بحزن وهو ينظر لها. فهل متضايقة من جوازه؟ قال: –مش هبعد. –هتبعد، هيبقا ليك حياة أنا مش فيها. –ليه بتقولي كده؟ –الحقيقة… يلا امشي بقى، روح اعقد مع حبيبتك الجديدة. عادت إلى سريرها وهي تبكي. قرب ياسين منها وقال: –فريدة. لم ترد عليه. تنهد وقال: –فريدة، ممكن تهدي؟ وقفة عياط عشاني. نظرت له. صمتت حين قال ذلك: –معرفش جبتي الكلام ده منين.. مش هسيبك، صدقيني، أنتِ هتفضلي معايا. –يعني مش هتبعد عني؟ –لأ.
نظرت له. نظرت على الباب لتجد ميرال واقفة وقد سمعت كلامهم وما قاله ياسين بالتحديد. –أوعدني. استغرب منها، ألم تعد تصدقه؟ قال: –مش مصدقاني؟ –مصدقاك، بس الظروف هتحكم عليك إنك تتخلى عني. صمت باستغراب. ولن يفهم كلامها، بينما هي تقصد الظروف بميرال، التي تعجبت من فريدة، فهي تعلم أنها تسمع حديثهم. هل تريد أن أثبت لها أن ياسين متمسك بها برغم أنهم سيتزوجون؟ تنهد ياسين وقال: –قومي كلي، مش عايز أشوفك زي امبارح.
لم يعطها جواباً، لم يوعدها كما أرادت، لأول مرة يخذلها في طلب لها، لتدرك أنه لم يعد كما كان ناحيتها. شعرت بالحزن، فهي تمنت أن يقول ذلك لتجعل ميرال تسمعه. لف ياسين وشاف ميرال واقفة. دخلت وقالت: –كنت جاية أشوفك، اتأخرت ليه؟ أومأ لها. نظر إلى فريدة التي كانت تشعر بالحزن، قال: –يلا يا فريدة، انزلي معانا. ضمّت شفتاها بمعنى لا. نظرت له ميرال، فهل تتدلل عليه؟ هل تلك تصرفاتها في العادة؟ –اسمعي الكلام. نظرت له. قال: –يلا.
أومأت له بالطاعة كعادتها، حين أدركت أنها ستأكل معهم ولن تأكل بمفردها. على السفرة، كانوا يأكلون وفريدة تنظر إلى ياسين وميرال، التي كانت تحادثه وتشعر أنها الغريبة من بينهم. بل كان يبدو الشروق على وجه ميرال، وهي وجهها معتم. يحترق قلبها، ولا تزال لا تستوعب ما يجري. –أمال فين أنور؟ قالت فريدة ذلك وهي تقاطعهم. توقف ياسين لوهلة عن الأكل. نظرت له ميرال: –مجاش معاكي ليه؟ قالت ميرال: –أنور مشي. –مشي فين؟! –سافر من شهر.
تفاجأت فريدة كثيراً، قالت: –سافر فين.. وليه؟ صمت ملا الاثنان وحزن ياسين، فصديقه لم ينساه ويشعر بفقده. نظرت فريدة إلى ياسين وحزنه ذلك، قالت: –أنتوا متخاصمين ولا إيه؟ –لا. –أمال إزاي متعرفوش هو فين.. مبتتكلموش معاه؟ –غير رقمه. –قصدك إن ميعرفش بخبر جوازكم؟ أومأ لها بمعنى لا. أومأت بتفهم وقالت: –هيزعل لما يعرف. نظر لها ياسين حين قالت ذلك. لاحظت نظراتهم. قالت بتفسير: –عشان مقولتلوش عن الخبر المهين ده، وهو صاحبكم أوي يعني.
ردت ميرال: –لو كنا بنتواصل معاه أكيد هنقوله. وقف ياسين وذهب ولم يكمل طعامه. نظرت له ميرال. تنهدت بحزن. قالت فريدة: –أنا قلت حاجة غلط.. إزاي متعرفوش إنه سافر؟ مبتكلمهوش يعني؟ –قولتلك غير رقمه. –ليه؟ –ممكن عايز يستريح من الشغل، ياخد إجازة، يبعد شوية، يغير جو. أردفت بقلة حيلة: –ياسين بيزعل لما يفتكر إنه مشي، حتى مش عارف يكلمه.. أنور سافر مرة واحدة، ويعلم هيرجع تاني ولا لأ. –أنتِ قلتي إنه خد إجازة.
–ده إلى بقوله لنفسي، هو قال مش راجع.. بس الفكرة دي مش قادرة أتقبلها. قالت آخر جملة وهي تخفض وجهها بمعالم الحزن. نظرت لها فريدة، قالت: –بتحبيه؟! تعجبت ميرال من قولها ذلك. أردفت: –كصديق يعني. –أكيد… بقينا اتنين، التالت اللي كان بينا مشي. متعرفيش أنور كان إيه بالنسبالنا.. كان هو اللي بيخرجني من اللي أنا فيه، كنت قادرة أعيش بعيد عن أهلي لأنه مكنش بيحسسني بده..
ابتسمت وهي تتذكر مزاحه وسخريته. كان الفكاهي اللي بينهم. كانت فريدة تسمع إليها ولحزنها. لتجدها تكمل: –بس ياسين وجوده مهون عليا خوف، أعقد في الشركة لوحدي وسط الشغل، بس هو بقى يفضل معايا، وسأل بيسهر ع الشغل ومبيجوش، مبقت أقضي وقت أكتر معاه. تضايقت من كلامها، فهل ياسين يبيت في الشركة معها، يتأخر وتراه اليوم بأكمله؟ –بس ياسين معايا وده كفاية. –كفاية!! –أيوه، أنا هنا عشان ياسين. وجودي في مصر مكنش غير عشان أبقى قريبة منه.
قامت وهي تمسح فمها: –هروح أشوفه. نظرت لها فريدة وشعرت بالضيق. إذا كما كانت تعرف أنها تركت أهلها وحياتها في بلدها فقط لأجل أن تكون مع ياسين. لم تخطأ في غيرتها، ولم يخطأ قلبها أنها تحبه. حتى وهو زوجها وكان يحبها، وتعلم ذلك. لم تتوقف عن حبه واستمرت. هل أحبت زوج شقيقتها حقاً؟ هل نسيت من يكون ياسين وأنه تزوج من شقيقتها في السابق وتريده ولا تهتم لأحد؟ كانت ميرال بدور على ياسين. شافته واقف في مكتبه قدام النافذة. دخلت وقالت:
–بتفكر في إيه؟ نظر لها من وجودها قال: –مفيش. –مش ناوي تقولي عن فريدة؟ –مالها؟ –هتعمل فيها إيه؟ هتوديها فين يعني؟ نظر لها حين قال ذلك، فتلك المشكلة التي تدور برأسه. قال: –فريدة هتبقى معايا، ده اللي أعرفه. نظرت له بشدة قالت: –تبقى معاك إزاي يا ياسين… أنت نسيت إن دي يعتبر طليقتك، اللي كنت بتحبها وهتتجوزها؟ عايزني أوافق تعيش معاك بالسهولة دي؟ –عاشت معايا قبل كده في الأول ومكنش فيه حاجة.
–الكلام ده لما كانت علاقتكم في الأول مفهاش أي حاجة غير إنها بنت عم يعقوب وأخدها وصاية، بس دلوقتي… –الوضع واحد يا ميرال، هي لسه وصاية. –بعد كل اللي عملته. –مدخليش مواضيع تانية ببعضها، ملهاش علاقة بمسؤولياتها مني. –بس ده معدش ينفع، وجودها معاك غلط، غلط يا ياسين. –عايزني أعمل إيه؟ أسيبها عند أشرف؟ يبقى أبو إيهاب اللي هي عندي هنا بسببه، وخايفة ترجعله؟ عايزني أرجعها لأهله عشان ميبقاش عندها اختيار غير إنها تبقى معاه؟
ولا أوديها لمدحت عشان يحاول يقتلها ويطمع في فلوسها؟ –إيهاب ده اختارته واتجوزته بكامل إرادتها، ولا أنت نسيت؟ شعر بالغضب من التذكر. قالت: –هي اللي تتحمل مش أنت، دي اختيارها وهما أحرار. –فريدة مش هترجع له. نظرت له بشدة حين قال ذلك بتلك الجدية، ليردف: –طلبت الطلاق، وده اللي هيحصل. –أنت بتقول إيه يا ياسين؟ عايز تطلقها غصب عنها؟ ممكن يتفاوضو ويرجعو.
–مش هترجع. لما يمد إيده عليها ويحاول ياخد منها حاجة غصب عنها، فهو محترمهاش ولا احترم إن دي مراته وبنت، حتى استقوى عليها وشوفت ده بعيني.. فبالتالي مش هترجع لشخص زيه. –معرفش شوفت إيه، بس ممكن الموضوع مش كده، أكيد حصل حاجة بينهم خلته كده.. أنا مبدافعش لحد، بس أنا وأنت عارفين إيهاب كان بيحبها إزاي، مش من يوم يحاول يأذيها وبعد ما تبقى مراته كمان. تضايقت من ذلك اللقب كثيراً. قال: –هي اللي تقرر. –ولما تقرر هتبقى مع مين؟
مع أهلها ولا هتعقد هنا؟ نفترض إنها اتطلقت وعملتلها اللي هي عايزاه، هتبقى مع مين؟ صمت. نظرت له قالت: –معتم برضو. –أيوه. –أنت عايز كده.. عايزها تبقى معاك يا ياسين؟!! تنهد وهو يقول: –مقدرش أسيبها، افهمني. –هي معدتش صغيرة، قادرة تهتم بنفسها. مبقولش سيبها أو اتخلى عنها، خليها معاك وروح شوفها، بس مش تكون في نفس البيت. افهمني أنت. –بس هي صغيرة ومينفعش تعيش لوحدها… هنا مش زي هناك، لما البنت تبلغ 16 قادرة تعيش لوحدها.
–أنا عارفة كل حاجة، وأنا مش غريبة.. بس أنا هتعيشها معاك بصفتك إيه؟ جوزها؟ ولا قريبها ولا صديق باباها؟ وهتعيش معاك لحد إمتى؟ تتجوز وتعيش مع جوزها؟ كان يشعر بالغضب من ما تقوله، زواج ثانياً؟ هل سيتحمل رؤيتها تتزوج من رجل آخر؟ –هتستنى لما حد يطلب إيدها وتتجوز. –فريدة مش هتتجوز غير بعد ما تخلص تعليمها، وهتكون معايا لحد يومها. ابتسمت وقالت: –هتجوزها بنفسك ولا إيه؟ صمت وهو ينظر لها بجدية بمعنى أجل. تفاجأت وقالت:
–ياسين، أنت بتهزر؟ تنهد وذهب. مسكت يده قالت: –رايح فين؟ مخلصناش كلامنا.. هتعيش معاك في نفس البيت وشك في وش بعض. –عندك حل تاني؟ –هي عندها أهل، مفيش غيرك يعني. أنا اللي مش هستحمل وضع زي ده، مش أنت. نظرت له. أردفت: –أنا مش أنانية، بس أنت مش شايف اللي بتقوله وعايزني أتقبله. –ده اللي عندي يا ميرال. نظرت له، لا يبالي بها. صمت قليلاً ثم قال: –فريدة مريضة. نظرت له. أردف:
–وأنا بشوف نفسي سبب في مرضها، من بعد اللي حصلها، مش قادرة تمارس حياتها بشكل طبيعي. غلطة ممكن ملقاهاش معاها. تتفاجأت ونظرت له. ليردف بتأكيد: –عشان كده هي هتفضل معايا حتى لما تتجوز. نظرت له بشدة ليكمل: –هي مسؤوليتي، وأنا هتحملها لحد ما أموت. ياريت تفهمي ده يا ميرال. قال آخر جملة معلناً إنهاء حديثه وذهب، وهو يتركها تطالعه وكأن يضعها أمام الأمر الواقع. هي فريدة، الذي لن يتركها حتى بعد زواجه، ستكون معه. راحت وراه قالت:
–ياسين. توقف حين نادت عليه. سمعت فريدة الصوت. نظرت لهم. قالت ميرال: –قصدك إيه؟ إن لما نتجوز هتبقى معانا؟ صمت، فهو أخبرها بكل ما لديه. كانت فريدة عايزة تعرف اللي بيحصل. أرادت أن تسمع ما يقوله. قالت ميرال: –لو قلتلك إني كنت على علاقة بواحد ولسا معاه، هتسبني مكملة. نظر لها بشدة: –أنتِ بتقولي إيه؟ –أضايقت ليه؟ –متوهيش يا ميرال، إيه اللي أنتِ بتقوليه ده؟ حقيقة ولا لأ؟ لم ترد عليه. قالت: –لما تديني رد هقولك.
أمسكها وقال بغضب: –ردي عليا. نظرت له من غضبه ذلك. قال: –صدقت.. ياسين، أنا بقول مثلاً. سبيني. سألها ونظر لها وإلى غضبه. قالت: –معقول تصدق إني بحبك وأكون مع واحد؟ كنت بحطلك مثل عشان تحس بال أنا حاسة بيه. –غلطانة يا ميرال، أنتِ جبتي مثل مش زي الوضع اللي فريدة فيه.. جبتيه مثال قذر. –ليه؟ فهمتها كده؟ قربت منه وقالت: –علاقة مع واحد.. كان قصدي حب، رسائل إعجاب، ليه شفتيها من منظور تاني؟ عشان دارين مش كده؟ نظر لها بشدة. قال:
–دارين؟ صمتت بتوتر من نظراته. قال: –مالها دارين؟ –مش خانت. انصدمت فريدة. هل أقول؟ هل أختها ذلك؟ نظرت إلى ياسين، فهل خانته بالفعل؟ –وأنتِ عرفتي منين؟ –سمعتك وأنت بتقول لفريدة يوم الفرح. صمت وتذكر ذلك اليوم. قال: –وأنتِ صدقتي؟ ممكن بقول كده عشان أرجعها. –أنا بصدق أي حاجة أنت بتقولها.. ومش أنت اللي تسيء لعرض واحدة كانت على ذمتك عشان ترضي غيرها.
سخر من نفسه. فريدة، الذي كان يحاول يشرح لها، لم تصدقه. وميرال صدقت ما قاله برغم أنها أختها. –أنا عارفاك يا ياسين، وأنت مبتكدبش، وعرفت يومها كل حاجة كنت مخليها وعشت بتتوجع بسببها. شعر بأنها ستعود بكلامها به للوراء. قال: –نتكلم بعدين. جاء يمشي. مسكت يده. تضايق منها. وقفت قدامه قالت: –مش هتنسي اللي عملته، والدليل إنك مش قادر تتخطى خيانتها. بس ده مش ذنبك ولا ذنبي يا ياسين. قالت آخر جملة بحزن. نظر لها، لتردف:
–أنا بحبك. ولو شوفت حبى ليك قد إيه، هتعرف حجم غلطك معايا وسوء ظنك بيا. أنا آسفة عشان ضايقتك باللي قولته.. بس أنا مش دارين، ولو شفتني زيها، حياتنا هتبقى كلها معاناة. ذهبت حين ألقت عليها كلامه وغادرت، تتركه عالقاً بين الماضي والحاضر. فميرال جزء من ماضيه. حين ينظر لها يتذكر دارين. تنهد بضيق من نفسه ومشي. بس وقف لما شاف فريدة تنظر له والدهشة تملأ عيناها من الحقيقة التي عرفتها، بل كانت تعرفها وتتجاهلها.
–اللي قلته صح.. دارين خانت. كلمة يرد عليها وذهب. نظرت له. دخل ياسين أوضته. مسك رأسه وجلس. جت فريدة وشافته. كان متصبب عرقاً، عروقه بارزة، تلك الحالة تشعر أنها رأتها من قبل في ياسين، ولم تعلم سببها. كان ماضيه من يفعل به ذلك.. دارين.. كانت هي السبب. –ياسين. قالت ذلك وهي تدخل. لكنه قال دون النظر إليها: –امشي يا فريدة، دلوقتي. لم ترد عليه. اقتربت منه وجلست بجانبه. نظر لها. قالت: –عارف إني مش هسيبك وهقعد.
–بس أنتِ سبتيني قبلها في وقت مكنش ينفع تسبيني فيه. نظرت له حين قال ذلك. قام ليترك الغرفة لهما بأكملها. قالت: –لو كنت فهمتني مكنش ده حصل. توقف. نظر لها. قال: –حاولت أفهمك، مدتنيش فرصة. –مكنتش مصدقة كل حاجة كانت بتقولي إنك –إني كداب؟ ياريتني كنت كده.. فكرك إني هكدب وأقلل من رجولتي ليه؟ هقولك إني اتخانت من فراغ؟ ف راجل يقبل يقول ع نفسه كده؟ شعرت بالحزن أنها لن تصدقه. قالت: –ولما هي خانتك، كنت لسه مخليها معاك ليه؟
كنت بتروحلها بتزورها وأنا معاك؟ شايف إن ده عادي؟ معقول لسا بتحبها عشان كده مخليها على ذمتك رغم خيانتها ليك؟ –أنتِ مشفتيش كانت عاملة إزاي.. خسرت نفسها وابنها، خسرت حياتها.. وانتحرت يوم الفرح بسببي. نظرت له بشدة. قالت: –انتحرت؟
–كانت في مصحة بعد الحادثة. الدكاترة قالوا إنها في صدمة، بعالم هتفوق منه ولا لأ.. كنت حاسس إني السبب في اللي هي فيه، وخسارة ابننا كان بسببى، وده لأني مكنتش شايف قدامي ومش مركز في السواقة، مكنتش مركز في حاجة غير اللي قالتهولي. نظرت له والألم يظهر على وجه:
–مشهد الدم وهو محاوطني، وهما قدام عيني.. جوزيف اللي كان بيصرخ صراخ مش عادي، وأنا مش قادر أتحرك.. لحد ما صوته وقف. كل الأصوات كانت في دماغي مش راضية تسيبني من يومها. بعد ما فوقت اكتشفت إن ده مكنش كابوس، كان حقيقة. ابني مات ودارين حالها نفسية اتحجزت بسببها.. كنت بروحلها كنوع من الإنسانية، لأن اللي كان بيني وبينها مكنش حب عادي، ممكن يكون اتخطى الكلمة دي.. أنا بس كنت عايز أسألها ليه عملت كده، امتى وفين وإزاي ومع مين.. أنا محرمتهاش من حاجة عشان آخد ده منها.
–كنت تطلقها ولا إنها تفضل لسه على ذمتك؟ –فكرك كنت فرحان. نظرت له باستغراب ليكمل: –دارين لما اعترفتلي مكنتش قادر أستوعب يومها.. لأن مفيش واحدة تعترف بخيانتها، وده كان مخليني معاها عشان لما ترجع أعرف منها كل حاجة، خانتني فعلاً ولا بتقول كده وخلاص زي عادتها عشان تشوفني متفتح ولا رجل شرقي. –مفيش راجل أي كان مين هو يقبل هزار زي ده، ومفيش ست تقبل ع نفسها الخيانة إلا لو كان فيه سبب. –كنت عايز أعرف السبب، بس هي مشيتش قبلها.
إذا هذا السبب كان باقياً فقط، لأن يشك بخيانتها ولن يتأكد منها بعد. كان هناك ما يخبره أنها لم تخونه، وكان ذلك قلبه وعقله، الذي يترحم الحسابات ويخبره أنه تعرض للخيانه من زوجته، وطعن في شرفه. كان يريد التأكد بعدهت، كي يزول الإحساس بالمسؤولية ويعيش بعيداً عنها للأبد، لكنه لم يأخذ شيئاً منها، وتركته دون جواب. –كنت معاها عشان تعرف جواب لأسئلتك. قالت فريدة ذلك بإستدراك. نظر لها. أردفت:
–كل اللي أنت قلته هي كانت السبب فيه، مش أنت. هي اللي عملت في نفسها كده، ليه تاخد غلطها؟ ليه مقلتش إنك اتخانت بدل ما تبقى أنت الغلطان؟ –هتخسر عيلتها هي كمان، وفكرت في نفسي.. مكنتش عايز أضحى باسمي وشغلي، لأن محدش هيقدر يغطي خبر زي ده، إن مراتي خانتني.. مش هقول نظرات شفقة، سخرية من حد. قفلت الموضوع، أفضل لينا احنا الاتنين. قالت ساخرة ممتزجة بالحزن: –طب كويس إنك فكرت في نفسك المرة دي، بس بدل ما تفكر فيها طول الوقت.
–والدك كان مؤيدني في كلامي. نظرت له بشدة. قالت: –بابا. أومأ لها إيجاباً. ليردف: –مكنتش عارف أعمل إيه. جيت مصر وقعدت معاه، وكان معايا في قراري.. لو فتحته هفتح عليا مواجع طويلة ملهاش نهاية. خليت اللي حصل ماضي ملوش دعوة بحاضري. نظر إليها وأردف: –عشان كده مقولتلكيش. مكنتش عايز الماضي بتاعي يأثر على حياتي معاكي. نظرت له بشدة. قالت بغضب: –حياتنا قصدك؟
دي كانت حياتنا اللي المفروض أعرف عنك كل حاجة.. لو كنت قلتلي على كل حاجة من الأول… ليه مقولتليش، ليه؟ قاطعها وهو يقول: –أقولك عشان تسبيني؟ نظرت له. ليردف: –ردي.. عملتي إيه لما عرفتي؟ سبتيني؟ قال آخر جملة باختناق. شعرت بالحزن: –كنت عايز أقولك كل حاجة، بس خوفت. فجأة لقيت نفس السيناريو اللي اتخيلته، ما تعرف بيتحقق.. أول حاجة سبتيني وكدبتي أي كلمة قولتهالك. أنتِ مصدقتيش حتى إني اتخانت، كأني باخد منك شفقة.
حزنت وهي لا تملك ما تقوله: –اتكلمي يا فريدة، عايزاني أقولك ليه؟ عشان يحصل اللي حصل، وده يبقى رد فعلك اللي أنا عارفه. –عارفة إني غلطت من رد فعلي، بس أنت كمان غلط. عارف حسيت بإيه وأنا بتخيلك رايح لها وأنا قاعدة هنا مستنياك وفاهمة إنك في شغل؟ لما أتخيل إنك كنت معاها، كنت بحترق.. حسيت إني اتخدعت فيك أوي، وكل اللي عيشتهولي كدب.. حتى حبك شكيت فيه وإنه كدب.. كنت عايزة اهتمام، تتمسك بيا، اكتب من كده. بس أنت اللي اتخليت.
–اتخليت عنك؟!! كام مرة عايز أقابلك، أتكلم معاكي فيها، وأنتي رفضتي. –أنت مدتنيش اهتمام حتى عشان أوافق أقابلك… أنا كل اللي كنت شايفاه واحد كذب عليا في أكبر حاجة ممكن أتخيلها.. أعرف إنك متجوز ومراتك عايشة.. مراتك اللي كنت عايش على ذكرياتها ومش عارف تخرج منها. –ياريتك ادتيني فرصة أفهمك.. فرصة واحدة بس يا فريدة، نتكلم زي أي اتنين متفاهمين، بس أنتِ مدتهاليش. أنا كنت بحبك بجد، حبى اللي شكيتي فيه مضعفش. دمعت عينها وقالت:
–كنت… لم يعد كذلك. لم يرد عليها. قال: –حبك كان ضعيف أوي يا فريدة، كأنك محبتنيش أصلاً.. كأنك لقيتي غلطة مسطرة فيها عشان تتخلصي مني.. كأنك فعلاً شايفة علاقتنا غلط وعايزة تبعدي.
وكان يقصد كلامها حين كان يحاول إرجاعها. "علاقتنا كانت غلط من الأول، معدتش عايزك، خلينا ننهيها لحد هنا." لعنة نفسها مراراً. هي فقط لم تكن تعلم ما تقوله، كانت تريد أن تنتقم على لا شيء. تنتقم وقلبه هو من يتفتت، ولا تدري ذلك. رأت ألمها أكبر من ألم قلبه، وهي من كانت تعتصر بين يديها. قالت بحزن: –ياسين. –لو كان فيه حد اتخلى، فهو أنتِ. –كفاية شكك فيا. نظر لها حين قال ذلك، لتردف:
–لما شوفت صورتي مع إيهاب في المول، وجيت وكان شكلك غريب زي ما اتحولت مع ميرال.. كنت بتنصحني خوفاً إني أبقى زي دارين وأخونك، مش كده؟ قالت ذلك بانكسار. تذكرت حين أتى وهو في حالة من الغضب بسبب صورة مع إيهاب وهما بيحضنوا بعض، ولما يجلسون وينصحها: "خلي بالك من نفسي وحافظي عليها عشان منخسرش كل حاجة". –معقول شوفتني زيها؟ عندك تبرير لده كمان؟ قرب منها. نظرت له. وقف أمامها قال:
–عمري ما شكيت فيكي يا فريدة، أو شوفتك يوم زيها.. والدليل إني محبتش غيرك، لأنك الوحيدة اللي وثقت فيها وشوفتك بريئة، عكس فكرتي اللي كانت هتثبت عنهم، وإلا ما كنت هتجوز. حياتي كلها عايش في شك. نظرت له، فهل هي من كسرت شكه؟ هي من حررته وخليته قادر يتزوج غيرها الآن. –لما كنت بنصحك في دي، كانت نصيحة من خوفي عليكِ، مش إني خايفة تعملي زيها.. كنت بنصحك عشان كنت بعتبرك مني وخايف عليكي من الدنيا وقلبتها…
شعرت بالحزن من ذلك الحب الذي تجاهلته واستغلته ضده. شعرت بالحزن من غبائها الشديد. –تاني مرة بتسيء الظن فيا، ومع ذلك لسه معاكي. قال ذلك بقلة حيلة من قلبه، الذي لا يستطيع تركها. مشي. لكنها أسرعت بإمساك يده وقالت بصوت يرتعش بالبكاء: –ياسين، أنا آسفة. توقف وظهر الحزن على وجه. ولم يلتفت إليها: –سامحني.
نظر لها من دموعها المتجمعة. يريد أن يربت عليها، يمسح دموعها، لكن متقيد بأحكام. تذكر ميرال، التي تخبره بحبها، وأن تقيد لامرأة أخرى تثق به. –أنا آسفة أوي. تنهد وهو يقول: –متتاسفيش. نظرت له، فهل سامحها؟ ليردف: –اللي حصل انتهى، بلاش نتكلم فيه. شعرت بأن قلبها يتكسر. معقول؟ هل أصبحت ضمن ماضيه الذي لن يفتحه مجدداً؟ هل أغلق صفحتها كدارين ووالدته؟
سالت دموع من عيناها. سابت يده ومشيت فوراً من أمامه. وقفت على السلم وهي تستند وتمسح دموعها، لكنها تسيل بغزارة وهي السبب فيها. لماذا تبكي الآن على خسارته؟ أليس هذا ثمرة أفعالها؟ راحت سريعاً لغرفتها وأنهالت بالبكاء: –ليه يا ياسين.. عارفة إني غلطت، بس متعاقبنيش كده.. هتتجوز وتعرفني إنك أكبر خسارة ليا؟ مش هقدر أستحملها. حياتي كلها هعيش في ندم.. ليه عملت كده؟
بكت بحزن وندم أنه لم يعد لها. تتذكر كلماته، عتابه الذي كان يكتمه، كل الحقيقة التي عرفتها الآن. لو كانت استمعت له لما حدث كل هذا.. لماذا هي غبية لهذا الحد؟ لماذا نسي أنها لا تزال صغيرته، ولا يأخذ بأفعالها، بل يفهمها خطأها برفق… الست الفتاة المراهقة المدللة كما تدعي، لما لا تنصحني كالعادة، وأنك لست حزيناً مني.. كأني كسرت بك شيئاً لن يعود كما كان.
كان ياسين واقفاً في مكانه، لا يزال يشعر بطيفها. تنهد، وذهب إلى الحمام وهو يغتسل وجهه بمياه باردة. تذكر كلامها وهي تمسك بيده، الذي سحبها من بين كفيها، وكأنها خطأ يتهرب منها. بل هي بالفعل خطأ، ومكانها خطأ، وكل ما يفعله خطأ. لا يجب أن يعود بالتفكير به. نظر في المرآة وهو يرى طيف ميرال وإيهاب. تلك الحقائق التي تحاوطه. أصبح غرباء بالفعل.. ابتعدا.. ابتعدا كثيراً، وقيدتهم حدود لا مفر منها. إنها متزوجة، وهو أصبح في عقدة امرأة أخرى، ولن يخون ثقتها به. سامحيني يا فريدة.. لم نعد مثل السابق.. القلب عاشق، لكنني لم أعد لك، ولم تعدي أنتِ لي.
*** كان إيهاب جالساً مع عائلته. قال أشرف: –سبتها عنده. –هرجع تاني بس تكون هدأت.. لأول مرة أشوفها خايفة من حد كده. قالت سلوى: –طبيعي. نظر لها باستغراب، لتردف: –مقصدتش حاجة، بس يعقوب الله يرحمه كان مدلعها ومكنش عنده غيرها، وياسين كان مضيع الثقة في نفسها ومبيغلطهاش. قال أشرف: –البركة في إيهاب، خلي البنت حتى خايفة تيجي هنا بسببه. حزن إيهاب من الحقيقة التي قالها والده. مشي وتركهم. قال:
–أنا مكنتش في وعي، مكنش قصدي أقسي عليها، وتكون القساوة دي مني مع فريدة.. أنتِ عارفة حتى يوم أما عرفت إنها بتحبه، سبتها رغم إني حسيت بخيانة، بس محبتش أعملها حاجة. –وأنت مش شايف إنها استغلتك كمان في جوازك؟ صمت ولم يرد عليها. قال: –أنا كمان يا ماما، كنت عايز أحقق انتقام منها ومنه.. حسيت إني لما هتجوزها هبقى أثبتله إنها رجعتلي بعد ده كله وبقت ليا، وأكون رجعت كرامتي. قالت بتفاجؤ: –يعني أنت مبتحبهاش عشان كده اتجوزته؟
تنهد وقال: –لأ يا ماما، أنا بحب فريدة ومش قادر أنساها. واحد دلوقتي عايز أرجعها. –كفاية يا إيهاب. نظر لها. ربتت عليه وقالت: –كفاية عشانك متتجرحش أكتر، وعشانها متجبرهاش. لم يرد عليها. فهل يتركها بعدما أصبحت له، يتيها لتعود إليه؟ –أنت صحيح مقربتلهاش؟ نظر إلى والدته. لتردف: –محصلش حاجة بينكم يعني. –لأ يا ماما، أنا هكدب في حاجة زي دي، ليه؟ ابتسمت بخفاء وقالت: –طب كويس. نظرت باستغراب شديد من سعادتها أنه لم يتمم جوازه منها.
قالت: –أقصد كويس عشان اللي حصل ده وخناقة من أولها. أومأ لها بتفهم. قالت: –أنت كلمتها؟ –مش عايزة تكلمني. كلامي كان مع ياسين. –مبتتكلميش على فريدة، بتتكلم على تسنيم. تعجب كثيراً. قال: –تسنيم؟ –أيوه، أنت مش بتكلمها؟ –لا، بقالي كتير مكلمتهاش.. استوقفه شيء. قال: –هي عرفت إني اتجوزت منين؟ مفتكرش إني قولتلها. –وأنت كمان عايز تقولهالها؟ لم يفهم ما تقصده والدته.
–جت وسألت عن فريدة، وقولتلها… شوفت في عينها الزعل، خلتني أندم إني اتكلمت. صمت إيهاب ولم يعلق على كلام والدته. نظرت له سلوى، قالت: –متعرفش عنها حاجة، بما إنها صاحبتك أوي و… –لأ، معرفش. قال ذلك وهو يقطع الحديث، كأنه لا يريد أن يسمع شيئاً عنها. قال: –عايز أريح. سكتت بقلة حيلة من ابنها، فهو يتهرب كعادته. تنهدت وقالت: –متنامش، الأكل هيتحرق. قامت وسابته وقالت داخلها: –بتحب اللي يجرحك بس.. هو ده الحب؟ محدش بياخد اللي يريحه.
كان إيهاب جالس. نظر إلى والدته بعد أما مشيت. افتكر كلامها عن تسنيم، الذي بالفعل لا يعلم عنها شيئاً. فتح تلفونه، بس وقف لحظة. نظر على الرسائل. لم يجد أي رسالة من تسنيم، وهذا بغير عادتها. فهو قفل منذ أيام. توقع أن يجد منها أي رسالة واهتمام، وهي تسأله أين هو حين يقفل خمس دقائق. لطالما كانت تلك الفتاة تعطيه اهتماماً، والثقة بنفسه الذي جعلته فريدة أن يفقدها. بل كانت تعجب به لأقل شيء يفعله، حتى عمله دائماً ما تراه عظيماً.
حين كان جالسين في المقهى وتقرأ أحد مذكراته، كان يكتب بها ملاحظات. نظرت له قالت: "واو، ده خطك.. حلو، علمني." "مبتعرفيش تكتبى؟ "بطل رخامة، أكيد بعرف بس خطي مش كده." "هبقى أعلمك حاضر، تدفعي كام؟ "أنت مادي." "بقيت مادي، والكتب اللي بتاخديها." "ده عشان مبلاقيهاش، وبتكون معاك نسخة لسه بتطبع.. بعدين قولتلك أديك حقها وإ.." "تسنيم." "خلاص، أنا آسفة.. مقولتليش.. كملت بتردد: ا.. أنت مرتبطش ليه؟ "بتسألي ليه؟ "عادي، مجرد فضول."
"مبحبش الارتباط."
قفلته. قال ذلك وهو ينظر لها وكأنه يؤكد لها ألا تفكر فيه، فهو لا يريد أن يخيرها كصديقة بالفعل. كانت تخشى من معرفته لحبها، فيبتعد عنها. لذلك كانت صامتة، ولم تدرِ أن أفعالها كاشفة، ويدرك عن يقين داخله أن تلك الفتاة تكن المشاعر له، لكن يتجاهل ذلك الصوت مراراً، يتجاهله عمداً، ويظهر المبالاة، وهي من أعطته اهتماماً عكس أي فتاة أخرى. حتى والدته حين تحدثت عنها بتلميح عن حبها، أصمتها، وليس لأنه لا يبالي ولا يريد سماع شيء عنها، بل لا يريد أن يشعر بتأنيب ضمير منها.. لا يريد أن يشعر أنه كسر قلب أحبه، مثلما كسر قلبه. لا يريد أن يتأكد أنها كانت تحبه.
في اليوم التالي، كانت فريدة في غرفتها، فكان ياسين ذهب لعمله. إنها رأت تغييراً كبيراً به، لم يعد معها كالسابق، ولن يعد. كل ما تتذكر البارحة، تشعر بالحزن، الندم، والتأنيب. سمعت صوت من تلفونها. مسكته بتنهيدة. وجدت مكالمات أخرى، فهي قافلة المكالمات منذ مدة ولا ترد على أحد. فتحته وشافت اسم يارا وتسنيم، اللذان كانا متصلين عليها كثيراً منذ مدة. عدى خمسة أيام لم يرنوا عليها مرة أخرى. ما كل هذه الاتصالات؟ شافت التاريخ. قالت:
–الدراسة كمان هتبدأ. رنت على تسنيم، بس ملقتش رد. رنت عليها تاني، لكن بلا رد. فاتصلت بيارا حتى ردت عليها. قالت: –افتكرتي. لم تفهم لهجتها. قالت: –لسه شايفة المكالمات.. كان فيه حاجة ولا إيه؟ –كنت بطمن عليكي بس، عرفت إنك كويسة، فمتصلتش تاني. تنهدت، فهي ليست بخير تماماً. قالت: –أنتِ فين يا يارا؟ –ليه؟ –عايزة أجيلك، مخنوقة. –الجواز مطلعش حلو. تفاجأت من معرفتها. لكن قالت: –قصدك إيه؟
–مقصدتش يا فريدة، تعالي، أنا كمان عندي كلام ليكي. –تمام. قفلت معاها عشان تلبس. كانت يارا جالسة في مقهى في حديقة عامة وتحتسي مشروبها. نظرت، شافت سيارة بعيداً تقف وفريدة تنزل منها. نظرت لها. قربت منها قالت يارا: –أخيراً ظهرتي يا فريدة. لم تفهم فريدة لهجتها. قالت: –لما عرفت أخرج، جيت.. الحوارات الأخيرة مكنتش بحتك بحد يا يارا. نظرت لها يارا ومن كلامها. قالت: –مالك… قولت هشوفك مبسوطة بجوازك. نظرت لها فريدة، لتردف:
–عارفة آخر مرة اتقابلنا من يوم الفرح.. قصدي فرح ياسين مش إيهاب. –أنتِ عرفتي منين؟ –كلمته، قالت لنا.. وتسنين كانت معايا يومها، كانت قلقانة عليكي، بس قلقها مكنش في محله. لم تفهم فريدة وقالت: –مش فاهمة، وضحي. تنهدت يارا. قالت: –لو كان يهمك، كنت وضحت، بس أنتِ مبتهتميش غير بنفسك. –يارا، قولي اللي عايزة تقوليه، أنا مبحبش كده.. بتتكلمي معايا كده ليه؟ –يعني متعرفيش؟ –معرفش إيه؟ تعدلت وهي تقول: –فريدة، أنتِ اتجوزتي إيهاب ليه؟
عشان ضايقتي ياسين، مش كده؟ أنتِ كسرتي قلب تسنيم، صاحبتك اللي معملتلكيش حاجة. نظرت لها بشدة. قالت: –تسنيم؟ –أيوه. مكنتيش تعرفي إنها بتحب إيهاب؟ قالت ذلك بصدمة. قالت يارا: –وروحتي اتجوزتيه؟ –أنا معرفش والله، ما كنت أعرف.. بتحبه إزاي؟ –يعني إيه إزاي؟ –إمتى؟ –من زمان. أنتِ مستغربة ليه؟ هي مش معرفاكي. –لا، معرفتنيش ولا قالتلي حاجة زي كده.. كل اللي أعرفه إنهم صحاب. –مشفتيش حبها ليه يا فريدة؟
ولا اتغابيتي عنه عشان تعملي اللي في دماغك؟ صمتت قليلاً وهي تتذكر تسنيم وكلامها المثير عنه. قالت: –بس.. مقالتليش ليه؟ –أكيد عشان بنت عمه، خافت تلمحيله بحاجة. كنت بشوفك جدعة وصاحبة وفية، عشان كده عايزة أقرب منك.. بس لأول مرة أحس إنك أنانية في تصرفاتك. نظرت لها فريدة وشعرت بالحزن: –خليتي تلاتة يعانو.. إيهاب اللي اتجوزتيه عشان ياسين، وياسين اللي شافك مع غيره، وتسنين لما خدتي إيهاب منها. –وأنا إيه؟
معانتش أنا كمان ولا ظالمة وبس.. تعرفي إيه عن شعوري إني كنت سد خانة؟ ولا حاجة، لأنك مجربتيش. نظرت لها يارا من غيرتها. قالت: –عارفة إني غلطت، وأديني بتحاسب، وندمانة على تسرعي وغبائي، بس مين فينا مبيغلطش؟ أنا مفكرتش في العواقب، ويمكن ده غلطي. بس تسنيم، أنا مقصدتش أجرحها، وإيهاب كذلك و… سكتت لما لقيتها بتقول:
–إيهاب هو أكتر حد جرحها.. أنا كنت عارفة إن الشخص ده بيحبك وعنده مشاعر ناحيتك. نظراته ليكي وكلامه، ولما كان بيجي الجامعة عشانك.. وعرفت إن كنت صح لما اتجوزك.. كنتي البنت اللي تسنيم عايزة تعرفها، ومين اللي مؤثر على حياته، ومتعرفش إنها صاحبتها. –ده كان زمان. –ودلوقتي.. هو مبقاش جوزك، والوضع اتطور.. أنا عارفة إنك بتحبي ياسين، فلي تتجوزيه؟ إيه اللي خلاكي تعملي كده؟ –مش هتفهميني، ولا أنا هقدر أشرحلك.
فكانت لا تستطيع البوح وتخبرها بما عرفته يوم الزفاف، الذي سيؤدي للبوح بماضي ياسين، الذي كانت تجهله، وأسئلة لن تنتهي. فقررت الصمت. –مش مضطرة تفهميني، بس فهمي تسنيم.. أنا مش زعلانة منك. نظرت لها لتردف: –حاسة إن ورا اللي أنتِ عملتيه سبب كبير خلاكي تعملي كده، ومتفكريش في حاجة، والدليل إنك ندمانة. بس معرفش إذا ندمك هيرجع تسنيم صاحبتك ليكي تاني أو لأ. –هي مبتردش عليا ليه؟ مش هتكلمني تاني؟
–معرفش، بس بتهيألي هتكلمك، فمتظهريش إنك عرفتي إنها بتحب إيهاب، هتعرف إني اللي قولتلها. –أنتِ مبتكلميهاش؟ –بكلمها بس مش كتير. تنهدت وقالت: –أنتِ كنتي أقرب منها.. حاولي تكسبها تاني، ومتخسريش ناس حواليكي أكتر من كده. وكأنها لخصتها. فأكبر خسارة لديها كانت ياسين. ها هي صديقتها من الآخر. –يارا. نظروا لصوت. شافت داليا كانت ترتدي نظارة وملابس عملها. قربت منهم وشافت فريدة، لتتوقف لوهلة. –ازيك يا فريدة. –الحمد لله، إزاي حضرتك؟
–كويسة.. يارا، مش يلا؟ –تمام. –أنتِ هتقعدي ولا إيه؟ –هتكلم مع فريدة، وحاسة. نظرت لها وإلى فريدة. قالت: –أوكي، هستناكي في العربية. أومأت لها وذهبت. ودعت فريدة وقالت: –كويس إنك بخير. نظرت لها فريدة، أومأت لها بأعينهم، أنها لا تزال صديقتها. فرحت، ذهبت يارا وتركتهم. قالت داليا: –رجعتي لياسين؟ نظرت لها من معرفتها. قالت: –نوع العربية والبودي جارد شفتهم عند البوابة، ومتخيلتش إنهم معاكي.
–أيوه.. رجعت في البيت، بس مرجعتش لحياة ياسين. سكتت بحزن وضيق. وقالت: –هيتجوز من ميرال. –عرفت؟ –إزاي؟ هما أعلنوا حاجة؟ –لا، بس أنا بعرف أي حاجة متعلقة بياسين، زي ما عرفت زمانك إنك مراته.. ياسين ابني، ليا عين عليه، مش هو بس. –أنا آسفة. –على إيه؟ –إني موفتش بوعدي ليكي.. بعدت من غير ما أرجعه ليكي، مكنتش قد وعودي، لا معاكي ولا معاه. –بس أنا لسه عايزة أرجعله، ومش هسمحلك تسيبيه بعيد عني. –بس أنا معدتش قريبة منه عشان يسمعني.
–أمال رجعك إزاي؟ –مرجعنيش، هو سايبني عنده كنوع من أنواع المسؤولية. –دي حجة ياسين بيقولها.. كان يقدر يسيبك، وأنتِ تتحملي مسؤولية نفسك من ورا اختيارك، بس هو مانشفش قلبه معاكي. حاولت إمساك دمعتها وقالت بابتسامة مريرة: –شكلي أنا الوحيدة اللي متعاطفش معاها. حزنت فريدة عليها. قالت: –هو بيحبك، صدقيني. طول فترتي معاه، وأنا بتأكد إنه بيحبك، وزعله منك هو أكبر دليل على حبه. أومأت لها بتفهم من مواساتها. قالت:
–أنتِ انفصلتي عن إيهاب؟ –سكتت. –لسه؟ –وعايزة ترجعي؟ لم ترد عليها. نظرت لها داليا بشدة. قالت: –سبتيه ليه طالما مترددة وعايزة ترجعي؟ –حصل مشاكل بيني وبين إيهاب، ومكنتش هرجع من بعد اللي حصل، بس… –بس إيه؟ –لما عرفت بجواز ياسين، حسيت إنه وجودي غلط، ولازم أكمل، بس بعيد عنه. –تسلية عشان يتجوز يعني، وكل واحد يمشي في طريق لحياته الخاصة، بعيد عن التاني.
شعرت بالحزن من تخيل ذلك. حزن شديد أن يكون لامرأة غيرها. سالت دمعة من عينها. قالت: –مش عايزة أبقى أنانية تاني.. ياسين من حقه يبقى فرحان، عنده غيري، وميرال بتحبه، بتصدقه وتثق فيه، وقادرة تفهمه. أنا زعلته مني، بس هي مستعدة تديه كل حاجة. –وأنتِ مش عايزة تديه زيها؟ ولا هي بتحبه أكتر منك؟ حبك ليه قل، ولا لسه بتحبيه؟ صمتت فريدة ولم ترد عليها. قالت: –ليه ميفرحش معاكي أنتِ؟
–إزاي.. ياسين مبقاش عايزني.. اختار ميرال ومش هيرجعلي. تذكرت كلماته البارحة، فهو شالها من تفكيره، وفكرة رجوعه باتت صعبة. قالت: –أنا.. أنا لسه بحبه. اعتذرتله، بس هو مردش عليا. –جرح ياسين فيكي كبير، واعتذارك لوحده مش كفاية. ياسين من النوع اللي كرامته فوق قلبه، عشان كده مش هيرجع، بس أنتِ بإيدك ترجعيه. نظرت لها لتردف:
–أنتِ الوحيدة اللي قادرة ترجعيه، أو تخليه يكمل. فكري صح يا فريدة، وبلاش تغلطي تاني. أنا كمان مضايقة منك، بس بعتبرك بنتي، لذلك بنصحك، ولسه عايزة أوديكي لياسين، رغم إني شوفت حزنه منك، بس عارفة إنك هتخليه يسامح. نظرت لها من كلامها. قالت: –إزاي؟ –اسألي نفسك. المهم تحسبي كل صح، مش تسيبيه لغيرك، وتستني رجوعه كده. أضمن خسارته. أنا مش معترضة على ميرال، بس أنا مبشوفهاش مناسبة لياسين، زي ما شوفتش دارين مش مناسبة ليه.
صمتت فريدة ولم تعلق. رجعت فريدة البيت وهي مهمومة بمعنى الكلمة. فلم تزد خروحتها سوى خنقاً وضيقاً. دخلت، بس وقفت لما شافت ميرال موجودة. نظرت حولها: –ميرال. انتبهت لوجودها. قالت: –هاي فريدة.. أنتِ كنتي بره ولا إيه؟ –أيوه.. ياسين مش هنا. ابتسمت وقالت: –عارفة. لم تفهم إذا لماذا أتت، مدام ليس هنا. جاء الخادم وقال: –عملنا اللي حضرتك طلبتيه. –تمام، شكراً. أومأ له وذهب. وكانت فريدة لا تفهم شيئاً. قالت: –إيه اللي بيحصل؟
–قولتلها يجهزولي الأوضة عشان أعقد فيها. –تعقدي فيها؟!! –أيوه، منا هعيش هنا من النهارده.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!