الفصل 16 | من 33 فصل

رواية زهرة لكن دميمة الفصل السادس عشر 16 - بقلم سلمى محمد

المشاهدات
19
كلمة
4,931
وقت القراءة
25 د
التقدم في الرواية 48%
حجم الخط: 18

عذبتني حيرة مشاعري نحوه، بالرغم من قسوته كان يحنو عليا أنا فقط. طلب المغفرة وتوسلني، أعطاني الأمان وأسرة دافئة، لكني لست قديسة كي أسامحه تمامًا برغم كل ما يفعله لي. ما زال هذا الألم يأبى أن يزول. أنا لست قديسة، أنا مجرد فتاة تعذبت، تألمت، عانت من قسوة الحياة. ******** بمجرد دخول ضحى الغرفة، انصدمت من رؤية حماتها على هذا الشكل. فقالت بخوف: مالك يا نيروز؟ وضعت نيروز يديها على رقبتها تحاول التنفس وأشارت

باتجاه الخارج وبصوت متقطع: مش عارفة أتنفس... بخاخة النفس بتاعتي في شنطة. نظرت ضحى حولها بهلع ثم ردت بتوتر: مش شايفة أي شنط. ردت عليها باختناق وبصوت مبحوح: شنطتي في العربية.

خرجت ضحى من الغرفة مهرولة حتى توقفت أمام السيارة. فتحت الباب وهي تتنفس بقوة. ألقت ببصرها في الداخل حتى وقعت عينيها على الشنطة. فتحتها بأصابع ترتعش من شدة توترها. لم تعثر مباشرة على الجهاز، فقامت بتفريغ محتوياتها على الكرسي. رأته مع العديد من الأشياء. أمسكته مباشرة ثم جرت مسرعة إلى الداخل. رأتها تتنفس بصعوبة مخرجة أنيين متألم. وضعت جهاز الاستنشاق على فمها وقامت بالضغط. أخذت تدعو لها بخفوت.

فتحت عينيها وهي تتنفس بصوت مسموع. تأملتها نيروز لثوانٍ وهي ترى نظرات الخوف في عينيها بالرغم مما فعلته معها. ابتسمت ابتسامة متعبة ثم أردفت قائلة: تعبتك معايا... شكرًا ليكي يا ضحى. ردت عليها قائلة: مفيش حاجة تستحق الشكر وحصل خير. أتصل بالدكتور يجي يشوفك. شعرت بالخجل من نفسها فلم تجرؤ على النظر بداخل عينيها: مفيش داعي أنا كويسة. قالت لها بهدوء: نصيحة مني، خلي الجهاز في جيبك أو شنطتك، المهم مش يبعد عن متناول إيدك.

هزت رأسها ثم أردفت قائلة: هاخد بكلامك يا ضحى... أنا همشي بقا. _مينفعش تمشي وأنتي لسه تعبانة. _أنا بقيت كويسة. _طب مش هتستني كريم؟ _هبقى أكلمه. ثم تحركت باتجاه الباب وكانت بجوارها ضحى في نفس اللحظة فقالت لها مترجية: اقعدي شوية كمان تاخدي نفسك. ردت عليها نيروز: لو حاسة أني مبقيتش أحسن مكنتش اتحركت... وعايزة منك طلب قبل ما أخرج. سألتها ضحى باهتمام: طلب إيه؟ أردفت

قائلة بابتسامة خافتة: مش عايزة كريم يعرف حاجة باللي حصل... مش عايزاه يتخض عليا. والأفضل متقوليش له إنّي جيت. وأنا هبقى أتصل بيه. سارت ضحى خلفها في صمت حتى تأكدت من ركوبها سيارتها في سلام. ظلت في مكانها لعدة دقائق تنظر إلى الفراغ وتساؤل في عينيها. أدركت بغريزتها أن هناك شيء ما. ودت أن تكون حياتها سهلة مع عائلة زوجها.

اشتاقت له بشدة. وبعد مضي فترة من الوقت، ذهبت إلى الشرفة تنتظره. فهو اتصل أخبرها كل ما حدث وأنه تم القبض على شهاب ودينا وأن الجميع بخير وهما في طريقهم إلى المنزل وهو قادم في الطريق. شعرت بالراحة النفسية عندما اطمأنت على كل أحبابها. راحت تراقب الأشجار وأوراقها الخضراء. تابعت بنظراتها كل شيء أمامها. أغمضت عينيها بتركيز واستمعت لصوت الكون حولها، الهواء، الشجر. وعندما فتحت عينيها وجدته أمامها يتأمل وجهها بحب.

نظرت له بدهشة: أنت جيت أمتى وإزاي وصلت من غير ما أحس بيك؟ ده أنا كنت مستنياك. أجابها بابتسامة عاشقة: كنتي سرحانة في إيه خلاكي مش تحسي بوجودي؟ أكيد فيا طبعًا. ردت بابتسامة: لا مش فيك بالظبط... كنت سرحانة شوية مع الطبيعة. وضع يده على قلبه وقال بضحك: آآه يا قلبي وبتقوليها في وشي؟ طب قولي. ضحى ضحك: آآه، كنت بفكر فيك. _بعد ما زعلت خلاص مش مسامح. _هو ده شكلك وأنت زعلان؟ ياريت تبقى زعلان على طول. ثم ضحكت.

أمسك بيديها وقبلهما بحب جارف. نظر إلى عينيها قائلاً بشوق: واحشتيني أوي. أخذ يداعب يديها برقة ثم ضمها إلى حضنه. كل حاجة فيكي واحشتني. _وأنت كمان واحشتني. أدارها في حضنه وقال بحب: انتي ليه دلوقتي حلوة أوي بزيادة؟ ابتسمت بغرور متصنع: ده العادي بتاعي على فكرة. ضحك على طريقة كلامها وغمز لها: طب ما تيجي ندخل الأوضة. حاول ضمها فدفعته بمرح: نتعشى الأول، أنا مأكلتش طول اليوم ولا أنت كمان. غمز لها مرة أخرى: هتندمي.

ضحكت وهي تبتعد عنه: هندم على حاجة واحدة لو سمعت كلامك ومعملتش العشا واتعشينا. بعد وقت قليل أعدت ضحى الطعام ووضعته على السفرة. كريم بابتسامة: كلي دي من إيدي. قام بإطعامها وسط جو مليء بالضحك وكلمات الغزل. كانت تبتسم له ولكن كل ذلك لم يمنع شرودها غير المقصود. ف يومها كان حافل بالمفاجآت، فالمصائب تأتي دفعة واحدة على رأي المثل. بداية من خطف زهرة حتى زيارة حماتها.

وضع كريم يده فوق يديها وربت عليها برقة ثم رفع يديها وقبل باطنها بحب. نظر لها مبتسمًا وقال: هنضطر نسافر بعد بكرة نيويورك. قالت ضحى: بسرعة كده. _المفروض كنا نسافر قبل كده لكن بسبب الظروف اللي حصلت من مرض بيسان وخطف مرات أكنان منعوني عن السفر. دلوقتي بيسان بقت أحسن وزهرة وولادها كويسين. _عايزة أروح أشوف زهرة بكرة. بحاول أتصل بيها تليفونها مقفول. عايزة أطمن عليها.

_حاضر بس خليها بعد بكرة قبل ما نسافر. هوديكي ليها ومن عندها على المطار دوغري. _ومينفعش بكرة ليه؟ أنا عايزة أشوفها. _مينفعش يا ضحى ورايا كام مشوار مهمين بكرة. ابتسمت في تفهم: طيب خليها بكرة. طلب أخير عايزك. كريم بابتسامة: اطلبي يا حبي. ابتسمت قائلة: الكلام اللي قولتهولك بخصوص زهرة وأكنان... ياريت محدش يعرف بيه ولا حتى أكنان. هو لو عايز يتكلم هيتكلم. كريم تصنع الزعل: أنا مش وعدتك لما حكتي ليا حكايتهم؟

قولتلك إيه بعديها؟ اعتبري سرك في بير. قالت بهدوء: حبيت أكد عليك مش أكتر. ثم مدت يديها وقامت برفع أول طبق. أمسك يديها وأرجع الطبق مكانها غمز له قائلاً: وبعدين يا حبي... أنا استنيت كتير. ***

جفل أكنان وجلس فوق فراشه عندما ظهرت أمامه. بدت في غاية الجمال والعذوبة. كانت ترتدي فستان أبيض، كان وجهها وجسمها يشعان بالنور وشعرها البني الذهبي منسدل طلقًا على ظهرها. وعينيها الزرقاوتين تلمعان ببريق خاص، وأسنانها تكشف عن ابتسامة عابثة. قال بذهول: زهرة، أنتي كويسة؟

ردت عليه ضاحكة: صحتي تمام. وقامت بفرد يديها ثم ثنتهم بحركة رياضية. ابتسمت له ثم رقصت أمامه بخفة كالفراشة وبقدميها الحافيتين أخذت تدق على الأرض بنعومة. حركت سبابتها بإغراء لكي يأتي لها. وجد نفسه أمامها في غمضة عين وبشوق ظل محبوس لوقت طويل. حضنها بكل ما يملك من قوة. قال أكنان برقة: بحبك يا زهرة. ردت عليه بابتسامة أسرة: وأنا كمان. ردها أسكره بالسعادة من رأسه حتى أخمص قدميه، فقبلها بقوة وأصبح ليلهما ليل خاص بالعشاق.

قبل استيقاظه ارتسمت على شفتيه ابتسامة سعيدة. ألقى يديه بجواره فلم يجدها. جلس فوق الفراش، الابتسامة اختفت عندما اكتشف أنه كان يحلم بها. ثم تنهد بعمق قائلاً لنفسه: ياليتني هذا الحلم كان واقع. فهذا الحلم كان أجمل أحلامه. اغتسل بسرعة وذهب مباشرة إلى غرفتها. فتح الباب بهدوء. ثم دلف ببطء ونظر إليها من مكانه. رآها ما زالت نائمة ومستغرقة في نوم عميق وصوت شخير ناعم يصدر منها. عندما اطمأن عليها أغلق الباب خلفه.

شعر بوخز داخل قلبه: إلى متى يا قلبي ستظل تتألم؟ أخرج هاتفه واتصل بطبيب بيسان للاطمئنان على حالتها. ثم ذهب لرؤيتها وفي داخل غرفتها في المستشفى. كان الجميع متواجد معها، فالطبيب أذن لها بالخروج. كريم مازحًا: ما شاء الله وشك منور وبقيتي أحسن من الأول. قالت بابتسامة خافتة: أهو دي اللي جابني هنا. تصنع الزعل: كده بردو يا بوسة؟ ده أنا سبت العروسة عشان خاطر عيونك الحلوين. _قولي بقا عامل إيه في الجواز؟

_مفيش أحلى من كده، ياريتني سمعت كلامك من زمان أول لما كلمتك عنها. _عشان المرة الجاية تبقا تسمع كلامي. يقاطعهم أكنان قائلاً: أنا عارف لما بتفتحوا في الكلام مش بتسكتوا. يلا عشان تلبسي ولا قعدة المستشفى عاجبتك. ابتسمت له وبنبرة فيها القليل من الألم: لأ طبعًا، ده أنا مصدقت هخرج النهاردة. أنا زهقت بجد وعايزة أخرج من هنا. جيلان بابتسامة: مش أنتي لوحدك يا حبيبتي. نجم أمسك بيديها برقة: الحمد لله إنك بقيتي كويسة.

رن هاتف كريم فقال: هطلع برا دقايق أرد على نيروز. غادر الغرفة ولحقه أكنان مباشرة. سأله أكنان عندما رأى عبوس وجهه: مالك؟ _ماما سافرت من غير ما تقولي. _عادي مش مستاهلة التكشيرة دي. _مش تكشيرة بس مستغرب. أحنا كنا متفقين نسافر مع بعض بكرة وهي تسافر النهاردة. مش مرتاح. رد أكنان بهدوء: هي نيروز ديمًا كده عليها تصرفات غير متوقعة. المفروض إنك اتعودت. أجابها بلهجة عابسة: آه وهو المفروض. سأله أكنان: هتروح تجيب الشيخ أمتى؟

رد عليه قائلاً: هروح أجيبه دلوقتي. عقبال ما بيسان تروح هكون جبته معايا زي ما قال أول ما تخرج من المستشفى يروح له. تُفاجأ أكنان وكريم بظهور زاهر أمامهما. هتف كلاهما في وقت واحد: زاهر! زاهر بابتسامة: طبعًا زاهر بشحمه ولحمه. سأله أكنان بحيرة: آخر مرة اتصلت الدكتور قال إنك لسه في غيبوبة. أجابه بابتسامة شاحبة: ماهو أنا أول ما فوقت وعرفت باللي حصل وقدرت أتحرك ركبت أول طيارة عشان أطمن على بيسان.

تقلصت ملامح وجه أكنان بالغضب لمجرد ذكر ما حدث. قال له بحدة: أنا مرضتش أتصرف وسكت عشان خاطرك أنت يا زاهر. لولاك كنت قلبت الدنيا. ابتلع ريقه بألم: عارف إن الاعتذار ملوش لازمة دلوقتي، بس اللي حصل مكنش ليا يد فيه. أنت عارف كويس إن بيسان روحي ومستحملش عليها أي حاجة. واللي أذاها أمي. أمي اللي كل في إيدي أدعي لها ربنا يسامحها ويهديها. كل اللي عايزه منك تديني فرصة أحاول أصلح الوضع.

كريم بانفعال: مفيش تصلح الوضع. أنت معرفتش تحافظ عليها. قاطعه أكنان قائلاً: براحة يا كريم. زاهر بلهجة رجاء: إحنا الاتنين منقدرش نعيش من غير بعض. اللي حصل لها واكتئابها عشان بعدها عني واللي حصل لي لما حسيت إنها ممكن تسيبني. سأل أكنان مستفسرًا: تقصد إيه؟ شرد زاهر في ذكرياته وأخذ يسرد ما حدث والسبب الذي أدى وقوعه والدخول في غيبوبة وكلام الأطباء أنه لا يوجد سبب لاستمراره في الغيبوبة. وعندما انتهى قال: كل اللي عايزه فرصة.

أكنان أشار بإبهامه وقال بلهجة محذرة: هديك فرصة ودي هتكون آخر فرصة. مش عايز أخسرك. هتف كريم: إيه اللي بتقوله ده يا أكنان؟ أشار له بالتوقف: كريم اهدى شوية وفكر. بيسان بعد ما ترجع لطبيعتها محتاجة زاهر معاها. صمت للحظات وقال: اللي تشوفه. سأل زاهر متلهفًا: أدخل أشوفها؟ وبيسان هتكون في عيني. أكنان قال بهدوء: مش دلوقتي. هي هتخرج النهاردة وهنجيب شيخ يرقّيها. مش دلوقتي لما الشيخ يقول إنها بقت كويسة.

قال زاهر بألم: إن شاء الله تخف. _تعالا شوفها بكرة أحسن. هز رأسه في صمت كئيب: هجي بكرة.

انصرف كريم ودلف أكنان إلى الداخل واستعد الجميع للرحيل. وقف زاهر أمام المستشفى في الركن وانتظر خروجها لرؤيتها لكي يملي عينيه منها. فقد كان مشتاقًا لها. اشتاق لسماع صوتها لكل شيء فيها. تسارعت دقات قلبه عندما رأها من بعيد كانت تمشي بهدوء ورزانة ورغم مرضها وجهها ما زال محتفظًا بجماله الخاص لكن لمعت عينيها انطفأت وصارت خواء. انتفض في مكانه متألمًا لرؤيتها هكذا وبعيون لا ترمش ولا تحيد عنها. ظل متتبعًا تحركها حتى ركبت السيارة واختفت لتسقط دمعة وحيدة ووعد نفسه أنه سيصلح الأمور بينهم مهما تطلب منه من وقت.

*** استيقظت بعد عدة ساعات من انصرافه. كان شعرها مبللًا ملتصقًا من شدة العرق. أنشبت الحمى في جسدها. حاولت الاعتدال والجلوس فوق الفراش لكنها فشلت فالحمى تمكنت منها. قرع الباب ودلف الصغيران وأخذا في القفز واللهو بجوار الفراش. أياد بابتسامة طفولية: يلا قومي بقالك كتير نايمة. حاولت الرد، لكن الكلمات ظلت حبيسة حلقها. شعرت بالعجز. دموعها انسابت بألم. ارتعشت شفتها. أصابها دوار قاتل فسقطت نائمة مغمضة العينين.

حاول الصغيران جعلها تفيق لكن كل محاولاتهم باءت بالفشل. خرجوا إلى الخارج. ما إن دلف أكنان إلى داخل الفيلا حتى استقبله الصغيران. أياد بلهجة طفولية: كنت فين؟ رد عليه بابتسامة: كنت عند عمتكم وأول ما طمنت عليها جيت هنا على طول. شرد لثوانٍ في أحداث آخر ساعة. عندما أتى الشيخ وقام برقيتها وقال أنها أصبحت أفضل والسحر المعمول لها أصبح ليس له وجود. وبعد انصراف الشيخ استغرقت بيسان في النوم مباشرة. جذبه وليد

من البنطلون بعنف وهتف فيه: روحت فين؟ أكنان بابتسامة: موجود أهو قصادك. سأل وليد: هو أنا عندي عمة؟ _أيوه عندكم وعمة عسولة أوي كمان. قال وليد وأياد في وقت واحد: عايزين نشوفها. رد عليهم بابتسامة: حاضر هتروحوا تشوفها. هي فين ماما؟ قال أياد بضيق: لسه نايمة ولما جيت أصحيها مش ردت تصحى. قاطعه وليد قائلاً: وأنا لما لمستها كانت سخنة أوي.

أكنان بمجرد سماعه كلمات ابنه، لم ينتظر التأكد منه وأخذ يركض على السلالم بسرعة. وجد نفسه أمامها. رأى جسدها يرتعش. لمس جبهتها وجد حرارتها مرتفعة. وباضطراب أخرج هاتفه واتصل بالطبيب. لم يعرف الطبيب سبب إصابتها بالحمى، فطلب مجموعة من التحاليل ليتأكد من تمام صحتها. لازَمها أكنان وأخذ ينظر إليها في فراشها بعيون حزينة وقلب متألم. استشعر بغصة لرؤيتها ضعيفة وتعاني. جلس على حافة الفراش همس باسمها بخفوت. بللت دموع الندم وجنتيه.

أتى الليل وما زال الوضع كما هو إلا من اتصال الطبيب الذي أخبره أن التحاليل سليمة ولا يوجد بها شيء وكل ما يجب فعله أن تأخذ مخفضات للحرارة وكمادات مياه باردة. في العتمة وسط هذيانها، كان هو الوحيد بجوارها. أخذ يمسح وجهها وشعرها بمنديل مبلل بالماء البارد. فتحت عينيها بضعف تشابكت النظرات. نظرة متلهفة تقابلها نظرة شاردة مغيبة. همست بإعياء: عطشانة.

توقفت يديه الممسكة بالترمومتر في الهواء وتمتم بالدعاء والشكر عندما فتحت عينيها وطلبت الماء. وضع الترمومتر جانبًا وقام بصب كأس من الماء لها. رفعها من فوق الفراش وأسند رأسها على صدره. قرب حافة الكأس من شفتيها وسقاها. وعندما انتهت من الشرب غفت مباشرة على صدره. وبعيون ملتاعة أخذ يتأملها بحب شدها إليه أكثر. مرر برقة إصبعه على جانب شفتيها ماسحًا قطرات الماء المنسابة. مرر أصابعه بحنية على شعرها. تنهد بصوت مسموع مع كل لمسة لها. ظل على هذا الوضع فترة من الوقت. أنهكه التعب بعد فترة من عمل الكمادات لها. أراد راحة جسده قليلًا، فتسلل إلى جانب الفراش ونام بقربها وظل بجوارها نائمًا حتى ساعات الفجر الأولى.

استيقظ مفزوعًا عندما وجد نفسه استغرق في النوم كل هذا الوقت. مرر أصابعه باضطراب على جبهتها، فوجد الحرارة اختفت. وعندما اطمأن أنها أصبحت أحسن، قفز من فوق الفراش سريعًا فهي لن تتحمل رؤيته نائمًا بجوارها. تسلل من غرفتها بهدوء وقبل خروجه نظر لها بحب لا نهائي ممزوج بحزن عميق. بدأت أشعة الشمس تحيط بغرفة زهرة من الخارج والداخل. بدأت تسمع أصوات ضاحكة بجوارها. شعرت بالألم ففتحت عينيها ببطء شديد. فشاهدت أطفالها بجوارها مبتسمين.

وليد بابتسامة: صحي النوم يا ماما كل ده نوم. زهرة وهي تبتسم بصعوبة: ده أنا لسه نايمة. أياد هز رأسه نافيًا: لأ أنتي نمتي يومين بحالهم. وضعت يديها على رأسها المتألمة وسألت باستغراب: هو أنا نمت بجد يومين ولا بتهزر؟ ورد وليد بلهجة طفولية: آه، إحنا لما جينا هنا امبارح كنتي نايمة وسخنة أوي. وأكمل أياد مقاطعًا: ولما قولنا لبابا أكنان جاب الدكتور وفضل جنبك طول الليل.

قال وليد بعبوس: وكان بيعمل لكِ كمادات ومرضاش أي حد فينا يقعد معاكي. أنا اتضايقت أوي منه. وشاركه أياد الكلام: وأنا كمان. زهرة تململت على الفراش بعدم راحة وهي تسمع حديثهم فقالت بابتسامة خافتة: هو عايز مصلحتك يا حبيبي عشان مش تتعدوا مني. أياد بلهجة طفولية: اصحي بقا عشان جعان. ردت زهرة: روحوا أنتم وأنا جاية وراكم نفطر كلنا سوا.

بدأت زهرة بالتحرك حتى وصلت أمام الحوض. غسلت وجهها لكي تزيل بقايا غشاوة التعب والنعاس من على وجهها. أخذت تلقي دفعات من الماء على وجهها، حتى انتظمت أنفاسها وشعرت بالهدوء.

على طاولة الإفطار، رأت أكنان متصدر مقدمة الطاولة. تناولت الطعام في صمت. لكن أطفالها لم يكفوا عن الكلام واللهو. نظراتها لهم كانت شاردة. سرحت في خيالات الليلة الماضية وبدون وعي لمست جانب فمها المرتعش. لاحظ أكنان هذا الشرود الذي سيطر عليها، لكنه لم يعلق واستمر في تناول إفطاره. نظرت له بحيرة فبادلها

بنظرات دافئة وقال بهدوء: أنا ماشي وهجي بالليل. ده كان اتفاقنا لما خرجنا من فيلا شهاب إنّي أفضل معاكي. لسه عند اتفاقنا ولا هتقولي متجيش هنا تاني. همست بخفوت: أنا مش برجع في كلامي والاتفاق اتفاق. ابتسم بهدوء وقال: مع السلامة يا حبايبي. ووزع نظراته على الكل وقبل كلا الصغيرين. ***

فتحت عينيها بوهن. لم تستوعب لأول وهلة تواجدها في غرفتها. حاولت النهوض لكنها توقفت عن الحركة والتفتت إلى صوت الباب الذي يفتح ببطء. ترقبت القادم. بدت مصدومة من رؤيته. بخطوات مترددة اقترب منها وجلس بجوارها على الفراش وظل يتأملها بحب ممزوج بندم. خانتها دموعها فأنسابت في صمت. أشاحت بوجهها بسرعة لكي لا يرى دموعها التي لا تدري لها سبب محدد. ندم أم خوف أم خذلان أم فرحة لرؤيته.

شعرت بيد تلمس كتفها ثم أدارت رأسها تجاهه. مسح دموعها ونظر لها بحب. سألها برقة تغللت داخل أحاسيسها بسرعة: حاسة بأيه. ارتفع صوت بكائها وهي تسمع صوته المحب. سأل بقلق: هو في حاجة وجعاكي؟ أجابته وهي تمسح دموعها: أنا كويسة. بدت الحيرة في عينيها سألته بتشوش: أنت عرفت إزاي؟ وجيت هنا إزاي؟ أنت كنت في غيبوبة. قال بابتسامة باهتة: الغيبوبة فوقت منها عشان أفضل معاكي. وجيت طبعًا بالطيارة أول ما عرفت باللي حصل ليكي.

سألها بتردد: عرفتي السبب اللي وصلك لحالتك دي؟ هزت رأسها في صمت وقالت بخفوت: أيوه أكنان قالي.

حاولت النهوض لكنها لم تفلح لشعورها بدوار مفاجئ. وضع يده حول خصرها مانعًا إياها من السقوط وبالأخرى عدل وضع الوسادة خلفها. وجدت نفسها محاطة بين كلتا ذراعيه. شعرت بدغدغة خفيفة تعتريها وزادت نبضات قلبها. شعرت بنفسها ضعيفة هشة بين أحضانه وصدره العريض الذي اختبرت نشوة دفئه العديد والعديد من المرات. شعرت بقلبها الذي أصابته البرودة ينصهر يشتعل. أرادت وضع أناملها على صدره للشعور بدقات قلبه. هل ينتفض كقلبها؟

أرادت ضمه لتصدق أنها لا تحلم. كادت ترفع يديها لكنها شعرت بالعجز. رجعت بجسدها للخلف متفادية الاحتكاك به. لم يرد البعد عنها، لكن لابد له من الابتعاد مضطرًا حتى لا يتفاقم الوضع بينهم. هي لا تزال ضعيفة ومشوشة. تألم لرؤيتها هكذا، ضعيفة ومنكسرة.

قال زاهر بهدوء مصطنع: وجودك في حياتي حسسني إني عايش مش مجرد ظل. كنتي النكهة الحلوة في حياتي. وكل دقيقة وكل ساعة وكل يوم كنا في مع بعض كنت في منتهى السعادة. كان بيمر عليا وقت والخوف يسيطر عليا أنك تبعدي. كنت مستكثر وجودك في حياتي. لحد ما الخوف ده اتحول ليقين. همس بألم عندما

استعاد ذكريات هذا اليوم: سمعتك بتكلمي كريم وبتقولي له خلاص زهقت وأنا ناوية أبعد. مستحملتش ولقيت الدنيا بتلف بيا ووقعت على السلم ودخلت في غيبوبة. غيبوبة لما فوقت منها اقتنعت إنّي فضلت فيها بإرادتي. فوقت لما حلمت بيكي وأنك محتاجاني. فوقت عشانك أنتِ وبس. وبعدين عرفت باللي حصل ليكي واللي عملته أمي معاكي وأنك اتظلمتي واتألمتي كتير. سامحيني يا بيسان إني مقدرتش أحميكي. همست بارتجاف: اخرج دلوقتي.

نطق كلماته بهدوء: هفضل معاكي ومش هطلع. أنتي محتاجاني وأنا محتاجك. أنتي اتخلقتي ليا وأنا اتخلقت ليكي. مقدرش أعيش من غيرك ولا أنتي تقدري تعيشي من غيري عشان مصيرنا إحنا الاتنين مربوط ببعض. مش همسح للي حصل يفرق بينا. هنقاوم إحنا الاتنين لحد ما نعدي الأزمة وترجعي بيسان حبيبتي. رفع يديها وعقد أصابعه في أصابعها ثم قبل أناملها برقة قائلاً: بينا إحنا الاتنين هنعدي الأزمة وهترجعي زي الأول. فاهمة يا بيسان؟ أنتي حتة مني.

ارتجف جسدها وشعرت بمشاعر مختلفة تغزوها فما مرت به لم يكن بالشيء الهين. فالحب ليس كل شيء في الحياة. *** كانا في السيارة أمام الفيلا عندما قال لها كريم: هسيبك معاها ساعة تطمني عليها. هروح أخلص إجراءات السفر وأجي آخدك. نظرت له بحب: وأنا هستناك. بمجرد دخولها من باب الفيلا، أدار السيارة وانطلق بها. في الداخل تفاجأت زهرة بأن ضحى موجودة في الأسفل وتسأل عنها. نزلت السلالم بسرعة وهتفت بسعادة لرؤيتها: واحشتيني يا بت.

ضحى بابتسامة: وانتي كمان يا زوزو. هنفضل كده واقفين مش هتعزميني على حاجة يا بخيلة. بادلتها الضحك: هو انتي لحقتي؟ حاضر هشربك. ثم نادت على الخادمة. لسه بردو بتحبي عصير المانجا؟ رسمت ضحى شكل قلب بأصابع يديها وقالت: ده عشق العشق. أحضرت الخادمة العصير. ارتشف ضحى عصيرها بتلذذ واضح ثم قالت بابتسامة: فكريني لما أجي من السفر أجيلك هنا عشان أشرب عصير مانجا. أصله طعمه حلو أوي. صمتت وهي تسمع آخر كلماتها فقالت: أنتي مسافرة؟

ارتسم العبوس على محياها وهي تقول: مسافرة النهاردة مع إن من جوايا مش عايزة أسيب هنا. مع إن بابا وماما سابوا البيت وسافروا مصر. _هما آهلك سافروا خلاص؟ _أيوه يا زهرة. لما زروني بابا قالي عندي مفاجأة حلوة إنهم لقوا شقة حلوة وكمان جاله شغل في شركة كبيرة وهيسافروا على طول. بلهجة يشوبها بعض الحزن: خلاص كله سافر وحتى أنتي كمان.

ضمتها ضحى وقالت بحب: هتصل بيكي على طول. طمنيني عليكي الأول. أنتي كويسة وإيه شغل العصابات اللي حصل معاكي؟ أنا بقرا الحاجات دي في الروايات وأشوفها في الأفلام لكن عمري ما اتخيلت إن ده يحصل معاكي. احكي لي كل حاجة بالتفصيل. رأت نظرات زهرة المذهولة لكنها أكملت حديثها: طبعًا من بصتك دي هتقولي عرفت إزاي وأنتي مقولتيش حاجة. أنا عرفت من كريم ماهو أكيد كريم هيقولي. قوليلي بقا تليفونك كان مقفول ليه؟

ده أنا اترعبت عليكي. بالرغم إن كريم طمني بس قولت لازم ولابد أشوفك بنفسي. هو اللي اسمه شهاب ضرب عليكي نار والطلقات جت في الهوا. الحمد لله إنها جت في الهوا بصراحة الراجل ده يستاهل الشنق. قاطعتها زهرة بضحك: افصلي شوية إيه تسجيل واتفتح؟ وأنا كويسة وقاعدة قصادك. تعالي هنا ومادام كريم حكالك على كل حاجة عايزني أتكلم ليه هو وجع دماغ وخلاص.

ضحكت قائلة: عشان هو لو نسي حاجة أنتي تحكيها. ثم نظرت في أرجاء الفيلا بتركيز. قوليلي يا زهرة بصراحة إيه الوضع هنا في الفيلا؟ بعد ما عرفت إنه هيعيش هنا معاكم وأنتي اتقبلتي الوضع إزاي؟ شردت زهرة وسرح تفكيرها وخيالها فيما مضى. لاحظت ضحى شرودها المبالغ فيه. فحدثتها قائلة: كل السرحان ده عشان جبت سيرته بس. سعدت زهرة من شرودها بعد تلك الكلمات التي

أطلقتها ضحى وقالت لها: أنا لحد النهاردة مش قادرة أنسى بالرغم كل اللي بيعمله معايا. أردفت ضحى قائلة: اركني ذكرياتك، احبسيها عشان تقدري تعيشي. _أنا للأسف مش قادرة أنسى الماضي. اللي حصل زمان كان صعب أي حد يعدي منه وأنا عديت منه يا ضحى بس بندوب لسه معلمة جوايا خلت مشاعري مشوهة. أنا بقيت منفعة، منفعة أكون أي حاجة. صمتت ضحى قليلًا تفكر في كلماتها

ونظرت لها بهدوء شديد: قولتي يا زهرة إنه ندمان ويتمنى ترضي عنه. ليه مش عايزة تفوقي من الشرنقة اللي معيشة نفسك فيها؟ ليه رافضة تفوقي؟ ربنا بيسامح يا زهرة، سامحيه. حاولي تسامحيه. انسى وبلاش تفكري نفسك باللي حصل. النسيان نعمة وبكرة تقولي أنا كان عندي حق. تشوشت رؤيتها بالدموع فهي تشعر بحيرة وتخبط في مشاعرها تجاهه وأصبحت لا تعلم ماذا تريد. شدت ضحى

من قبضتها على يديها وقالت: اسمعيني كويس يا زهرة. الدنيا أدتك فرصة من دهب، حياة جديدة ومستقبل جديد. بلاش تخسريهم. ورجل بيحبك وندمان. في رجال غيره بيهربوا من ذنبهم ويقولوا ملناش فيه. أكملت كلامها برجاء: سامحيه، حاولي تديله فرصة. زهرة بنبرة متشنجة: ححاول، ححاول يا ضحى. _أوعديني إنك تديه وتدي نفسك فرصة. _أوعدك يا ضحى. _فين بقا الولاد عشان أسلم عليهم؟ مش سامعة لهم حس. _فوق في أوضتهم بيلعبوا.

_عايزة أبوسهم وأسلم عليهم قبل ما أسافر. _تعالي معايا نطلع لهم. ومتقوليش إني مش حذرتك. _من أولها كده هتظلمي الولاد دول كيوت من غير ما أشوفهم. أول ما زهرة فتحت الباب، تعالت أصوات الصراخ. تسمرت ضحى على الباب للحظات ثم ضحكت على ما يحدث أمامها. أياد بصراخ: سيب اللعبة بتاعتي. يقوم وليد بجذبها من يده قائلاً بصراخ: لأ دي بتاعتي. _لأااا بتاعتي أنا. _دي بتاعتي أناااا. وكلا الشقيقين يجذبون اللعبة وكلاهما يصرخ في وجه الآخر.

همست زهرة بضحك: اتفضلي سلكي بين الكيوت. تصنعت ضحى الرحيل: لأ يا أختي سلكي بينهم أنتِ. أنا هروح أكمل العصير بتاعك لحد ما جوزي الكيوت يجي لي. قامت زهرة بدفعها لداخل الغرفة وأغلقت الباب وقالت بابتسامة: روحي يلا فضي الخناقة. ضحكت زهرة فبادلتها ضحى الضحك. توقف الصغيران عن الشجار والتفتوا إليهما بفضول. فتعالت أصوات ضحكاتهم أكثر وأكثر.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...