في إحدى المساكن الفخمة حيث تقف زهرة في شرفة غرفتها شاردة الذهن، تتذكر ما حدث لها في ماضيها المؤلم، تتذكر وتبكي بحرقة، مستقبلة النسيم البارد الذي يهب عليها مواسيًا، شعرها المتطاير أثر ذلك النسيم مداعبًا وجنتيها. تتذكر ماضيها المؤلم مع والديها... *** دلفت زهرة إلى غرفة والدتها (سنية) التي تقطن في منزل بسيط وأسرة بسيطة، لكنهم يعيشون بسعادة ورضى تملأ قلوبهم: ماما ماما أنا نجحت يا ماما.. نظرت لها سنية غير
مصدقة إلى ما تسمع فقالت: أنت بتقولي إيه! قولي كدا تاني. أجابت زهرة بابتسامة عريضة: أنا نجحت يا ماما والله نجحت، جبت المجموع اللي كان نفسي فيه وهدخل كلية الطب! أطلقت سنية العنان للزغرودة التي ملأت أرجاء المنزل لتعبر عن فرحة طالما انتظرت حدوثها. سمع عبد الحميد أصوات الزغاريد فدلف إليهم متعجبًا فتساءل بتعب: خير يا سنية، إيه أصوات الزغاريد دي.. في إيه؟ أجابت سنية بفرحة: زهرة نجحت يا عبد الحميد وهتبقى دكتورة قد الدنيا..
لمعت عيني عبد الحميد فرحًا لتحقق حلم طال انتظاره فقال: أما أنت كريم يا رب، اللهم لك الحمد... فاستطرد قوله قائلًا: أنا كمان عندي ليكم مفاجأة.. أجابت زهرة بشغف: قول يا بابا فرحنا.. كذلك سنية التي هتفت بتسرع: ما تقول يا عبده كمل فرحتنا.. أجاب:
المنشاوي بيه كان وعدني إنه هيديني مفتاح الشاليه بتاعهم نقضي كام يوم هناك، والنهاردة بعتلي ولما روحتله إداني المفاتيح وقالي إجازة أسبوع واعتبريها حلاوة نجاحك يا زهرة مش كان نفسك تروحي مصيف من زمان؟ أجابت زهرة بسعادة: ربنا يخليك لينا يا بابا ويخلي لنا المنشاوي بيه.. ثم هتفت في نفسها: مش لو كنا في مستوى أحسن من كده ما كناش احتاجنا لحاجة من حد غريب، يلا الحمد لله على كل حال وكتر ألف خيره.. تساءلت سنية:
إيه يا زهرة روحتي فين سرحانة في إيه، فرحانة طبعًا مش كده؟ أجابت زهرة: هاه..! آه طبعًا فرحانة، فرحانة جدًا كمان.. ردت سنية برضى: ربنا يفرحه زي ما فرحنا، والله يا عبده منشاوي بيه ده جمايله كترت علينا أوي. *** "منشاوي بيه" صاحب أكبر شركات أدوية في مصر. زوجته "بدرية هانم" لديهم ابن وحيد "سليم المنشاوي".
شاب أنيق وغني، انطوائي، هادئ، متواضع ولا يهتم للطبقات الاجتماعية كوالده، أما والدته بدرية فتهتم كثيرًا باختلاف الطبقات والمستوى الاجتماعي لكل شخص. له نفس المرحلة العمرية والدراسية لزهرة، كما وأنه مقبل على كلية الطب بعد أن اجتاز المرحلة الثانوية بتفوق.
أما زهرة فهي فتاة جميلة قلبًا وقالبًا، اسم على مسمى، كالزهرة تتميز ببشرتها الخمرية وعيونها الخضراء ذات الرسمة الجميلة المسحوبة للخلف. جذابة وتجذب كل من ينظر إليها. شعرها الأسود الطويل الناعم الذي يحسدها عليه الكثيرات. ووجهها الدائري وشفتيها التي تشبه حبة الفراولة. جميلة وكل من ينظر لها لا يمل منها أبدًا، أعطاها الله الجمال والخفة ورجاحة العقل والحكمة رغم قلة المال، مما زاد من تعبها في الحياة. ***
انتهى عبد الحميد من حديثه مع زوجته وابنته العزيزة فدلف إلى غرفته ليأخذ قسطًا من الراحة وهو في قمة سعادته بعد يوم عمل شاق، وبعد مرور ساعات كثيرة هتفت سنية في زهرة بعد إعدادها لطعام الغداء: يلا يا زهرة ادخلي صحي باباكي عشان نتغدى أنا خلاص خلصت، الغدا جاهز.. ردت بهدوء: حاضر يا ماما هاروح أصحيه.. أطرقت زهرة عدة طرقات على باب غرفة والدها قبل الدخول فلم يجب فدلفت قائلة بهدوء: بابا..!
يلا يا حبيبي إصحى ماما خلصت الغدا.. تعالى اتغدى معانا وابقى نام تاني.. استفاق الأب من غفوته نظر لوجهها الجميل فقال: أنا تعبان يا بنتي مش قادر أقوم، سيبيني أنام ولما أصحى إذا أذن لي ربنا هبقى آكل.. لم ترضى زهرة بما قال فأجابت معترضة: لأ مش هاينفع النهاردة بالذات بقى لازم تيجي تاكل معانا، وبعدين أنا ما شبعتش منك طول الوقت كنت بذاكر وأنت في شغلك ومش بشوفك كتير.. يلا يا بابا بقى عشان خاطري قوم. أجاب
بتعب وهو يحاول النهوض: خلاص يا بنتي قايم أهو، روحي أنت وأنا جاي وراكي.. أجابت: حاضر.. ثم همت ذاهبة، أعطت له ظهرها وقبل أن تغادر الغرفة سمعت صوت ارتطام رأس والدها على الأرض مغشيًا عليه. ذهبت إليه مسرعة غير مصدقة لما حدث، ظلت تحدثه وتنادي فيه بأن ينهض ولكنه لا يجيب عليها. حتى صرخت في أمها تناديها: ماما يا ماما الحقي بابا وقع على الأرض ومش بيرد عليا تعالي يا ماما بسرعة..
سمعت سنية صوت زهرة وهي تصرخ بخوف فذهبت إليها مسرعة ولكن صدمت من المنظر فجثت على ركبتيها تحتضن زوجها قائلة: عبده رد عليا يا عبده فيك إيه؟ .. أوعى تتخلى عننا ما لناش غيرك في الدنيا أرجوك قوم، رد عليا.. هتفت زهرة من وسط دموعها قائلة في خوف: يا ماما اتصلي بالدكتور بسرعة عشان نتطمن عليه بالله عليكي.. حاولن إسناده وإعادته إلى سريره، ثم اتصلت سنية بالطبيب وجلسن ينتظرنه وعبد الحميد على نفس الحال.
جبهته باردة وكذلك كلتا يديه، ساكنًا لا يتحرك.. قطع الصمت والنحيب قدوم الطبيب فقصت عليه زهرة ما حدث فقال: طيب هو فين خلوني أدخله بسرعة.. دلف الطبيب إلى غرفة عبد الحميد وبدأ في الكشف عن حالته وبدأت تظهر عليه علامات مثيرة للقلق فتساءلت سنية في خوف: خير يا دكتور طمني.. هو ماله مش بيرد علينا ليه.. أجابهم في أسى:
إحنا لازم ننقله للعناية المركزة حالته خطيرة يمكن في أمل في حياته، هو للأسف بين الحياة والموت ولازم نتصرف بسرعة.. كان وقع الكلمات على سنية كالصاعقة شعرت وأنها فقدت زوجها وحبيبها وسندها الوحيد بالحياة فسقطت مغشيًا عليها هي الأخرى. *** *عودة إلى الواقع* استفاقت زهرة من شرودها على صوت "هنية" المساعدة في شؤون المنزل: اتفضلي يا زهرة هانم القهوة بتاعت حضرتك. مدت يدها قائلة: والله جت في وقتها يا هنية، تسلم إيدك..
قوليلي هي هايا بتعمل إيه دلوقتي؟ أجابت: بنت حضرتك في أوضتها بتذاكر طلبت مني نسكافيه ورايحة أحضرهولها.. حضرتك تؤمريني بحاجة تاني؟ لأ تسلمي يا هنية اتفضلي أنت. *** في غرفة هايا.. تجلس خلف المكتب فتاة لا تختلف كثيرًا عن جمال والدتها بل وتفوقها جمالًا وذكاءً. تحمل بين يديها العديد من المذكرات. هايا: يا الله أنا تعبت إيه كل المذاكرة اللي ما بتخلصش دي، دائن إيه ومدين إيه أنا مش فاهمة أي حاجة! دلفت عليها هنية
تحمل بين يديها النسكافيه: مالك بس يا ست البنات بتكلمي نفسك ليه..! أجابت بنفاذ صبر: تعبت والله يا هنية من المذاكرة وسنينها.. أنا كان إيه اللي خلاني أدخل حقوق بس يا ربي. وضعت المج أمامها ثم أجابت: أنت بتقولي إيه بس.. ده بكرة تنجحي وتتخرجي وتبقي أكبر وأحلى محامية في الدنيا. ابتسمت لها ثم قالت: تسلميلي وتسلم إيدك على النسكافيه.. ردت:
بألف هنا يا هايا هانم، يلا أستأذن أنا أسيبك تكملي مذاكرتك بقى وشوية كده أكون حضرت العشا واهو بالمرة تاخدي وقت ترتاحي فيه، وكمان تقعدي مع مامتك بدل ما هي على طول قاعدة لوحدها سرحانة وبتفكر كده. ردت بحنان: آه والله يا هنية معاكي حق، مش بلحق أشبع منها خالص بسبب المذاكرة.. خلاص اتفضلي أنت وأنا هستناكي. ***
في غرفة زهرة عادت تستغرق وقتًا أكثر في التفكير بماضيها وهي تستمتع بمذاق القهوة التي اعتادت على امتزاج طعم الماضي بمرارتها فيطفئ نار الاشتياق لكل تفاصيله التي تمنت لو تعيشها ليوم واحد فترى أحباءها الذين فقدتهم منذ زمن بعيد... *** في الماضي فتحت سنية عينيها بألم، كانت الرؤية لديها مشوشة قليلًا.. وضعت يدها على رأسها تدلكها قائلة: أنا كنت بحلم!
كانت تشعر بنفسها على فراشها نائمة ثم حاولت الاعتدال في جلستها، اعتدلت بصعوبة وتعب، الرؤية وضحت، أخذت تمرر ناظريها من حولها تتفحص المكان فوجدت أنها ليست بغرفتها.. ما هذا المكان؟! بدأت تشعر بالألم في رأسها في حين أن عقلها بدأ في استرجاع ما حدث وأنه واقع وليس حلم كما تمنت..
وها قد استنتج عقلها أين هي وفي آن واحد تقابلت عينيها بتلك العينين الضعيفة الخائفة التي تحدق بها وقد امتلأت بالدموع.. نظرت لها سنية على هذا الحال فأغمضت عينيها بألم ورجاء قائلة في نفسها لا يا إلهي لا تأخذه مني أرجوك.. هل مات عبد الحميد؟! فتحت عيناها على صوت زهرة تبكي بحرقة قائلة: بابا مات يا ماما.. بابا مات قبل ما يلحق يفرح بيا وبنجاحي.. ازداد نبض قلبها في خوف وفزع فقالت بجمود يأبى الانهيار:
لا مستحيل، أنت أكيد بتهزري.. بتختبري حبي ليه صح؟ قولي إن باباكي عايش وأنت بتكذبي عليا يا زهرة ما تعمليش فيا كدة يا بنتي حرام عليكي.. اقتربت منها زهرة في ألم واحتضنتها قائلة من وسط دموعها: للأسف يا ماما ده اللي حصل.. بابا مات وسابنا لوحدنا في الدنيا وما لحقش يفرح بيا، ما لحقتش أتهنى بيه ولا أشبع منه.. بعد وقت من النحيب والبكاء انتبهت زهرة على صوت والدتها تقول في حزم: اتصلي بالمنشاوي بيه خليه يجي حالًا..
أومأت زهرة إيجابًا في صمت ثم أخرجت هاتفها، مسحت عن وجنتيها الدموع حاولت النظر به لكن تجمع الدموع بعينيها جعل رؤيتها مشوشة، أمسكت منديلًا وما تركت للدموع أثرًا بعينيها ثم اتصلت على رقم الشركة تحاول الوصول إليه فأجابتها السكرتيرة: السلام عليكم. وعليكم السلام ممكن توصّليني بالمنشاوي بيه لو سمحتي. حاضر يا فندم بس أقوله مين؟ قوليله زهرة بنت عبد الحميد، وقوليله إني عايزاه ضروري..
بعد قليل كان المنشاوي معها على المكالمة قائلًا: أهلًا يا زهرة.. إزيك؟ خير في حاجة يا بنتي؟ هتفت بصوت متهدج: -أنا مش كويسة خالص يا منشاوي بيه.. بابا اتوفى من شوية وماما تعبانة ومحتاجين حضرتك جنبنا في الظروف دي، أنت عارف إن ملناش لا أهل ولا صاحب في الدنيا غير حضرتك.. اقشعر بدنه لما سمع وحزن بشدة فأجاب بأسى:
-لا حول ولا قوة إلا بالله، إنا لله وإنا إليه راجعون، البقاء لله يا بنتي، طيب قوليلي العنوان فين بالظبط وأنا جايلك حالًا.. أخبرته بالعنوان فقال: -مسافة السكة وأكون عندك بإذن الله.. مع السلامة. ترك كل ما بيده من أعمال مغادرًا، فلمحه ابنه سليم فقال: -بابا، رايح فين كدة مستعجل خير! تساءل المنشاوي: -أنت خلصت شغلك؟ أجاب: -آه لسة مخلص حالًا، خير في إيه بس.. لم يُجِب لكنه سحبه من يده قائلًا: -تعالى معايا وهفهمك في العربية..
بعد أن أغلقت زهرة الخط عادت إلى والدتها تطمئن عليها.. وما إن رأتها سنية قالت في لهفة: -زهرة.. أنا عايزة أشوف عبدالحميد وديني ليه أشوفه.. *** بعد وقت قليل كان المنشاوي بيه قد وصل بصحبة ابنه سليم إلى المستشفى وطلب مقابلة الدكتور خالد الذي قام بنقله إلى المستشفى، وصل إلى مكتبه ثم أذِن له دكتور خالد بالدخول بعد أن طرق على الباب مرحبًا به، ثم فهم منه أنه أقرب أصدقاء عبد الحميد ويريد معرفة ما حدث له وما سبب الموت..
دكتور خالد: -أنا آسف بس أستاذ عبدالحميد كان واصل تعبان جدًا وأمله في الحياة ضعيف حاولنا معاه لكن كان خلاص وقف نبض قلبه.. صمت قليلًا فاستطرد قوله: -ما تنساش إنه كان عامل عملية قلب مفتوح لما جتله جلطة فالقلب من فترة، قلبه ما كانش سليم ومش بيستحمل أي انفعالات، الله أعلم إيه حصل معاه وصله لكده لكن دي نهاية حتمية، هو حالته كانت صعبة جدًا.. البقاء لله يا منشاوي بيه.
ظل المنشاوي صامتًا وكذلك سليم الذي ظل يتمتم في نفسه "إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم اغفر له وارحمه واربط على قلب أهله" قطع الصمت صوت منشاوي يُجيب: -ونعم بالله، متشكر لحضرتك يا دكتور، شوف إجراءات الدفن وأنا معاك في كل حاجة..
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!