الفصل 2 | من 24 فصل

رواية زهرة الفصل الثاني 2 - بقلم ندي أشرف

المشاهدات
32
كلمة
1,974
وقت القراءة
10 د
التقدم في الرواية 8%
حجم الخط: 18

نزل خبر الوفاة كالصاعقة على منشاوي بيه. لم يكن مصدقًا لما قيل له لكنه تيقن بعد ما قاله الطبيب. ذهب في تجهم وهو يردد في نفسه: "لا حول ولا قوة إلا بالله.. كان لسة معايا الصبح بيكلمني وكان كويس. كان فرحان بالإجازة وناوي يقضي وقت حلو مع أسرته. ربنا يرحمك يا عبد الحميد ويصبر زوجتك وبنتك على فراقك". نظر سليم في وجه أبيه الشاحب والحزين فقال: -بابا، أنت كويس؟ أجاب في تعب:

-أنا بخير يا حبيبي ما فيش حاجة. أنا بس شاغلني زهرة بنت عبد الحميد. البنت لسة صغيرة وملحقتش تتهنى على أبوها واتوفى. أكيد الخبر مش هيكون هين عليها. فكر قليلًا ثم أجاب: -ربنا يصبرها ويقويها. ربنا معاها أهم من كل شيء في الدنيا. صمت لثوانٍ ثم قال:

-ونعم بالله. طيب روح أنت اتطمن عليهم، كانت بتقول مامتها تعبانة برضه وشوف لو محتاجين أي حاجة. وأنا هاروح أخلص إجراءات الدفن وأدفع مصاريف المستشفى. أهو نكسب وقت ونريحه. إكرام الميت دفنه. أجاب: -حاضر يا بابا ما تقلقش، روح أنت وربنا معاك. ذهب كلٌ منهما إلى وجهته.

وقف سليم أمام باب الغرفة، أمسك المقبض بيده ثم تنهد. شعر بالقلق والخوف يعتري قلبه فهو الآن أمام امرأة وفتاة لم يسبق له التحدث معهم من قبل وجاء ليساندهم ويقف إلى جانبهم. ترك المقبض ثم قال في نفسه "بسم الله" وبدأ يطرق على الباب بهدوء قائلًا: -السلام عليكم.. حتى جاءه صوت ناعم حنون يجيب: -وعليكم السلام..

فتحت له الباب لتكن أول نظرة بينهم. دائمًا ما يسمع عنها ولكنه لم يرها من قبل. كم توقع جمالها ولكن خانه خياله هذه المرة، فهي أجمل بكثير مما توقع. ظل ينظر في عينيها رغمًا عنه لا يستطيع المقاومة حتى قالت في غضب: -أنت بتخبط على الباب عشان تقف ساكت كده؟ لو سمحت امشي إحنا فينا اللي مكفينا مش ناقصين. ثم عادت تغلق الباب في وجهه حتى قال: -أنا سليم المنشاوي. ممكن أدخل؟ توقفت ثم أعادت فتح الباب في حرج قائلة: -سليم؟

ابن المنشاوي بيه! أنا.. أنا آسفة جدًا ما كنتش أعرفك والله سامحني. تساءلت سنية من خلفها في تعب: -مين ده يا زهرة؟ نظرت لها زهرة وقبل أن تنطق قال: -أنا سليم يا طنط ابن المنشاوي. دلف في هدوء وهو يقول: -أنا آسف إني جيت على فجأة بس كنت حابب أتطمن على حضرتك وأعزيكم. البقاء لله وربنا يرحم عم عبد الحميد. والله كان ونعم الأخلاق وأطيب وأحن واحد في الشركة وفراقه صعب علينا كلنا.

شعرت سنية بغصة في قلبها، سوف يقوم بتعزيتها في زوجها الذي لم تستوعب بعد أنه توفى ولن تراه مرة أخرى. أصبحت كل الصفات التي تُقال عن المتوفي عندما تنطبق على زوجها تشعر بالصدمة من جديد كأن الخبر تجدد لتوه وأنه بالفعل قد مات. هتفت قائلة وهي تبكي: -ونعم بالله، ربنا يرحمه ويصبرني على فراقه. نظر إلى زهرة فوجدها في حالة انهيار لا يُرثى لها غير قادرة على السيطرة على نفسها فهتف فيها قائلًا:

-أنا عارف إنك مؤمنة بالله يا زهرة ومش هتعترضي على قضاء ربنا وقدره. بس هسألك سؤال، ممكن؟ صمتت تنتظر منه أن يكمل حديثه فاستطرد قوله قائلًا: -دلوقتي لو حد سلمك أمانة هتعملي إيه؟ أجابت في حزن: -هحافظ عليها وأصونها لحد ما أرجعها له. -طيب لو صاحب الأمانة جه وقالك أنا عايز الأمانة بتاعتي هتديهاله بنفس راضية ولا هتزعلي أو تعترضي! أجابت في عدم فهم: -هديهاله طبعًا أعترض ليه كل أمانة وصاحبها أولى بيها. أنت عايز تقول إيه!

-عايز أقول إن إحنا كلنا أمانة في الدنيا وكلنا لله وهيجي اليوم وربنا يسترد أمانته فينا. ربنا بيقول:

"وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ". وضعت زهرة يدها على فمها تكتم شهقاتها وبكائها حزنًا وقهرًا على فراق والدها قائلة:

-أصل أنت مش مستوعب يعني تخيل معايا إحنا خلاص مصدقنا إني نجحت وهحقق له حلمه إنه يشوفني دكتورة. كنا لسة هنحتفل مع بعض. كنا هنقضي وقت جميل مع بعض بس فجأة مشي ومش هشوفه تاني! هعيش موجوعة عليه طول عمري وأكمل الطريق لوحدي. أنا راضية والله بس غصب عني. لم يتحمل سليم عبراتها وكلماتها فقال:

-لا أوعي تقولي كده أنتِ مش لوحدك إحنا جنبكوا وعمرنا ما هنتخلى عنكوا. وقبل أي حاجة ربنا اللي أحسن من الدنيا بحالها معاكي وجنبك ويرعاكي. بس أرجوكي اهدي عشان والدتك ما تتعبش من شوفتك كده. هيا مش هتستقوى غير بيكي. هدأت قليلًا وأخذت تردد: -الحمد لله على كل حاجة. ظل سليم بجانبهم يواسيهم ويهدئ من روعهم كأن يقول لهم أنه لن يتركهم ومن ذلك الوقت سيكون جزءًا من حياتهم. ***

هنا استفاقت مدام زهرة من شرودها على تلك اللحظة من ذاكرتها وهي تبكي بشدة وكأن والدها قد توفى الآن، فاستغفرت ربها وقامت لتتوضأ وتصلي ركعتين لله تدعو فيهما لوالدها المتوفى وزوجها الغائب منذ سنين حتى يرتاح قلبها. ثم قررت أن لا تبكي عليه مرة أخرى وأن تستبدل مشاعر الحزن تلك بأعمال صالحة تنفعه وترفع من درجاته في جنات النعيم فهي تعلم أن البكاء لن يفيد وأن الرسول -صلى الله عليه وسلم -قال: "إذا مات ابن آدم

انقطع عمله إلا من ثلاث: من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له". قضت تلك الليلة في الصلاة والدعاء حتى شعرت بالطمأنينة تملأ قلبها ثم نامت. وفي صباح يوم جديد في حياة زهرة وابنتها هايا، دلفت هايا إلى غرفة والدتها لتوقظها قائلة: -صباح الخير يا ماما، يلا يا حبيبتي اصحي كل ده نوم. أجابت زهرة بهدوء: -صباح الخير يا قلب ماما، هاقوم أهو حاضر. هيا الساعة كام دلوقتي؟ أجابت:

-الساعة عشرة. أنا عملتلك أجمل فطار بنفسي وحضرتلك القهوة كمان. تعجبت زهرة ثم قالت بسعادة: -معقولة هايا بحالها دخلت المطبخ وعملت فطار وكمان القهوة؟ أمال هنية راحت فين! ضحكت ثم قالت: -شوفتي بقى أنتِ غالية عندي قد إيه! هنية كانت موجودة أنا اللي كنت حابة أعمل بنفسي وخرجتها من المطبخ بالعافية. -طب ومذاكرتك يا بنتي؟ -تعبت والله يا ماما من المذاكرة ليل نهار قلت اليوم ده أجازة شوية من المذاكرة وأشبع بقى من مامتي حبيبتي.

شعرت زهرة بالسعادة والرضا على ابنتها وحيدتها فقالت: -ربنا ما يحرمني منك أبدًا ويرضى عنك وينجحك دائمًا يا بنتي. -ولا منك يا أجمل أم في الدنيا، يلا قومي بقى. ذهبت كلٌ من زهرة وابنتها لتناول وجبة الفطور معًا، ثم قطع الصمت صوت هايا تقول بتردد: -ماما كنت عاوزة أتكلم معاكي في موضوع كده شاغلني شوية. أجابت: -قولي يا حبيبتي موضوع إيه اللي شاغل بالك ده. -بصراحة كده يا ماما في عريس عاوز يجي يتقدم. تساءلت في تعجب: -عريس!

-أيوه يا ماما وعاوز ياخد منك ميعاد عشان يقابلك. صمتت تفكر في الأمر ثم قالت: -طب أنتِ فاضل كام يوم على امتحاناتك؟ -فاضل أسبوعين. أجابت بهدوء: -طيب تمام خلصي امتحاناتك الأول وبعدها نشوف موضوع العريس ده. ويا ريت بلاش تشغلي بالك دلوقتي بالكلام ده، شهادتك أهم. تعجبت هايا فقالت: يعني ما سألتيش حتى مين العريس ده ولا عرفتي حاجة عنه! ارتشفت زهرة رشفة من قهوتها ثم قالت بتعجب: أنتِ متأكدة إن القهوة دي أنتِ اللي عاملاها؟!

أجابت بخوف: إيه مالها؟ وحشة! أنا عمري ما دوقت قهوة بالجمال ده، تسلم إيدك يا ست البنات يا قمر أنتِ. ابتسمت هايا في سعادة: تسلميلي يا ماما بألف هنا، بس ما رديتش عليا. تنهدت زهرة فأجابت: زي ما قلتلك يا هايا أنا مش عايزاكي تنشغلي بالأمور دي وأنتِ داخلة على فترة صعبة من امتحاناتك، خلصي يا حبيبتي وأوعدك هأعملك اللي أنتِ عايزاه طالما في مصلحتك، تمام كده؟ أجابت هايا بخيبة أمل: تمام يا ماما اللي تشوفيه...

قطع حديثهم دخول هنية تلقي عليهم السلام وتتمنى لهم صباح مليء بالخيرات. أجابت زهرة: صباح النور يا هنية، كنتِ فين كده! كنت عند الجيران، الصبح الست أم أحمد اللي ساكنة جنبنا تعبت قوي وجوزها كان عاوز حد يقعد معاها لحد ما يروح يجيب الدكتور ليها ولحسن حظه لقاني في وشه وأنا بأسقي الزرع في الجنينة بره، طلب مني فروحت على طول. انقبض قلب هايا وظلت تتابع في صمت. نطقت زهرة في حزن:

لا حول ولا قوة إلا بالله، ربنا يشفي عنها أم أحمد ست طيبة جدًا وتستاهل كل خير. تنهدت هايا براحة لهذا الرأي من والدتها على أم أحمد جارهم. تساءلت زهرة: طيب طمنيني هي عاملة إيه دلوقتي؟ بقت أحسن الحمد لله الدكتور كتب لها على علاج، أخذت مسكن وراحت في النوم، قمت استأذنت منهم أنا وجيت. ربنا يجازيكِ كل خير يا هنية طيب أنا عايزاكي تعملي حسابهم معانا في الغداء النهاردة، وقبل ما نتغدى إحنا تروحي توديلهم الأكل وتيجي.

وأنا آخر النهار كده هزورها وأتطمن عليها. ده النبي موصي على سابع جار. أجابت كل من هايا وهنية: عليه أفضل الصلاة والسلام. ثم قالت هنية: حاضر من عينيا الاثنين، تؤمريني بحاجة تاني يا ست زهرة؟ لا يا هنية اتفضلي أنتِ شوفي وراكي إيه.

انتهوا من وجبة الفطور وطلبت هايا من والدتها الخروج مع صديقاتها لقضاء بعض من الوقت الممتع بعيدًا عن أجواء المذاكرة وضغط الامتحانات فوافقت في سبيل إرضاء فتاتها وتشجيعها على مذاكرة ومجهود ونتيجة أفضل. أما هي فقد خرجت تستنشق الهواء في ساحة منزلها حيث الخضرة والأشجار والزهور الجميلة، جلست على المقعد الخشبي المتحرك وعادت تستكمل ذكريات ماضيها... ***

بعد قضاء يوم متعب وصعب عادت زهرة ووالدتها إلى المنزل بصحبة المنشاوي وابنه سليم، توجهت زهرة مباشرة إلى غرفتها وأغلقت الباب خلفها. نظرت لها سنية في صمت ثم قالت موجهة حديثها إلى منشاوي: اتفضل يا منشاوي بيه، معلش البيت مش قد المقام. أجاب: ما تقوليش كده يا أم زهرة البيت عالي مقامه بناسه، أنا آسف بس أنا مضطر أمشي، البقاء لله يا أم زهرة ربنا يجعلها آخر الأحزان. أجابت: ونعم بالله يا أخويا معلش تعبناكم معانا. أجاب في أسى:

ولا تعب ولا حاجة إحنا أهل، عبد الحميد كان أكثر من أخ ليا، يكفي احترامه وأخلاقه وكرم أصله، الله يرحمه يا رب، لو احتجتوا أي حاجة مهما كانت ما تتردديش ثانية واحدة إنك تكلميني. ما أتحرمش منكم يا رب. نطق سليم بإحراج: أمال فين زهرة اختفت؟ حابب أتطمن عليها قبل ما نمشي. حاضر يا ابني ثواني أندهلك عليها. ثم هتفت تناديها: زهرة.. يا زهرة تعالي يا بنتي كلمي سليم.. ثم انشغلت في الحديث مع المنشاوي بشأن العزاء.

خرجت زهرة من غرفتها وجهها أحمر وعيناها مكسورتين حزنًا ثم وقفت أمام سليم في صمت تنظر للأرض فاقترب منها وقال لها في هدوء: آنسة زهرة شدي حيلك، أنا آسف إني اتعرفت عليكِ في ظروف زي دي، أوعدك إن أنا وبابا هنكون جنبكوا دايمًا، ده الكارت بتاعي تقدري تكلميني في أي وقت واعتبريني أخ صديق أي حاجة تحبيها، وبعدين إحنا من دلوقتي أهل فيا ريت ما تمانعيش. مدت يدها تأخذ منه الكارت في صمت وبدون أي رد، فقال:

طيب إحنا ماشيين دلوقتي مش عايزة أي حاجة يا زهرة؟ أجابت في تعب وهي لا زالت تنظر للأرض: متشكرة تعبناكم معانا. لا لا أنا مش عايز أسمع الكلام ده نهائي، ما فيش تعب ولا حاجة. صمتت فتفهم عدم مقدرتها على الحديث فقال في هدوء: طيب أستأذنك أنا بقى همشي دلوقتي وإن شاء الله نتقابل تاني. أومأت قائلة: إن شاء الله، مع السلامة. *** عاد المنشاوي وابنه إلى الفيلا خاصتهم، ألقى السلام على الجالسين فردت كل من بدرية هانم زوجته

وأختها سماح وابنتها فريدة: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. تساءلت بدرية بتعجب: غريبة يعني إيه اللي أخركم النهاردة كده؟ أجاب المنشاوي: هأقولك يا بدرية بس استني أستريح شوية حتى. أما سليم فقال: عن إذنكم أنا طالع آخذ شاور وأرتاح. تعجبت بدرية وأختها من الحالة التي عاد بها زوجها وابنها. قالت فريدة ابنة سماح: شوفتي يا خالتو ابنك، حتى ما هانش عليه يقولي إزيك. ضحكت بدرية ثم قالت:

معلش يا حبيبتي هو بس عشان راجع تعبان لكن أكيد هيجي يقعد معاكي ويكلمك. تعجبت سماح فقالت في غيظ: وأنتِ مهتمة كده ليه يعني يقولك إزيك ولا ما يقولش! ما تخلي عندك كرامة شوية. ردت بدرية: الله! ما أنتِ عارفة فريدة من صغرها وهي بتموت في سليم ومتعلقة بيه، مش كده يا فوفا؟ احمرت وجنتاها خجلًا ثم قالت في حرج: مش كده إيه بس يا خالتو عادي كنت عايزة أسلم عليه بس مش أكثر، يلا أنا قايمة أشرب. ذهبت فريدة هربًا من والدتها

أما بدرية فضحكت ثم قالت: ربنا يفرحني بيهم وبنجاحهم يا رب، ثم ذهبت إلى غرفتها خلف زوجها تطمئن عليه.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...