ذهبت زهرة خلف فريدة وأحضرت لها ملابس مخصصة للضيوف. وبعدها عادوا ليجتمعوا على مائدة الطعام. تناولت شيئاً بسيطاً، ثم اعتذرت منهم وغادرت على الفور. كانت تتابعها في صمت نظرات سليم حتى اختفت عن ناظريه. وأيضاً فريدة التي كانت تلقي نظرة حيث زهرة وأخرى حيث سليم، وكانت تستشيط غضباً لهذا الاهتمام. ثم همت لتغادر هي الأخرى، فبقى الطعام كالغصة في حلقها، لم تستطع تناول المزيد.
ذهبت زهرة إلى غرفتها التي أخبرتها عنها بدرية وقضت ليلتها تبكي وتدعو الله أن يُفرج كربها ويشفي والدتها. كانت مشتتة الذهن والقلب، ولا يوجد ما يهون عليها سوى ما تشعر به من سليم تجاهها كنقطة بيضاء وسط سواد، كشعاع نور وسط ظلام. ظلت تفكر وتدعو وتبكي حتى غطت في ثباتٍ عميق. في صباح اليوم التالي، ذهبت بصُحبة المنشاوي وسليم إلى المستشفى. كان دكتور خالد ماراً بأحد الطرقات في المستشفى منشغلاً بملفات بين يديه.
بينما يبحث عنه المنشاوي ليسأله عن حالة سنية، فاصطدم به. رفع بصره إليه قائلاً: -منشاوي بيه أهلاً بحضرتك. أنا آسف جداً، ماخدتش بالي. مشغول جداً والله. ازيك يا أستاذ سليم؟ ازيك يا زهرة؟ أجابوا جميعهم بالحمد لله. ثم هتف منشاوي قائلاً: -ولا يهمك يا دكتور خالد. طيب أقدر أطمن على مدام سنية وأسألك عن حالتها ولا لسه مشغول؟ أجاب:
-لا لا تمام. أنا مش مشغول أوي يعني. هوا دلوقتي ممكن حد يدخل لها يتطمن عليها، بس للأسف لازم شخص واحد بس وبدون إزعاج ومش أكتر من خمس دقايق. فقال منشاوي سريعاً: -طبعاً طبعاً. ثم نظر لزهرة وقال: -زهرة هتدخل تطمن على مامتها وأكيد مش هتتأخر، ولا إيه يا زهرة؟ أجابت في لهفة: -حاضر والله، بس أهم حاجة أشوفها وأتطمن عليها. تأثر سليم بنبرة زهرة وتلهفها لرؤية والدتها، ثم قال سريعاً: -طيب يلا يا جماعة خلونا نروحلها عشان زهرة تطمن.
نظرت له في امتنان، ثم توجهوا صوب غرفة سنية. دلفت إليها فوقع بصرها عليها وعلى المحاليل المعلقة بيديها والهدوء التام الذي يتخلله صوت الأجهزة. لم تستطع تحمل ذلك المنظر الذي لم تتوقع أبداً أن ترى والدتها عليه، لا حول لها ولا قوة، ساكنة لا حراك. ثم أمسكت بيدي والدتها قائلة بدموع: -كدا بردو يا ماما تسبيني لوحدي؟
قلبي موجوع عليكي يا ماما، ارجوكي فوقي وارجعيلي وخلينا نعيش في بيتنا تاني، وأنا هخلي بالي منك. كفاية بابا سابني، متسيبينيش إنتي كمان. تنـهدت ثم مسحت الدموع عن عينيها قائلة: -عموماً اتطمني ياحبيبتي، أنا بخير. مش ناقصني غيرك. المنشاوي بيه وسليم أخدوني معاهم، مش قاعدة لوحدي. بس أنا يا ماما مبحبش أقعد وسط ناس غريبة، خصوصاً لو فيهم حد بيكرهني. متتأخريش عليا بالله عليكي يا ماما وقوميلي بألف سلامة عشان خاطري.
أخذت تقبل يدي والدتها، ثم وضعت رأسها على يديها وأغمضت عينيها تبكي وتدعو الله وترجوه أن يعيد لها والدتها بكل سلامة وصحة طيبة. في تلك اللحظة، دلفت عليها الممرضة وطلبت منها أن تخرج وأخبرتها بأن ذلك الوقت يكفي وأن هذا ليس في مصلحة المريضة. أجابت زهرة بعيون دامعة: -معلش لو سمحتي خليني معاها شوية كمان. ردت الممرضة في أسف: -أنا آسفة والله، ياريت كان بإيدي. دي تعليمات دكتور خالد. بعد إذنك يلا بقى كفاية كدا.
أومأت زهرة إيجاباً قائلة: -طيب خلاص أنا جاية وراكي. -اوكي، متتأخريش لو سمحتي. خرجت زهرة بعد أن ودعت والدتها وذهبت لكي تسأل الدكتور عن حالتها. عندما خرجت وجدت المنشاوي وسليم فقط، ثم سألتهم: -هوا فين دكتور خالد؟ أنا عايزة أسألة عن ماما. أجاب: -متقلقيش، إحنا اتطمنا منه عليها وهوا راح يشوف شغله. تسائلت: -طيب هوا قال إيه؟ ماما هتفوق إمتى؟ حاول منشاوي ألا يذيد من قلقها وأدعى أنها بخير وقريباً جداً ستستفيق من غيبوبتها، رغم
أن كلام دكتور خالد كان: "أنا مش هخبي عليكوا، ممكن تطول فالغيبوبة دي، لكن إحنا بنتوقع إنها تفوق بعد ٣ أيام تقريباً، على حسب. وبعدين هيا كأنها بتحارب الموت، مش رافضه الحياة زي ناس كتير، وطبعاً أكيد دا عشان بنتها. حالة الفشل الكلوي عندها متأخرة جداً، وبعد ما تفوق هنعملها غسيل كلوي بشكل منتظم، وللأسف حياتها بردو مش هتكون في أمان زي الأول. بس ياريت يا منشاوي بيه متوصلش لزهرة الموضوع بوضوح منعاً لانهيارها هيا كمان لا قدر الله".
شعر كلاً من منشاوي وسليم بالحزن الشديد، فرد قائلاً: -لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم، ربنا يلطف بيها ويقومها بألف سلامة. حاضر يا دكتور إن شاء الله. رد قائلاً: -طيب استأذن أنا بقى. بعد إذنكوا. زهرة: -طب أنا عايزة أروح البيت بقى لو سمحتوا، أنا مش حابة أتقل عليكوا أكتر من كدة. كتر ألف خيركوا. أجاب المنشاوي في ضيق: -يابنتي إنتي غاوية وجع قلب؟ حد زعلك هناك؟ عايزة تمشي ليه؟
دا كل اللي قعدتيه معانا ليلة مش أكتر. وبعدين ياستي اعتبريه بيتك، دا والدك عبد الحميد كان زي أخويا بالظبط وأنا مقدرش أسيب بنت أخويا في ظروف زي دي لوحدها. زهرة: -بس أنا... -مافيش بس ولا حاجة، إنتي هتروحي معانا عالبيت والكلام ده ما يتكررش تاني. وأول ما والدتك تفوق واتطمن عليكوا ارجعي بيتك براحتك. ولا أنا بيتي مش عاجبك بقى يا ست زهرة؟ ابتسمت في حرج قائلة: -بالعكس والله، بيت حضرتك جميل وطنط بدرية طيبة.
جال في خاطرها فريدة فشعرت بالاشمئزاز، كما وأنها من الأساس كانت تود الهروب من رؤيتها أو التعامل معها، لكنها للأسف الآن مضطرة إلى العودة معهم. تسائل في قلق: -إيه، روحتي فين؟ مالك! انتبهت له قائلة: -ها؟ لا أنا تمام، يلا خلينا نرجع عالبيت. ثم ذهبوا إلى السيارة. جلس سليم بالخلف بجانبها، ثم تسائل في هدوء: -زهرة.. إنتي في حد فالبيت بيضايقك؟ -لا مافيش.
-متخبيش عني حاجة، متخافيش لو حد مضايقك هتصرف بنفسي ومش هقول أنك قولتيلي حاجة. ثم قال بنبرة حانية: -أنا أهم حاجة عندي تكوني مرتاحة. نظرت له تتفحص ملامحه بعد أن شعرت بتلك النبرة الغريبة في صوته، ثم قالت في حرج: -لا لا مفيش. لو حد ضايقني هقولك. أنا بس كنت حابة أقعد فالبيت، أكيد كنت هحس إن ريحة ماما في كل مكان فيه وإنها موجودة معايا. كان يبقى أهون بردو شوية. صمتت لثواني ثم استطردت قولها:
-طب ممكن نعدي على البيت أجيب حاجات ليا؟ أجاب: -طبعاً ممكن، بس على شرط. تسائلت في حيرة: -شرط إيه؟ -إنك تقبلي نتعشى أنا وانتي برا النهاردة وتغيري جو شوية بدل ما انتي شكلك بقى مرهق كدة. متخافيش، عزومة على حسابي مش هتدفعي ولا جنيه. قالها ثم ضحك. ابتسمت هي الأخرى ثم أجابت في ضيق: -ازاي بس يجيلي نفس أعمل أي حاجة وماما فالمستشفى تعبانة، الله أعلم هتفوق تاني ولا... أجاب: -ولا إيه؟ متكمليش ليه التشاؤم ده بس!
مامتك هتقوم وهتبقى زي الفل كمان. أجابت وهي تبكي: -مستحيل طبعاً أقدر أفرح بأي حاجة إلا لما أتطمن عليها وأشوفها بخير. أجاب: -طيب طيب خلاص إهدي وبلاش دموعك دي. أنا كان نفسي بس أخرجك من جو الاكتئاب ده، لكن اللي يريحك طبعاً. ثم أخبر والده بالتوجه إلى بيت زهرة ثم إلى الڤيلا. قام المنشاوي بتوصيل زهرة إلى الفيلا بعد أن أحضرت أغراضها وعاد مغادراً إلى عمله هو وسليم قائلاً:
-يلا يا زهرة انزلي انتي وزي ما قولتلك البيت بيتك، خدي راحتك وظبطي حاجتك وإعتبري نفسك وسط أهلك. تمام؟ هبطت من السيارة بهدوء قائلة: -حاضر. وقفت تنظر إليهم بينما ظلت نظرات سليم معلقة بها حتى ابتعد بالسيارة، فأدارت نفسها إلى الفيلا وهي تفكر في نفسها قائلة: "غريب أمرك ياسليم، نفسي أفهم هو ليه مهتم بيا أوي كدة. مهو مش معقول هيبصلي وأنا واحدة فقيرة حياتها مكركبة ومقلوبة رأساً على عقب. هوا فين وأنا فين؟
دا حتى المكان اللي بعيش فيه ما يجيش جنب جنينة ڤيلتهم حاجة. وأكيد كمان بعد ما الفترة دي تعدي مش هشوفه تاني. أنا لازم أحجم العلاقة دي ومعلقش نفسي بيه وأصرف نظري عن أي تفكير فيه حفاظاً على قلبي وكرامتي، كفاية اللي أنا فيه! أطرقت على الباب، فتحت لها الخادمة. دَلفت في هدوء، وجدتهم جالسين سماح وبدرية وفريدة. ألقت السلام عليهم. -وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. بدرية: -أهلاً يا زهرة، طمنيني ياحبيبتي أخبار مامتك إيه دلوقتي؟
أجابت في حزن: -الحمد لله. بس للأسف لسه في الغيبوبة، إدعيلها بالله عليكي يا طنط بدرية. هتفت فريدة بصوت خافت، تهامس سماح، لكن زهرة سمعتها تقول: -باينها كدا قاعدة على قلبنا كتير. لا وجايبة شنطة هدومها. نظرت زهرة إلى حقيبة يدها ثم هتفت في غضب: -على فكرة أنا كنت عايزة أروح أقعد فالبيت، بس منشاوي بيه رفض وقالي ماينفعش أبقى لوحدي هناك. رمقتهم بدرية بنظرة غيظ فقالت:
-طبعاً يا حبيبتي، ما يصحش بنوتة زي القمر كدا تبقى لوحدها فالبيت. تعالي تعالي، أنا هرتب معاكي الأوضة وحاجتك. يلا بينا. إحتوتها بذراعها وذهبت بها إلى غرفتها وهي تتحدث معها بهدوء. قالت سماح في غضب: -جرا إيه يا فريدة؟ إنتي اتجننتي؟ ليه كدة تحرجيني مع خالتك؟ لازمته إيه الكلام ده قدامهم؟ أجابت فريدة في حنق: -طيب طيب خلاص الله! أنا بس في حاجة مستغرباها، هما ليه مهتمين بيهم أوي كدة وهيا حيالله بنت صاحبه! أجابت سماح:
-معرفش، يمكن فتحوا بيتهم سبيل للي يسوى واللي مايسواش! ثم تبادلا الضحكات هي وابنتها. دَلفت إليهم بدرية قائلة في غضب: -أنا فاتحة بيتي سبيل؟ لعلمك بقى زهرة مش حيالله بنت صاحبه، لا هيا تبقى قريبة المنشاوي ومش واحدة غريبة ولا حاجة. وياريت اللي حصل ده ما يتكررش تاني ونراعي شعور البنت لحد ما مامتها تفوق وترجع تعيش حياتها زي ما كانت تاني تمام! أنا مش عايزة مشاكل مع المنشاوي. ضحكت سماح في حرج قائلة: -يوه إنتي زعلتي يابدرية؟
دا إحنا بنهزر، متاخديش كل حاجة جد كدة الله. وبعدين أهو يونسوا بعض ويتصاحبوا على بعض بدل ما فريدة وحيدة. مش كدة يا فوفا؟ لوت فريدة شفتيها ثم أدارت وجهها بعيداً قائلة: -آه كدة. بعد أن غادرت زهرة، عاد سليم ليجلس في الكرسي الأمامي بجانب والده. تسائل المنشاوي قائلاً: -كنتوا بتتكلموا في إيه بقى بصوت واطي كدة؟ شعر سليم بالحرج الشديد من والده فقال: -لا أبداً، أنا كنت بواسيها بس وبحاول أخفف عنها مش أكتر.
-مممم، بتواسيها مش أكتر. أمال أنا ملاحظ اهتمام غريب كدة. مش إبني اللي أنا أعرفه يعني. إحكيلي، أنا زي أبوك بردو. ضحك سليم فقال: -والله يا بابا إحساس كدة لله فلله إن البنت دي غلبانة وطيبة ومستاهلش أبداً اللي بيحصلها. -آه، بتشفق عليها يعني. -مش بالظبط يعني بس... رد منشاوي بنبرة حادة:
-إسمع.. إنت قولت أهو هي متستاهلش اللي بيحصلها، يعني ياريت متبقاش إنت كمان سبب في يوم لكسرة قلبها. والمسافة اللي بينكوا دي أنا مش عايزها ومش عايزك تعلق البنت بيك تمام؟ تعجب سليم فقال: -الله! ولا لازمته إيه بس الكلام ده يا بابا. -أنا قولت اللي عندي وانت وضميرك، يلا إنزل خلينا نشوف شغلنا. عادت بدرية إلى غرفة زهرة من جديد فطَرقت على الباب قائلة: -ممكن أدخل يازهرة؟ أجابت: -آه طبعاً اتفضلي. هتفت بدرية في حرج:
-متزعليش يازهرة من فريدة وياريت لو ماتهتميش بأي تصرفات تحصل منها وأعتبريها كأنها مش موجودة أصلاً. أجابت: -لا لا أنا مش زعلانة منها. أنا مقدرة بردو إننا من سن بعض وهيا فجأة لقت واحدة غريبة في حياتها أخدت إهتمام أهلها فطبيعي تتضايق من وجودي، بس يارب أكون خفيفة على قلبكم والوقت يعدي على خير. أجابت:
-والله يازهرة إنتي اختصرتي الكلام كله. أوقات بحس إنك أكبر من سنك وإنك قد المسئولية اللي ربنا حطك فيها، فعلاً إن الله لا يُكلف نفساً إلا وسعها. المهم بقى قوليلي نفسك تاكلي إيه النهاردة؟ ولا إنتي مابتعرفيش تاكلي غير من إيد مامتك؟ ابتسمت زهرة فقالت: -لا أنا مش بهتم بالأكل أساساً وأي حاجة من حضرتك هحبها أكيد. بس هيا فين مامتي دلوقتي؟
أنا بجد محتاجلها ونفسي تكون جنبي وتشاركني كل حاجة بحسها وبمر بيها. أنا مش مستوعبة إزاي فجأة كدا بقيت لوحدي! الأول بابا يتوفى وبعدين هيا تدخل في غيبوبة واحنا مالناش حد خالص لولا منشاوي بيه، وبفكر كتير بكون مستغربة ليه بيعمل كدا معانا. مش عارفة بس ربنا يعدي الأيام دي على خير. أجابت: -هتعدي إن شاء الله وماما هتقوم بالسلامة، بس انتي متفكريش كتير فالأمور دي، بكرا كل حاجة هتبقى تمام. ثم اقتربت منها واحتضنتها في حنان،
ثم أبعدتها برفق قائلة: -تعرفي أنا كان نفسي يبقى عندي بنوتة زيك كدة. ونتكلم مع بعض وأعتبرها صاحبتي. إيه رأيك تعتبريني صاحبتك؟ أجابت زهرة في سعادة: -ياه دا أنا ليا الشرف إن يبقى ليا صاحبة زي حضرتك كدة. -طيب يا ستي اتفقنا. يلا خلصي اللي في إيدك وتعالي تحت نتفرج على التليفزيون لحد ما الغدا يجهز. ردت زهرة بإبتسامة خفيفة: -حاضر اتفضلي انتي وأنا جاية وراكي. عادت بدرية إلى الطابق السفلي فوجدت سماح جالسة
بمفردها فتسائلت بتعجب: -أمال فين فريدة مش موجودة يعني؟ أجابتها في عدم اهتمام: -خرجت. راحت تعمل شوبينج مع صحابها، تغير جو كدة يعني. -هيا مش لسه تعبانة؟ -لا لا بقت كويسة. -طيب المهم أنها ماتتأخرش عن ميعاد الغدا، المنشاوي وسليم قربوا يرجعوا. ثم جلست بجانبها قائلة: -يلا هاتي المسلسل زمانه اشتغل.
أما زهرة فجهزت نفسها، دائما ما تكون حريصة على أن ترتدي ملابس محتشمة تخفي مفاتن جسدها، لا تصف ولا تشف، خاصةً أن سليم ووالده كثيراً ما يتواجدون في الفيلا ومن المتوقع حضورهم في أي وقت. كانت جميلة وتزداد جمالاً عندما تبدو بذلك المظهر. دَلفت إليهن فوجدتهم جالسين أمام التلفاز يستعدون لمشاهدة ذلك المسلسل الذي سبق وأخبرتها عنه بدرية. جلست بجانبها وتسائلت: -إيه قصته بقى المسلسل ده عشان أنا مش بتابع حاجة خالص.
قبل أن تنطق بدرية، أجابت سماح:
-المسلسل ده بقى حاجة كدا ممتعة في الفُرجة عليه، قصته رومانسية بتتكلم عن حب البطل للبطلة رغم كل الظروف ورفض أهلهم لإرتباطهم واختلاف المستوى الاجتماعي بينهم. بس كان حبهم لبعض أقوى من أي سبب يمنعهم من الجواز. فضلوا مع بعض ومستغنوش عن بعض وفضل حبهم قوي جداً. بدأو حياتهم بعيد عن أهلهم بسبب خلافات المستوى الاجتماعي وبدأوا من الصفر وعاشوا أيام صعبة لحد ما بقوا أغنية وليهم اسم كبير وكونوا عيلة كبيرة ورجعوا لأهلهم تاني. إحنا شوفناه قبل كدا بس بنحب نتفرج عليه أوي خصوصاً إنه دايماً مرتبط بليالي الشتاء وذكرياته الجميلة.
كانت سماح تقص على زهرة قصة المسلسل وهي بعالم آخر. من بداية ما وصفت سماح، وزهرة تفكر في سليم وتشابه الظروف بينهم. تسائلت سماح: -زهرة؟ إنتي معايا! هتفت بدريه ضاحكه: -يا شيخة اعتقيها لوجه الله إنتي ما صدقتي، زهرة مش معاكي خالص أصلاً! أجابت زهرة في حرج: -لا لا أنا معاكي، ده باين إن قصته حلوة جداً. ردت سماح بسخرية: -قصته حلوة جداً؟ آه تمام. ما علينا، اسكتوا بقى عشان هيبدأ أهو. هتفت بدريه ضاحكة: -شوفوا مين بيتكلم.
نظرت لها سماح في ضيق دون أن تتفوه بكلمة، ثم عادت تنصت إلى مشاهدة المسلسل في هدوء. في شركة المنشاوي بيه. هتف سليم في حماس: -بابا المناقصة دي مهمة جداً، إحنا لازم نكسبها. أجاب في حزم: -طبعاً أمال إنت فاكرني نايم على وداني! مش هسيبها بسهولة كدة تروح مني. عموماً، عرضنا ميترفضش متقلقش. بكرة أو بعده بالكتير هيكون الموضوع دا خلص.
-طيب تمام، طمنتني. أنا أصلي متحمس ليها جداً، هتنقلنا نقلة تانية خالص. يلا أنا هروح أخلص شوية شغل كدا وهعدي عليك عشان نروح مع بعض. أجابه وهو منشغلاً في عمله: -تمام هستناك. قطع تركيزه اتصال من دكتور خالد، فترك ما بيده وأجاب على الفور. شعرت زهرة بشيء ما غريب أثناء مشاهدتها للتلفاز، لا تدري ما هو، لكنها شعرت بقبضة في قلبها وكانت تشعر بالقلق على والدتها والاشتياق إليها، فاستأذنت وعادت مغادرة إلى غرفتها تفكر بهدوء،
ثم قالت في نفسها: "أنا هقوم أتوضى وأصلي ركعتين يمكن قلبي يرتاح." جلست تصلي وتدعي لوالدتها، وعندما أنهت صلاتها ذهبت لتنظر في هاتفها، وجدت عدة مكالمات من المنشاوي. انقبض صدرها قليلاً، وفجأة دلفت إليها بدرية مُسرعة تبدو على وجهها علامات غير معلومة، أهي خوف أم حزن، خير أو شر! فقالت لها: -زهرة، منشاوي بيكلمك مش بتردي عليه ليه؟ مدت يدها إليها بهاتفها قائلة: -خدي هوا عال تليفون عايز يقولك حاجة مهمة بخصوص والدتك.
سحبت منها الهاتف في قلق وخوف وهي تتمنى ألا تسمع منه ما تكره. ثم أجابت في قلق: -السلام عليكم. في المستشفى. كان دكتور خالد واقفاً يتحدث مع إحدى الممرضات أمام غرفة سنية، فذهب إليه المنشاوي في لهفة قائلاً: -إيه الأخبار يا دكتور خالد؟ فعلاً مدام سنية فاقت!! كذلك زهرة التي هتفت في فرحة شديدة: -أنا عايزة أشوفها يا دكتور لو سمحت. أجاب خالد: -إهدوا بس يا جماعة، اللي حصل إنها فعلاً فاقت الحمد لله وكانت بتنادي على زهرة.
فلاش باك. دخلت الممرضة على سنيه لتُعيد وضع المحلول، كانت سنيه تحاول أن تستفيق. نظرت لها الممرضة في عدم تصديق، وجدتها تحرك إصبع السبابة، وبعد دقائق قليلة هتفت بصوت خافت وعدم وعي كافي: -زهرة.. زهرة. خرجت الممرضة في سرعة لتُخبر دكتور خالد بما رأت قائلة: -يا دكتور تعالى بسرعة مدام سنيه فاقت. انتفض خالد من مقعده وقام سريعاً وهو غير مصدقاً ما يسمع. دَلَف إليها ليطمئن بنفسه، وجدها تبكي وتتألم ولازالت تنادي إبنتها زهرة.
قال خالد للممرضة: -خليكي معاها وتابعي حالتها لحد ما أرجعلك. أنا هتصل بيهم ييجو يجيبولها زهرة، أكيد لما تشوفها هترتاح وتهدى. يلا اتحركي مستنية إيه؟! خالد: -بس وحالياً هخلي زهرة تدخلها عشان تطمن بوجودها جنبها وتستعيد وعيها من تاني. جلسوا جميعاً على كراسي الانتظار أمام الغرفة، بينما ذهبت زهرة لتطمئن على والدتها. هتفت بدريه قائلة:
-متتصورش زهرة كانت هتطير من الفرحة إزاي بعد مكالمتك ليها، تخيل إنها حضنتني أوي من فرحتها. دي خلتني أحس بشعور مفتقداه. أنا معنديش بنات بس طول ما هيا معايا حسيت إنها بنتي والله وفرحت لفرحها جداً. رد المنشاوي: -الحمد لله يا بدرية، الحمد لله. الواحد كان خايف على الست دي لايجرالها حاجة عشان بنتها. ثم غمز لها ونظر لسليم الجالس بجانبهم قائلاً: -شايفة إبنك عامل إزاي؟
من وقت ما ظهرت زهرة في حياته وهوا واحد تاني خالص غير اللي أعرفه. تسائلت: -ازاي يعني؟ قصدك إيه؟ لاحظ سليم نظراتهم التي تراقبه فشعر بالتوتر أكثر فقال: -إيه مالكوا؟ بتبصولي كدة ليه؟ بقولكوا إيه أنا رايح أجيب حاجة أشربها، أجيبلكوا حاجة تشربوها! أجاب والده ضاحكاً: -اللي يجي منك ياسيدي. وسط نظرات بدرية المفعمة بالشك، قال هارباً: -تمام. يلا سلام. تسائلت بدرية في حيرة: -هوا في إيه بالظبط بقى هاه! أنا بدأت أتوهوش. منشاوي:
-إبنك شكله كدة مهتم بيها زيادة عن اللزوم ومش بعيد يكون بيحبها. -بيحب مين؟ زهرة قصدك! معقول؟ بس بيني وبينك من ناحية الجمال الواد طالع لأبوه بيعرف يختار. نظر المنشاوي بعيداً فقال: -يلا الله يجازي اللي كان السبب. ردت في حنق: -نعم! قصدك إيه بقى؟ -ولا أي حاجة ياحبيبتي بقول ربنا يجازيه خير اللي كان السبب. ثم قبل يدها قائلاً: -دا إنتي الخير والبركة. -أيوة كدة إرجع لعقلك أحسنلك.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!