تحميل رواية «زهرة» PDF
بقلم ندي أشرف
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في إحدى المساكن الفخمة حيث تقف في شرفة غرفتها شاردة الذهن، تتذكر ما حدث لها في ماضيها المؤلم، تتذكر وتبكي بحرقة، مستقبلة النسيم البارد الذي يهب عليها مواسيًا، شعرها المتطاير أثر ذلك النسيم مداعبًا وجنتيها. تتذكر ماضيها المؤلم مع والديها... *** دلفت إلى غرفة والدتها (سنية) التي تقطن في منزل بسيط وأسرة بسيطة، لكنهم يعيشون بسعادة ورضى تملأ قلوبهم: ماما ماما أنا نجحت يا ماما.. نظرت لها سنية غير مصدقة إلى ما تسمع فقالت: أنت بتقولي إيه! قولي كدا تاني. أجابت بابتسامة عريضة: أنا نجحت يا ماما والله نجحت،...
رواية زهرة الفصل الحادي عشر 11 - بقلم ندي أشرف
خرج سليم من منزل زهرة غضبان آسفاً يشعر بالضيق. يتذكر حديث زهرة ويختلط بحديث والده حينما أخبره بأن لا يفكر بالارتباط من زهرة. لا يعلم ما هي وجهته ولكن كان يقود سيارته بسرعة شارد الذهن. يشعر بالألم في داخله يتمنى لو أن يعود إليها ويأخذها بين أحضانه وتخبره أنها لن تتركه أبداً ولن تكن لأي شخص غيره ويتمنى لو أن يسمع منها ما بداخلها تجاهه. يتسائل لما رفضته بعد أن وافقت وإذا كانت لا تبادله نفس الشعور لماذا وافقت على طلبه أمس. أتحبه كما يُحبها أم هو بالنسبة إليها شخص عادي!
اعتلى صوت الموسيقى فوق صوت أفكاره يتغنى:
"أوقات بيجي الصح في الوقت الغلط..
والقلب زي السهم لو شده فلت..
وبصراحة الدنيا بتغيرنا بالراحة..
وما بين شعور بالذنب والراحة كله إختلط..
بقى عادي ناس يختاروا صح ويتأذوا..
والحب مش محكوم بحاجة تميزه..
مش أي إحساس بالسعادة بيتقبل..
ولا أي وعد بناخده سهل ننفذه.."
جاء صوت زهرة في ذهنه قائلاً:
"أنا بحلك من أي وعد اتقال إمبارح.."
أعلن هاتفه عن إتصال من صديق له كان دائما ما يحاول الابتعاد عنه لأنه صديق سوء، فأجاب في سرعة كأنه المنقذ الذي سيخرجه من حزنه.
- الو..
- أيمن: إيه يا برو انت نسيتنا ولا إيه؟ عامل ايه محدش شايفك يعني..
- مافيش اهو عايش.. ايه فينك كدة!
- في النادي، بنخلص حوار كدة وطالعين عالبار انا والشلة، مش ناوي تفك عن نفسك بقى وتيجي معانا وتعزمنا عزومة حلوة من بتوعك.
أخذ سليم يُفكر قليلاً فقال:
- i'm in..
نصاية ونتقابل هناك وعايزك تظبطني عالآخر.. يلا باي.
***
في المستشفى
كانت فريدة تشعر بالضجر والضيق وتريد العودة إلى منزلها في أقرب وقت ممكن لكن سماح أخبرتها بضرورة بقائها في المستشفى لتتلقى الرعاية اللازمة وأنها لن تستطيع التعامل معها على حالتها تلك كما قال الطبيب عندما سمح لها بالخروج إن أرادت.
- بس يا ماما المكان هنا كئيب وحاسة اني مخنوقة، أنا محتاجه أرجع أوضتي..
- يابنتي ماتوجعيش قلبي معاكي خليكي حتى إسبوع بس لحد ما تبقي خفيتي شوية ونقدر نحركك ونتعامل معاكي، محدش هيتألم ويتعذب غيرك..
صمتت فريدة غاضبة وأزاحت بصرها بعيداً وقررت أن لا تتحدث ولا تأكل ولا تشرب وتمتنع عن كل شيء كأن تُعبر بذلك أنها فقدت رغبتها في الحياة بأكملها.
فدلف الضابط على حين غرة بعد طرقات بسيطة على الباب وطلب من الجميع المغادرة وبدأ يتحدث مع فريدة ويوجه لها عدة تساؤلات ولكنها أقرت بعكس ما لديه في الإبلاغ وأخبرته أن كريم لم يكن متعمد لما حدث وأنها هي المخطئة الوحيدة. وعلى ذلك قرروا إخلاء سبيله وإغلاق المحضر بعد ان حاول التأكد منها أن ذلك الكلام لم يكن تحت ضغط من أي أحد لما فيه من إهدار لحقها إذا كان كريم مذنب تجاهها.
وبعد ذلك غادر الجميع كلاً إلى وجهته ماعدا بدرية وسماح.
عاد المنشاوي إلى الفيلا بمفرده ولاحظ عدم تواجد سليم منذ الصباح وكلما حاول الاتصال به لم يستطع الوصول إليه. حتى راوده شعور بأنه ليس بخير وأنه هناك شيئاً ما يحدث لا يعلمه مما زاد من قلقه وحيرته.
مر الوقت ولم يعد سليم وكذلك لم يعاود الاتصال بوالده. قرر المنشاوي أخيراً أن يتصل بزهرة ويسألها إن كانت رأت سليم أو تحدثت معه.
- السلام عليكم
- وعليكم السلام
- ازيك يازهرة عاملين إيه انتي ومامتك بخير؟
أجابت في قلق:
- بخير الحمد لله..
تساءل:
- بقولك إيه يازهرة هوا سليم مجاش عندكم النهاردة أو اتصل بيكي؟
ردت في حرج:
- اه هوا كان عندنا، كان بيتطمن على ماما ومشي على طول.. خير في حاجه؟
- أصل هوا من بدري مختفي وبكلمه مش بيرد عليا، طيب في حاجه حصلت عندك!
شعرت زهرة أنها ستكون السبب إذا تأذى سليم بأي شكلٍ كان. صمتت ولم تجد ما تُجيب به وتلعثمت.
- يبقى حصل أنا جايلك أفهم في إيه بالظبط..
أغلقت زهرة الخط وهي لا تعلم كيف ستخبره بما دار بينها وبين سليم وكيف ستكون ردة فعله. فكرت بأنه بكل تأكيد سيبتعد عنهم ليحافظ على إبنه منهم وكأن الدنيا ضاقت بعينيها فجأة ولا يوجد أمامها سوى أن تترك أمرها بيد الله.
تساءلت سنيه في قلق:
- خير يابنتي كنتي بتكلمي مين ومال وشك مخطوف كدة!
أجابت في ضيق:
- المنشاوي بيه يا ماما.. بيقول سليم مختفي من الصبح ومراحش الشركة ولا البيت وبيكلمه مش بيرد عليه، أنا السبب أكيد هوا دلوقتي مش بخير بسببي..
تساءلت سنية في توتر:
- وبعدين إيه العمل؟
- المنشاوي بيه جاي فالسكة وأنا مضطرة أحكيله عن كل حاجه..
- بس انتي كدة هتسببي مشاكل بينهم!
- مافيش قدامي حل تاني..
***
في أحد البارات جلس سليم واضعاً هاتفه على وضع الصامت كئيب المنظر سيء الحال.
- إيه يابني كفاياك شرب أنت أول مرة تشرب كتير كدة.. هيجرالك حاجه.
ثم سحب الكأس من يده. عاد سليم يأخذه منه في غضب قائلاً بحديث متقطع:
- وانت مالك بيا.. سيبني.. أنا مش عايز أحس بأي حاجه حواليا.. عايز أرتاح من التفكير.. وآخد أجازة من الدنيا شوية.. أنا عايز أنسى كل حاااجه..
رد أيمن في حنق:
- أجازة من الدنيا شوية إيه دي كدة هتبقى أجازة أبدية..
نظر له سليم في سخرية فقال:
- ياريت تخليك في نفسك وانت كمان إنساني..
تعجب أيمن من حال صديقه الذي لأول مرة يراه على هذة الحالة. ظن في بادئ الأمر انه وافق بالذهاب معهم إلى البار ليحظى بالقليل من المتعة. لكن ما يراه الآن في أفعال سليم من كثرة شرب ورقص كأنه ينتقم من نفسه فقرر أن يجد حلاً ليوقفه عما يفعل.
***
دلف المنشاوي إلى منزل زهرة ألقى السلام وجلس أمام زهرة يستائل:
- ها احكيلي إيه اللي حصل؟
- اللي حصل إن امبارح في المستشفى سليم طلب إيدي من ماما..
تعجب المنشاوي واتسعت حدقتا عينيه ورفع حاجبيه مصدوماً من فعلة إبنه دون أن يُخبره أو يستشيره.
- أيوة ده اللي حصل وماما سألتني وأنا بصراحة وافقت.. فقال نقرا فاتحة ربط كلام بينا لحد ما يكلمكم في الموضوع ويجي يتقدم رسمي، وإنه كان حابب يعرف إني موافقة ولا لأ. بس أنا حسيت إن اللي حصل ده مش صح.. وإنه بدون علمكم بالشيء فـ كأنه لم يكن!
- فـ قررت إني امتنع عن الرد على اتصالاته ولما عملت كدة جه يتطمن ويعرف السبب فقولتله إني مش موافقة على اللي حصل، و.. إننا مش مناسبين لبعض، وإن فرق المستوى الاجتماعي بينا بكل تأكيد سبب كافي إننا مش هنكون لبعض وأنك مش هتوافق على الكلام ده وكذلك طنط بدرية.. أنا حبيت أحفظ كرامتي عشان منخسرش حضرتك وطنط بدرية..
تساءل المنشاوي:
- وبعدين إيه حصل!
- اتفقنا على كلامي ده وطبعاً هوا مكنش موافقني الرأي فمشي وكان زعلان..
أشار المنشاوي على هاتفها قائلاً:
- اتصلي بيه وهاتي أكلمه.. أكيد هيرد عليكي انتي بالتحديد.. يلا.
أمسكت زهرة هاتفها وأتصلت به مرة والأخرى لم يُجيب. عادت الاتصال للمرة الأخيرة أجاب أيمن.
- ألو..
أجاب المنشاوي في غضب وتساءل عندما لاحظ اختلاف الصوت:
- الوو.. مين إنت؟
- أنا أيمن صاحب سليم..
أجاب:
- إنت تاني؟ أنا مش محذرك تقرب من إبني وتبعد عن طريقه!
أجاب أيمن بثقل لسان أثر كثرة شرب المخـدرات:
- إهدى عليا بس يا انكل يعني أنا غلطان إني رديت!
تساءل المنشاوي في حزم:
- فين سليم؟
- سليم موجود في البار وشارب ومتدهول خالص.. ده بيشرب بطريقه أوڤر أوي يا أونكل لدرجة أنه مش حاسس بنفسه..
رد المنشاوي في غضب قائلاً:
- أنا هوديك في ستين داهية ابعتلي اللوكيشن حالاً
- الله! وانا مالي يا انكل، سليم هوا اللي جه بنفسه، أنا مضربتهوش على إيده يعني..
أغلق المنشاوي الخط وانتظر رسالة الموقع ليذهب إليهم. لقد أحزنه ما سمع لكنه شعر بأريحيه لمجرد أن عرف مكان سليم. وصل إليه الموقع فـ هَم ذاهباً دون أن ينطق بكلمه.
استوقفته زهرة قائلة:
- استنى.. انا هاجي معاك لازم أشوفه وأتطمن عليه، يمكن وجودي يفرق ولو شوية!
لم يستطع منشاوي منعها فوافقها وكذلك سنية. ذهبت وجلس ينتظر أن تستعد للذهاب معه.
هتفت سنية في حرج قائلة:
- انا بعتذر عن اللي حصل وإني طاوعته في اللي طلبه مني بس انا كانت بالنسبالي بعيش بين الحياة والموت وبتمنى قشاية بس أتعلق بيها تطمني على زهرة.
أجاب المنشاوي:
- لا لا متحمليش هم على بنتك طول ما أنا على وش الدنيا وياستي ربنا يبارك في عمرك لحد ما تفرحي بيها وتشوفي أولادها كمان.. لعلمك زهرة بنت مميزة ولو لف الدنيا كلها مش هيلاقي في ادبها وأخلاقها وجمالها وعلمها، مش عايزك تحملي هم أبدا وسيبي كل حاجه على الله.
تنهدت سنية في راحة قائلة بامتنان:
- أنا مش عارفة أشكرك ازاي على وقوفك جنبنا يامنشاوي بيه من ساعة وفاة عبد الحميد الله يرحمه، بس أنا والله بدعيلك دايما ربنا يجازيك عنا كل خير..
قطع حديثهم خروج زهرة قائلة:
- أنا خلاص جهزت يلا نمشي..
ذهبوا حيث الموقع الذي أرسله صديق سليم. دقائق ووصلوا إلى مكان البار توقف فهمّت زهرة ذاهبة هي الأخرى.
- على فين إنتي أخرك هنا.. انا هدخل أجيبه وآجي..
أومأت إيجاباً في هدوء وضربات قلبها في تسارع مع الزمن خائفة من أن ترى سليم في وضع تكره أن تراه عليه.
دلف المنشاوي فوجده أيمن استوقفه يسأله:
- انت انكل منشاوي صح؟
نظر له في ضيق وكره قائلاً:
- إنت أكيد أيمن..
- أيوة انا أيمن تعالى شوف إبنك محدش هيقدر عليه غيرك..
انتبه المنشاوي على صوت سليم يقول بأعلى صوته:
- إيه انت مبتفهمش بقولك هات إزازة تاني..
توجه والده إليه في حزم ثم سحبه من يده غاضباً:
- سليم..!
نظر له سليم في صدمه فقال:
- بابا..! إنت.. إنت إزاي هنا؟
- تعالى معاية..
سحبه المنشاوي إلى داخل الحمام وألقى برأسه تحت المياة الباردة ليجعله يعود إلى وعيه. شعر بالغثيان الشديد فتقيئ كل ما بداخله.
توقف متعب يشعر بالدوخه والإرهاق الشديدين.
- كدة بردو يابني تعمل في نفسك كدة! من إمتى ياسليم وانت بتعصي ربنا بالمنظر ده! أنا ربيتك على كدة؟
أخفض سليم بصره في حزن وقال:
- أنا آسف يا بابا سامحني..
- هنشوف الموضوع ده بعدين المهم يلا خلينا نمشي عشان زهرة مستنية برا في العربية..
رفع سليم بصره في دهشة ينظر إليه في تعجب وعيناه حمراء يتسائل:
- زهرة.. زهرة! برا هنا؟ ليه
- هبقى أحكيلك بعدين يلا عشان اتأخرنا عليها...
***
في المستشفى
ذهب كريم مباشرة بعد إخلاء سبيله إلى المستشفى واطرق الباب على فريدة حاملاً بين يديه باقة من الورود وأنواع عديدة من العصير والفاكهة.
عندما رأته فريدة تعجبت لرؤيتة وكادت أن تتسائل من هو حتى أجاب عن تساؤلات عقلها:
- أنا كريم الشربيني..
تحولت قسمات وجهها من التعجب للغضب والضيق وأزاحت بصرها بعيداً عنه.
- ممكن تقبلي اعتذاري وتديني فرصة أتكلم معاكي وأوضح موقفي..
أجابت وهي لازالت على حالتها الغاضبة:
- لأ مش ممكن.. إنت مكنش ليك عندي غير إني اقول عن نفسي أنا الغلطانة عشان سيادتك تطلع من السجن.. لا إعتذارك هيرجعني سليمة ولا الورد اللي إنت جايبه ده هيطيب خاطري اللي اتكسر حزن على حالي.. فـ إمشي.
وضع الورود جانباً وكذلك العصير والفاكهة ثم سحب الكرسي وجلس بالقرب منها. نظرت له باستنكار وتعجب. أسند ظهره للخلف فقال:
- أنا كريم الشربيني، شاب متهور وطايش، عايش حياته بالطول والعرض ومسابش حاجه في الدنيا دي إلا وعملها، تخيلي بقى إن اللي حصلك بسببي ده كان قلم كبير أوي أخدته يفوقني ويفكرني إن حياتي دي ممكن في لحظة واحدة تنقلب رأساً على عقب ولا تنتهي حياتي فنفس اللحظة دي وملحقش أصلح من نفسي وأعدل طريقي..
أنا عايز أقولك إن اللي حصلك ده ممكن يكون حاجه ليكي إنتي كمان بتفوقك من حاجه كنتي بتعمليها في حياتك..
أنا فالليلة اللي قضتها جوا الحبس دي اتقابلت بشيخ كبير في السن شوية كان في موقف شبه موقفي بس بيسوق مقطورة، ومن ضيقتي اتكلمت معاه وفضفضت له وكنت مستغرب هدوئه ورضاه رغم الموقف اللي هوا فيه..
حكيت له اللي حصلك بسببي وهوا قالي إن اللي حصلك واللي حصلي وحصله؛ كله عبارة عن بلاء ورحمة من ربنا وعلى قد ما كنت غضبان وبلعن اللحظة اللي خبطتك فيها على قد ما قعدت أفكر أنا ممكن ليه يكون ربنا عمل فيا كدة وحسيت إن خلاص بقى كفاية عك وجنان وبنات وسهر وأحاول أكون راضي عن نفسي شوية بدل ما أنا عايشها كدة وخلاص..
أجابت في حنق:
- طب وأنا مالي بكل اللي انت بتقوله ده، إنت واحد حياته خربانه أنا ذنبي إيه حياتي ومستقبلي يتدمروا بسببك!
- فريدة صح؟ تعرفي إن إسمك جميل اوي.. لأ واكيد إسم على مُسمى.
صمت لثواني ثم استطرد قوله:
- ذنبك إن ربنا بيحبك.. مهو الشيخ قالي بردو إن الله إذا أحب عبداً ابتلاه و زي ما البلاء مغفرة للذنب ساعات بيكون رفعة للشأن.. أتمنى ربنا يرفع شأني بالتوبة وصلاح الحال وليكي كمان..
ردت:
- سبحان الله مايجيش من واحد شبهك كلام زي ده أصلا.. وبعدين إنت جاي تقولي كلمتين لسة حافظهم و ولا هتعدل من نفسك ولا نيلة، هوا يومين بس تفوق من صدمة الموقف وهترجع ريمة لعادتها القديمة.. إنت مشوفتش نفسك كنت سايق زي المجنون ازاي ومش شايف حد قدامك!
اجاب في غضب:
- وانتي ماشوفتيش نفسك كنتي ماشية باصة في الموبايل ازاي ولا كإنك على طريق عربيات! لا وبتعيطي كمان.. تلاقيكي كنتي عايزة تنتحري ومعرفتيش، مهو بصراحة كدة واحدة زيك متستحملش تعيش بشخصيتها دي يوم كمان.. عمال أكلمك وأقنع فيكي واخليكي تهدي عن غضبك ومش مدياني فرصة أتكلم من الأساس، إنتي إيه يابت إنتي محدش مالي عينك ولا إيه؟
أجابت في غضب وعناد:
- ولا.. أقسم بالله أرجعك السجن تاني، هبلغ عنك وأقولهم كان قاصد يخبطني وكان بيعاكسني ولما حاولت أجري منه جري ورايا بالعربية وخبطني بالقصد والترصد!
أجاب في هدوء وهو يضحك:
- ياساتر عليكي أنا بهزر معاكي، ولا تزعلي نفسك، أنا هقوم أمشي من وشك خالص..
هم ليغادر استوقفته قائلة:
- إستنى..
أجاب في حماس:
- إيه غيرتي رأيك ورجعتي لعقلك؟
أجابت
- خد شوية الجرجير اللي انت جايبه معاك ده ويستحسن مشوفش وشك تاني هنا..
تنحنح في حرج فقال:
- الله يكسفك.. حد يقول على ورد بالجمال ده كله وغالي بالشكل ده جرجير! دا أنا مني لله إني وقعت في طريقك ياشيخه..
تساءلت بنبرة تهديد:
- بتقول حاجه؟
- لا ياستي مبقولش.. أما الورد ده إبقي إعمليه سلطة ياأنسة جرجير.. سلام.
وقف ليفتح الباب اصطدم بـ سماح وخلفها بدرية.
- إنت هنا بتعمل إيه
- لأ مافيش كنت حابب أشكر أنسة فريدة على إنها كانت سبب في إخلاء سبيلي وأتطمن عليها بالمرة..
ثم نظر إليها فقال:
- بس واضح إنها بخير جداً ماشاء الله.
تعجبت بدرية فضحكت خلسةً فقالت في نفسها:
- " يبقى اكيد فريدة عملت معاه الواجب وزيادة"
فقالت سماح:
- آه، الحمدلله على كل حال.
فاستأذن وغادر على وعد بالعودة مرة أخرى.
رواية زهرة الفصل الثاني عشر 12 - بقلم ندي أشرف
خرج المنشاوي بصحبة ابنه إلى السيارة وهو في قمة حزنه وأسفه على الحالة التي وجد عليها ابنه بعد كل تلك السنين من السعي وراء جعله شابًا صالحًا بعيدًا عن سلوك الشباب السيئ.
تقدم سليم من السيارة، لاحظ وجود زهرة في الكرسي الأمامي، استقبلته بلهفة تحاول الاطمئنان عليه، فجلس بالكرسي الخلفي دون أن يتفوه بكلمة، حتى أنه لم يجب على أي من تساؤلاتها، معتبرًا إياها سبب كل ما هو فيه من حزن وكسرة قلب.
هبطت من مكانها وعادت للخلف بجانبه، بقى على ثباته ولم يعرها أي اهتمام. جلس بالكرسي الخلفي، فهبطت لتطمئن عليه وجلست بجانبه. بدأ المنشاوي في إدارة محرك السيارة مغادرًا ذلك المكان.
تحدثت زهرة في خفوت:
- سليم.. طمني عليك، إنت كويس؟
أجاب في جمود:
- أنا كويس.
حدثته معاتبة إياه في ضيق:
- ينفع الخضة اللي خضتها لنا دي؟ بتعمل في نفسك كده ليه؟
نظر لها بطرف عينيه في صمت، ثم أعاد النظر بعيدًا عنها، لتفهم من تلك النظرة ما تريد ولا يهتم. شعرت بالضيق فقالت:
- عمومًا، المهم إني اطمنت عليك، ولينا كلام تاني بعدين.
أجاب:
- على فكرة ما كانش له لازمة تيجي وتتعبي نفسك، الحكاية مش مستاهلة يعني.
شعرت زهرة بالحرج فقالت:
- فعلاً إنت معاك حق.. ما كانش لازم آجي.
أسند سليم رأسه في تعب ولم ينطق، كان يبدو عليه التعب الشديد.
تساءل المنشاوي:
- سليم إنت كويس؟ أطلع على المستشفى؟
- كويس، كويس، وديني على البيت، أنا محتاج أرتاح.
وفجأة ارتعد جسده وارتفعت حرارته، شعرت به زهرة، فوضعت يدها على جبهته في تلقائية تتحسس درجة حرارته لما بدا عليه من إعياء، فوجدت أن حرارته مرتفعة بشدة. فقالت في ذعر:
- سليم سخن جامد يا منشاوي بيه، درجة حرارته عالية أوي!
هتف المنشاوي في قلق:
- خلاص أنا هطلع على المستشفى.
هتف سليم في ضيق:
- مش عايز أروح المستشفى، قولت لكم أنا كويس.
رد المنشاوي:
- خلاص، هاخدك على بيت زهرة ونكلم دكتور خالد يحصلنا على هناك يكشف عليك. بدرية لو شافتك كده مش هتبطل أسئلة وأنا مش عايز حد يعرف باللي حصل.
أطرق سليم رأسه في حزن وتعب.
كذلك زهرة التي شعرت بالذنب وخانتها دموعها، فمسحت بها. وفجأة سحب سليم يدها وأحكم قبضته عليها بقوة. نظرت له في دهشة وهو يحدق بها كأن يقول لها: "لا تتركيني، بدونك ينتهي معنى الحياة ولذتها، تمسكي بي كأنني طوق نجاتك من شرور الدنيا، وأنتِ مؤنسي في الحياة وطوق نجاتي، أنا أحتاجك كما تحتاجين إليّ، فلا تتجاهلي نبضة قلب تناديكي وترى فيكِ السكن والسكينة."
شعرت بالدماء تسري في جسدها واحمرت وجنتاها، فسحبت يدها بهدوء وأخفضت بصرها في حرج، تتمنى لو كان بإمكانها احتوائه وتعويضه عما حدث وإخباره بأنها تبادله الشعور نفسه، لكنها النصيب!
أما المنشاوي فقد أجرى اتصالاً بالطبيب خالد وطلب منه ملاحقتهم إلى المنزل، كما أوضح له حالة الإعياء لدى سليم ليحضر معه العلاج المناسب. دقائق وتوقفت السيارة عند منزل سنية. أسند المنشاوي سليم حتى وصل به إلى داخل المنزل. استقبلتهم سنية وهي تتساءل ألف سؤال وسؤال، فأخبروها بسوء حالة سليم الصحية وأنه الطبيب خالد على وصول ليفحصه.
لم يستطع سليم الجلوس، فكان يود أن يستلقي على الفراش، فكانت حالة الإعياء به تتزايد أكثر فأكثر ويرتعش جسده. استضافته زهرة على فراشها حتى مجيء الطبيب. كذلك أسنده المنشاوي وألقى به على الفراش، فاستلقى في تعب وهو يتوهج حرارة.
ذهبت زهرة وعادت تحمل بين يديها ماءً فاترًا لتضع له الكمادات على جبهته حتى تنخفض حرارته. كان مغمض العينين يتألم في صمت، وهي تتأمل ملامحه في حب وحنان وتتمنى له السلامة كي يطمئن قلبها ويزول الحزن على حالته تلك التي تسببت فيها هي. كانت أول مرة تراه فيها بهذا القرب وتتحقق من ملامحه. كان خمري البشرة، لحيته خفيفة، متوسط القوام وعالي القامة. عيناه بنيتان ورموشه كثيفة. كانت شفتاه حمراء من أثر ارتفاع درجة حرارته وكذلك وجنتاه.
بدأت الحرارة تؤثر عليه وينطق بكلمات هلوسة غير مفهومة. حاولت زهرة استيعاب الأمر والسيطرة عليه، فما كانت تفهم من جملة كاملة سوى كلمة "زهرة"، فترد في عفوية:
- أنا جنبك يا سليم.
حتى غط في ثبات عميق.
ذهبت سنية لتعد الطعام من أجل سليم. وحضر الطبيب خالد معتذرًا وأخبرهم بما لديه من مشاغل وضغوط في العمل مما تسببت في تأخيره. ثم توجه إلى سليم وقام بفحصه وقياس درجة حرارته، ولاحظ انخفاض ضغطه، كما كان يشكو من آلام في رأسه ودوار. كتب له روشتة بالأدوية اللازمة وأخبرهم بأنه سوف يتحسن سريعًا بعد أخذ الدواء والطعام بعناية، وحذرهم إذا استمرت حرارته مرتفعة بضرورة ذهابه إلى المستشفى.
أنصت المنشاوي إلى تعليماته تلك، ثم صاحبه في الطريق ليقوم بشراء الدواء. لكن سليم حاول النهوض بصعوبة قائلاً في ضجر:
- فين بابا؟ أنا محتاج أروح، أنا بقيت كويس!
دلف سنية تحمل بين يديها حساء الخضار مع اللحم قائلة:
- مش هتمشي قبل ما تشرب الشوربة دي كلها.
أجاب:
- أنا مش هقدر، معلش خليني أروح البيت لو سمحتِ اندهيلي بابا.
هتفت سنية في حزن:
- يعني هتضيع تعبي على الفاضي؟ ينفع أعملك حاجة مخصوص وترفضها؟
توجهت زهرة صوب والدتها، سحبت منها الطعام قائلة:
- خلاص يا ماما، هو هياكل ومش هيكسر بخاطرك، وكمان عشان يقدر ياخد العلاج.
سمعت صوت طرقات على الباب، فعلمت أنه المنشاوي عاد، فتركت الطعام جانبًا وذهبت لتفتح الباب.
تنهد سليم فقال:
- أنا مقصدش والله، بس أنا مش حابب أتعبكم معايا وأنا هبقى كويس.
سنية:
- لا تعب ولا حاجة، ده إنت زي زهرة بالظبط ويهمني سلامتك يا ابني، وبعدين ما يجيش حاجة من جمايلكم علينا.
دلف المنشاوي بعدما تنحنح كنوع من الاستئذان، وخلفه زهرة فقال:
- ما فيش حاجة اسمها جمايل يا أم زهرة، إحنا أهل، وبعدين لولا إني مش عايز بدرية تعرف باللي حصل أو تتخض عليه، كنت روحت بيه البيت وكلمت خالد. أصلك متعرفيش سليم ده عندها إيه، وحيدها ولو حست بحاجة فيه بتنهار وأنا مش حمل اتنين مرة واحدة.
أجابت:
- ربنا ما يجيب حاجة وحشة أبدًا يا رب، ويشفيك يا سليم.
وضع المنشاوي الأدوية جانبًا فقال:
- كل الأول وبعدين خد العلاج، وأنا قاعد برا لحد ما تفوق شوية ونمشي.
أومأ سليم في هدوء، فقدمت له زهرة الطعام قائلة:
- اتفضل بالهناء والشفاء.
ثم غادرت الغرفة خلف المنشاوي وسنية. أعدت لهم الشاي، كما طلب المنشاوي قهوة، فهو يحب طريقتها في إعدادها. وبعدما انتهت، دلفت غرفتها لتطمئن على سليم وتساعده في أخذ علاجه. وحينما شعر بها، توقف عن الطعام وسحب منديلًا مرره على فمه ثم قال:
- الحمد لله.
قدمت له الدواء، فأخذه منها وهمت لتغادر. استوقفها قائلاً:
- زهرة استني.
أجابت بهدوء:
- نعم.
- اقعدي، عايز أتكلم معاكي.
وضعت الكرسي بجانب السرير وجلست، فقالت في حرج:
- مش كنت تكمل أكلك؟
أجاب:
- سيبك من الأكل دلوقتي، وبهدوء كده فهميني.. ليه غيرتي رأيك مع إنك كنتي فرحانة وموافقة؟ وبصراحة يا زهرة، ها بصراحة!
تنهدت فأجابت:
- بصراحة أنا عندي أسباب كتيرة، يعني مثلاً اللي حصل من فريدة في المستشفى وبعدين اختفت، أنا حسيت بالذنب وحسيت إن وجودي هيدمر عيلة ما كانش لازم أتدخل بينهم وأكون سبب في مشاكل كتيرة. محبتش أكون أنانية وأبني سعادتي على تعاسة غيري، قولت خليني أركز في مستقبلي وأسيب كل حاجة تمشي زي ما كانت. دا غير إن زي ما قولت لك، فكرت في فرق المستوى بيني وبينك وإن رأي باباك ومامتك مش هيكون على هوانا.
صمتت زهرة تنتظر منه ردًا، فقال:
- وإنتي مين اشتكالك! إيه اللي سعادتي وتعاسة غيري والكلام الفاضي ده؟ أنا فريدة عمري ما بصيت لها غير على إنها أختي، وأي حاجة تانية تبقى في خيالها هي وبس! إنتي كده بتتعسيني أنا، أنا اللي بحبك ومستعد أواجه الدنيا عشانك بس لوحدي مش هقدر، مش هينفع. إنتي لو مش عايزاني مش هجبرك، بس أنا اللي مجنني إنك كنتي موافقة.
- بس أنا فعلاً خايفة من المواجهة دي.. خايفة من مواجهة مامتك وباباك وفريدة، حتى خالتك، مش عايزة حد يبص لي بصة وحشة ويفكر فيا بشكل سلبي ولا يقولوا طمعانة فيك و...
اعتلت نبرة صوته في نفاذ صبر قائلاً:
- لو كنتي بتحبيني مش هيفرق معاكي الكلام اللي بتقوليه ده يا زهرة! بس إنتي مش بتحبيني.
أجابت بانفعال هي الأخرى:
- أنا بحبك بس صدقني مش هقدر، هوا إنت دخلت جوه قلبي عشان تقرر بحبك أو لأ!
صمت لثوانٍ وهو يحدق في وجهها وعينيها.. ثم قال في دهشة:
- إنتي إيه؟
أجابت في حرج:
- أنا إيه.. اللي سمعته.. وبعدين إنت بتبص لي كده ليه!
شعرت بالحرج والخجل الشديد، لم تستطع تحمل نظراته، فقامت لتغادر هاربة. فجذبها من يدها بقوة ليمنعها من الذهاب، فهو لم ينتهِ من حديثه. كانت أضعف من أن يجذبها من يدها بتلك الطريقة، فسقطت بين أحضانه وامسك بها بقوة حتى لا تسقط، فشعر كل منهما بالكهرباء تسري في جسديهما. فنهضت سريعًا وانتفضت في خوف حينما دلفت سنية قائلة:
- إيه يا ولاد، طمنوني.. عامل إيه دلوقتي يا سليم؟
تنحنح ثم أجاب:
- لأ أنا بخير الحمد لله.. بقيت كويس، تسلم إيدك على الأكل.
- تسلم يا حبيبي من كل شر وربنا يتم شفاك على خير، مش عايز أي حاجة أعملها لك؟
أجاب:
- متشكر، تعبتك معايا.
ابتسمت في حنان قائلة:
- تعبك راحة.
غادرت سنية الغرفة. ونظرت زهرة في غضب، ثم لكمته بضربة قوية على كتفه في غيظ قائلة:
- إيه اللي إنت عملته ده.. تخيل لو كانت شافتنا على الوضع ده كانت فهمت إيه!
ضحك سليم فقال:
- صدقيني مكنتش أقصد، وبعدين إنتي بترمي نفسك في حضني كده ليه؟ أنا مكنتش أقصد أشدك أوي كده.. وبعدين زمانها عرفت بخدودك الحمرا دي.. كل ده كسوف؟
شعرت زهرة بالغيظ فقالت في حزم:
- والله؟ يعني بقيت أنا اللي برمي نفسي في حضنك.. تمام.. ولما أروح بقى لباباك أقوله على اللي عملته ده؟
ضحك سليم بصوت عالٍ وغمز لها قائلاً:
- لو تقدري تحكيله اللي حصل ده.. روحي قوليله.
اتسعت حدقتا عينيها وهي تنظر له وتسمع لما يقول:
- تصدق إنت معندكش دم!
ضحك سليم بصوت عالٍ، فدلف المنشاوي قائلاً:
- يا سلام عالضحك يا سلام.. اللي يشوفك قبل ما تيجي ما يقولش إن دي حالتك دلوقتي.. بقى كل ده عشان زهرة؟
انصدمت زهرة وعبرت ملامحها عن الصدمة والحرج، كذلك سليم الذي بدا عليه نفس رد الفعل. فاستطرد المنشاوي قوله:
- إنت فاكرني نايم على وداني؟ ما أنا عارف سبب كل اللي إنت فيه إيه.. بتحبها أوي كده!
نظر إلى زهرة قائلاً:
- لا وهيا تستاهل برضه إنها تتحب بالشكل ده.
هتف سليم قائلاً:
- طيب كفاية بقى لحسن زهرة وارك هتموت من الكسوف.
ضحك المنشاوي فقال:
- طيب ياسيدي.. يلا خلينا نمشي وعايزين نجيب بدرية من المستشفى.
دلف سنية فتسائلت:
- خير، مدام بدرية في المستشفى ليه؟
أجاب:
- آه أنا مقلتلكوش، دي فريدة عملت حادثة ومحجوزة في المستشفى.
سنية:
- لا حول ولا قوة إلا بالله، طب وهيا عاملة إيه دلوقتي؟
أجاب:
- والله حالها ما يسير لا عدو ولا حبيب.. جالها إصابة في العمود الفقري وممكن ما تمشيش على رجليها تاني وموالها موال.. يلا خير إن شاء الله.
حزنت زهرة وكذلك سنية فقالت:
- الله يقومها بالسلامة يا رب ويعافيها.
استعد سليم للذهاب وخرج المنشاوي ينتظره بالخارج. أوصلته زهرة إلى الباب. وقبل خروجه من باب المنزل قال لها بصوت خافت:
- سريرك مريح جدًا على فكرة.. ويابخته بيكي.
لكمته على كتفه قائلة:
- إحترم نفسك.
فقال بصوت خافت:
- طب هتوحشيني.
شعرت بالخجل فقالت:
- يلا يا سليم، يلا يا بابا توصل بالسلامة.
اعتبر سليم أن كل ما حدث معه كان كابوسًا وأنه الآن أصبح في واقع جميل لا يريد أن ينتهي. أما زهرة كانت مصدومة من جرأة سليم معها، لكنها كانت سعيدة جدًا كلما تذكرت حركاته وكلماته ومواقفهم، ابتسمت بفرحة. كانت شاردة الذهن في كل ما حدث بالتفصيل.
نظرت لها سنية فقالت:
- يا نهار أبيض! إيه يا زهرة اللي واخد عقلك؟ إنتي اتجننتي؟ بتضحكي مع نفسك كده ليه!
انتبهت على صوتها فقالت:
- هاه.. إيه يا ماما؟ إنتي كنتي بتقولي حاجة؟
ضحكت سنية قائلة:
- ولا أي حاجة.. إنتي مش في الدنيا خالص، يلا ربنا يعوض عليا عوض الصابرين.
في المستشفى
جلست سماح بالقرب من بدرية قائلة:
- تفتكري فريدة هترجع زي الأول؟ أنا قلبي مش متطمن للي اسمه شربيني ده بصراحة.
أجابت بدرية في حزن:
- والله أنا ما عارفة إيه هيحصل بالظبط، بس هو كتب لك شيك على بياض، يبقى أكيد كلامه صح.
ردت في ضيق وهي تبكي:
- إنتي عارفة يا بدرية أنا خلفت فريدة دي بعد كام سنة جواز وشفت المر عشانها، وباباها مات وهي لسه في اللفة، وأنا كرّست حياتي ليها وكان أملي إني أجوزها لسليم، وإنتي عارفة كده.
- والله يا سماح ما حد بياخد غير نصيبه، ولو ليهم نصيب في بعض محدش هيقدر يمنعه، بس مافيش قلب بينجبر على قلب.. بالذات في الجواز.
ثم أكملت بتوتر:
- أنا كان في موضوع كده كنت عايزة أقولك عليه.
- احكيلي، خير يا بدرية.
- من يومين كده كنت بتكلم مع منشاوي في موضوع زهرة وسليم.
- آه، وبعدين..
- في وسط الكلام لقيت منشاوي بيقول لي إن زهرة غنية ويمكن وضعها أحسن مننا كمان.
أجابت بتعجب:
- غنية!! ده لا شكلها ولا منظرها يوحي بكده، إزاي غنية بقى؟
- ماهو ده اللي أنا بقوله، ده أبوها كان شغال معاه في الشركة وظروفهم وحشة.. كمان قبل كده قالي عنها أنا ما أرميش لحمي، وبعدها حكالي قصة كده والله ما داخلة دماغي، بس الموضوع في إن..
- طب متحاولي تفهمي منه إيه الحكاية أو من أم زهرة نفسها.
- أنا عمري ما اتعاملت معاها ومش هقدر أكلمها في موضوع صعب زي ده.
ثم أخفضت صوتها قائلة:
- طب اسكتي دلوقتي عشان المنشاوي جه ومعاه سليم، بعدين نشوف حل.
هتف المنشاوي قائلاً:
- السلام عليكم.
ردت كل من بدرية وسماح السلام، فقالت بدرية:
- عامل إيه يا سليم؟ وحشتني يا حبيبي، غاطس فين طول اليوم بعيد عن ماما كده.
قبّل سليم يدها قائلاً:
- معلش يا ماما، كان ضغط شغل بس.
- ولا يهمك يا حبيبي، بس مالك وشك شاحب كده؟ معلش أنا مقصرة معاكوا اليومين دول بس غصب عني.
رد المنشاوي في ضجر:
- جرى إيه يا بدرية؟ قلبتيها دراما ليه؟ ما كفاياكي أسئلة.
تنهدت قائلة:
- طيب طيب..
ثم سحبت سليم من يده قائلة:
- مش هتطمن على بنت خالتك؟ سألت عليك كتير النهاردة.
أجاب في تعب:
- حاضر.
أطرق الطبيب إيهاب على الباب ثم دلف قائلاً:
- السلام عليكم.
سماح:
- وعليكم السلام، خير يا دكتور؟
منشاوي:
- طمنا يا دكتور، في حاجة جديدة في حالة فريدة؟
أجاب:
- آه، أنا اتصل بي الدكتور المتابع لحالة فريدة من لندن وبلغني دلوقتي على ميعاد سفر فريدة لاتخاذ اللازم وتحديد ميعاد العملية.
سماح:
- بجد؟ طيب هو إمتى وعدد قد إيه ممكن يروح معاها؟
إيهاب:
- الحقيقة معنديش فكرة بالموضوع ده، لكن لو اتنين مثلاً بالكتير أوي تلاتة يبقى تمام. أما بقى معاد السفر ممكن من لحد آخر الأسبوع، لكن تأخير أكتر من كده مش هينفع.
المنشاوي:
- تمام، ألف شكر.
إيهاب:
- العفو، عن إذنكم.
تساءلت فريدة في خوف وعلى أمل أن يكون سليم معها في هذا السفر:
- طيب مين هيسافر معايا؟
دلف كريم في تلك اللحظة على خروج الطبيب، فأخبروه بما قال الطبيب.
كريم:
- فعلاً! يعني خلاص قررتوا السفر يوم الخميس؟ طيب مين هيروح معاها؟
منشاوي:
- للأسف أنا عندي شغل مهم جدًا الفترة دي وبعمل صفقة جديدة ماينفعش تضيع. حتى سليم كمان محتاجه جدًا، بس هندبرها.
كريم:
- خلاص أنا معاهم في السفرية دي، عشان التعاملات المالية كلها، فاعتبرني أنا مكانك ومتحملش هم الموضوع ده.
منشاوي:
- ولازم تكون معاها سماح وكذلك بدرية. وأنا لو قدرت أتصرف وأسافر أنا أو سليم مش هتروح إنت.
أجاب سليم بعدم اقتناع:
- طيب تمام.
شعرت فريدة بالضيق وكانت قلقة وخائفة ألا يكون معها سليم ويصاحبها في المشوار كريم بدلًا عنه، وهي لا تزال لا تطيقه وتكره وجوده.
هتف سليم بخفوت:
- مش يلا يا بابا نروح بقى؟ أنا تعبان ومش قادر أستنى أكتر من كده.
- حاضر حاضر يلا، أخبر بدرية بالأمر، وعادت معهم إلى الفيلا.
توجه كريم إلى فريدة وقال بصوت خافت:
- إزيك يا أنسة جرجير.
رمقته بنظرة غاضبة، لوّت شفتيها ولم تجب. فقال:
- يارب دائمًا.
وضع يده في جيب سترته وأخرج منها نوع غالي من الشوكولاتة وقدمها إليها قائلاً:
- بصي أنا جبتلك معايا إيه.
نظرت له في سعادة وأخذتها منه في دهشة قائلة:
- الله! دي النوع اللي بحبه.. ميرسي أوي بجد.
- أخيرًا شوفت ضحكتك؟
فتحتها والتقمت منها قطعة ثم نظرت له قائلة:
- مممم مش أوي يعني، الفكرة بس إني بعشق النوع ده.
جلس بجانبها قائلاً:
- آه وبتعشقي إيه كمان؟
- بحبـ.. إيه ده! إنت بتسأل ليه أصلاً؟ هوا عشان أخدت منك الشوكولاتة يبقى خلاص.. هتصاحبني ولا إيه؟
أسند كريم ظهره للخلف فقال:
- على أساس إنك تطولي أوي، ده نص بنات البلد بتجري ورايا.
أجابت وهي تنظر للشوكولاتة وتأكل منها في شغف:
- تلاقيك كنت حرامي شنط.
- آه دا إنتي دمك خفيف أوي وبتحلي.
واستطرد قوله في ثقة:
- إنتي مش مقدرة قيمة النعمة اللي في إيدك بس، ده أنا كنت بسهر في أماكن متحلميش تعدي من قدامها بس.. بنات إيه وجمال إيه.
ردت في سخرية:
- أمال راح فين الشيخ ياسيدنا الشيخ.. ده أنا كانت الدمعة هتفر من عيني وأنت بتكلمني امبارح، راح فين كل ده؟ اتبخر!
- ياستي لا اتبخر ولا حاجة، بقول كنت كنت.. بس تعرفي، رغم طولة لسانك ودمك التقيل ده أنا حاسس إن أكيد جواكي جانب حلو.. بس إنتي اللي بتحبي تبيني الجانب السيء منك بس.
رفعت بصرها إليه في صمت وتعجبت له، ثم تبدلت ملامحها للحزن. فقال:
- مالك مستغربة كده ليه؟
تنهدت قائلة:
- لا مافيش.. أصل أنا عمري ما حسيت إن في حد فاهمني أو شايف فيا حاجة كويسة، من زمان وأنا بتعرض للانتقاد بس بيني وبينك كنت بتمادى وبحاول أثبت لكل واحد أي حاجة وحشة قالها فيا.. كده كده مش هاممني حد وعايشة حياتي براحتي.
أجاب:
- لا واضح واضح.
- خليك في حالك.
- منا في حالي أمال هكون في حالك إنت؟ إنسانة لسانها أطول منها.. صحيح إنتي طولك كام؟
- طولي ١٥٦.
- وزعة أوي يا فريدة.. بقى الشبر ونص ده يعمل فينا كلنا كده.. بس تصدقي رغم كلامك ده لاحظت إن أهلك بيحبوكي وكانوا خايفين عليكي أوي.
- بجد؟ بيحبوني.. يمكن!
- شكراً يا فريدة.
أجابت:
- على إيه؟
رد في هدوء:
- على تفهمك لموقفي وإنك سمحتي إن يكون ليا فرصة تانية أصلح فيها غلطي بعد ما حسيت إن فعلاً مستقبلي اتدمر.
ردت في حنق:
- فرصة تانية مين يا دراما إنت، كل ما في الموضوع إن باباك كتب لي شيك على بياض وطلب مني أعمل كده، بالإضافة لإنُه هيتحمل تكاليف سفري والعملية بالكامل.
أجاب في تعجب:
- أصلاً؟
- آه أصلاً، أكيد مش عشان جمال عيونك الزرقاء دي خالص يعني ولا شكلك الحلو ده.. إنت أصلاً مش نوعي المفضل.
نظر لها وقال في حنق:
- تصدقي بالله؟ ياريتها كانت عدت على لسانك.
أجابت:
- هيا إيه؟
- العربية يا فريدة.. العربية وكانت خلصتنا من طولة اللسان دي.
أجابت في غضب:
- طب يلا قوم من وشي وقتك خلص، مع السلامة.
وقف وهم ليغادر قائلاً:
- أنا فعلاً ماشي، هوا أنا فاضيلك.. ده كان يوم أسود. سلام.
غادر، فضحكت ولم تهتم لما قال، ثم استلقت لتنام.
رواية زهرة الفصل الثالث عشر 13 - بقلم ندي أشرف
في صباح اليوم التالي خرجت فريدة من المستشفى عائدة إلى فيلا المنشاوي استعداداً للسفر.
هتفت بدرية بصوتٍ عالي:
عثمان.. تعالى عايزاك.. وجمع الخدامين كمان والشيف.
أجاب:
حاضر يا ست هانم دقيقة ويكونوا عندك..
عاد عثمان السائق بهم جميعاً. وقفوا أمامها فتسائل عثمان:
خير يا بدرية هانم، في حد مننا غلط في حاجه لا سمح الله؟
أجابت مبستمة:
لا لا كل واحد فيكم بيأدي واجبه على أكمل وجه، كتر ألف خيركم.. أنا بس كنت عايزة أعرفكم إن أنا وسماح أختي مسافرين بكرة وهنطول شوية في السفر.. عاوزاكم تخلوا بالكم من كل حاجه كإني موجودة بالظبط..
ثم وجهت بصرها إلى الطباخ والخادمه قائلة:
وانتوا عايزاكم تخلوا بالكم من المنشاوي وسليم، الأكل في معاده وانت عارف هما بيحبوا إيه يا شيف حسن.. وانتي يا أم أحمد عايزاكي تشوفي طلباتهم، دا أصلا لو قعدوا فالبيت.. هما بيرجعوا يتعشوا ويناموا وأحياناً بيجوا وقت الغداء ويرجعوا الشركة تاني..
أجابوا:
اللي حضرتك تؤمري بيه هيتنفذ إن شاء الله..
كذلك هتف عثمان:
ترجعوا بألف سلامة ان شاء الله يابدرية هانم..
أجابت:
الله يسلمك يا عثمان.. يلا كل واحد يرجع يكمل شغله.
ذهبت سماح إلى بدرية فقالت لها:
يلا يابدرية تعالي ساعديني في شنطة فريدة محتارة اخدلها ايه..
تقدمت منها بدريه قائلة:
حاضر حاضر جاية اهو.. أنا هقولك تاخدي إيه ولو في أي حاجه محتاجاها نخلي عم عثمان يجيبها.
٭٭٭٭
في بيت زهرة
عادت سنية تشعر بالتعب يتزايد عليها ووقفت ممسكة بأحد جانبيها في تعب وإرهاق شديدين.
هتفت زهرة في توتر:
مالك ياماما.. إنتي كويسة؟
أجابت سنيه في تعب:
مفيش يابنتي أنا كويسة..
هتفت زهرة:
لا انتي مش كويسة.. أنا حساكي مش طبيعيه، تحبي أكلم دكتور خالد؟
ردت في تعب:
لا يابنتي مش مستاهلة والله..
تقدمت منها وامسكتها من ذراعها برفق تتبعها إلى غرفتها قائلة:
طب تعالي أدخلك أوضتك تستريحي شوية..
أجابت:
ربنا يريح قلبك يابنتي..
ساعدتها على الاستلقاء ثم خرجت قائلة:
لحظه ياماما وهجيلك..
أرادت زهرة أن تتحدث مع دكتور خالد ومعرفة الموعد القادم لجلسة الغسيل الكلوي. حاولت الاتصال به ولكن كان هاتفه مغلق. حاولت اكثر من مرة ولكن بدون جدوى فـ قررت أن تلجأ إلى سليم.
اتصلت به فأجاب:
زهرة بنفسها بتتصل عليا، لا مش معقول..
- سليم إنت فاضي دلوقتي؟
شعر بأنه هناك شيئاً ما فتسائل:
ولو مش فاضي أفضالك، خير في حاجه ولا إيه! طنط سنية بخير؟
- لا شكلها تعبانة وبكلم دكتور خالد مش بيرد عليا، ينفع تروحله وتجيبه وتيجي؟
- الف سلامة عليها دي كانت زي الفل امبارح.. حصلها إيه؟
- والله ماعارفة فجأة تعبت، وشها شاحب كدة ومش قادره تاكل خالص وكمان ماسكه جنبها بتتألم وانا مش متطمنه خالص ياسليم خايفة تدخل في غيبوبة تاني.
- خلاص أنا هجيبه وآجي.. سلام.
٭٭٭٭
في فيلا الشربيني
عاد كريم من الخارج يحمل بين يديه حقيبة تحوي بداخلها أشياء للسفر. ألقى السلام على والدته ودلف إلى غرفته فوراً، كان يبدو عليه التعب ومشاعر مختلطة غير مفهوم منها بما يشعر به. دلفت خلفه والدته تتسائل:
مساء الخير ياحبيبي مالك.. شكلك كدة مش مطمني..
- مساء النور يا ماما تعالي..
جلست هي على الكرسي بينما يبحث هو بين أشيائه ويستخرج حقيبة سفره.
أجاب:
والله يا ماما أنا ما عارف أقولك إيه.. أنا بإيدي هدمت حياة بنت في عز شبابها والله أعلم هتقوم تاني على رجليها ولا لأ.. مسافرين عشان تعمل العملية وخايف أوي متنجحش..
أجابت في أسى:
لا حول ولا قوة إلا بالله.. هيا الخبطة كانت قوية أوي كدة!
أجاب في تعجب:
دي الخبطة كانت عنيفة لدرجة إنها اتشالت من على الأرض ورجعت اترمت عليها تاني.. متتصوريش يا ماما منظرها مش بيغيب عن بالي وتعبان أوي كل ما بفكر بس فالموضوع.. فريدة إنسانة جميلة ومكانتش تستاهل اللي حصلها ده.. هيا اه لسانها طويل بس هيا طيبة، عموماً هما مسافرين الصبح وانا رايح معاهم.
ردت عبير في تفهم لمشاعر أبنها المختلطة:
حبيبي انت مكنتش تقصد إن ده يحصل، إرادة ربنا فوق كل شيء وآديك بتعمل اللي عليك فمتحملش نفسك فوق طاقتها وسيب الباقي على الله..
أجاب في ضيق:
لا طبعا مكنتش أقصد بس بردو أنا غلطان كنت ماشي بسرعه أوي ومش حاسس بنفسي، محستش بغلطي غير بعد فوات الأوان..
تنهدت فأجابت:
عموماً هيا مقدرلها إن ده يحصل وإنت مجرد سبب سواء انت أو غيرك كان هيحصلها كدة، كل حاجه بتحصل بتكون ليها حكمه.. ودا يعلمك الانضباط بعد كدة والحمد لله إنها جت معاك سليمة.
تنـهد قائلاً:
الحمد لله على كل حال ويارب كل ده يعدي على خير.
ثم استطرد قوله:
أمال هو بابا فين؟
- عنده شغل وقال هيتأخر شويه، تحب أحضرلك العشا؟
- لا أنا هستناه عشان عايزه في موضوع..
وأدهم وساره فين؟
- أختك في أوضتها بتذاكر وأدهم مع باباك فالشركه هيرجعوا مع بعض..
أومأ لها في صمت قائلاً:
محدش هيوحشني قد المفعوصة الصغيرة دي..
همت لتغادر الغرفة قائلة:
بكرة ترجع بالسلامة وتزهق منها وتزهقها منك.
ثم أغلقت الباب خلفها.
٭٭٭٭
في بيت زهرة
وصل سليم بصحبة الطبيب خالد، ألقى السلام ثم دلف وتسائل خالد عن مكان سنية.
ردت زهرة في توتر:
وعليكم السلام اتفضلوا.. اتفضل يا استاذ خالد ماما في الأوضة..
تقدم خالد بالخطوات بينما سألت زهرة سليم في عتاب:
ايه ياسليم اتأخرت كده ليه ماما بتتألم جامد جوا ومكنتش عارفة اعملها أي حاجه تهون عليها..
سليم:
انا اسف والله دي مسافة السكة وكنت عندك..
- طب تعالى نشوف هيقول إيه ربنا يستر.
طرق خالد على الباب و عندما جاءه الصوت من الداخل فتح الباب قائلاً:
ازيك يا مدام سنية، ما انتي زي الورد أهو أمال في إيه بقى..
أجابت سنيه في تعب:
الحمد لله على كل حال.. جنبي هيموتني ألم شديد غير كل مرة.
قام الطبيب بفحصها فقال:
مغص كلوي شديد كتبتلك على مسكن قوي لازم تمنعي المية العادية وتشربيها معدنية زي ما سبق وقولتلك وكتبتلك على علاج بديل وبكرة جلسة الغسيل الكلوي، بلاش توهمي نفسك بحاجه بسيطة وهتبقي زي الفل.
تنهـدت في تعب فقالت:
اللي فيه الخير يقدمه ربنا..
خرج دكتور خالد وخرجت خلفه زهرة تتسائل بصوت يملؤه التوتر والخوف:
ايه يا دكتور خالد طمني.. أنا خايفة تجيلها غيبوبة تاني هيا حالتها صعبة اوي كدة؟
- ان شاء الله مش هيحصل انا مش عايز ازود قلقك بس الكلى لما بتوصل للمرحلة دي بيبقى التعب الناتج عنها صعب التحمل وبيوصل للغيبوبة وربنا يبارك في عمرها وصحتها.
وضع يده في حقيبته وأخرج منها قائمة بالأكلات الممنوعة والأكلات المفيدة وكذلك روشتة العلاج.
ثم نظر في ساعة يده قائلاً:
أنا يا دوب أمشي ولو حصل أي حاجه عرفيني.
٭٭
في تلك الأثناء وحينما خرجت زهرة من غرفة والدتها تحدث سليم قائلاً:
ألف سلامة على حضرتك، إن شاء الله هتبقي بخير..
نظرت سنية له قائلة في خوف:
بصراحة أنا حاسة إني خلاص أيامي معدودة في الدنيا..
هتف سليم في هدوء:
لا اله الا الله.. بتقولي كدا ليه بس يا ماما سنية..
مسحت الدموع عن وجنتيها ثم قالت:
محمد رسول الله.. هيا زهرة اللي واجعة قلبي ونفسي أتطمن عليها قبل ما أموت.
دلفت زهرة وجلست بالقرب من والدتها وقبلت يدها في حنان وهي تتمنى لها السلامة. اخذ سليم منها روشتة العلاج وذهب لإحضاره بينما جلست زهرة بجانب والدتها فهتفت سنية قائلة:
سمعت إن فريدة مسافرة بكرة تعمل العملية..
- الله يسهلها..
- شكلك لسة شايلة منها..
- بصراحة اه.. هيا كسرت بخاطري واتعدت عليا بالضرب وبوظت فرحتي بيكي وبطلب سليم الزواج مني.. دا غير معاملتها ليا وأنا عندهم في الفيلا ومكنش في منها أي مراعاة لظروفي، أنا مش شمتانة فيها والله ربنا يعلم بس ربنا جابلي حقي.
أجابت سنية:
طيب أنا عايزاكي ترمي كل ده ورا ضهرك وتزوريها وكمان بالمرة هاتي حاجتك اللي في الفيلا عندهم من وقت ما كنتي قاعدة معاهم..
نطقت قسمات وجه زهرة بالاشمئزاز والضيق فقالت سنية:
ياحبيبتي انتوا هتبقوا أهل ان شاء الله، بلاش يبقى بينكم عداوة، طيبي خاطرها وحسسيها إن قلبك عليها وانك مش بتكرهيها ومسامحاها..
- بس أنا جوايا زعل منها ومش قادرة أصفالها، غصب عني.
- معقولة يا زهرة! دا مافيش أحن من قلبك أنا ربيتك على التسامح يابنتي.. انتي ماتعرفيش إن الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس ربنا بيستر ذنوبهم ويتجاوز عنها وليهم فالآخره جنات تجري من تحت قصورها الأنهار.. بلاش ياحبيبتي تشيلي في قلبك من حد مهما حصل وإعتبري نفسك دايماً بتعاملي ربنا مش الناس لإن الخير اللي بتعمليه لله ثوابك فيه محفوظ، إن الله لا يُضيع أجر المحسنين إنما اللي بتعمليه للناس بيروح ويمكن ينكروا فضلك فيه كمان..
- حاضر يا ماما أنا هعمل زي ما قولتي بس لو أحرجتني أنا هزعل منك أوي..
عاد سليم وذهبت زهرة لتفتح له الباب فقدم إليها الأدوية وكاد أن يذهب فطلبت منه زهرة ان يصطحبها لزيارة فريدة فتعجب قائلاً:
فعلاً ؟ بعد اللي حصل منها!
- ماما ياسيدي فضلت مصممة وتقنعني ازورها وانا هعمل بكلامها وربنا يستر من مقابلتها ليا.
- طيب أنا هستناكي هنا إجهزي وتعالي..
ذهبت وارتدت ملابس تناسب ذهابها لزيارة مريضة ووضعت ميكاب رقيق يكاد لا يُلاحَظ مما زاد من جمالها كما لو أنها لم تضع شيئاً على وجهها من مساحيق التجميل. ذهبت بيديها تجاه إحدى البرفانات الخاصة بها ثم أعادتها فارغه لأنها تذكرت حديث الرسول " صلى الله عليه وسلم حينما قال: أيُما إمرأه تعطرت فمرت على قوم ليجدوا من ريحها فهي زانية ". ثم خرجت لسليم تخبره بأنها أنتهت.
تعجب قائلاً:
معقول بالسرعة دي؟ امال ليه بيقولوا البنات بتاخد وقت كتير فاللبس دنا كنت بفكر أريح شوية..
ضحكت زهره وقالت:
لا لا انا مش باخد وقت كتير.. هما بيتأخروا بسبب تفاصيل الميكب الكتيرة دي انما انا ماليش طولة بال ليها..
نظر لها نظرة إعجاب قائلاً:
لا ما انتي زي القمر من غير حاجه..
شعرت زهرة بالخجل مما إنعكس على وجنتاها بالإحمرار فقالت:
لا متبصليش كدة أنا بتكسف على فكرة..
ثم دلفت غرفة سنية قبلت يدها ثم قالت:
مش هتأخر عليكي هيا نص ساعه بالظبط وتلاقيني قدامك.. ثم قبلت يدها وغادرت.
ذهبت بصُحبة سليم وقبل أن تصل إلى السيارة هتف سليم قائلاً:
بقولك إيه انتي مش خطيبتي؟
اجابت في تعجب:
يعني يعتبر خطيبي..
فقال:
طب هاتي إيدك..
- ليه؟
- كدة.. حابب نمشي جنب بعض وانا ماسك إيدك، فيها إيه دي!
ردت في قلق:
لا فيها كتير.. وياريت تشيل الأفكار دي من دماغك ليه بقى قولي ليه..
اجاب:
ليه يا ست زهرة هانم
- لإن الرسول صلى الله عليه وسلم قال:" لأن يُطعن في رأس أحدكم بمخيط من حديد خير له من أن يمس امرأة لا تحل له" وأنا مش حلالك يا سليم وعلى فكرة امبارح لما مسكت إيدي والموقف اللي حصل بينا دي حاجات أتمنى إنها ماتتكررش، عشان ربنا يباركلنا في العلاقة دي ويجعلني زوجة صالحة ليك ويرزقنا ذرية صالحة..
ابتسم لها في سعادة قائلاً:
ماشي ياستي حقك عليا ولا تزعلي نفسك خالص.. بس لما تبقي حلالي أنا مش هسيب إيدك من إيدي أبداً...
وبعد مرور بضع دقائق توقف سليم أمام باب الفيلا. هبطت زهرة من السيارة وتوجهت مباشرةً صوب باب الفيلا وخلفها سليم.
فتح سليم الباب ثم دلف أولاً وخلفه زهرة. قابلتهم سماح بنظرة مليئة بالحقد وتعجبت، تتسائل بداخلها عن سبب مجيئ زهرة بصُحبة سليم بمفردهما فنطق سليم في حرج:
زهرة أصرت تيجي تطمن على فريدة بنفسها ياخالتو فـ عرفيها بعد إذنك إن احنا برا وعايزين ندخلها..
ذهبت سماح وعادت بعد بضع ثواني اخبرت زهرة بالدخول وكان خلفها سليم فاستوقفته قائلة:
لا خليك إنت وسيبهم بنات مع بعض، عايز تدخل مع زهرة عند فريدة وتجلطها بزيادة ما كفاية اللي هيا فيه..
تسائل سليم متعجباً:
نعم؟ أنا مش فاهم حاجه، أزاي نجلطها وهيا جاية تطمن عليها يعني.. عموما ماشي خلاص خليهم على راحتهم.
أما زهرة فدلفت في خوف، توجهت إليها وألقت السلام عليها ثم قالت:
الف سلامة عليكي يا فريدة.. أنا سمعت باللي حصلك وزعلت عشانك جداً بس إن شاء الله هتبقي كويسة والله وهتقفي على رجليكي تاني..
ردت في جمود:
جاية تشمتي فيا صح؟
جال بخاطر زهرة أن هذا ما كانت تخشى حدوثة فأجابت في ثبات:
مهما حصل أنا عمري ما أتمنى الأذية لحد ولا أفرح بأذية حد، أنا اه كنت واخدة على خاطري منك بسبب اللي حصل بس دا مايمنعش إني مكنتش أتمنى أبداً إن يحصلك كدة.. وبتمنى ليكي الشفاء من كل قلبي.
- فعلاً ؟! طيب ياستي شكراً..بس مكنتيش تعبتي نفسك وجيتي لحد هنا، يلا مش مهم..
وعلى كدة بقى جيتي لواحدك ولا سليم اللي جابك؟
- لأ انا جيت مع سليم بس مش عارفة هوا مدخلش معايا ليه.
اشتعلت نيران الغيرة في قلب فريدة فتسائلت من جديد في حنق:
لواحدكوا؟ جاية لواحدك معاه!
أجابت زهرة بنفاذ صبر:
أيوة يا فريدة لواحدي، وسايبة ماما تعبانة في البيت لواحدها..
أجابت فريدة:
ليه ما كنتي خليتي انكل المنشاوي يقعد معاها يونسها، وتبقى البنت للولد والستـ..
هبت زهرة واقفة في غضب قائلة:
لأ لحد كدة وكفاية، أنا أمي أشرف ست في الدنيا دي كلها حتى لو أمثالك فكروا فيها بالشكل ده، ودا مش عشان هيا وحشة لا سمح الله لأ.. دا عشان كل إناء بما فيه ينضَح، وانتي من جواكي...ولا على إيه أوسخ لساني وانزل لمستواكي، الحق مش عليكي الحق عليا إني جيت لحد عندك أزورك بس هوا ربنا بيدي كل إنسان على قد نيته..
ثم غادرت غاضبة استقبلها سليم يتسائل عن سبب هذا التغير المفاجئ لكنها لم تُجيب فذهب خلفها وحينما وصل إليها وجدها تبكي في حرقة فتسائل عن السبب أجابت:
أنا ندمانة إني جيت لإنسانة زي دي، دي مش إنسانة مستحيل تبقى بني آدمة زينا وعندها قلب..
- ليه بس ياحبيبتي احكيلي حصل إيه..
ولما قصت عليه الحوار الذي دار بينهم قال:
أنا آسف حقك عليا، كنت فاكر إن ربنا هداها وبقت أحسن من الأول بس للأسف، ديل الكلب عمره ما يتعدل.. أوعدك اني هجيب حقك لحد عندك وأخليها تعتذر منك كمان.
مسحت زهرة الدموع عن عينيها وهي تقول:
لا لا خليها في اللي هيا فيه وربنا يعينها على سواد قلبها، يلا روّحني.
- اروحك ازاي بس وانتي بالحالة دي، تعالي اركبي العربية هنتمشى شوية وبعدين اروحك عشان مامتك لو شافتك في الحالة دي أكيد هتزعل واحنا مش عايزينها تزعل أو تتعب تاني.. قولتي إيه؟
- ماشي بس مش هتتأخر تمام!
- تمام.
رواية زهرة الفصل الرابع عشر 14 - بقلم ندي أشرف
استقلت زهرة السيارة بجانب سليم، فأراد أن يُخرجها من ذلك الشعور السيئ، فقام بتشغيل الأغاني الرومانسية ثم حدق بها فقال:
- تعرفي إن انتي بوشين؟
نظرت له بدهشة فتسائلت:
- نعم؟
- وانتي فرحانة ووانتي زعلانة، والاتنين أجمل من بعض الحقيقة.. إيه اتخضيتي!
زمت شفتيها في ضيق فقالت:
- أنا متضايقة وانت بتهزر صح..
أجاب:
- بس أنا مش بهزر إنتي فعلاً جميلة أوي يا زهرة، إسم على مُسمى.. بقيتي زي الوردة البلدي وانتي بتعيطي وخدودك ومناخيرك بقى لونهم أحمر كدة..
تنهدت فقامت بمسح وجهها بالكامل واخذت تستنشق نسيم الهواء البارد حتى تستعيد روقان وجهها وتعود إلى طبيعتها ثم قالت:
- سليم هوا أنا.. قصدي يعني أنا وانت لما نتجوز لو لينا نصيب، هكون مضطرة أتعامل مع فريدة طول الوقت وأشوفها دايما وكدة؟
زم شفتيه في حيرة وهو ينظر للطريق أمامه ثم قال:
- مش عارف بصراحة، أنا شخصياً من وقت ما باباها اتوفى وانا مضطر أتعامل معاها وبقت مفروضة علينا.. أنا عايز أقولك إن فريدة دي وهيا صغيرة مكانتش وحشة كدة بس من وقت ما اعترفلتي بحبها ليا وأنا مكنش في جوايا أي مشاعر ليها غير الأخوة وهيا اتبدلت، بقت سليطة اللسان وشخصية مُتحكمة وأنانية.. خالتو سماح حاولت تعرضها على دكتور نفسي ومكانتش بترضى كان على الأقل قدرنا نفهم تصرفاتها.. فـ أنا عايزك تعتبريها مريضة وليس على المريض حرج.
اوقف سليم السيارة أمام إحدى الكافيهات ثم هبط منها واغلقها ووقف بجانب زهرة فتسائل:
- تحبي نقعد في القاعة اللي جوا ولا هنا برا؟
أجابت:
- لأ انا محتاجة أقعد في الهوا شوية فـ خلينا برا احسن..
دلفت زهرة وخلفها سليم، كان المكان ذو إضاءة خافتة وهادئ الأصوات حتى صوت الموسيقى لم يكن صاخباً، سحبت الكرسي وجلست فكانت المنضدة ذو ذوق رفيع وعليها فازة بسيطة تتوسطها وردة حمراء وبجانبها شموع عطرية رقيقة، وكذلك جلس سليم وجاءه النادل ليرى طلباتهم فطلب سليم قهوة فرنساوي وطلبت زهرة قهوة بنكهة البندق، وحينما غادر النادل صمتت زهرة لثوانٍ تُفكر ثم قالت:
- بس دي فريدة كدة بتحبك أوي ياسليم.. وبتغير عليك بطريقة صعبة فعلاً، مش يمكن إنت حسستها إنك بتبادلها نفس الشعور ومعاملتك ليها من وقت كنتوا صغار حسستها إنك بتحبها!
أجاب:
- بس أنا كنت بعاملها عادي، اه كنت بحافظ عليها من أي حد غريب وكنت بجيبلها أي حاجه نفسها فيها ويوم عيد ميلادها ده كنت ببقى محضرلها هدايا ومفاجئات ولينا مواقف كتيرة حلوة مع بعض بس أنا كنت بإحساسي ده معاها كأختي، بنت خالتي، انما أنا عمري ما حسيتها حبيبتي مثلاً.
ردت زهرة في هدوء:
- بص يا سليم أنا هكلمك كـ اتنين أصحاب.. أي بنت في الدنيا لما بتكون متقبلة وجود حد في حياتها بتديله اهتمام بسيط زي العادي ودا عشان هوا بالنسبالها مقبول مش كارهة التعامل أو الكلام معاه تمام..!
أومأ برأسه إيجاباً فاستطردت قولها:
- في الوقت ده بالتحديد بتبتدي تحدد نوع علاقتها بالشخص اللي قدامها ده هتكون على إيه.. يعني مثلاً جت في مرة تتكلم معاه في موضوع يخصها لقت إهتمام منه وسمعها للآخر وبدأ يتفاعل مع كلامها ومواقفها ويهتم بالتفاصيل وحست إنه خايف عليها ومحاوطها بكلامه واهتمامه وسؤاله ووجوده.. هوا بيكون شايف نفسه بيتعامل عادي لو مش ناوي من الأساس على الارتباط بيها، إنما تفكير البنت وقتها بيفسر مجرد إهتمامه إنه يسمعها إعجاب، وبتفسر إهتمامه بتفاصيل يومها وأحداثها حب، وبتفسر خوفه عليها غيرة.. بتكوّن جواها مشاعر تجاهه وممكن يكون هوا أصلاً في عالم تاني وولا على باله، وتفضل تستنى منه إنه يبادلها نفس الشعور والاهتمام وتفسر كمية اللطف اللي في كلامه محبة ليها وتبقى عايزاه ليها لواحدها وغيرانه عليه من كل البنات، وتبتدي تحاول تختبر غيرته عليها وتاخد ردة فعله إنه فعلاً بيحبها وغيران أو بيغير عليها وتقلان عمرها ما هتاخد تصرفاتك بعيدة عن مشاعر الحب طالما فيها شيء من الاهتمام.
استوقفها سليم قائلاً:
- لأ استني ما هيا كدة دا عيب منها هيا لإني أنا طبيعي أعمالها حلو لأني مش مفروض أعاملها وحش.. ماينفعش تاخد مني أي حاجه إلا باعتراف رسمي مني لإني كـ شاب وكأي شاب في الدنيا لو حبيت بنت وأعجبت بيها مبعرفش أخبي او أكتم في قلبي او افضل تقلان عليها زي ما بتقولي لأ أنا هاروح اصارحها بمشاعري وأطلبها من أهلها بالذات لو كنت متأكد من مشاعري وشايف إن دي البنت اللي عايز أكمل معاها باقي حياتي.
قطع حديثهم النادل وهو يضع القهوة أمامهم، شكرته زهرة بابتسامة لطيفة ثم غادر فقال سليم:
- زي دلوقتي كدة مثلاً.. إنتي ابتسمتي بلُطف للجرسون وشكرتيه على إنه جابلك طلبك، إنتي عملتي كدة لأنك مش مفروض تكوني سيئة في تعاملك مع الغير وذوقياً منك شكرتيه مايفهمش هوا بقى من حاجه بسيطة زي دي إنك معجبة بيه مثلاً او مهتمه! دا بغض النظر عن إنك لو ابتسمتي لأي واحد تاني او وجهتيله كلام أساساً هخليكي متعرفيش تبتسمي تاني خالص..
ثم سحب قهوته وبدأ يتذوقها فقال:
- لا لا مش حلوة..
ابتسمت زهرة في خجل فتذوقت خاصتها فكانت رائعة فقالت:
- الله على الجمال، تجنن.
رمقها سليم بنظرة نارية مليئة بمشاعر الغيرة فوجد اتصالاً من والده أجاب، وبعدما أنهى حديثة تسائلت زهرة:
- إيه كل حاجه تمام ولا..
أجاب:
- لأ دا بابا بيقولي على معاد اجتماع مهم بكرة عشان الصفقة الجديدة، دعواتك بقى إنها ترسى علينا ووعد مني لو ده حصل ليكي مني هدية حلوة.
دقائق وانتهوا من احتساء قهوتهم فقالت:
- يلا نمشي بقى عشان اتأخرت على ماما وعشان عندنا شغل بكرة.
- حاضر يلا..
ثم غادرت عائدة إلى المنزل وكذلك سليم.
٭٭٭
وفي صباح اليوم التالي عاد سليم والمنشاوي إلى الشركة لمباشرة أعمالهم من بعد توصيل فريدة وبدرية وسماح وكذلك كريم إلى المطار.. وها قد انطلقت طائرتهم على أمل أن يكون كل شيء على ما يرام..
*في الطائره*
كانت فريده تخاف من المرتفعات وبناءً على ذلك قررت أن تجلس بعيداً عن النافذة وبجانبها كريم من جهة النافذة وعلى اليسار تجلس والدتها وعلى الجانب الآخر بدرية..
أخذت فريدة تفكر في خوف وقلق ثم مالت على والدتها قائلة بخفوت:
- ماما أنا خايفة أوي، تفتكري العمليه دي هتنجح؟
أجابت سماح بتوتر تُخفيه لكي لا تؤثر على ابنتها بالسلب:
- حبيبتي متقلقيش اللي ربنا كاتبه هيكون وبعدين احنا رايحين لدكاتره مشهورين بأنهم بينجحوا دايماً في النوع ده من العمليات، متقلقيش ماشي!
ثم وضعت يدها في حقيبتها وأخرجت مصحف صغير وقدمته لها قائلة:
- خدي المصحف ده اقرأي فيه شوية يمكن ترتاحي وتطمني وربنا ييسرلك.. بس لو حسيتي انك دايخه متكمليش.
أخذته منها وبدأت تقرأ فيه..
كان كريم لا يستطيع مقاومة منظر الطائرة وهي مرتفعة، يشاهد الأرض وشكلها كلما ارتفعت الطائره وبعدت عنها أكثر بقى المنظر أروع ولم يلحظ ما يدور بين فريدة ووالدتها، ثم إلتف لفريدة في سرعه قائلاً:
- فريده بصي إحنا جنب السحاب..
نظرت له فريدة في غضب قائلة:
- إنت شايف إن أنا دلوقتي في وضع يخليني استمتع بجو زي ده! أنا رايحة أعمل عملية صعبة وخايفة من الطيارة وحالتي حالة..
رد كريم بحنق:
- إيه حيلك حيلك ايه العُقد دي كلها هوا انتي عشان رايحة تعملي عملية يبقى تعيشي كل لحظاتك متوترة وخايفه لحد ما ترجعي منها! استمتعي بوقتك وشوفي أماكن جديدة بتركيز في تفاصيلها وجمالها وشمي هوا جديد كأنك رايحة تتفسحي مش تعملي عملية أساساً..
ثم أسند ظهره للخلف وقال في خفة وهدوء:
- انتي أكيد محدش علمك تستمتعي بكل لحظه في حياتك بحلوها ومرها وإن كل حاجه بتحصلك لازم تدوري على الحلو اللي فيها وتعيشيه بكل تفاصيله! اتأملي في كل حاجه من حواليكي، من أول دلوقتي لحد ما نرجع تاني بالسلامة إن شاء الله اتكلمي معايه بكل اللي في قلبك، هزري اضحكي غني.. بس إنسي أسوء ما في يومك.. تمام !
أجابت بلا مبالاة:
- تمام..
تسائل كريم على أمل أن يكون غيّر في تفكيرها بشكل إيجابي في شيء:
- ناوية تعملي إيه بقى؟
اجابت بغباء:
- هعمل ايه يعني بفكر ياترى العملية هتنجح واقدر أمشي على رجلي تاني ولا خلاص كدة..
نظر لها كريم بنفاذ صبر ثم صمت قليلاً فقال وهو يكز على أسنانه:
- هوا أنا كنت بتكلم في إيه دلوقتي يافريدة!
- الله! انتا عايز تجنني؟ أمال احنا جايين هنا ليه هوا لولا انك خبطتني وسودت عيشتي كنا بقينا هنا أساساً..
ضرب كريم على الكرسي في غضب من هذا الغباء والتشاؤم بطريقه جعلت الناس تنظر له في تعجب، نظر لهم بإحراج ثم أعاد نظره لها قائلاً في هدوء:
- بقولك ايه يافريدة.. أنا آسف، آه وأستاهل ضرب النار كمان اعتبريني متكلمتش أصلاً ارتاحتي كدة؟..
تأملت فريدة قسمات وجهه التي تنطق غضباً وغيظاً ضاحكة على إنفعاله قائلة:
- تصدق شكلك بيبقى حلو اوي وانت متعصب.. بقيت تخليني عايزة أعصبك أكتر وأتابع ردة فعلك كدة
زم شفتيه ثم أجاب بتفهم:
- اممم قولتيلي.. بتحبي تنرفزيني صح، طيب تمام إنتي اللي بدأتي أهو متبقيش تزعلي من اللي هيحصل هناك بقى..
- نعم قصدك ايه يعني!
- لا مفيش أصل البنات هناك إيه يجننوا.. بينوروا في الضلمه كدة.. هستمتع بكل لحظة وهركز في كل تفصيلة واحاول انبسط على قد ما أقدر..
أجابت فريدة في تماسك وجمود:
- طبعاً طبعاً..
نظر لها في تعجب وظل صامتاً حتى استطردت قولها:
- مهو بردو الشباب هناك حاجه تانيه خالص، عيون إيه وجمال إيه بينوروا في الضلمة بردو، دا ربنا يستر بس وأعمل العملية وأرجع لواحدي..
رد في حنق:
- طب وأنا مالي! ان شاللة حتى ترجعي بأولاد..
- كريم.. أنا مستحملة الظروف اللي بتجمعني بيك بالعافية فـ عديها معايا على خير أوكي؟
- قال يعني أنا اللي كنت هموت وابقى معاكي في مكان واحد.. اتلهي اتلهي.
بعد مرور بضع دقائق
ظلت فريدة صامتة وعادت ملامحها للجمود والخوف فتسائل كريم:
- ها مالك..
اجابت بتلقائية:
- كريم أنا بصراحة خايفة ومش عارفة أعمل اللي بتقول عليه، مش قادرة كل ما أحاول أصرف تفكيري في أمور بتخوفني وانبسط يرجع الخوف يتملك من قلبي وافتكر العملية وأخاف مقدرش أمشي على رجلي تاني..
- متقلقيش خليكي واثقة في ربنا وعندك يقين، ربنا مش هيخذلك أبداً وهيشفيكي بإذن الله..
اجابت:
- إن شاء الله ..
ماما وطنط بدرية ناموا وفي سابع نومة..
- الطريق طويل ممكن تنامي إنتي كمان لو حابة..
لم تجيب لكنها في تلقائية أسندت رأسها على كتفه لتنام لبعض الوقت.. ابتسم ثم أسند ظهره للخلف وأغمض عينه هو الآخر..
٭٭٭
*في بيت عبد الحميد*
كانت سنيه جالسه على الأريكة بجانب زهرة ونظرها ثابت على الأرض لا يتحركنظرت لها زهرة في تعجب قائلة:
- ماما مالك انتي سرحانه في ايه
انتبهت سنيه وقالت في عدم تركيز:
- لا لا مفيش يابنتي، عملتي إيه في زيارتك لفريدة أمبارح؟
أجابت:
- ولا حاجه.. يلا عشان نروح المستشفى؟ دكتور خالد مستنينا لجلسة الغسيل.
- حاضر يابنتي دقيقة وتلاقيني جهزت على طول.
أجرت زهرة اتصالاً بـ سليم لتخبره بأنها ستصطحب والدتها إلى المشفى قبل مجيئها إلى العمل:
زهره :- الو صباح الخير
كان سليم في اللحظات الأخيرة قبل بدء الاجتماع فأجاب:
- صباح النور.. ايه يا زهره في حاجه ولا ايه؟
تعجبت زهره من طريقة حديثه معها:
- لا مفيش أصل رايحين انا و ماما المستشفى وهتأخر شوية..
أجاب:
- ماشي يا حبيبتي انا ورايا اجتماع مهم أول ما اخلص هاجي أروحكوا ودلوقتي هبعتلك عم أحمد السواق يوصلكوا وانتوا رايحين متمشيش لواحدك..
- لا مالوش لزوم عادي احنا هنروح..
أجاب:
- زهره اسمعي الكلام انا هقفل دلوقتي وخمس دقايق يكون عندك، خلي بالك من نفسك سلام..
- حاضر سلام .
استعدوا للنزول ووصل السائق الذي اصطحبهم إلى المستشفى...
* في الطائرة *
مرت الساعات عليهم حتى استيقظوا جميعاً على ميعاد وجبة الغداءتسائلت فريده في تعب:
- كريم فاضل قد ايه ونوصل
- ساعه ونص ونوصل هانت اهو..
اجابت سماح:
- يااه دا احنا نمنا كتير أوي
شارتهم بدريه الحديث قائلة:
- أنا بكره السفر بسبب مدته الكتيره دي..
قطع حديثهم مضيفة الطيران حينما رحبت بهم ثم عرضت عليهم إحضار وجبة الغداء ووافقوا جميعاً..
بعد مرور ساعه و نصف كانوا قد وصلوا إلى المطارثم استقلوا سياره متجهين إلى المستشفى المنشودة..
كان دكتور يوسف في إنتظارهم لأنه هو من سيكون المسؤول عن حالة فريده ،أخذه كريم في مكان بعيد عنهم ثم حاول أن يفهم منه ما سيتم فعله ..
دكتور يوسف : دلوقتي هننقلها غرفة خاصة هتقعد فيها وبعد ما تجهيزات العمليه تتم هننقلها على غرفة العمليات ودا بيتم بسرعه عموماً عالأقل هتكونوا ارتاحتوا بس بعد ما العمليه تخلص ضروري تفضل الـ patient موجوده عالأقل اربع أيام من بعد العمليه..
كريم : ليه ؟!
دكتور يوسف : عشان نتابع حالتها أصل نجاح العمليه بنحدده أكتر بعد العمليه بكام يوم لأن عمليات العمود الفقري أحياناً بترجع تاني زي ما كانت ودا نادراً متقلقش هوا للأطمئنان اكتر بس..
كريم : تمام يا دكتور متشكر جداً لحضرتك
أجاب بابتسامة:
you are welcome.
عاد إليهم كريم وحاول أن ينقل لهم ما أخبره به الطبيب وكانت فريدة تنتظر فوات كل لحظة في خوف وتوتر ودائماً ما يسعى كريم في التخفيف عنها ولكن دون جدوى..
٭٭٭
انتهت سنيه من جلسة الغسيل الكلوي ذهب إليها دكتور خالد:
- ها يا مدام سنيه عامله ايه دلوقتي
أجابت:
- الحمد لله بخير بس حاسه إيدي بتوجعني وفي دوخة بسيطة..
أجاب:
- متقلقيش من حاجه دا بس أثر الوصله وهتبفي كويسة المهم انا كنت عايز أقولك شوية حاجات كدة، احنا خلال الإسبوع الواحد هنعمل ٣ جلسات غسيل كلوي كل جلسة أربع ساعات زي النهارده كدا ما عملنا.. كل اللي أنا محتاجه منك إنك تمشي على نظام غذائي كويس جداً وبلاش زعل عايز ضغطك مظبوط بلاش انفعالات أو إهمال في مواعيد الجلسات عشان نتفادى أي أثر جانبي للغسيل.. أنا بقولك الكلام دا عشان الشفا مش هيتم إلا بمساعدتك ليا بإنك تعملي اللي هقولك عليه بالحرف.. وأنتي معايه يا زهرة؟
أجابت باهتمام:
- معاك يا دكتور حاضر..
أكمل حديثه معهم مما جعل زهرة في حماس زائد لكي تهتم بوالدتها أكثر وبصحتها مما زاد من شعورها بالإطمئنان عليها..
انتهوا ثم خرجوا من الغرفه حينما أخبرها سليم بأنه في انتظار خروجهم لوصل سنية إلى البيت عائداً بزهرة لمواصلة العمل في سعادة لما لديه من أخبار جيدة في تلك الصفقة التي طالما كان يحلم بالحصول عليها..
رواية زهرة الفصل الخامس عشر 15 - بقلم ندي أشرف
عادت سنية إلى البيت في تعب وإجهاد شديدين، كانت تشعر بسوء حالتها يزداد في كل مرة ذهبت فيها لقضاء تلك الجلسة، بدأت تتيقن بأن أيامها في هذه الحياة الدنيا معدودة.. وأنها يجب أن تطلب من المنشاوي بسرعة أخذ خطوة في أمر زواج سليم من زهرة وأن يخبرونها بما لها من حقوق في ذمة المنشاوي..
فسحبت هاتفها واتصلت به لتخبره بما يدور في رأسها فقال في إيجاز:
- خلاص النهاردة بليل احنا هنجيلكم عشان أتكلم مع زهرة وأفهمها كل حاجة وأعرفها باللي ليها، أما بقى موضوع جوازهم فمش هنفتح كلام فيه رسمياً إلا لما ترجع بدرية من السفر وتكون موجودة بينا وحاضرة كل الكلام من أوله.
ردت سنية في تفهم:
- معاك حق بردو يا منشاوي بيه، ربنا يقدر اللي فيه الخير...
انتهى يوم العمل لدى زهرة وعادت إلى البيت من جديد فأخبرتها سنية بأن المنشاوي سيأتي للتحدث معها فقالت:
- معايا أنا؟ عايز يتكلم في إيه ياترى، بس غريبة ما أنا قدامه طول النهار لو في حاجة يقولهالي كان قالي..
أجابتها سنية:
- لأ مهو أكيد بيحب يفصل بين الشغل والأمور الخاصة وبعدين إنتي مستعجلة على إيه كلها ساعتين وهتفهمي كل حاجة!
تسائلت:
- طب انتي متعرفيش هوا عايز يكلمني في إيه؟
أجابت:
- يستحسن تستني وتسمعي منه اللي عايز يقوله وبلاش استعجال.
أومأت في إيجاز وغادرت لتستريح قليلاً قبل أن تستعد لاستقبالهم..
مر الوقت حتى ما بقى إلا القليل على مجيء المنشاوي وسليم.. استعدت زهرة وفجأة سمعت صوت طرقات على الباب فعلمت أنهم قد وصلوا ففتحت لهم الباب، استقبلتهم بالترحيب ثم اصطحبتهم إلى غرفة الضيوف ثم غادرت لتحضر لهم شيئاً تضافهم به..
وفي ذلك الأثناء دلفت إليهم سنية، ألقت عليهم السلام ثم جلست. تحدثوا في أمور عادية حتى عادت زهرة تحمل بين يديها القهوة المفضلة لديهم كما اعتادت أن تفعل..
وبمجرد أن جلست حتى بدأ المنشاوي يتحدث قائلاً:
- طبعاً يا زهرة ماما قالتلك إني جاي النهاردة مخصوص عشان عايز أكلمك في موضوع يخصك..
ظنت زهرة في داخلها أنه أراد أن يتحدث بشأن ارتباطها بسليم فأومأت في خجل قائلة:
- آه قالتلي.. اتفضل أنا سامعاك.
ارتشف رشفة من القهوة خاصته ثم قال:
- عمرك سألتي نفسك أنا ليه مش شايفة أي حد من أهل بابا مثلا..
أجابت في تعجب:
- بصراحة سألت نفسي كتير السؤال ده وأحياناً كنت بسأل بابا الله يرحمه وماما ومكنتش بلاقي رد..
- طيب شوفي.. إنتي عيلة أبوكي كبيرة أوي وللأسف ما فيش ولا مرة حصل صدفة واتقابلتي بحد فيهم.. غيري!
تسألت في تعجب:
- غيرك ؟! حضرتك تبقى قريب بابا؟
أومأ في صمت وكذلك حدق به سليم في دهشة متسائلاً:
- عم عبد الحميد قريبنا؟ إزاي وإيه صلة القرابة بينك وبينه..
ثم نظر إلى زهرة فقال في حماس:
- يعني زهرة قريبتي!
رد المنشاوي:
- أيوة بالظبط كده، عمك عبد الحميد يبقى ابن عمي لزم.. بس فيه خلافات بسيطة في الموضوع..
تسائلت زهرة في حيرة:
- خلافات إيه؟
ردت سنية بعدما أشارت للمنشاوي أنها ستجيب:
- بصي ياحبيبتي جدتك الله يرحمها كانت زوجة تانية وفي السر، يعني موضوع جوازها من جدك محدش عرف بيه إلا بعد وفاته.. وطبعاً كان فيه ميراث كتير أوي لأن عندهم أراضي وأملاك تكفي بلد، بس جدتك كانت نفسها عزيزة شوية ومرضيتش تخلي أبوكي عبد الحميد يطالب بورثه وهوا دا سبب الخلاف اللي خلينا بعيد عن العيلة الكبيرة دي.. ما عدا طبعاً عمك المنشاوي!
هتف سليم في صدمة موجهاً حديثه إلى المنشاوي:
- يعني عم عبد الحميد يبقى ابن عمك يابابا!!
أجابت سنية:
- أيوة بالظبط كده، واللي حصل بقى زمان إن جدك الكبير كان حقاني ولما عرف وقتها إن ابنه الكبير متجوز في السر ومخلف ومرات ابنه رافضة الميراث استأمن المنشاوي بس على نصيبه وكتب حق عبد الحميد للمنشاوي..
أجاب المنشاوي وهو يرتشف آخر رشفة بفنجان قهوته قائلاً:
- جدك كان بيثق فيا دوناً عن أي حد تاني وعارف إني هفضل محافظ على حق ابن عمي ومش هقبل قرش حرام يدخل على بيتي، بس طول السنين دي وكان عبد الحميد رافض ياخد ورثه عن أبوه مني عشان ميبقاش كسر كلمة والدته مع إن كان بينه وبينها خلاف بسببه لكن بعد ما صالحها أخد عهد على نفسه إن عمره ما هيلمس ولا جنيه من الفلوس دي.. وكان مصمم يشتغل معايا زيه زي أي عامل في الشركة، بس أنا كنت عامل حسابي على كل حاجة وعامل شراكة بينه وبيني في الشركة والمصنع وكل حق ليه عندي..
أجاب سليم:
- يعني زهرة دلوقتي هيا الوريثة اللي أصبحت شريكة ليك في كل أملاكنا؟
أومأ إيجاباً فقال:
- أيوة بالظبط كده..
بقيت زهرة صامتة لا تتحدث تشعر وكأنها في حلم، يدور في رأسها الكثير من الأفكار والتساؤلات: " فلوس وشركات وأملاك! وبابا من زمان سايبنا عايشين في الفقر والتعب ده ورافض حقه! وسليم يبقى قريبي وأنا شريكة في الشركة والمصنع وهتبقى حياتي غير في لحظة! "
تغير لون وجهها وبدا عليه الوجوم وهي لازالت تفكر شعرت بالأشياء تدور من حولها.. كأن عقلها لم يستوعب الأمر فلاحظ المنشاوي الأمر فطلب منها أن تذهب إلى غرفتها تستريح إذا شعرت بأنها متعبة، أومأت بالإيجاب فذهبت فقال موجهاً حديثه إلى سنية:
- أنا مقدر إنها مصدومة دلوقتي وطبيعي تبقى مش مستوعبة النقلة اللي هتحصل في حياتها فجأة كده فـ خليها لحد ما ترتب أفكارها وتهدا خالص وبعدين نكمل كلامنا..
ردت سنية:
- إن شاء الله..
أجاب:
- أما بقى موضوع سليم وزهرة زي ما قولتلك لما بدرية ترجع بالسلامة..
ابتسم سليم في فرحة فسمعت زهرة ما قيل فابتسمت في سعادة هي الأخرى فما كان منها إلا أن خرّت ساجدة تشكر ربها على ما يحدث لها من نعم وتمنت من قلبها أن يتم كل شيء كما تمنت وتخيلت حدوثه.
انتهوا من حديثهم فـ هم المنشاوي ليغادر وطلب سليم من سنية أن تجعل زهرة تتصل به ليطمئن عليها، ثم غادر.
*في لندن بالتحديد في المشفى خارج غرفة العمليات*
جلست سماح تنتظر في خوف تبكي وتدعو الله ولم يفارقها المصحف لحظة وهي تقرأ في خوف ورجاء..
وبجانبها بدرية تجلس في صمت تدعو الله تارةً وتواسي أختها وتهدئ من روعها تارةً أخرى، أما كريم فكان يتابع تحركات الأطباء ويرى إذا كانوا يريدون إتمام شيئاً من الإجراءات، كان شديد القلق ليس فقط تحملاً للمسئولية وإنما لأنه سيتحدد مصير فريدة وإذا كان سيئاً سيتحمل هو ذلك الذنب طيلة حياته..
وبعد عدة ساعات من الانتظار لاحظت سماح حركة في المكان وقلق واضح على الدكاترة الموجودين والممرضات ثم تسائلت في توتر وعصبية:
- هوا في إيه بنتي جرالها إيه، اتأخرت كده ليه يا بدرية.. اتأخرت كده ليـه!
أجابت بدرية في خفوت:
- اهدي بس يا سماح ميصحش كده ياحبيبتي الناس بتتفرج علينا دلوقتي هنتطمن ونعرف في إيه بالظبط..
توجهت سماح نحو كريم وهي تشير إليه في غضب قائلة:
- إنت ربنا ينتقم منك.. أشوف فيك يوم زي اللي أنا شايفة في بنتي بسببك دلوقتي..
اعترضت بدرية طريقها قائلة:
- ياسماح أرجوكي اهدي اللي بتعمليه ده مش صح ولا وقته المناسب..
ثم نظرت إلى كريم قائلة:
- معلش ياكريم متاخدش عليها بس روح شوف إيه اللي بيحصل وطمني.
نظر لهم كريم في ارتباك وقلق ثم ذهب.
فنظرت إليه سماح تقول في حرقة:
- حسبي الله ونعم الوكيل.. يارب.
غادر كريم و ذهب لإحدى الطرقات يبحث عن الطبيب المختص ثم وجده أمام عينيه و ذهب إليه مسرعاً يتسائل:
- دكتور يوسف..
أجاب:
- إنت هنا دا أنا كنت بدور عليك..
رد كريم في خوف:
- طمني الله يكرمك فريدة عاملة إيه، وليه اتأخرت كل الوقت ده وفي حركة مُريبة في المكان خصوصاً عند غرفة العمليات بتاعتها..!
أجابه الطبيب يوسف بوجه بشوش وسعادة لا توصف قائلاً:
- الحمد لله العملية انتهت بنجاح غير متوقع! وخلصت في وقت أقل من المتوقع كمان.. حالة فريدة حالة مميزة وهنا معروف عن المستشفى دي إنها من أكبر مستشفيات لندن وبتضم مجموعة من المتدربين حول العالم، والحالات النادرة اللي زي فريدة كده بتتعرض عليهم مع كامل المراعاة لظروف المريض.. البنت دي حقيقي محظوظة!
أجاب كريم في غضب متسائلاً:
- مش فاهم يعني محظوظة من أي اتجاه، إنكوا سبتوا أهلها ينهاروا من غير ما تطمنونا ولا إنكوا خلتوها فُرجه للناس! هوا إنتوا هتبطلوا إمتى تتعاملوا معانا على إننا فران تجارب.. لو سمحت المهزلة دي لازم تنتهي فوراً.
أجاب في ندم:
- انا متأسف جداً كنت متوقع إنكوا هتفرحوا، أهالي الحالات اللي زي دي هنا مش بيكون موقفهم كده لكن هحترم إنك راجل شرقي وهحاول أنهي اللي بيحصل فوراً وأنا آسف للمرة التانية..
- اوكي حصل خير، عن إذنك أروح أنا أطمن أهلها وأنا اسف إني من قلقي مقدرتش أشكرك على الإنجاز اللي قدرت تحققه في حالة فريدة..
أجاب بابتسامة:
- ولا يهمك يا أستاذ كريم إحنا معملناش غير اللي علينا وأي حاجة تانية كانت بفضل الله، عن إذنك.
عاد كريم إليهم وقرر أن لا يخبرهم بما حدث منعاً لإثارة غضب والدتها أكثر بسبب ما حدث فقال بجدية:
- الحمد لله يا جماعة عملية فريدة نجحت.. هتفوق على بليل كده، الدكتور قال هتمشي تاني على رجليها بإذن الله بس هتحتاج تعمل متابعة مع دكتور علاج طبيعي وطبعاً هتفضل تحت الملاحظة ومعنى كده إن هنقعد كمان أربع أيام..
تفنت سماح وبدرية في سعادة:
- الحمدلله،
رفعت سماح يدها إلى السماء قائلة وهي تبكي في فرح:
- اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك..
هم كريم ليغادر المكان فذهبت إليه سماح في سرعة وأمسكت بذراعه قائلة:
- استنى يا كريم.. أنا آسفة اعذرني على اللي حصل مني أنا أم وقلبي كان هينخلع من مكانه خوف على بنتي الوحيدة..
ابتسم كريم بأريحية ثم قال:
- أنا مش شاغلني دلوقتي غير إن فريدة هتقوم بالسلامة وتبقى بخير، أي حاجة قبل اللحظة دي انا اعتبرتها كإنها محصلتش، وبعدين حضرتك زي ماما فـ ولا يهمك أي حاجة وحمدلله على سلامة فريدة..
أجابت وهي لازالت دموع الفرح عالقة بعينيها قائلة:
- الله يسلمك..
ثم عادت لأختها من جديد و ظلت تتمتم بالحمد لله..
بعدما ودعت سنية المنشاوي وسليم عادت إلى غرفة زهرة وجدتها مستلقية في فراشها تنظر إلى السقف في شرود تام حتى أنها لم تلحظ وجود والدتها، فاقتربت منها سنية وجلست بجانبها وأخذت تربت على شعرها في حنان ثم قالت بهدوء:
- حبيبتي إنتي كويسة؟
تنهدت زهرة مجيبة:
- كويسة يا ماما.. بس أنا مش قادرة أستوعب حاجة من اللي سمعتها.
ابتسمت سنية في حنان فقالت:
- شوفتي بقى إن دايماً ربنا بيعوض وبي هون ازاي؟ شوفتي نصيبك من الدنيا كان حلو قد إيه بس إنتي متعرفيش!
قامت زهرة وقالت في جدية:
- بس يا ماما الفلوس الكثيرة دي بتخوف.. أنا بحسها لعنة!
ردت سنية:
- يابنتي ربنا يكفيكي شرها ويرزقك خيرها ويجعلها حُجة ليكي مش عليكي..
أجابت في عدم فهم:
- يعني إيه بقى حُجة ليا مش عليا..
ردت:
- يعني مثلا تصرفيها بما يرضي اللة، تساعدي منها المحتاج، تعرفي يازهرة إن أحسن حاجة في الدنيا إن ربنا يجعلك باب رزق لغيرك! والرزق اللي بيطلع منك برضاكي لغيرك ربنا بيرزقك أضعافه.. ياما في ناس مديونة وناس محتاجة وناس مريضة.. وناس ربنا بيكرمها من وسع بس فيهم اللي بيستغل رزق ربنا ليه أحسن استغلال للدنيا وكمان الآخرة وناس زي ما قولتي الفلوس بتكون عليهم لعنة وشر وبتاخدهم للنار وغضب ربنا..
أجابت زهرة:
- فعلاً يا ماما حتى في حديث للرسول صلى الله عليه وسلم بيقول فيه: " لا تزول يوم القيامة قدما عبدٍ حتى يُسأل عن أربع، عن عمره فيما أفناه، وعن جسده فيما أبلاه، وعن علمه ماذا عمل فيه، وعن ماله من أين أخذه وفيما أنفقه "
أجابت سنية في حماس:
- قوليلي بقى ناوية تعملي إيه لنفسك بالفلوس دي؟
- لأ أنا مش شاغلة بالي بالحكاية دي خالص دلوقتي.. خلي كل حاجة ماشية زي ما هي وفي الوقت المناسب هنشوف هنعمل إيه.. بس تعرفي يا ماما أنا أكتر حاجة نفسي فيها إيه؟
- ايه ياقلب ماما..؟
- إني أخليكي تعيشي في مكان أحسن من هنا، وأشتريلك كل حاجة جديدة في البيت، وأشتريلك لبس جديد وأخليكي تعملي كل حاجة كان نفسك فيها.. عارفة نفسي في إيه كمان؟
لمعت عيني سنية متأثرة بمشاعر طفلتها فقالت:
- إيه كمان؟
ألقت بنفسها بين أحضان والدتها فقالت:
- نفسي ربنا يشفيكي وما يحرمنيش من وجودك جنبي طول عمري.. فـ أول حاجة هعملها صدقة لأي مؤسسة خيرية بنية إن ربنا يشفيكي ويخليكي ليا..
احتضنتها سنية في سعادة فقالت:
- ربنا ما يحرمني منك ياقلب ماما أنا مش عايزة حاجة من الدنيا غير إن قلبي يتطمن عليكي وأشوفك أحلى عروسة في الدنيا.. آه صحيح بالمناسبة سليم مشي قلقان عليكي وطلب مني أخليكي تكلميه تطمنيه عليكي..
أومأت زهرة في إيجاز قائلة:
- حاضر هكلمه..
ثم تركتها سنية وغادرت في رضا وسعادة وأمل..
استفاقت فريدة من أثر المخدر وهي تشعر بتعب شديد كانت تتفوه بكثير من العبارات التي لم يفهمها أحد حتى استعادت وعيها بالكامل..
جلست بجانبها سماح تطمئن عليها في لهفة فأخذت تبكي فريدة قائلة:
- أنا تعبانة أوي ياماما.. أنا عمري ما خفت بالشكل ده وحسيت إن الدنيا دي صغيرة أوي كده وممكن تروح في ثانية.. نفسي أرجع لحياتي الطبيعية من غير وجع ولا خوف وعمري ما هزعل حد مني ولا ءأذي حد أبداً..
أخذت تربت عليها سماح في حنان فقالت:
- متخافيش ياحبيبتي كل حاجة هتبقى تمام..
هتفت بدرية في سعادة:
- ألف حمدلله على سلامتك يا حبيبة خالتو..
- الله يسلمك ياخالتو بدرية، على كده سليم متصلش خالص؟
تسائل كريم في نفسه:
- إيه حكاية سليم ده ويبقى بالنسبالها إيه بالظبط!
قبل أن تجيب بدرية دلف الطبيب يوسف يحمل بين يديه نتائج التحاليل قائلاً:
- ها عروستنا عاملة إيه دلوقتي..؟
أجابت فريدة:
- الحمدلله، أنا مش حاسة بالجزء اللي تحت ده كله أصلاً..
أجاب:
- لسة تأثير المخدر، ولما يروح هتحسي بوجع مش عايزك تتحركي كتير ممكن أوي تاخدي مسكنات عادي هتخفف التعب وأنا من وقت للتاني هتلاقيني بعدي عليكي أتطمن. وكمان هرشحلكم دكتور كويس أوي في مصر للعلاج الطبيعي..
اجابت سماح:
- متشكرين لحضرتك أوي يادكتور.. تعبناك معانا.
أجاب:
- ما فيش تعب ولا حاجة، وألف سلامة عليها..
قالت سماح:
- الله يسلمك.. شكراً.
تركهم وغادرت خلفه سماح وتبعتها بدرية، فأشارت فريدة إلى كريم بأن يذهب إليها فذهب.. أشارت له أن يقترب منها أكثر.
اقترب منها فقالت بصوت خافت:
- عايزة منك طلب قبل ما يرجعوا بسرعة..
فقال في حماس:
- اطلبي اللي انتي عايزاه أنا تحت أمرك.. عايزة كام واحدة؟
هتفت فريدة في تعجب:
- كام واحدة إيه؟
فقال:
- هوا انتي مش هتبوسيني!
لكمته على كتفه قائلة:
- ماتحترم نفسك أنا عايزة منك حاجة تانية خالص غير اللي جت في بالك..
وضع كريم يده على فمه في دهشة فقال:
- يالهوي! لأ بقولك إيه أنا ولد ولود ولو عايزاني يبقى في الحلال لكن الشغل ده مبياكلش معايا..!
ضحكت فريدة فقالت:
- يامجنون إنت إديني فرصة أتكلم.. أنا عايزة منك تروح تشتري هدية مميزة جداً مهما كان التمن وأنا هحاسبك..
ابتعد كريم ونطقت قسمات وجهه بالضيق فقال:
- عايزة الهدية دي لمين! لـ.. سليم!
أجابت:
- لا لا عايزاها هدية تناسب بنت مش ولد..
تنهد في راحة وعاد يقترب منها فقال:
- ياشيخة كنتي قولي كده من الصبح، لأ بصي أنا في هدايا البنات معنديش ياما إرحميني..
نظرت له ولوت فمها في حنق فقالت:
- طبعاً مهو باين عليك أوي. يلا روح إعمل اللي قولتلك عليه..
أجاب في غضب:
- بت انتي بتكلميني كده ليه هوا حد قالك إني شغال عندك !
ابتسمت فأجابت:
- خلاص ياسيدي بعد إذنك هتعبك معايا وتجيب الطلب اللي قولتلك عليه.. حلو كده!
قال:
- حلو جداً.. يلا سلام.
استقبلته سماح وبدرية حيث كانوا يتحدثون مع الطبيب بشأن فريدة فأخبرهم بأنه ذاهب لقضاء أمر..
شعرت فريدة بالنعاس فغفت في ثباتٍ عميق فتركوها لتنعم بنوم هادئ وذهبوا هن الأخريات لشراء بعض الأطعمة والعصائر وكانوا قد اطمأن قلبهم متمنين أن يمر الوقت سريعاً ليعودوا إلى البيت من جديد.
رواية زهرة الفصل السادس عشر 16 - بقلم ندي أشرف
في المستشفى عند فريدة. استقرت بدرية في غرفة بإحدى الفنادق، وكريم بغرفة أخرى. وبقيت سماح بجانب ابنتها ترافقها وتبقى إلى جانبها.
وفي صباح اليوم التالي، استيقظ كريم وبدأ يمارس رياضته المفضلة وهي الجري ليحافظ على لياقته البدنية. وكانت الأجواء تساعده في الأمر. فاستوقفه صوت هاتفه حينما أعلن عن اتصال أحدهم. أخرج هاتفه من جيب سترته، فكان المتصل والده الشربيني. فأجاب:
"الو."
جاءه صوت والده يُجيب بينما كان منشغلاً في أعماله:
"ها يا كريم، طمني إيه الأخبار عندك؟"
أجاب في راحة:
"الحمدلله يابابا، كل حاجة بدأت ترجع لوضعها الطبيعي والأمور مستقرة لحد دلوقتي."
"- وراجعين على إمتى كدة؟"
أجاب:
"يعني ممكن على آخر الأسبوع كدة."
"- طيب ياحبيبي، ترجع بالسلامة. اسمع، لو احتاجت فلوس تاني قولي وأنا أحولك."
"لا لا، معايا اللي يكفي. تسلم ياحبيبي."
أنهى حديثه مع والده ثم عاد مباشرة إلى غرفته ليستحم. وعندما انتهى، وجد اتصالاً من فريدة. فأعاد الاتصال بها. فأجابت:
"صباح الخير."
"- صباح النور والسرور على أحلى بنت في المنطقة."
أجابت في تعب:
"يا عم، متأڤورش أوي كدة."
"- حاضر. عاملة إيه دلوقتي؟ إنتي كويسة؟"
"لا، تعبانة. بس الممرضة لسة مديني حقنة مسكن ومفعولها لسة محسيتش بيه. إنت فينك كدة؟ لسة صاحي ولا إيه؟"
أجاب في حماس:
"لأ طبعاً صاحي من بدري ونزلت أجري شوية وشوفت شوية بنات.. وحاجة كدة صباح الخير جداً."
ردت فريدة:
"كريم، أنا مش فايقة لرخامتك دي دلوقتي تمام! وبعدين أنا زهقانة أوي، نفسي أخرج أشم هوا."
أجاب:
"بس لسة انتي حالياً صعب تخرجي ولازم تفضلي نايمة زي ما انتي كدة على الأقل لما يعدي أربع أيام."
"أربع أيام بحالهم! أنا مش هقدر أستحمل كل ده. أنا تعبت واتخنقت."
أجاب في حنق:
"هوا انتي مش بتقولي الحمدلله خالص كدة؟ إنتي أحسن من غيرك كتير!"
"الحمدلله."
"- مقولتيش صحيح، الهدية اللي أنا جبتها دي لمين؟ متخافيش يعني سرك هيبقى في بير."
"لا مش هقولك.. بعدين هتعرف، ولو معرفتش مش مهم."
"والله؟ هيا بقت كدة يعني.. ماشي يافريدة يابنت طنط سماح."
ضحكت فريدة فقالت:
"إنت عارف ماما لو سمعتك بتقول عنها طنط هتعمل فيك إيه؟"
أجاب:
"ياسلام أكتر من اللي عملته فيا؟ لأ خلاص أنا مش هقولها تاني. الطيب أحسن.. يلا اقفلي أنا جايلك.. سلام."
أغلق الخط وغادر من الغرفة بعدما أحكم إغلاقها. وجد بدرية تُغلق غرفتها هي الأخرى. فذهب بصحبتها إلى المشفى.
٭ ٭ ٭
انتهى سليم من اجتماع هام قُضي فيه أمر الصفقة وقد رست عليهم. فكان شديد الحماس والسعادة. فأجرى اتصالاً بزهرة فقال لها:
"إزيك يا وش الخير والسعادة."
ضحكت زهرة فقالت:
"لأ يبقى أكيد في خبر حلو. ها، فرحني."
أجاب:
"حصل، الصفقة رست علينا يا زهرة.. مبروك علينا المكسب وكل حاجة حلوة هتحصل."
ردت في تعجب:
"علينا؟"
"- طبعاً ياحبيبتي. إنتي نسيتي إنك شريكة في كل حاجة ولا إيه!"
زمّت شفتيها فقالت في حيرة:
"لأ والله، أنا لحد دلوقتي مش مستوعبة أصلاً."
أجاب:
"المهم أنا عايزك تجهزي كدة وتيجي معايا النادي أعرفك على أصحابي.. وكمان نقضي وقت حلو مع بعض."
أجابت بالنفي:
"لأ، سامحني مش هقدر أسيب ماما لوحدها عشان تعبانة شوية. وبعدين ياريت لو نأجل أي خروجات وكدة لحد ما تبقى خطوبتنا رسمي، ولا إنت إيه رأيك؟"
أجاب في ضيق:
"ماشي يازهـرة، اللي تشوفيه.. مش هقدر أمانعك بس والله لما نتخطب أجي أقولك نخرج تقوليلي لأ هزعلك."
أجابت في ثقة:
"هتزعلني؟ متأكد."
"- بصراحة لأ، مش هتهوني عليا."
أجابت بابتسامة نصر لكنه لا يراها فقالت:
"أيوة كدة، اظبط."
قال متصنعاً الغضب:
"اظبط! حاضر، لما أشوفك أستني عليا يا ست زهرة هانم."
ضحكت فبادلها الضحكات ثم قال:
"طيب هسيبك بقى أنا أروق على حالي وهعدي عليكي."
"- ماشي، خلي بالك من نفسك."
"- حاضر، سلام."
٭ ٭ ٭
دخل سليم النادي وجد أصدقائه القدامى شباب وبنات. أشار لهم مرحباً ثم توجه مباشرةً إلى أصدقائه من الشباب ولم يُلقي بالاً لهؤلاء الأخريات اللواتي ينظرن إليه في اشتياق وإعجاب. وقف يتحدث معهم ويضحك. فقالت إحدى الفتيات التي تراقب عن بعد (ريم):
"شوفتوا مين رجع النادي تاني!"
أجابت الأخرى (رنا):
"دا سليم."
ردت ريم ضاحكة:
"آه.. حبيب القلب. شوفتي شكله اتغير إزاي.. بقى زي القمر بجد."
أجابت رنا في حنق:
"اتلمي شوية، إيه هتعاكسيه قدامي."
أجابت بسخرية:
"إنتي مالك محسساني إنكوا مرتبطين ولا مخطوبين، دا حياللة الكراش بتاعك."
ردت في هيام:
"كراش بس! دا أنا بموت في جماله، يخربيت ضحكته. شايفة الغمزات دي! بتخطف قلبي خطف."
ردت ريم:
"بصراحة معاكي حق.. تعالي نسلم عليه."
كذلك قالت ثم جذبتها من ذراعها وتوجهت صوب سليم وأصدقائه. نظر إليهم فابتسم لهم في تودد. فقالت إحداهن:
"فينك يابني بقالك فترة مش باين."
أجاب:
"مكنتش بفضى خالص والله ياريم من الشركة للبيت لخطيبتي وهكذا."
وقعت الكلمة على مسامع رنا كالصاعقة فقالت في دهشة:
"خطيبتك! إزاي يعني."
ردت ريم في عتاب:
"دا إنت حتى معزمتناش على خطوبتك ليه بس الندالة دي؟ هوا إحنا قصرنا في حاجة؟ دا كنا هنيجي نعملك أحلى شغل."
قالتها ثم ضحكت. ومازالت ملامح رنا جامدة تنتظر منه أن يُجيب أو حتى ينفي ما قال باعتباره مزحة. فقال:
"لأ لأ، إنتي فهمتي الموضوع غلط."
فتساءل صديقه:
"أمال إيه الصح بقى يا فلحوس!"
تنهدت رنا في راحة تنتظر منه أن يقول العكس. فقال:
"أنا لسة هعمل خطوبة وأكيد فرحتي مش هتكمل من غيركم. بس أنا بعتبرها خطيبتي من دلوقتي يعني."
بارك له أصدقاؤه وكانوا يتحدثون في حماس وفرحة على أثر انتظار ذلك اليوم السعيد. بينما كانت رنا تشعر بقلبها جمرةً من نار. ولما شعرت بأنها قد ضاقت بها الدنيا وستفيض عينها بالدمع، استأذنت وغادرت. وكذلك غادر سليم ذاهباً حيثُ زهرة. كان يدور في ذهنه ما حدث من رنا وما بدا عليها من تعابير سلبية. فقال في نفسه: "غبية.. فكراني هبصلها أو أفكر فيها زوجة ليا. أنا يوم ما أختار لازم تبقى محترمة بنت أصول أقدر آمـنها على نفسي و بيتي و اسمي.. مش واحدة كل حياتها في النادي وتهزر مع ده شوية وتضحك مع ده شوية."
ثم قام بشراء بعضٌ من الحلوى والشوكولاتة والورود وذهب إلى زهرة ليهاديها بهم ويطمئن على أحوالها ثم يعود إلى البيت.
٭ ٭ ٭
وفي صباح اليوم التالي، أخبرت بدرية المنشاوي بأنهم عائدين في ذلك اليوم. فأخبر الطباخين والخادمة بأنه يجب عند وصول بدرية إلى الفيلا أن يكون كل شيء على ما يُرام. وفي تمام السادسة مساءً، ذهب لاستقبالهم في المطار تاركاً أمر العمل بين يدي ابنه سليم.
وكذلك أخبر كريم والده بأنه عائد في هذا اليوم. وكان هو الآخر ذاهب لاستقباله. اجتمعا في المطار. وسلّم الشربيني على جميع الموجودين. وحينما رأى ابنه كريم احتضنه في لهفة. وكذلك أدهم أخيه. قال المنشاوي في سعادة:
"ألف حمداللة على سلامتكوا، حمداللة على سلامتك يافريدة."
أجابت في خجل:
"الله يسلمك يا أنكل."
ثم مالت قليلاً على والدتها قائلة:
"سليم فين يا ماما."
نكزتها والدتها بأن تصمت وألا تُهدر كرامتها في السؤال عن من لا يهتم بها. فلاحظ المنشاوي ما يدور بينهم فقال معتذراً:
"معلش ياجماعة، سليم مقدرش يكون معايا. الحقيقة أنا أصريت عليه يفضل في الشركة ويخلص الشغل. وإن شاء الله يخلص اللي في إيده ويحصلنا على الفيلا."
هتفت بدرية في لهفة:
"ماتتصورش هوا وحشني قد إيه."
اقترب منها المنشاوي قليلاً وهتف في خفوت:
"هوا بس اللي وحشك؟"
ضحكت في خجل فقالت:
"لأ مش هوا بس طبعاً.. إنت كمان وحشتني أوي."
تساءل مداعباً:
"أوي أوي يعني؟"
فقالت في حرج:
"طب خلاص أسكت لحسن حد يسمعنا، هوا إحنا ملناش بيت يلمنا ولا إيه."
قال في حماس:
"لينا بيت يلمنا وهنشوف الحوار ده بعدين خلي بالك. بس بقولك إيه، هيا القاعدة في لندن بتحلي أوي كدة؟ ولا أنا عشان بقالي شوية مش شايفك قدامي ولا دا إيه."
أجابت في ثقة:
"لأ ياحبيبي، أنا زي ما أنا حلوة من يومي. بس تلاقيك مكنتش حاسس بحلاوتي عشان دايماً قدامك."
فقال:
"أيوة بقى يا واثق إنت.. دا إحنا ليلتنا عنب النهاردة."
ضحكت بدرية قائلة:
"يا راجل عيب عليك الكلام ده، سيبو للعيال الصغيرة."
فقال مازحاً:
"لأ منا باجي قدامك إنتي وببقى عيل صغير وأعجبك أوي."
هتفت سماح في نفاذ صبر قائلة:
"إيه يا جماعة مش يلا نمشي بقى ولا إيه."
قال المنشاوي في خفوت:
"أعوذ بالله من غضب الله."
كذلك هتف الشربيني:
"طيب يا جماعة هنستأذن منكوا بقى نروح إحنا."
قال المنشاوي:
"لأ تروحوا إيه.. لازم تيجوا الفيلا الأول معانا. أنا موصلكم على أكل وتحضيرات من الصبح."
أجاب الشربيني:
"معلش اعفينا من المشوار ده لحسن المدام وأخته الصغيرة في البيت مستنيين رجوعه بفارغ الصبر، ومامته محضراله الأكل."
صمم المنشاوي قائلاً:
"طيب تعالوا عندنا الأول وبعدين روحوا على البيت."
قال الشربيني مازحاً:
"إنت عايزها تخرب بيتنا ولا إيه.. أوعدك إن لينا زيارة عندكم نتطمن على فريدة بس خليهم يرتاحوا وبعدها نرتب كل حاجة مع بعض."
أومأ المنشاوي إيجاباً فقال:
"خلاص ماشي، مش هتقل عليكم. ونشوفكم على خير إن شاء الله."
أجاب:
"إن شاء الله، وحمداللة على سلامة الأنسة فريدة. مع السلامة."
ألقى كريم على فريدة نظرة أخيرة قبل أن يغادر وكأن عينيه تخبرها بأنه سيشتاق إليها. فابتسمت له على غير العادة ثم أشار لها بيده أنه سيكون على اتصال بها ليطمئن عليها. فأومأت إيجاباً في صمت وهي لازالت مبتسمة في راحة. حتى غاب عن ناظريها. وغادروا جميعاً كلاً إلى وجهته.
٭ ٭ ٭
في النادي جلست ريم بجانب رنا التي بهتت ملامحها لقضاء ليلتها تبكي منذ أن أخبرهم سليم بأمر خطبته عن قريب. فقالت:
"بقولك إيه يا رنا."
اجابت في ضيق:
"ريـم، أنا مش ناقصاكي خالص، أوكي!"
اجابت في جدية:
"ياستي، إهدي على نفسك شوية. أنا مش هرخم عليكي والله.. أنا هساعدك."
نظرت لها رنا في اهتمام فقالت:
"إزاي؟ مش فاهمة هتساعديني إزاي."
"- أنا هرجعلك سليم لحد عندك. الخطوبة دي هتكون ليكي إنتي مش للبنت اللي قالنا عنها."
اجابت في سخرية:
"إزاي بقى إن شاء الله؟ هتاخديني لخديجة المغربية لرد الحبيب والمطلقة!"
فقالت في حنق:
"دمك مش خفيف أوي على فكرة.. اسمعي مني ومش هتندمي."
"- قولي ياستي، هاتي ما عندك."
"- هقولك..."
٭ ٭ ٭
أنهى سليم عمله فمر على زهرة ووالدتها ليصطحبهم معه في استقبال والدته وفريدة وسماح كما طلب منه المنشاوي. عاد إلى الفيلا. فلما رأته فريدة ابتسمت في لهفة وسعادة. ولكن حينما لاحظت وجود زهرة ووالدتها معه انقبض صدرها. فذهبت تلك الابتسامة. هتفت سنية في سعادة:
"الف حمداللة على سلامتك يافريدة، ربنا يتم شفاكي على خير يابنتي وماتشوفيش شر أبداً."
ابتسمت لها فريدة مجاملةً قائلة:
"الله يسلمك يا طنط."
جلست زهرة دون أن توجه إليها أي كلام نظراً لما فعلته بها قبل أن تسافر. وها قد حان وقت ما خططت فريدة لحدوثه. وأخرجت من حقيبتها تلك الهدية التي سبق وأخبرت كريم بأن يُحضرها. ثم قدمتها لهم أمام الجميع في تودد قائلة:
"شوفي يا زهرة، أنا جبتلك إيه معايا."
تعجبت زهرة وتساءلت دون ان تأخذها منها:
"إيه ده؟"
أجابت:
"طيب خديها مني الأول وبعدين شوفيها."
كانت تشعر زهرة بالخوف ألا يكن ما بداخل هذا المغلف مقلب جديد دبرته لها فريدة. فهتف المنشاوي:
"خديها يازهـرة، شوفتي فريدة منستكيش إزاي! رغم إنها رايحة تعمل عملية صعبة وكانت تعبانة بس جابتلك هدية مخصوص تفرحك بيها."
ابتسمت زهرة قائلة:
"شكراً يا فريدة."
وكذلك شعر سليم بالسعادة وكان مهتم أن يعرف ما بداخلها. وتنهدت فريدة بتفاؤل لإهتمام سليم بالأمر وأنها حاولت بذلك أن تجعله يراها جيدة كما كان يراها من قبل. فقالت زهرة:
"حاضر، أول ما أروح هفتحها وأقولك جواها إيه."
كاد أن يطلب منها أن تفتحها فوراً لتُرضي فضوله. لكن قطع حديثه اتصالاً فذهب بعيداً فأجاب:
"ألو مين؟!"
جاءه صوت فتاة رقيقة للغاية:
"سليم.. صح!"
أجاب في حنق:
"أيوة سليم، مين إنتي؟!"
اجابت في ثقة ودلع:
"أنا اللي هتفوقك من اللي إنت فيه قبل ما تلبس في حيطة سد."
أجاب في غضب:
"يعني إيه اللي بتقوليه ده؟ ماتتكلمي عدل! وعايزة مني إيه بالظبط."
"- الله، ما براحة عليا ياسليم مش كدة، عموماً لو يهمك أي موضوع يخص زهرة.. تعالى في الـ week end على النادي ورا صالة البولينج وهتفهم إيه الموضوع بالظبط.. أوكي! باي باي يا بيبي..."
تحدث سليم في غضب قائلاً:
"استني.. ألوو؟!"
لم يجد رد. فنظر في هاتفه ولاحظ أنها قامت بإنهاء المكالمة. فأعاد الاتصال بها ولكن الخط كان مغلقاً. بقى باله مشغولاً يتساءل في حيرة: "ياترى دي مين وعايزة مني إيه بالظبط! وإيه علاقة زهرة بالناس اللي في النادي؟ أنا مش فاهم أي حاجة!"
ترك هاتفه جانباً وعاد من جديد يجلس بينهم. فلاحظت زهرة تغير ملامحه فقامت إليه وجلست بجانبه تتحدث بهدوء:
"إيه يا سليم مالك؟ شكلك كدة متضايق من ساعة المكالمة دي. في حاجة ولا إيه؟"
أجاب:
"لأ مافيش حاجة، ماتشغليش بالك ياحبيبتي، أنا تمام."
تنهدت في حيرة فقالت:
"مع إني مش مقتنعة بس تمام."
جلس سليم يفكر في صمت وحاول إعادة الاتصال بالرقم مرةً أخرى لكنه وجده لازال مغلقاً.
٭ ٭ ٭
*في النادي*
ضحكت ريم ولينا ورنا. فهتفت رنا في سعادة:
"إنتي إزاي جه على بالك كل ده! طلعتي شريرة أوي يا ريم. وانتي يا لينا جبتي الدلع ده كله منين؟ دا أنا كنت شوية وهجيبك من شعرك على طريقتك فالكلام معاه دي."
هتفت لينا من وسط ضحكاتها قائلة:
"لأ عيب عليكي، أنا خبرة بردو."
ردت ريم قائلة:
"بس عارفة عيبه إيه؟"
أجابت رنا في تفهم:
"عيبه إن سليم أصلاً مش بيتهزله شعرة قصاد أي بنت مهما كان جمالها. أنا نفسي أفهم جايب التلاجة اللي في قفصه الصدري دي منين."
ردت ريم في حنق:
"تلاجة إيه بقى مهو بيقولك هيخطب يعني قلبه مبقاش تلاجة واتحرك تجاه واحدة وحبها وكمان هيخطبها."
أجابت رنا وقد بدت عليها مشاعر الغيرة:
"آه ياقلبي، لو بس أطولها البنت دي ولا حتى أعرف شكلها إيه.. مستحيل تاخده مني أصلاً."
أجابت لينا:
"بقولك إيه، أنا هخليكي تشوفيها وتخلصي منها كمان. أنا محضرالها خطة نار."
تساءلت ريم:
"إستني صحيح، إنتي إزاي قدرتي تعرفي اسمها أو أي تفاصيل توصلك ليها."
أسندت ريم ظهرها للخلف وقالت في غرور وثقة:
"لأ عيب عليكي، دا أنا أجيب الديب من ديله. نسيتي جروب الهكرز صحابي بتوع الزمالك.. عن طريق إيميل سليم على الفيسبوك قدرت أعرف حاجات كتير ولسة اللي جاي أعظم. مهو كله بحسابه ولا إيه!"
اجابت رنا في لهفة:
"بقولك إيه، أنا معاكي من جنيه لمليون، المهم دبلة سليم تبقى في صباعي أنا. أنا وبس..."
رواية زهرة الفصل السابع عشر 17 - بقلم ندي أشرف
عادت زهرة إلى البيت وكانت تشعر بالقلق تجاه سليم الذي بدا عليه الضيق منذ ذلك الاتصال الذي جاءه.
فكانت كلما حاولت أن تفهم منه ما سبب هذا الضيق المفاجئ لا يجيب بما يرضي فضولها.
في اليوم التالي التقوا بالعمل وكانت معاملته لها طبيعية فزال القلق، قررت أن تعود إلى البيت بمفردها نظرًا لانتهاء عملها واستمرار سليم في عمله لبعض الوقت الإضافي.
وأثناء عودتها إلى البيت استوقفها شاب يبدو عليه التعب الشديد حتى أنه لا يستطيع الوقوف على قدميه يطلب منها المساعدة قائلًا:
- لو سمحتي ساعديني أنا بموت.
أجابت في خوف وفزع:
- حضرتك مالك أقدر أساعدك إزاي؟
لم يكن ينظر إليها فكان يشعر بالألم الشديد في بطنه ممسكًا بها بإحدى يديه وأمسك بذراع زهرة بيده الأخرى قائلًا في انفعال شديد:
- بطني بتتقطع مش قادر تعبان.
ثم ألقى بنفسه بين أحضان زهرة وظنت أنه سيقع على الأرض من شدة الألم فأمسكت به بشدة قائلة:
- أنا مش قادر أقف على رجلي لو سمحتي اسنديني وساعديني أوصل لأقرب مستشفى أرجوكي.
حاولت إسناده رغماً عنها فلم تستطع الابتعاد عنه وهو في هذه الحالة كانت تخشى أن تتركه فيموت وتكون هي السبب.
فوضع ذراعه حول رقبتها مستندًا على كتفيها من الخلف وبدا كأنه يحتضنها بشكل غير لائق فلم تستطع الصبر أكثر من ذلك وحاولت مقاومته والابتعاد عنه قائلة:
- لو سمحت مش هينفع كده. حاول تمسك نفسك شوية وتستناني هنا هشوفلك تاكسي يوصلك للمستشفى.
أجاب في تعب شديد مشيرًا إلى مقعد صخري في الشارع:
- طيب وصليني أقعد على المقعد ده وشوفيلي تاكسي ربنا يجازيكي خير عني أنا بموت.
وافقت وساندته حتى يصل إلى المقعد ثم حاول الجلوس وفي ذلك الأثناء تشبث بذراعها وجذبها حتى سقطت بجانبه فوضع ذراعه خلف كتفها ثم ضمها إليه وهو يصرخ في ألم، أبعدته عنها وهي تتأفف وتستغفر وقد نفذ صبرها فقامت قائلة في غضب:
- أنت متأكد إنك تعبان بتموت ولا أنت إيه قصتك بالضبط!!
أجاب وهو يمسك موضع الألم وينطق بصعوبة:
- تعبان طبعًا يا أستاذة سامحيني ثقلت عليكي أنا ظروفي صعبة ومقدرتش أستنجد بحد ولقيتك أنتِ قدامي، أنا آسف خلاص سيبيني وأنا هتصرف. ثم صرخ في ألم:
- ااااه..
وادعى أنه يستفرغ ما بمعدته فاعتذرت زهرة وذهبت مسرعة لتحضر التاكسي وتركته جالسًا ينتظرها.
بعد مرور خمس دقائق من الانتظار استوقفت تاكسي ثم عادت به إلى نفس مقعده فلم تجده!
قالت في تعجب حينما سألها سائق التاكسي:
- فين يا أستاذة الشاب اللي بتقولي عنه، ما فيش حد.
- إزاي ده كان قاعد هنا دلوقتي.
أخذت تبحث عنه بعينيها ومررت ناظريها في المكان يمنة ويسرة.
لكنه اختفى تمامًا.
فقررت أن تجعله يعود بها إلى المنزل وهي تشعر بالغضب تجاه ما حدث وتستغفر الله.
***
أنهى سليم عمله وذهب إلى مكتب والده ليعودا معًا فأخبره المنشاوي:
- يلا نروح أنا كمان خلصت شغلي. صحيح اعمل حسابك كريم كلمني من شوية وقالي إنهم جايين يشوفوا فريدة النهاردة عشان تكون قاعد لما يجوا.
أجاب سليم:
- حاضر.
تساءل المنشاوي في تعجب:
- إيه مالك كده مسهم ليه. في مشكلة ولا حاجة!
تنهد سليم في ضيق فقال:
- لا يا حبيبي متشغلش بالك أنا كويس.
تعجب المنشاوي لكنه أجاب:
- يا رب تكون كويس فعلًا. يلا.
قالها ثم غادر وخلفه سليم عائدين إلى الفيلا.
***
*في النادي*
جلست رنا وريم تتنفسان بصعوبة بعدما توقفتا عن الجري فقالت ريم:
- أمال فين لينا مش كانت عاملة فيها واحدة من عصابة المافيا، مجتش ليه النهاردة تعرفنا إيه اللي هيتم في الموضوع!
ردت رنا في هدوء وهي تنظر في هاتفها:
- دلوقتي تيجي، هي مأكدة عليا إنها جاية. وبعدين طول ما الفلوس حاضرة يبقى لينا حاضرة.
قالت ريم في دهشة:
- والله صدقتي، جبنا في سيرة القط جه ينط.
اقتربت منها لينا قائلة:
- طيب خافي على نفسك لا يخربشك بقى.
ضحكت ريم بينما تساءلت رنا في جدية:
- ها. هاتي ما عندك.
تنهدت لينا فقالت:
- طيب صبرك عليا آخد نفسي حتى!
وبعدين مش هتعزموني على حاجة ولا إيه.
ردت رنا في نفاذ صبر:
- يا ستي اطلبي اللي يعجبك بس خلصيني عملتي إيه.
أجابت في ثقة:
- لا من ناحية عملت. فأنا عملت.
ردت ريم:
- أنتِ يا بنتي عايزة تشليني ما تجيبي من الآخر الله!
وضعت يدها في حقيبتها أخرجت ظرفًا مجهولًا ما يحوي بداخله ثم مدت يدها به إلى رنا وما إن مدت يدها لتأخذه منها حتى سحبت يدها للخلف قائلة:
- لأ يا حلوة مش قبل ما تديني حقي!
تأففت رنا فقالت:
- هديكي اللي عايزاه بس وريني معاكي إيه.
أجابت في عناد:
- لأ معلش أنا بمشي بمبدأ توتو على كبوته!
تعجبت ريم فقالت:
- لأ شبح شبح يعني ما فيش كلام.
أما رنا فسحبت حقيبتها في غضب وأخرجت منها الكثير من المال ألقت به على الطاولة ثم أخذت ما بيد لينا.
لم تهتم لينا للطريقة لكنها أخذت تقوم بعد المال بينما فتحت رنا الظرف وهي تقلب بين محتوياته في دهشة وصدمة قائلة:
- يا بنت اللعيبة! ده أنتِ أفكارك جهنمية!!
تساءلت لينا في ثقة فقالت:
- بذمتك أستاهل ولا ما أستاهلش!
ردت قائلة:
- لأ تستاهلي ونص.
كذلك قالت ريم:
- أنتِ مش معقولة. بقى أنتِ يطلع منك كل ده! أنا أخاف على نفسي منك بقى.
انتهت لينا من عد المال ثم وضعته في حقيبتها وأسندت ظهرها للخلف قائلة في ثقة:
- طول ما أنتِ صاحبتي وحبيبتي يبقى ما ينفعش تخافي مني أبدًا.
نظرت لها ريم دون أن تتفوه بكلمة في إعجاب شديد بينما كانت تفكر رنا ماذا ستكون الخطوة التالية فيما بدأته.
***
وصل المنشاوي وسليم إلى الفيلا وبعد مرور ساعة أعلن جرس الباب عن وصول كريم ووالديه فذهبت الخادمة فتحت لهم الباب واستقبلتهم بدرية في ترحاب شديد ثم اصطحبتهم إلى غرفة الضيوف وكذلك ذهب إليهم سليم والمنشاوي.
دلفت عليهم سماح ومعها الخادمة تحمل بين يديها كاسات العصير.
وبعدما انتهى كريم من العصير طلب من سماح اصطحابه إلى غرفة فريدة ليطمئن عليها حاملًا في يده هدية قد أحضرها إلى فريدة.
فدلفت سماح أولًا إلى غرفة فريدة ثم دعت كريم بعدما أخبرتها بقدومه للاطمئنان عليها.
وبعدها تعمدت تركهم بمفردهم لتترك لهم المساحة للحديث فقد كان كريم طموحها الجديد لابنتها عوضًا عن سليم.
امتلأت الغرفة بعطره فور دخوله ثم جلس على الكرسي بجانبها فقال:
- عاملة إيه يا فريدة ليكي وحشة والله.
أجابت:
- أنا كويسة يا وش الهنا. أنت إزيك.
تساءل في حيرة:
- وش الهنا إزاي يعني مش فاهم؟
أجابت:
- الهنا اللي أنا فيه.
أومأ برأسه ثم قال:
- آه ده أنتِ لسه زي ما أنتِ لسانك متبري منك. عمومًا أنا مش هرد عليكي دلوقتي.
نظرت له في إعجاب تتفحصه من أعلاه لأسفله قائلة:
- بس إيه الشياكة دي كلها.
أمسك بياقة قميصه قائلًا في غرور:
- عيب عليكي ده شيء أساسي، أقل حاجة عندي. عجبتك مش كده.
أجابت في سخرية:
- آه الأزرق حلو أوي عليك. ما فيش منك برباط؟
بعدما ابتسم كريم في سعادة اختفت تلك الابتسامة فقال:
- ده على أساس إيه بقى!
قالت في سرعة:
- رباط الهدايا يعني دماغك ما تروحش لبعيد. هو صحيح إيه العلبة الشيك القمر اللي أنت جايبها دي!
أمسك كريم بها فأبعدها عن ناظريها فقال:
- لأ مالكيش دعوة دي مش ليكي أنتِ ما تستاهليش حاجة حلوة طول ما لسانك طوله مترين كده. كان مفروض أجيبلك معايا مقص مش علبة شوكولاتة!
أجابت في سعادة:
- شوكولاتة!
ثم ضيقت عينيها في شك قائلة:
- أنت بقيت تدخلي من ثغراتي وكده هبدأ أخاف منك!
ألقى كريم بعلبة الشوكولاتة بين يديها فقال في حنق:
- يا شيخة بقى. ده أنتِ نفسك تخوفي بلد.
سحبت الرباط لتقوم بفتح العلبة قائلة:
- صح عندك حق.
أخذت تأكل منها في سعادة وهو يتأملها بإعجاب ثم قال:
- مش كنا نمد وقت العملية ده شوية كمان.
قالت وهي تأكل ولا زالت تنظر في داخل العلبة:
- ليه يعني.
أجاب في حرج:
- كنت هقضي معاكِ وقت أكثر.
- وقت أكثر إيه يا كريم ده أنا ما صدقت خلصت منك تقولي وقت أكثر.
- هاتي يا بت أنا قلت أصلًا أنتِ خسارة فيكِ.
كذلك قال وهو يسحب الشوكولاتة من بين يديها.
فحاولت استعادتها منه مرة أخرى وعن دون قصد أمسكت بيده وهي لا زالت تحاول استعادتها منه، كان يراقب تلك النظرات الطفولية منها في إعجاب ولا زال يداعبها بمحاولته منع الشوكولاتة عنها حتى قال:
- هاديهالك بس الأول تقولي الصراحة.
نظرت له تتساءل:
- في إيه؟
- أنتِ فعلًا صدقتي تخلصي مني؟
تنحنحت في حرج ثم قالت:
- وليه طيب الإحراج ده.
- يلا قولي بسرعة!
- بصراحة لأ. أنا أكيد بهزر معاك، ما صدقتش أخلص منك ولا حاجة أنت. كنت حنين عليا ومساندني وواقف جنبي.
وأكيد لو حد مكانك ما كانش هيعمل كل ده معايا.
احمرت وجنتاها وهي تتحدث فقال مداعبًا:
- كل ده عشان الشوكولاتة!
ضحكت في خجل ثم لكمته على ذراعه قائلة:
- بطل رخامة بقى.
تنهدت وهي تزيح خصلات شعرها المتناثرة على وجهها قائلة:
- أنا بكلمك بجد أنت مش قلت لي أتكلم بصراحة! يبقى خلاص.
أخذ يحدق بها مطولًا والابتسامة تعلو ثغره فقالت في تعجب:
- في إيه يا كريم؟
فقال:
- إيه يا عيون كريم.
أجابت في دهشة:
- الله!
إنت بتبص لي كده ليه وإيه عيون كريم دي؟
قبل أن يجيب، سمع أصواتًا كثيرة أمام الباب، دلف بعدها والده ووالدته والجميع ليطمئنوا عليها.
انتهوا من جلستهم وغادروا، وكذلك ذهبت سماح لتنام، فكان يومًا شاقًا عليها، وكذلك فريدة بقيت في غرفتها تنتظر مكالمة كريم كما وعدها بأنه سيتصل بها فور عودته إلى المنزل. وفي غرفة سليم دلف المنشاوي وخلفه بدرية فقال:
تسمح لنا نيجي نتكلم معاك شوية ولا؟
قام سليم عن مقعده قائلًا:
طبعًا يا حبيبي أنت بتقول إيه؟
ثم وجه حديثه إلى بدرية فقال:
تعالي يا ماما اتفضلي.
أجابت في غيرة:
يعني هو حبيبي وأنا ماما بس كده؟
سحب يدها ثم قبلها في حنان قائلًا:
إزاي بس دا أنتِ الخير والبركة وحبيبتنا كلنا.
هتف المنشاوي:
طب بص يا سليم أنا جبت بدرية وجيت عشان نتكلم في موضوعك أنت وزهرة.
عقدت بدرية حاجبيها فقالت:
موضوعه هو وزهرة!
ازداد نبض سليم في خوف بينما أجاب المنشاوي:
أيوة. استنيتك ترجعي من السفر عشان نتفق، ونحدد وقت نروح نتقدم فيه رسمي لزهرة. قلتي إيه؟
أجابت في ضيق:
يعني أنت يا سليم خلاص قررت عايزها؟ مش لاقي غيرها من كل البنات اللي بتشوفها من أصحابك ولا في النادي ولا من العيلة حد مستوانا؟!
علق المنشاوي قائلًا:
مستوانا إيه بس يا بدرية اتقي الله هي كل حاجة عندك فلوس! وبعدين سبق وقولت لك البنت دي مسئوليتي وقريبتي، وبعدين بقى اللي متعرفيهوش زهرة دي ليها زي ما ليكي بالضبط وأكثر كمان!
أجابت على تعليقه قائلة:
أنت بتقارنها بيا وبتعليها عليا كمان على أي أساس!
بقى سليم يتابع حديثهم في صمت وخوف ينتظر نهاية ما سيتوصلوا إليه بعد كل هذا النقاش الحاد.
أجاب المنشاوي:
يا حبيبتي مقارنة إيه بس أنا بتكلم في الحق والمستحق. زهرة ليها ورث كثير قوي وبعدين هو آه ابني أولى بيها من الغريب وهيحافظ عليها وعلى حقوقها، بس أنا بردو عمري ما كان ميولي لفلوس، حتى ابنك، ما كانش يعرف بحاجة من كل ده وحبها لشخصها. أبوس إيدك بقى بطلي تخلي نظرتك للأمور محدودة كده!
أجابت في ضيق:
يعني الحق عليا إني كنت ببص لمستقبل ابني وخايفة عليه!
رد المنشاوي:
لا يا ستي ولا تخافي خالص كل حاجة تمام وزي الفل، وفوق كل ده البنت جمال وعلم ومال ومتربية أحسن تربية ودا بشهادة ابنك نفسه.
تساءلت:
يعني خلاص يا سليم أنت قررت؟
رد في هدوء:
أيوة يا ماما أنا بحب زهرة وعايز أتجوزها.
خلاص يا حبيبي ربنا يتمم لك على خير.
ابتسم في سعادة قائلًا:
آمين يا رب!
فقال المنشاوي:
يبقى تحضروا نفسكم هنروح نتقدم لها يوم الخميس!
تذكر سليم أمر الفتاة التي أخبرته بمقابلته في النادي بشأن زهرة يوم الخميس، لكنه نفض تلك الأفكار عن رأسه ولم يشغل عقله سوى بذلك اليوم الذي طالما انتظر حدوثه.
***
في اليوم التالي قررت رنا التعجل في الأمر، فطلبت من لينا إعادة الاتصال بسليم والتعجل في المقابلة.
كان في مكتبه يزاول عمله فوجد اتصالًا فأجاب:
ألو مين معايا؟
أجابته:
إيه لسه مش قادر تميز صوتي؟
هو أنتِ؟!
أيوة بالضبط كده، لازم تيجي النهاردة النادي الساعة ٩ ورا صالة البولينج. أول ما تكون هناك اتصل على الرقم ده وهتفهم كل حاجة، سلام.
أخفض الهاتف عن أذنه ليراها أغلقت الخط فشد على قبضة يده وضرب بها بقوة على المكتب ثم ألقى ما بيده وأجرى اتصالًا بصديقه في أمن الدولة أجابه:
سليم المنشاوي بنفسه بيكلمني!
سليم:
سيد باشا، ليك وحشة والله.
سيد:
وأنت كمان واحشني إيه أخبارك مختفي ليه كده؟
سليم:
في الدنيا والله ومشاغلها أنت عارف بقى، اسمع أنا عايز منك خدمة لو مش هتقل عليك.
سيد:
طبعًا يا حبيبي أنت تؤمر خليني أرد جميل من جمايلكم علينا.
سليم:
ما يأمرش عليك ظالم يا أخويا. بص يا معلم أنا معايا رقم كده هبعتهولك في رسالة، عايزك تعرف لي قراره وبتاع مين والعنوان وكل حاجة عنه وليك الحلاوة.
سيد:
بس كده! أنت تؤمر. اعتبر الموضوع خلص.
سليم:
ما اتحرمش منك يا غالي، أسيبك أنا بقى وهستنى منك مكالمة. سلام.
أنهى حديثه وأغلق الخط وعاد يستكمل عمله وهو يتوعد بالشر لتلك التي تتلاعب بأعصابه وتتجرأ على من ستكون زوجته بالقول والفعل!
***
وفي تمام التاسعة كان قد أوقف سليم محرك سيارته أمام النادي ثم اتجه بخطوات ثابتة صوب صالة البولينج. كانت دقات قلبه في تزايد يخشى ما ينتظره، لم يجد أحد فذهب خلف الصالة كان المكان يكاد يكون معتمًا إلا من قليل من الضوء الخافت، أخرج هاتفه يعاود الاتصال بتلك الفتاة المجهولة حتى وجد صوتًا أنثويًا ينادي عليه.
رفع بصره إلى مصدر الصوت!
هي فتاة على قدر من الجمال، ذات قوام ممشوق وعيون واسعة وجريئة عسليتين وشعرها الذي يشبه لون عينيها الطويل المموج، تتعمد في ملابسها ارتداء أضيق الملابس التي تظهر أقل ما تستر، ودائمًا ما تكون على مطمع من الجميع إلا سليم الذي ينظر لها دائمًا على أنها فتاة مثل الحلوى العارية الملوثة التي لا ينجذب إليها إلا الذباب، فكان لهذا منها رد فعل قوي يجعلها دائمًا تحاول لفت انتباهه إليها ولا ترى غيره!
نظر لها سليم فلم يستطع تمييز ملامحها في تلك الإضاءة الضعيفة فقال:
أنتِ مين!
اقتربت منه في هدوء قائلة بصوت خافت:
إيه مش عارفني؟
أجاب:
لأ معرفكيش. أنتِ مين وعايزة إيه بالضبط؟
اقتربت منه أكثر وجعلت كلتا ذراعيها تحاوط عنقه قائلة في خفوت:
ولا ريحة البرفيوم دي بتمثل لك حد معين؟
أمسك سليم بذراعيها بقوة وأبعدها عنه حتى آلمها فقالت:
آه إيدي. في حد يرمي النعمة من إيده كده!!
هتف في دهشة:
أنتِ رنا؟!!
عادت تقترب منه أكثر قائلة:
إيه مستغرب ليه تفتكر في حد غيري هيخاف عليك ويتمنى لك الخير؟
كادت أن ترفع يدها وتحتضنه كما فعلت من قبل فأمسك سليم بيدها بقوة قبل أن تصل إليه فقال غاضبًا:
بقول لك إيه اتكلمي بأدب وياريت تخلي إيدك جنبك وحافظي على المسافة دي بينا بدل ما أتصرف معاكِ تصرف ما يعجبكش.
ثم ألقى بيدها من جديد بعنف.
ثم استطرد قوله وهو يشير في وجهها بإصبع السبابة قائلًا:
وإوعي تفتكري إني جيت هنا لإني مش واثق في البنت اللي هتبقى مراتي وأم عيالي! أنا جيت هنا بس عشان أشوف مين اللي اتجرأ يجيب اسمها على لسانه وأقطع هوله كمان!
أجابت في خبث:
حيلك حيلك طالع فيا كده ليه؟ الحق عليا إني جبت لك صور لحبيبة القلب وهي بتخونك، عمومًا خلاص أنت الخسران.
همت لتغادر وأعطت إليه ظهرها تمثل أنها سوف تغادر المكان بهدف إغاظته، أمسكها سليم من ذراعها بعنف قائلًا:
تعالي هنا أنا لسه ما خلصتش كلامي ولا حسابي معاكِ.
أجابت في حنق:
بقول لك إيه قبل ما تهددني شوف الصور واحكم بنفسك.
ثم مدت يدها إليه بظرف يوجد بداخله مجموعة من الصور.
أخذهم منها بعنف وكان لا يصدق أبدًا ما تقول.
فتح الظرف ونظر إلى الصور الموجودة به ووجد ما لا يرضيه.
رفع بصره إليها في غضب ثم جذبها من شعرها وهو يقول في غضب:
جبتِ الصور دي منين ها! ومين اللي معاها في الصورة ده يا زبالة انطقي! فاكرة نفسك انتصرتِ عليها وإني خلاص كده هسيبها وأبص لواحدة شبهك!
هتفت في خوف وهي تتألم:
اوعى سيب شعري.
قاومته حتى استطاعت أن تفلت يديه من بين شعرها وقالت:
أنا مش فاهمة إزاي شايفها بعينك مع واحد ثاني وعادي كده مش قادر تصدق! زهرة بتخونك يا سليم فوق بقى. بص في الصور كويس وأنت هتفهم اللي بتعمي عينك عنه، والله أعلم بتعمل إيه ثاني من وراك دي واحدة خاينة ما تستاهلكش.
كان وقع الكلمات على مسمعه يفوق قدرته على التحمل فصفعها على وجهها بقوة مما ترك أثر أصابع يديه مرسومة على وجهها قائلًا:
اخرسي. زهرة دي أشرف منك ومن أمثالك إياكِ تجيبي اسمها على لسانك مرة ثانية. أنتِ فاهمة! أنتِ أحقر وأرخص من إني أصدق كلام ولا صور زي دي تطلع من تحت إيدك. وهدفعك ثمنها غالي قوي أنتِ وأي حد ساعدك في القرف اللي جوه دماغك ده.
ثم دفعها عن طريقه في غضب ووقعت على الأرض تبكي وتطلق عينيها بالشر وتنظر له بالتوعد حتى غاب عن ناظريها.
***
أخذ الصور بين يديه وذهب متجهًا إلى حيث زهرة، اتصل بها أولًا فأجابت:
ألو حبيبي عامل إيه؟
أجاب في جمود:
أنتِ فين!
أجابت بتعجب:
أنا في البيت، مالك بتتكلم كده ليه!
أنا جايلك. سلام.
أجابت وهي تتساءل في نفسها عن سبب ذلك الأسلوب معها:
سلام!
***
بعد عدة دقائق وصل سليم إلى بيت زهرة فتحت له سنية قائلة:
أهلًا يا سليم اتفضل. إزيك يا ابني؟
أنا كويس. فين زهرة!
ادخل اقعد طيب هنده لك عليها.
دلف إلى غرفة الصالون ينتظر إلى أن دلفت عليه زهرة في تشتت وقلق.
فلما وقع بصره عليها قال:
تعالي يا هانم اقعدي هنا جنبي كده.
جلست بالقرب منه وهي لا زالت لا تفهم ما الذي يحدث فقالت:
في إيه يا سليم؟ أنت كويس؟
أجاب في غضب:
زي الزفت.
اهدأ طيب وقول لي في إيه أنا عملت حاجة غلط؟
مد يده إليها بالظرف قائلًا:
اتفضلي شوفي. وفهميني إيه ده بالضبط!
سحبت الظرف منه وفتحته وأخذت تتأمل في الصور فوجدت نفسها واقفة وأمامها شاب يحتضنها والتالية واضع يده على كتفها وأخرى وهي ممسكة بذراعه وهو الآخر ممسك بذراعها والرابعة كانت تجلس فيها بين أحضانه. إنه ذلك الشاب الذي كان يدعي المرض وعدم القدرة على الوقوف من شدة التعب. ثم رفعت بصرها إليه تتساءل في ذهول:
إيه ده!
أجاب في غضب:
أنتِ بتسأليني أنا. أنا اللي المفروض أسألك إيه ده!
لحظة بس هو أنت بتراقبني وممشي ورايا حد يصورني!
أجاب:
أراقبك ده إيه أنتِ اتجننتِ! إيه اللي حصل يخليكِ في موقف زي ده وليه ما قولتيليش!
أجابت وقد احتقن وجهها غضبًا قائلة:
مش قبل ما أعرف مين اللي جاب لك الصور دي.
شد سليم على قبضة يده فقال في غضب:
زهرة!
متختبريش صبري في موقف زي ده وفهميني قبل ما أفقد أعصابي، مين اللي في الصورة ده وازاي كنتي واقفة معاه كدة.
بدأت تقص عليه في توتر وضيق ما حدث ذلك اليوم الذي استأذنت فيه لتغادر بعدما أنهت ما لديها من عمل ومقابلتها لذلك الشاب وما حدث منه بالتفصيل إلى أن جاءت إليه بالتاكسي ولم تجده!
فتساءل:
- وليه مقولتليش على اللي حصل ده!
- هوا جه وقت مناسب نتكلم فيه أساسًا! ما إنت دايماً مش فاضي وعندك مشاوير وشغل.
ثم استطردت قولها في غضب قائلة:
- أقدر أفهم بقى إزاي الصور دي اتصورت وإزاي وصلتلك! أنت بتشك فيا يا سليم؟ مش واثق فيا للدرجة دي! ولما هوا كدة مكمل معايا ليه من الأساس.
ثم بكت في حرقة قائلة:
- على فكرة أنا ميهمنيش أي حاجة طالما هعيش مع واحد مش بيثق فيا وبيراقبني!
ثم هبت واقفة في غضب وهي تبكي قائلة:
- أنا مش هكمل معاك يا سليم.
قال في هدوء:
- خلصتي!
بقيت صامتة لا تجيب فجذبها من ذراعها لتجلس بجانبه من جديد فقال:
- مش عيب عليكي أنا أشوف صور زي دي وأجي أسألك وأسمع منك وإنتي تحكمي عليا وتقولي كل الكلام ده من قبل حتى ما تسمعيني! إنتي مش عارفة بسبب الصور دي أنا عملت إيه عشانك ولسة هعمل إيه! يابت أنا بثق فيكي وعارفك على إيه وعارف إني حتى لو شوفتك بعيني هبقى فاهم إنتي جواكي ونيتك إيه أنا مش عيل صغير يا زهرة.
أجابت وهي تبكي في قهرة:
- آه بدليل إنك جاي تزعق فيا وتتشخط عليا وتعمل اللي عملته ده صح!
أمسك بيدها قائلاً:
- أنا كل اللي كان معصبني كدة حاجة واحدة بس، إنك معرفتنيش بالموقف اللي حصل معاكي ده.
سحبت يدها من بين يديه ثم أخذ يمرر أصابعه على وجنتيها مزيلاً أثر تلك الدموع عن عينيها ووجنتيها قائلاً:
- أنا هفهمك كل حاجة.
قص عليها كل شيء منذ البداية بشأن صديقات النادي وما حدث قبل قليل ثم قال:
- أنا متأكد إنها مش لوحدها اللي عملت كل ده، وصدقيني هجيبلك حقك لحد عندك يا زهرة ومبقاش راجل لو دا محصلش.
أخفضت رأسها وهي تبكي على سذاجتها وكيف تحملت ذلك اللعين وساندته حينما ظنت به ألمًا حقيقيًا ويود المساعدة.
رفع سليم وجهها للأعلى قائلاً:
- متبصيش للأرض أبدًا إنتي أشرف وأجمل وأنقى بنت شافتها عيني. محصلش منك إلا اللي كان أي حد مكانك هيعمله متزعليش.
ثم جذبها إلى حضنه وأخذ يربت على كتفها بحنان قائلاً:
- أنا آسف بالنيابة عن كل حد وكل حاجة زعلتك حتى عن نفسي.
أبعدته عنها برفق فقالت:
- خلاص حصل خير وبعدين متستغلش الموقف كتير.
ضحك في حرج فقال:
- قصدك يعني عشان مسكت إيدك وأخدتك في حضني؟ يا هبلة دا حضن بريء. أنا بواسيكي وبعدين إنتي بتاعتي عاجلاً أو آجلاً إنتي ليا.
فلما ضحكت زهرة وبدأت تهدأ دلفت سنية تحمل عصير الليمون فجلست دون أن تنطق بكلمة، نظرت لها زهرة في تعجب وكذلك سليم ثم نطقت أخيرًا:
- طبعًا انتوا فاكريني كل ده نايمة على وداني ومش سامعة صوتكوا اللي جايب آخر الدنيا.
أخفضت زهرة بصرها ولم تنطق فاستطردت سنية قولها:
- أنا سمعت كل حاجة حصلت ومحبتش أتدخل بينكوا، وكنت مستنية أشوف النقاش الغريب دا بينكوا هيوصل لحد فين بما إنكوا هتكونوا زوجين في المستقبل، ولا دي هتكون أول ولا آخر مرة تتخانقوا فيها.
أزاح سليم بصره بعيدًا في حرج فقالت:
- بس أنا اتطمنت عليكوا إن مهما حصل سليم هيكون ليكي ونعم السند يا بنتي وعمره ما هيظلمك ولا يجي عليكي ولا يسمح لحد إنه يأذيكي. يعني أقدر أموت وأنا متطمنة على بنتي إنها في إيد أمينة.
قام سليم يقبل يدها قائلاً:
- ألف بعد الشر على حضرتك، هتعيشي وتشوفيها في بيتها متهنية وتلعبي مع أولادها وكمان تجوزيهم.
ضحكت سنية فقالت:
- كل ده؟ ليه هنخلد فيها!
نظرت إلى زهرة التي لازالت تتساقط الدموع من عينيها فقالت:
- متزعليش يا بنتي يا بخت من بات مظلوم ومباتش ظالم.
أجابت من وسط دموعها:
- أنا مش مستوعبة معقولة في ناس ساكن في قلبها الشر للدرجة دي! ممكن بالسهل يدمروا حياة أي حد عادي كدة؟! يعني الواحد يقدم الخير ويكون المقابل شر!
أجاب سليم:
- معلش يعني إنتي الغلطانة بردو مهو مش أي حد تصدقيه كدة وتتعاطفي معاه! خليكي حذرة أكتر من كدة في تعاملك مع الأغراب، دي الدنيا مبقتش زي زمان. كان ممكن يخطفوكي بالسهل من ورا طيبة قلبك الزايدة دي يا حبيبتي.
هتفت سنية في صدمة:
- يا لهوي!
ردت زهرة قائلة:
- أنا بعد كدة لو شوفت حد بيموت قدامي مش هقرب منه.
أجاب سليم:
- ما فيش حد يقدر يأذيكي طول ما أنا جنبك.
علقت عليه سنية:
- ربنا يصلح حالكوا يا حبايبي.
رد سليم:
- آه صحيح كنت هنسى، يوم الخميس الجاي بابا وماما جايين معايا هنا نتقدم رسمي لزهرة هانم.
ابتسمت زهرة في خجل وسعادة وكذلك قالت سنية:
- ربنا ييسرلكوا أموركوا ويفرحني بيكوا يا حبايبي.
أجاب سليم:
- تسلمي يا ماما سنية. أنا لازم أمشي بقى الوقت اتأخر. هتعوزوا مني أي حاجة؟
نظرت له سنية وقالت:
- سلامتك يا حبيبي.
وردت زهرة:
- سلامتك لما تروح كلمني.
أجاب:
- حاضر إن شاء الله.
ثم خرج من المنزل وقام بتقطيع الصور إلى أجزاء صغيرة جدًا ثم ألقى بها في القمامة وهو يتوعد بالشر إلى رنا وأصدقائها.
رواية زهرة الفصل الثامن عشر 18 - بقلم ندي أشرف
في اليوم التالي، استيقظت زهرة في حماس وسعادة. خرجت من غرفتها ترتدي ملابس رائعة كما اعتادت أن تفعل، فوجدت سنية تنتظرها وتردد: "يا صباح الخير ياللي معانا، ياللي معانا.. الكروان غنا وصحانا يا صباح الخير ياللي معانا.. ياللي معانا.."
فقالت زهرة:
- صباح الخير يا ست الكل. إيه الصوت القمر ده؟ ربنا ما يحرمني من الاستبشار بجمال وشك عالصبح كده..
ضحكت سنية في سعادة وقالت:
- صباح الفل والياسمين عليكي يا قلبي. يلا تعالي، أنا سبقتك عشان أحضرلك الفطار تاكلي لقمة قبل ما تمشي..
تقدمت منها زهرة في حماس قائلة:
- مع إني بفطر مع صحابي وسليم هناك، بس مش هضيع تعبك وفطاري النهاردة معاكي انتي يا ست الكل..
قدمت سنية كوب الشاي إلى زهرة قائلة:
- تعالي يا حبيبتي بالهنا والشفا على قلبك..
ثم هتفت تتسائل:
- ناوية تلبسي إيه بكرة بقى لما يجي سليم وباباه ومامته؟
ارتشفت زهرة رشفة من الشاي ثم قالت:
- والله مش عارفة يا ماما، بس إن شاء الله تتدبر يعني.. النهاردة لما أرجع هنرتب مع بعض البيت ونشوف هنلبس إيه..
أجابت:
- ماشي يا حبيبتي، ربنا يهنيكي يا زهرة ويسعدلي قلبك يا حبيبتي ويكفيكي شر الناس..
- يارب يا ماما يارب.. أنا دوب أتحرك بقى عشان متأخرش..
وفجأة جاءها اتصال هاتفي، فنظرت به فوجدته سليم. أجابت:
- صباح الخير يا حبيبي..
- صباح النور يا قلبي، يلا انزلي..
- ما أنا كنت نازلة، هوا أنا اتأخرت ولا إيه؟
- لأ، انزلي أنا مستنيكي تحت، مش هسيبك تروحي وتيجي لوحدك تاني..
- ليه بس كده يا سليم، هتعبك معايا..
- يا ستي خلصي تعالي نتكلم تحت، يلا مستنيكي، سلام.
أغلقت الخط ونظرت إلى سنية فقالت:
- دا سليم بيقولي مش هسيبك تروحي وترجعي لوحدك تاني ومستنيني تحت.
أجابت سنية:
- طيب الحمد لله، أهو طمن قلبي برضو بدل ما تمشي لوحدك.
همت زهرة لتغادر فقالت:
- طيب يا حبيبتي، يلا سلام.
- سلام يا بنتي في رعاية الله.
***
هبطت للأسفل حتى وصلت إلى سليم واستقلت السيارة بجانبه، فقال:
- كل ده عشان تنزلي يا زهرة هانم..
أجابت:
- معلش يا حبيبي، كنت بجمع حاجتي بس.
تسائل:
- فطرتي ولا نعدي نجيب فطار؟
أجابت:
- لأ، أنا فطرت مع ماما قبل ما أنزل.
ضيق عينيه فقال:
- خاينة.. طب كنتي أعزميني أفطر معاكي..
ضحكت فقالت:
- والله ياريت، بس مكنتش أعرف إنك هتعدي عليا نروح مع بعض. مش شايف طيب إن ده تعب ليك كل يوم كده؟
أجاب مازحاً:
- لأ، ما أنا هخصم تمن البنزين من قبضك.
أجابت ضاحكة:
- ياسلام..
نظر لها ثم رد:
- تصدقي جتلي فكرة كويسة أوي.. ما أنا أتكلم مع بابا يخليكي تشتري عربية تبقى بتاعتك لمشاويرك عشان مبقاش خايف عليكي.. إيه رأيك؟
أجابت في دهشة:
- عربية إيه بس ياسليم، هوا أنا بعرف أسوق أصلاً!
- متحمليش هم، أنا هعلمك.. يلا انزلي، وصلنا.
هبطت من السيارة وسار بجانبها سليم ثم أمسك بيدها وهو يتصنع اللا مبالاة، فسحبت يدها قائلة:
- سليم!
نظر في الجانب الآخر ثم نظر لها وكأنه لا يشعر بنفسه فقال:
- إيه ده، هوا أنا مسكت إيدك؟ تصدقي مأخدتش بالي!
ضحكت زهرة في سعادة ولم تُجب، فدَلفت إلى الداخل وهو خلفها، ثم ذهبت مباشرةً إلى مكتبها وهي تقول له:
- نتقابل في آخر اليوم بقى..
استوقفتها السكرتيرة قائلة:
- آنسة زهرة.. المنشاوي بيه عايزك..
تسائلت زهرة في تعجب:
- عايزني أنا! طيب تمام..
ثم قالت في نفسها: ياترى عايزني في إيه..
أطرقت على باب المكتب فسمح لها بالدخول، فدَلفت في هدوء وأغلقت الباب خلفها، فقال:
- تعالي يا زهرة.. اتفضلي يا بنتي.
أجابت في خجل:
- تسلم يا منشاوي بيه، حضرتك كنت عايزني صح؟
- آه عايزك ثواني..
قام عن مقعده ثم فتح باب خزنته وأخرج منها مبلغ كبير من المال ووضعه أمام زهرة.
نظرت له في صدمة قائلة:
- إيه ده يا منشاوي بيه!
أجاب:
- ده يا ستي مبلغ بسيط.. ٣٠٠ ألف جنيه.
أجابت في صدمة:
- ٣٠٠ ألف جنيه!! مبلغ بسيط؟ أعمل بيه إيه.. أنا عمري ما مسكت مبلغ زي ده في إيدي ولا شوفته بعيني حتى..
ثم ضحكت فقالت:
- أكيد حضرتك بتهزر معايا مش كده!
ضحك فأجاب:
- لا، أنا عايزك تتعودي من هنا ورايح على المبالغ اللي زي دي، إنتي واحدة صاحبة ورث.. ورثك بقاله سنين شغال ومنتج وبعدين ده نسبة من الأرباح.. إنتي أصلاً مش محتاجة تشتغلي وتتعبي، ده إنتي ترتاحي في بيتك وتشغلي ناس تحت إيدك، أنا بس سايبك تعملي اللي يريحك في حياتك ومش عايز أفرض عليكي أي شيء.
تبدلت ملامح زهرة للجمود فقالت:
- لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، دا الموضوع طلع بجده.
نفخ المنشاوي:
- يلا يا زهرة بقى، هتفضلي متنحة كده كتير؟ شيلي الفلوس دي في شنطتك وإعملي حسابك هتروحي بدري النهارده مع سليم وهوا هيقولك على الباقي بقى..
قامت بتجميع المال ووضعته في حقيبتها، ثم غادرت بعد أن شكرت المنشاوي على أمانته وكرمه.
بعدما دَلفت إلى مكتبها جلست وبكت بشدة، ثم خرت على الأرض ساجدة تشكر الله وتحمده على كرمه وفضله وتدعو إلى والدها بالرحمة والمغفرة، ثم قامت وبدأت تستعيد رونقها وجلست تبدأ في عملها.
***
في مكتب سليم، جلس يعمل، فقاطعه اتصال من صديقه سيد، فأجاب:
- حبيبي يا سيد باشا، كنت عارف إنك مش هتنساني.
جاءه الرد في حماس:
- منا قولتلك أعتبره حصل.. اسمع بقى ياسيدي.. صاحبة الخط ده واحدة اسمها لينا مراد أحمد.. ساكنة في مدينتي وأبوها ده راجل أعمال.. كل حاجة بالتفصيل هبعتهالك في ميل.
قال سليم:
- حلو أوي، أنا كده عرفت مين اللي ورا المصايب دي كلها.
تسائل سيد:
- بس مالها البت دي عملت إيه بالظبط!
قص سليم عليه الأمر برمته فقال:
- لأ يا معلم، دي تسيبها لي.. واعتبر الشاب اللي عمل كده وكمان البأف اللي صور في جيبك.. هوا يوم بليلة، يومين بالكتير أوي وهجيبك بنفسك تشوف حابب تعمل معاهم إيه.. خلصانة؟
أجاب سليم:
- دي خلصانة ومعاها حصانة كمان.
ضحك سيد فقال:
- وإلا حصانة دي في الحفظ والصون.
ثم ضحك فقال:
- أسيبك أنا بقى وأي جديد هتلاقيني برن عليك، ماشي!
سليم:
- ماشي يا حبيبي، سلام.
أغلق الخط وهو يتوعد: "ليلتك سودا معايا يا لينا.. بس لما أشوفك."
***
*في فيلا الشربيني*
اجتمعت العائلة على مائدة الطعام.
فقال الشربيني:
- قولي يا كريم..
أجاب:
- نعم يا بابا. أقولك إيه!
- كنت قاعد مع فريدة بقالك شوية كده لوحدكوا، بتتكلموا طبعاً..
شعر كريم بالحرج فتنحنح ثم أجاب:
- آه، ما إحنا بقينا أصحاب..
أجابت سارة وهي تضحك:
- أصحاااب.. أيوووة.
نكزها كريم بقدمه من أسفل الطاولة، فنظرت له وهي تكتم ضحكاتها فصمتت.
فاستطرد والده قوله يتسائل:
- أمال بتتكلموا في إيه يعني.. متأكد إنكوا أصحاب، مافيش مشاعر كده ولا كده؟
تسائل كريم في حرج:
- حضرتك عايز توصل لإيه بالظبط يا بابا؟
ردت والدته سمية:
- عايزين نفرح بيك يا كريم بقى.
علقت سارة قائلة:
- باين كده إن في بينهم chemistry يا بابا وكريم لازم لازم يصلح غلطته..
ضحك أدهم فقال:
- والله انتوا دماغكم رايقة، أنا هسبقك يا بابا على الشركة وإنت خلص فطارك براحتك وتعالى ورايا..
أجاب الشربيني:
- لأ، استنى أنا جاي معاك..
ثم وجه حديثه إلى كريم قائلاً:
- كلامي معاك لسه مخلصش ها..
رد كريم فقال:
- يعني لو قولتلك إني معجب بالبنت دي وحابب أخطبها هتنبسط؟
ابتسم الشربيني فقال:
- أنا نظرتي متخيبش.. كنت عارف إنها شاغلاك.
ضحكت سمية فقالت:
- بصراحة عندك حق، مشوفتش كان متشيك إزاي وحريص جداً يجيبلها هدية قيّمة، هوا كريم من إمتى وهوا بيهتم بالأمور دي..
قالت سارة:
- تصدقوا خليتوني نفسي أشوفها جداً، فريدة دي..
تسائل كريم:
- يعني أبتدي آخد خطوة، إنتوا شايفين كده؟
رد الشربيني:
- آه، هستنى منك رد النهاردة، لو البنت وافقت مش هيعدي الشهر ده إلا وانت خاطبها، يلا أنا همشي سلام..
كانت سارة تشعر بالحماس الزائد والفرحة تملئ قلبها، فانقضت على كريم في سعادة قائلة:
- أخويا أنا أخيراً حب بنت وهيخطبها..
احتضنها كريم في سعادة قائلاً:
- يخرب بيت جنانك، هتوقعيني.. يلا عقبال ما أفرح بيك يا صغنن إنت..
ابتعدت عنه قائلة في جدية:
- لا يا حبيبي، أنا ابعدني خالص عن الكلام ده، أنا وأي راجل مش بنتجمع مع بعض في جملة واحدة.
داعبها كريم قائلاً:
- إيه هوا ميولك غير اللي كل الناس عارفاه ولا إيه؟!
لكمته على كتفه فقالت:
- إيه ده يامقرف إنت، لأ طبعاً.. أنا أقصد إني مش بالساهل يعجبني حد ومش شاغلني الموضوع.. وأصلاً يعني عندي طموح ومستقبل أهم بكتير من الكلام ده..
ردت سمية:
- اتنيلي بس وتعالي شيلي معايا الأكل بلا طموح بلا مش عارفة إيه.
قال كريم في سخرية:
- أيوة يلا عالمطبخ..
نظرت سارة له باستعلاء فقالت:
- على الأقل أنا شاطرة جوه البيت وبرا البيت، إنما إنت قدراتك محدودة.. يا عديم الموهبة.
تركها كريم وغادر يتحدث إلى فريدة قائلاً:
- خليها ليكي انتي يا أم موهبة.
***
قام سليم في الموعد الذي حدده المنشاوي، ثم توجه إلى مكتب زهرة وأخذ يطرق على الباب حتى جاءه الصوت من الداخل:
- أدخل..
دلف إلى الداخل في حماس قائلاً:
- يلا يا حبيبتي هنمشي..
أجابت وهي لازالت منشغلة بما لديها من أعمال قائلة:
- بس أنا لسه مخلصتش شغلي!
تقدم إليها ثم سحبها من يدها قائلاً:
- اقفلي اللاب توب ده ويلا هنمشي، قولت.. خلصي الشغل بكرة عادي، مايجراش حاجة.
أغلقت الحاسوب ثم قامت وهي تتسائل:
- مالك بس مستعجل أوي كده ليه؟
رد قائلاً:
- أنا كده من أكتر اللحظات اللي بحبها في حياتي هيا اللحظة اللي بخلص فيها شغلي وأمشي منه.. بحس إني كنت في سجن وخلاص بقيت حر.
خرجا من الشركة فاستقل سيارته وكذلك جلست زهرة بجانبه فقال:
- مستعدة لمجهود ممتع؟
أجابت:
- ممتع إزاي، إحنا هنعمل إيه؟
أجاب:
- هنروح نشتري لبس وحاجات كتير.. كتير أوي..
أجابت:
- خليني أكلمك أنا عن أسوأ لحظات حياتي.. إني بكره الشوبينج جداً، مبحبش اشتري لبس خالص.. أي حاجة تانية عادي بكون مبسوطة بس اللبس لأ..
أجاب في حماس:
- هتعدي وهتنبسطي، هاخدك عند المول اللي غالباً بنشتري منه وحاجتهم تجنن..
بعد مرور بضع دقائق وصلوا وأوقف سليم محرك السيارة وذهبوا للتسوق.
مرت في البداية على قسم الملابس وقامت بشراء العديد من قطع الفساتين التي قامت باختيارها هي وسليم معاً، وكذلك سليم قام بشراء ملابس مناسبة لنفس ألوان ملابس زهرة، وشعرت حينها أنها أول مرة على الإطلاق تشعر فيها بهذا الكم من السعادة والحماس في شراء الملابس.
ثم انتقلوا إلى متجر آخر وقاموا بشراء ساعات مختلفة بماركات مميزة.
ثم قسم العطور، وذهبت إلى قسم الاكسسوارات، أحضر لها سليم خاتم رائع الشكل وعظيم القيمة، ثم قام بوضعه في إصبعها وسماه خاتم الوعد فقال:
- الخاتم ده لازم يعيش معاكي العمر كله، اسمه خاتم الوعد اللي هيفضل يفكرك طول حياتنا بإني بوعدك هتكوني معايا أسعد بنت في العالم وعمري ما هزعلك مني ولا أسمح لحد يجي عليكي..
ابتسمت في سعادة فقالت:
- أنا السعادة والفرحة وراحة القلب دخلت حياتي من يوم ما عرفتك.. إنت يا سليم صعب أوصفك بالكلام، بس أنا كمان بوعدك نفس الوقت وبتمنى من كل قلبي إن ربنا يقدرني وأخليك أسعد راجل في الدنيا..
قبّل سليم يدها فقال:
- ربنا ما يحرمني منك أبداً يا زهرة يا بنت عم عبد الحميد..
ابتسمت برضا فقالت:
- الله يرحمه يارب.. طول حياته ومماته وهو سبب سعادتي وكل خير جالي ولسه هيجيلي في حياتي.. كان أعظم وأحن أب في الدنيا..
رد سليم قائلاً:
- ربنا يرحمه يا حبيبتي.. يلا نمشي؟
همت لتغادر معه والدمع يترقرق في عينيها محاولةً إخفائه، فقالت:
- يلا..
عادت إلى المنزل في حماس وسعادة، فدَلفت تحمل بين يديها العديد من الأشياء، فوضعتهم أمامها، تسائلت سنية في تعجب:
- إيه يا زهرة الحاجات دي كلها!
أجابت:
- تعالي يا ماما أوريكي.. دا أنا اشتريت شوية حاجات يجننوا.. بصي أنا جبتلك إيه!
أخرجت مجموعة من العباءات مختلفة الطراز وجميعهم من نفس النوع الذي تُفضله سنية، فقالت:
- بس انتي جبتي كل الحاجات دي منين ياحبيبتي!
أخرجت زهرة من حقيبتها الأموال التي أعطاها لها المنشاوي وأجابت قائلة:
- خدي يا ماما.. شوفي المنشاوي بيه النهاردة طلبني في مكتبه وحط الفلوس دي قدامي بمنظرها ده كده وقالي دا جزء من الأرباح اللي كسبها بسبب فلوسي اللي مشغلها عنده.. أنا أكبر مبلغ مسكته في إيدي كان ميتعداش الـ ٥ آلاف جنيه، انتي متخيلة إنه أنا دلوقتي معايا ٣٠٠ ألف جنيه ناقصين بس فلوس الحاجات اللي اشتريتها دي!
هتفت سنية في سعادة:
- ياما إنت كريم يارب، دا باين كده خلاص طاقة القدر اتفتحتلنا..
ردت زهرة:
- أنا أكيد بحلم.. بس حلم جميل أوي مش عايزة أصحى منه.
***
دلف كريم إلى غرفته وأخذ هاتفه وأجرى اتصالاً بسماح والدة فريدة، فأخبرها بأنه معجب كثيراً بفريدة ويريد خطبتها، ثم قال:
- أنا عايز منك طلب قبل أي حاجة.
أجابت في سعادة:
- دا إنت تؤمر.
أجاب في توتر:
- الأمر لله وحده.. أنا عايزك تجسي نبض فريدة، يعني كلميها بينك وبينها ومتخلينيش في الصورة، شوفيها يعني لو أنا طلبت منها الجواز هيكون عندها قبول وميول ليا ولا لأ..
ودا لسببين..
تسائلت:
- سببين إيه بقى!
- الأول عشان محرجش نفسي معاها في الكلام والتاني عشان لو مكنش ليها ميول ليا بالجواز مخسرهاش كـ صديقة، حضرتك فاهماني طبعاً..
أجابت بتفهم:
- للدرجة دي حاببها ومش عايز تخسرها..
رد سليم في حرج:
- بصراحة، فوق ما تتخيلي كمان..
ابتسمت سماح في سعادة فقالت:
- ربنا يجعلها من نصيبك ويجعلك من نصيبها.. أنا هروح أتكلم معاها وهرد عليك على طول.
أغلقت سماح الخط وتوجهت صوب فريدة وهي تتراقص في سعادة وفرحة، وقبل أن تطرق على الباب استعادت السيطرة على نفسها، فجاءها صوت فريدة من الداخل..
- أدخل.
دَلفت سماح في هدوء فتسائلت:
- إيه حبيبتي عاملة إيه دلوقتي..
أجابت:
- الحمد لله كويسة.. بس أنا زهقانة أوي ومحتاجة أخرج.
- ما إنتي أصلاً هتخرجي..
هتفت فريدة في حماس:
- بجد يا ماما!
- اه هتبدأي جلسات العلاج الطبيعي!
انطفئت شعلة الحماس بداخلها فقالت:
- إيه يا ماما دا بس.. أنا نفسي أشوف أماكن جديدة، ناس جديدة، أشُم هوا جديد..
نظرت لها سماح في تردد فقالت:
- طيب إيه رأيك أكلم كريم يجي يتمشى معاكي بالعربية شوية!
زمت شفتيها في حيرة فقالت:
- كريم.. لأ، كريم لأ، أنا تقلت عليه جامد فالفترة اللي فاتت دي، فين سليم؟
أجابت:
- وانتي مين قالك إنك تقلتي عليه، هوا حد اشتكالك.. وبعدين سيبك من سليم خالص، هوا مش فاضي أصلاً.. وبعدين بقى، خالتك بدرية قالتلي حاجة الصبح وأظن إنك لازم تعرفيها..
تسائلت فريدة في خوف:
- قالتلك إيه!
- بكرة.. سليم هيروح يتقدم لزهرة.
نظرت سماح في عيني فريدة لتراقب كيف ستكون ردة فعلها وما هو تأثير وقع الخبر عليها، فأخفضت فريدة بصرها في جمود قائلة:
- مبروك..
استطردت سماح قولها:
- فريدة، هوا كريم لو طلبك للجواز هيكون إيه رأيك؟
تسائلت فريدة في غضب:
- هوا طلب منك تقوليلي كده! ولا انتي من نفسك بتقرري عن الناس مشاعرهم زي ما فضلت تقرري عن سليم مشاعره وتزرعي في قلبي محبته وفالآخر رماني زي الكلبة ويوم ما فكر يختار اللي تكمل معاه باقي عمره وتبقى شريكة حياته كانت بنت تانية غيري!
ردت سماح في توتر:
- حبيبتي إنتي جميلة وغالية وتستاهلي أحسن من اللي مكنش من نصيبك بكتير.. إنتي مش حاسة بقيمة نفسك!
هتفت فريدة في قهرة وهي تبكي دون إرادتها:
- يا ماما، سليم لو كان أحقر إنسان في الدنيا كنت بردو هختاره.. إنتي عمرك ما هتستوعبي أنا قلبي موجوع قد إيه على سليم اللي كان عشرة عمري وحبيبي وأخويا وصاحبي وهوا بيبعد عني ورايح يترمي في حضن بنت تانية غيري! أنا مش أولى بيه منها! أنا أحق بيه منها ومن أي بنت في الدنيا، أنا اللي كنت هفرشله الأرض ورد يمشي عليه وأعمل من صوابعي العشرة شموع يهتدي بيها في سبيل عتمته.. يا ماما أنا بعشق تراب رجليه، يعني إيه خلاص هيبقى لواحدة تانية غيري.. أنا ليه محدش حاسس بيا وبالنار اللي في قلبي! عمرها ما هتحبه قدي صدقيني!
انقهر قلب سماح لحالة ابنتها وما كان منها إلا أن جذبتها إلى أحضانها وأخذت تمرر أصابعها من بين خصلات شعرها وهي تحاول مواستها وتهدأتها فقالت:
- كل حاجة بتعدي يا فريدة، وبتيجي ناس تعوض غياب ناس تانيين.. مهما كانوا، حتى لو كانت نقطة القوة في حبك طول مدة العشرة والمواقف هتقدري تتعافي وربنا يستبدل في قلبك الحب اللي مش من نصيبك بحب جديد وهتفرحي فيه أكتر من الفرحة اللي كنتي متخيلاها في الشخص اللي مكنش من نصيبك، وهتقولي أنا إزاي كنت عايزة الحاجة دي وعامية عيني عن حاجات كتير أحلى وأحب لقلبي وهتسعدني أكتر وتريح قلبي وبالي أكتر..
قامت فريدة عن حضن والدتها فقالت:
- إزاي هقدر يا ماما!
أجابت:
- هتقدري يا فريدة.. إنتي مش أول ولا آخر قصة حب من طرف واحد، وياما ناس عانوا وتعبوا وانهاروا ومع الوقت قدروا يعيشوا وينسوا ويبدأوا حياة جديدة وضحكوا فيها من قلبهم بجد..
مسحت فريدة الدمع عن عينيها وتنهدت فقالت:
- ماما قوليلي بصراحة.. كريم طلب إيدي منك؟
أومأت في إيجاب فقالت فريدة:
- خلاص أنا موافقة بس على شرط!
تسائلت سماح:
- قولي يا حبيبتي شرط إيه!
أجابت:
- نمشي من هنا، نعيش في مكان بعيد عن خالتو وأسرتها شوية.. كل هدية جابها ليا سليم من غير ما أشوفها حتى، جمعيها وطلعيها لله.. عشان منحنش لكل ذكرى كانت بينا وأنا بتخلص منهم، ألبوم الصور اللي كنتي عاملاه لينا مع بعض، إحرقيه بعيد عن عيني بدل ما تفوح من دخانه ريحة أيامنا الحلوة وتضعف قلبي وتقهرني بزيادة.. أنا كمان هعمله بلوك من كل حاجة عندي عشان مشوفش كلامنا ولا هزارنا وهمسح كل حاجة بتتعلق بيه في حياتي وأنا نويت من كل قلبي إن ربنا يبدل حبه في قلبي بحُب تاني من نصيبي ويكره قلبي فيه..
هتفت سماح في عتاب:
- لأ يا حبيبتي تكرهيه ليه بس، مهما كان هوا إبن خالتك وعُمر الدم ما هيبقى مية، هوا مالوش ذنب فإن قلبه محبكيش زي ما قلبك حبه.. وكمان لما تحبي تنهي أي حب من حياتك متقطعيش الوصال بالكامل فجأة.. الحب يابنتي إدمان، حتى المدمنين لما بيتعافوا بيكون بالتدريج، فهماني يافريدة!
أومأت في هدوء.
فاستطردت سماح قولها:
- وبعدين كريم شاب زي القمر وأي بنت في الدنيا متحلمش بنظرة منه، وروحه حلوة وبيحبك واسمه على مسمى وجدع.. يستحق منك فرصة وقلبك يستحق إنك تديله فرصة تانية تصلحي فيه كل حاجة وجعته ودمرته وتسمحي للفرحة تدخله من جديد.. ولا إيه!
- حاضر يا ماما..
احتضنت سماح ابنتها بقوة ثم تركتها لتُخبر كريم بالموافقة، وبمجرد أن أغلقت الباب انغمست فريدة أسفل غطائها وظلت تبكي حتى كاد قلبها أن يتوقف..!
رواية زهرة الفصل التاسع عشر 19 - بقلم ندي أشرف
في اليوم التالي، وبعد انتهاء وقت العمل، عاد سليم والمنشاوي إلى الفيلا. كانت بدرية في انتظارهم، بينما كانت سماح تستعد للانتقال من الفيلا.
دلفت عليها بدرية فوجدتها تقوم بتجميع أشياءها. ما يبدو على فريدة ليس مبشراً بالخير، فقد بدت وكأنها أكبر من عامها الأصلي بأعوام.
تساءلت بدرية:
"إيه ده ياسماح؟ انتي بتعملي إيه؟ كنت جاية أناديكم عشان نتغدى!"
هتفت سماح في هدوء:
"بألف هنا ياحبيبتي.. أنا بجمع أي حاجة مهمة تخصني أنا أو فريدة وهننقل للفيلا بتاعتنا."
أجابت بدرية في تعجب:
"ليه بس؟ هوا حصل حاجة زعلتك من أي حد؟ وبعدين فيلا إيه اللي تنقلوا فيها دي مقفولة بقالها سنين واكيد غير صالحة للسكن."
أجابت سماح وهي لازالت تبحث بين الأشياء عن ما يخصها هي أو ابنتها:
"لأ ما أنا بعت ناس من الصبح بينضفوا فيها.. وزمانهم قربوا يخلصوا."
زمت بدرية شفتيها في ضيق وقالت:
"آه دا إنتي مبيتة النية بقى.. عموماً مش هضغط عليكي وهسيبك تعملي اللي يريحك، بس وقت ما تحبي ترجعي أنا بيتي مفتوحلك وهيفضل مفتوحلك طول العمر.. ماشي!"
احتضنتها سماح وقالت:
"طول عمرك سند ليا وعمرك ما قصرتي تجاهي، شكراً على كل حاجة."
ابتسمت بدرية وقالت:
"شكراً على إيه بس، إنتي اختي الصغيرة وبنتي وحبيبتي وواجب عليا أكون جنبك وأقدم لك كل اللي ربنا يقدرني عليه."
أحضرت سماح بعض الحقائب، ثم استدعت السائق فقام بوضعهم في السيارة. وقد استعدت كذلك فريدة للذهاب. فاستوقفتها بدرية في حنان وقبلتها عن اليمين وعن الشمال وقالت:
"هتوحشيني يا شقية يا صغننة انتي."
أجابت فريدة بعيون لامعة يترقرق الدمع بها:
"وانتي هتوحشيني أوي يا خالتي."
ودعتهم ثم عادت من جديد. فجلست على كرسي السفرة بجانب المنشاوي في ضيق. فتساءل:
"كل ده بتناديهم؟ دا أحنا خلاص قربنا نخلص غدا."
تساءل سليم:
"أمال هما فين؟ مجوش يتغدوا ليه؟"
أجابت:
"سماح وفريدة مشيوا."
قال المنشاوي:
"طب ومالك متضايقة كده ليه؟ أكيد راحت لكشف أو أي مشوار عادي.. في إيه؟"
ردت:
"لأ رجعوا الفيلا بتاعتهم وهيستقروا هناك تاني."
أجاب سليم:
"معقول! ليه كده فجأة يعني؟ بعد كل السنين دي إيه اللي خلاهم يفكروا كده فجأة."
ردت بدرية في حنق:
"مش عارف يعني خالتك وبنت خالتك مشيوا أو زعلانين ليه!"
رد المنشاوي:
"مالوش لزوم الكلام ده يا بدرية."
ثم مسح عن فمه بالمنديل وقام فقال:
"يلا خلصوا واجهزوا أنا طالع أستريح شوية وهجهز على طول."
أومأت بدرية فغادر المنشاوي. فقال سليم:
"ماما هيا فريدة فعلاً مشيت؟ عشان أنا رايح أتقدم لزهرة النهاردة!"
ردت في حزن:
"أيوة يا سليم.. كان عندها أمل كبير فيك تكون ليها، كانت بتحبك أوي."
أجاب في ضيق:
"ياريت كان بإيدي حاجة أعملها بس للأسف.. زي ما سبق وقولتلك أنا عمري ما شفت فريدة غير أختي ومافيش جوايا أي مشاعر تجاهها غير كده، عمري ما وعدتها بحاجة ولا عشمتها بحاجة، ولا عمري تعديت حدودي معاها في شيء.. يبقى أنا ماليش ذنب في حاجة من كل ده."
أجابت بدرية في حسم:
"خلاص يا سليم.. مهما حصل مش عايزة السيرة دي تتفتح تاني، يلا قوم اجهز وكلم زهرة عرفها إننا ساعة ونكون عندها."
٭ ٭ ٭
في بيت عبد الحميد، كانت زهرة تشعر بالتوتر وتدور في المنزل كالنحلة تحاول أن تجعل كل شيء أمام عينيها على أكمل وجه. استوقفتها سنية فقالت:
"يا حبيبتي خلاص كل حاجة بقت زي الفل، ركزي في نفسك بقى!"
تساءلت في حيرة:
"بجد يا ماما؟ يعني تمام كده كل حاجة كويسة؟ خلاص أنا هروح أجهز.. طب مافيش حاجة تانية محتاجة تتعمل؟"
"يا بنتي كفاياكي بقى، أنا لو في أي حاجة هعملها، يلا روحي."
ذهبت زهرة. وبعد مرور ساعة أخبرها سليم بأنه أسفل المنزل. دقائق وكان أمام الباب. استقبلته سنية بترحاب وسعادة.
دلت بدرية وهي لا تشعر بكامل السعادة، فكانت تنظر في الأرجاء وتدقق بالتفاصيل في اشمئزاز، وفي داخلها تكره الأمر ولا يوجد بداخلها حماس له.
جلست بجانب زوجها وبجانبهم سليم. دلفت عليهم زهرة في كامل أناقتها، وكانت هذه هي أول مرة يراها سليم بمساحيق التجميل. كانت جميلة بشكل لا يمكن وصفه، لكن ذلك انعكس على سليم بالسعادة الشديدة والفرحة التي تغمر قلبه.
عادت سنية تحمل العصير وهي تقول:
"شرفتونا والله والبيت نور بيكم."
أجاب المنشاوي:
"البيت منور بأصحابه يا مدام سنية."
وكذلك ابتسمت بدرية مجاملةً. أما سليم فكان يداعب زهرة بنظرات الإعجاب والتلميحات اللطيفة عن بعد. كان شارد الذهن بها، معلقاً ناظريه عليها فقط.
أما هي فكانت تتهرب من النظر إليه، يكاد الخجل يطق شراراً من وجنتيها.
هتف المنشاوي قائلاً:
"طبعاً يا مدام سنية، زهرة دي بنتي اللي مخالفتهاش، وأنا جاي أطلب إيديها منك لإبني سليم."
هتف سليم على سبيل المزحة:
"أنا بقول تبقى كتب كتاب على طول، هوا أنا لسه هخطب؟ دي زهرة خلاص بقت عشرة عمر."
ضحكت زهرة في خجل. فنظر المنشاوي إلى بدرية ثم إلى سنية فقال:
"طب والله فكرة! هوا ليه يخطبها والتمهيدات اللي ملهاش لازمة في حاجة خلاص إحنا عارفينها، سليم لزهرة!"
كان وقع الحديث على بدرية يُخيفها، ولا تدري ما سبب هذا الخوف. فكانت شاردة الذهن، خائفة ألا يندم ابنها على اختياره فيما بعد وتعجله في الأمر. فتساءل المنشاوي فقال:
"إيه رأيك يا زهرة!"
فقالت في حرج:
"اللي حضرتك تشوفه يا منشاوي بيه."
أجاب:
"إيه رأيك نبطل حكاية منشاوي بيه دي وتقوليلي يا بابا؟ إنتي خلاص هتبقي بنتي رسمي وتحت طوعي ومرات ابني فـ خلاص بقى."
قال سليم:
"خلاص على خيرة الله."
قال المنشاوي:
"اه صحيح.. أنا هجيب لكم شقة في أحسن كمباوند هنا.. ولو حابين تسكنوا في أي مكان تاني من اختياركم أنا معنديش أي مانع. الشبكة اللي عينك تيجي عليها وتعجبك هتختاريها مهما كان التمن.. وأنا بقى مباركتي ليكي يا زهرة.. هتكون العربية اللي سليم وعدك بيها إنه يكلمني عنها."
قالت زهرة:
"والله يا بابا أنا مش محتاجة حاجة من كل ده، يكفيني إني أكمل عمري مع سليم وربنا يكرمنا في حياتنا."
ابتسمت بدرية فقالت:
"مبروك يازهرة.. ربنا يسعدكم يا حبيبتي."
فقال المنشاوي:
"خلاص إحنا هنرتب أمورنا ونحدد معاد الشبكة وكتب الكتاب."
أطلقت سنية العنان لإطلاق الزغرودة. فكانت زهرة تنظر إلى سليم وتبتسم في سعادة وحب.
٭ ٭ ★ ٭ ٭
عودة إلى الواقع.
على إحدى المنصات الفخمة نودي على الاسم:
"هايا سليم المنشاوي."
قامت هايا عن مقعدها في حماس وسعادة، بينما كان يجلس أحمد ووالده ووالدته وزهرة يصفقون لها تصفيقاً حاراً أثناء استلام هايا شهادة تخرجها وجائزة حصولها على درجة الامتياز مع مرتبة الشرف.
وقفت تنظر إلى والدتها وقد لمعت عينيها في فخر وعزة فقالت:
"تسمحولي ألقي كلمة؟"
أجاب عميد الكلية:
"طبعاً يا هايا، إنتي بنت متفوقة واليوم يومك من حقك تحتفلي بالشكل اللي يعجبك وليكي كل الصلاحيات."
تقدمت منها إحدى منظمات الحفل وأعطتها الميكروفون، فأخذته منها هايا وتقدمت خلف منصة إلقاء كلمة في توتر، ترتجف يدها فقالت:
"طبعاً أنا أحب أوجه كامل شكري للست العظيمة اللي كانت سند ليا وضهر ودعم.. الست اللي كانت في حياتي دور الأم والأب مع بعض، اللي كانت بتاخد من راحتها وسعادتها وقوتها عشان تبنيني.. اللي استحملتني في كل مواقف تعبي وعصبيتي وربتني بالتفاهم والحنية.. اللي عمرها ما كسرتلي خاطر تحت دافع أو مسمى أنا بعمل كدة عشان مصلحتك.. هيا عشان مصلحتي دايما كانت بتستقبل مني الوحش قبل الحلو وتصلحه بالتفاهم والحنية والمكافئة، دي كانت بتكافئني على أقل حصيلة بحققها من أقل مجهود بعمله وبسببها قدرت أكون واقفة قدامكم دلوقتي.. شكراً لأستاذتي وأصحابي."
ثم وجهت بصرها إلى أحمد قائلة مبتسمة:
"ولكل حد هنا حبني من قلبه وكان واقف جنبي وبيدعمني.. وشكراً لحسن استماعكم."
انتهت على تصفيق حار ونداءات باسمها من أصدقائها ولكل من كان يحبها، حتى من كانت تساعدهم ولا تبخل عليهم بأقل معلومة في سبيل نجاحهم جميعاً، فكانت لها شعبية ومحبة واحترام من الجميع.
عادت إلى البيت بصحبة والدتها، بينما ذهب أحمد بصحبة والديه إلى منزلهم. فجذبتها زهرة من يدها وسحبتها إلى غرفتها فقالت:
"تعالى عايزة أوريكي حاجة."
ذهبت معها هايا لترى ما ينتظرها بالداخل. فكانت زهرة قد أعدت لها مجموعة من الهدايا التي سبق عبرت هايا عن رغبتها في الحصول بها.
زهرة:
"بصي بقى أنا جبتلك إيه.. الجيتار اللي كان نفسك فيه، واللاب توب الجديد اللي سبق وطلبتيه والقديم شوفي حابة تتصرفي فيه إزاي مش هقولك لأ، ودي بقى إفتحيها بنفسك."
أخذتها هايا في حماس فتحتها فوجدته صندوق عريض رائع يحوي بداخله ساعة وقلم ومحفظة ومفتاح.
أخذت هايا المفتاح وتساءلت في صدمة:
"إيه ده يا ماما؟!"
ابتسمت زهرة قائلة:
"مفتاح عربيتك الجديدة.. وأحب أقولك إن الهدية دي بالتحديد شارك فيها جدك المنشاوي.. آه صحيح أنا كلمته عن أحمد وقالي خليه يجي يتقدم فـ اعملي حسابك يوم الخميس هييجي يتقدملك رسمي وهيتكلم مع جدك."
احتضنها هايا بقوة وهي تتراقص غير مصدقة إلى كل هذا الكم من السعادة التي اقتحمت قلبها على حين غرة. وفجأة بهتت ملامحها وشعرت بالوجوم. عقدت زهرة حاجبيها وتساءلت في تعجب:
"إيه يا حبيبتي مالك؟ في حاجة ضايقتك؟"
تنهدت هايا قائلة:
"بفكر لو بس كان بابا معايا."
جلست زهرة بجانبها واحتضنتها في صمت، حتى أنها لم تجد ما تجيب به.
٭ ٭ ٭
في ذلك اليوم المنشود، جلس أحمد مع المنشاوي بيه يطلب منه هايا للزواج. فكان مرحباً بالأمر وتمت بينهم الاتفاقات. وكانت هايا طيلة هذه المدة منشغلة بالتحضيرات ليوم حفل خطبتهم.
أما زهرة فـ كعادتها بقيت منشغلة بالعمل تارةً وبأمور تحضيرات خطبة هايا تارةً أخرى.
قبل يوم الحفل بيوم، جلست زهرة على السفرة تكتب أسماء المدعوين بالحفل وأمامها هايا حتى هتفت قائلة:
"ها يا ماما كتبتي مين لحد دلوقتي؟"
أجابت:
"كتبت أسامي صحباتك البنات كلهم، وفريدة وكريم وسماح وجدك وجدتك، وكتبت اسم صاحبتي أحلام بأسرتها كلها."
تساءلت هايا:
"ماما صاحبتك أحلام دي اللي بنتها ميرا كانت معايا في كلية الحقوق صح؟"
أجابت:
"أيوة صح، وبنتها الكبيرة هايدي طبعاً، عارفة يا هايا لما بشوف هايدي بحس إنها شبهك أوي وبتفكرني بيكي دايما، ما هيا دكتورة قد الدنيا بردو.. ثم كتبت بجانبهم ويارا مجدي المصري."
تساءلت هايا:
"يارا أختهم الصغيرة مش كده؟"
"آه هيا.. وطبعاً كل واحدة هتيجي معاها جوزها."
تساءلت هايا:
"طيب ياحبيبتي أنا هسيبك تكملي القايمة وبعد العدد ما يتحدد ابعتيهم لأحمد عشان يعمل كروت الدعوة.. وأنا دلوقتي هروح ءأكد على حجز الفستان بتاعي وأشوفه اتظبط ولا لسة، أصل لازم أفضل متابعة وإلا هينسوني."
هتفت زهرة:
"صحيح معاكي حق، ماشي يلا روحي وابعتيلي هنية."
دقائق ودلفت عليها هنية تحمل بين يديها فنجان القهوة بنكهة البندق تتغنى قائلة:
"مشربش الشاي أشرب القهوة أنا مشربش الشاي.. زهرة هانم سمعت إن حضرتك عايزاني فـ قولت مدخلش عليكي إيدي فاضية."
ثم وضعتها أمامها قائلة:
"أصل أنا متأكدة إنك عايزاني عشان أعملك القهوة بتاعتك."
ضحكت زهرة فقالت:
"والله يا هنية الواحد مش عارف من غيرك كان هيعمل إيه، تسلم إيديكي.. بس أنا كنت عايزة حاجة تانية خالص.. اقعدي يا هنية."
تساءلت هنية في حيرة فقالت:
"أقعد فين هنا؟ أنا؟"
"أيوة ياهنية أقعدي بقى."
جلست في حيرة تقول:
"حاضر."
"بصي ياستي.. في أتيليه اسمه لامور، في الكارت ده عنوانه بالتفصيل، هتروحي عندها تقولي لها أنا تبع الدكتورة زهرة عبد الحميد."
أجابت:
"حاضر من عنيا وبعدين؟"
استطردت قولها:
"وبعدين إيه ياهنية! هتنقي بقى الفستان اللي يعجبك عشان تحضري بيه خطوبة هايا.. وتاخديه وتمشي وسيبي الباقي عليا."
"بجد يا ست زهرة هانم؟"
ابتسمت زهرة فقالت:
"أنا هزر معاكي في حاجة زي دي بردو ياهنية!"
قامت عن مقعدها في سعادة قائلة:
"ربنا يجبر خاطرك ويسعدك ويعلي مراتبك ويزيدك من فضله يارب يازهرة هانم.. كتر خيرك والله ماحد بيفرحني ويجبر بخاطري غيرك."
أجابت زهرة:
"شكراً ياهنية.. تستاهلي كل خير، يلا روحي بقى عشان متتأخريش."
ذهبت هنية وهي في قمة سعادتها كما أخبرتها زهرة، بينما استمرت هي في تعديل وكتابة قائمة المدعوين في الحفل.
٭ ٭ ٭
بعد مرور أسبوع.
وتحديداً في يوم خطبة هايا، كانت زهرة في أبهى حلتها، وكذلك هايا التي دلفت إلى القاعة. وبعد وقت ليس بقليل نادى فيهم منسق الموسيقى بالاستعداد لرقصة السلو. نظرت هايا إلى والدتها أولاً، فرمقتها زهرة بنظرة نارية لكنها أومأت لها بإيجاب.
فاقتربت هايا من أحمد واحتضنته في سعادة والقليل من الخوف والخجل. نظر في عينيها وهو يتراقص معها على أنغام الموسيقى قائلاً:
"أخيراً يا هايا..؟"
ردت في خجل:
"أخيراً إيه..!"
"هتبقي ليا، بعد سنين من التعب، انتي مش فاكرة تعبتيني قد إيه عشان أسمع منك كلمة موافقة بس! وبعدين إيه الجمال والحلاوة دي كلها."
ابتسمت فقالت:
"ميرسي ياحبيبي دا من ذوقك."
تساءل في دهشة:
"يا إيه؟"
"إيه يا أحمد مالك.. متكسفنيش بقى أنا أعصابي تعبت من الاحراج والناس اللي بتبصلنا دي كلها."
أجاب:
"أحمد إيه بس يا هايا.. أحمد إيه، ما انتي كنتي ماشية كويس إيه مبدأ شوق ولا تدوق ده.. بقولك إيه أنا مش عايز أسمع اسمي ده نهائي."
أجابت في هدوء:
"حاضر ياحبيبي."
أجاب في سعادة وحماس:
"يالهوي يا ناس على الحلاوة.. طالعة منك زي السكر كده ياحبيبتي.. بقولك صحيح."
أجابت:
"نعم."
فتساءل وهو يضحك:
"لاحظت نظرة من مامتك كده هوا في حاجة؟"
أجابت وهي تضحك وتسترق النظر إلى زهرة التي تنظر إلى ابنتها في سعادة وفخر والإبتسامة تعلو ثغرها فقالت:
"أصل ماما كانت منبهة عليا نلغي رقصة السلو دي عشان احنا مخطوبين بس وكده فاهمني؟"
أومأ في صمت فقالت:
"فـ أنا نسيت بصراحة وبتاع الدي جي فاجئني لما قال على الرقصة وأظن كمان أنها هتلغي الرقصة التانية.. أصل ماما مقتنعة بإننا مخطوبين ومينفعش الرقصة دي بينا."
تساءل:
"يعني مامتك هتلغي الرقصة التانية والحضن ده مش هشوفه تاني أبداً إلا في يوم جوازنا مش كده؟!"
أومأت في إيجاب وهي تقول:
"اه بالظبط كده."
ابتسم أحمد ثم حاوط هايا بذراعه ثم جذبها إليها واحتضنها بقوة وهو يتراقص على أنغام الموسيقى وهي تضحك في خجل وسعادة. بقيا هكذا لدقائق حتى فاجئهم منسق الموسيقى بأن الأغنية قد انتهت وسوف يقوم بتشغيل الأغاني الأخرى.
فابتعد عنها برفق وهو لا يزال ممسكاً بكلتا يديها ينظر في عينيها بحب والابتسامة لا تفارق وجهه وبدأ يتراقص معها على أنغام الموسيقى في سعادة.
وفي الخلف أخذت تمر زهرة على الضيوف وترحب بهم حتى وصلت إلى الطاولة التي يجلسن خلفها أحلام وبناتها الثلاث وأزواجهن. فرحبت بهم وقالت أحلام:
"قوليلي يا دكتورة زهرة مين فيكم العروسة بس عشان أبقى عارفة؟"
ضحكت زهرة فازدادت جمالاً ونعومة فقالت لها:
"تسلميلي يا حبيبتي والله دا إحنا كبرنا والبنات أخدوا الجمال كله."
هتفت هايدي قائلة:
"حضرتك زي القمر والله يا دكتورة زهرة.. وهايا حتة منك، مبروك وربنا يتمم لها على خير."
ابتسمت زهرة قائلة:
"تسلمي يا هايدي متحرمش منك ياحبيبتي، أمال فين البنات ميرا ويارا."
أشارت أحلام إلى العروس وأصدقائها فقالت:
"هناك عند هايا بيرقصوا معاها، أصحابها المقربين بقى."
هتفت زهرة في رضا قائلة:
"ربنا يفرح الجميع يارب.. استأذنكم أنا."
فقالت أحلام:
"اتفضلي ياحبيبتي."
ذهبت زهرة حيث المنشاوي وبدرية فجلست بجانبهم في هدوء وقد بدا على وجهها الوجوم والضيق.
حاوطتها بدرية بذراعها في حنان فقالت بهدوء:
"أنا عارفة إيه اللي شاغل بالك بس متبوظيش فرحتك بـ بنتك وكل حاجة هتبقى تمام، إن شاء الله."
هتفت زهرة في وجوم قائلة:
"يارب!"
ثم شردت من جديد في تذكر ذلك اليوم الذي تمت فيه خطبتها وعقد قرانها على سليم.
رواية زهرة الفصل العشرون 20 - بقلم ندي أشرف
في يوم عقد قران زهرة على سليم، أعد المنشاوي الفيلا ليتم بها الأمر، وزُينت بالكامل بواسطة مختصين. امتلئت بالورود والأنوار والتصاميم الجميلة لتزين الحائط والسلم ومدخل الفيلا وزينة الاستقبال.
ذهبت بدرية حيث المنشاوي وطلبت منه قائلة:
– بقولك إيه يا منشاوي.. معلش أنا عايزاك تكلم أختي سماح تجيب فريدة وتيجي. هيا مش هتتكسف ترفض طلبي ده منها بس لو انت اللي قولتلها هتتكسف ترفض وهتيجي.
وعايزاك كمان تكلم كريم يجي هو وأهله.
أجاب في تعب ونفاذ صبر:
– حاضر يا بدرية، أي طلبات تانية!
أجابت:
– لا شكراً كل حاجة زي الفل.. متحرمش منك يا أبو العريس.
ضحك المنشاوي في سعادة فقال:
– أيوة أيوة كُلي بعقلي حلاوة عشان البهدلة اللي عاملاها فيا من صباح ربنا.
أخذت تُربت على ذراعه في حنان قائلة:
– معلش بقى لو مكنتش هتتعب لإبنك في يوم زي ده هتتعب لمين.
تنهد فأجاب:
– ماشي ياستي.. لما نشوف أخرتها معاكي إيه انتي وابنك.
عقدت ذراعيها أمام صدرها فقالت في حنق:
– ياسلام دلوقتي بقى إبني؟ ولما سيادتك واخده معاك طول الليل والنهار ومطلع عينه في الشغل وأجي أكلمك تقولي متتدخليش بيني وبين إبني.
يضحك فأجاب:
– خلاص يا بدرية أنا آسف، أنا عارف إني مش هخلص منك، أنا رايح أعزم الناس.
لوت بدرية شفتيها فقالت وهي تنظر له وهو يغادر:
– إهرب إهرب.
قالتها ثم غادرت هي الأخرى.
ذهب سليم وعاد مع زهرة وسنية إلى البيت، تحمل عنها الخادمة الفستان الذي سوف ترتديه في هذا اليوم. كما أخبرت إحدى خبيرات التجميل بالحضور بالمنزل خصيصاً لها كما طلب منها سليم.
أخبرتها بدرية بأن تذهب إلى غرفتها كي تستعد حتى حضور خبيرة التجميل.
دلفت زهرة وخلفها سنية فقالت:
– عارفة يا ماما الأوضة دي.. كنت بنام فيها لما تعبتي ودخلتي في الغيبوبة.
ثم أشارت إلى الزاوية قائلة:
– وفي المكان ده كنت بصلي كتير وأدعيلك تقوميلي بالسلامة وأنا بعيط وقلبي مقهور عليكي.
ابتسمت سنية بامتنان قائلة:
– ياحبيبتي يابنتي ربنا مايحرمني منك أبداً، بس دي مش حاجة تفتكريها وتزعلك في يوم زي ده.
ثم اقتربت منها واحتوت وجهها بكفيها قائلة:
– افرحي ياحبيبتي وبلاش تفتكري أي حاجة سلبية تنكد عليكي ماشي؟
قالتها وهي تُزيح العبرات الهاربة تلك عن وجنتيها.
فقالت:
– ربنا يديني طولة العمر وأفضل جنبك وأشوفك دايماً متهنية وسعيدة.
أجابت زهرة:
– نفسي ربنا يجعل يومي قبل يومك يا ماما ولا أعيش يوم واحد في الدنيا دي من غيرك.
لامتها سنية عما قالت فـ وبختها في عتاب قائلة:
– ليه بس كدة يازهرة.. دا كلام ياحبيبتي بردو، النهاردة يوم شبكتك وكتب كتابك وتتمني أمنية زي دي! زعلتيني منك.
أجابت زهرة في حزن:
– أنا اسفة ياماما والله دا من حبي فيكي وخوفي إن يعدي عليا يوم من عمري متكونيش جنبي فيه.
احتضنتها في حنان ثم قبلتها من جبهتها قائلة:
– ربنا ما يحرمني منك يا قلب ماما.. يلا تعالي أساعدك في الفستان وبطلي نكد شوية.
ابتسمت زهرة فقالت:
– حاضر ثواني هجيبه.
بعد مرور وقت قليل من الانتظار دلفت عليهن خبيرة التجميل بصُحبة بدرية فأخبرتهم:
– الميكب أرتيست وصلت يازهرة يادوب تجهزي بقى.
أومأت لها في إيجاب فقالت:
– حاضر أنا جاهزة وكنت مستنياها أصلاً.
ثم سحبت بدرية سنية من يدها فقالت:
– تعالي يا ام زهرة معايا محتاجة أخد رأيك في كام حاجة.
غادرت بدرية وسنية. ثم بدأت خبيرة التجميل في إعداد زهرة لهذا اليوم.
بقى سليم بالأسفل ورفضت والدته دخوله إلى غرفة زهرة حتى قدوم المأذون.
مر الوقت وبقى الجميع في انتظاره فهتف سليم قائلاً:
– يا بابا المأذون ده اتأخر أوي خلينا نشوف مأذون غيره.
ضحك المنشاوي فقال في سخرية:
– يابني انت بتقول إيه متضحكش الناس علينا هتلم شيوخ البلد يجوزوك.
لكمته بدرية على كتفه فقالت:
– إيه يا واد انت مش قادر تستنى ومستعجل أوي كدة.
أجاب:
– بصراحة أوي أوي يا ماما.. وبعدين ما انتوا مش عايزين تخلوني أدخلها يبقى خلاص نستعجل المأذون.
جلست سنية في هدوء تتابع حديثهم وتضحك في سعادة.
قطع حديثهم دخول سماح وفريدة وكريم. فتوجهت سماح صوب سليم قائلة:
– ألف مبروك ياسليم يابني ربنا يسعدك يارب حبيبي.
أجاب مبتسماً:
– الله يبارك فيكي ياخالتو تسلميلي.
كذلك اقتربت منه فريدة فمدت يدها تصافحه قائلة:
– مبروك يا سليم.
– الله يبارك فيكي يا فريدة.. عقبالك يارب.
ابتسمت له وشكرته ثم عادت إلى جانب والدتها فذهب إليه كريم واحتضنه قائلاً:
– يابختك يا عم.. عقبالي أنا كمان.
ضحك سليم فقال:
– ياراجل يعني الناس بتخش تقول مبروك وانت جاي تقول عقبالي.. ماشي ياعم ربنا يسمع منك ونفرح بيك انت كمان بس متقرش.
أجاب كريم:
– لأ من ناحية هقر فـ أنا هقر ومش هرتاح إلا لما اعمل زيك ها.
أجاب سليم:
– اتجدعن أنت بس واعمل زيي.
نادى المنشاوي على سليم فذهب إليه بينما عاد كريم يجلس بجانب فريدة فقال في خفوت:
– ليلتِك سودا.
نظرت له في تعجب وقطبت حاجبيها فقالت:
– ليه بقى ان شاء الله.
أجاب:
– لو شوفتك بتسلمي على حد بالإيد تاني هزعلك.. انتي فاهمة.
ضحكت فقالت:
– يا عم خضتني دا أنا قولت في مصيبة.
هتف في غضب قائلاً:
– مهو هيبقى في مصيبة دلوقتي يافريدة لو مسمعتيش الكلام وقولتي حاضر.
أجابت:
– خلاص حاضر تمام كدة؟
أجاب بأريحية:
– أيوة تمام.. عقبالنا بقى.
ضحكت في خجل ثم أجابت:
– إن شاء الله.
تسائل:
– إيه الهدية اللي معاكي دي؟
أجابت:
– لأ دي لزهرة.. فكرتني أنا هطلع أسلم عليها وأديهالها.
تسائل:
– طيب هتقدري تطلعي ولا أسندك.
أجابت:
– لا شكرا تسلملي أنا هطلع.
أجاب:
– خلاص أنا مستنيكي هنا، خلصي وتعالي.
صعدت فريدة للأعلى فدلفت إلى غرفة زهرة فاستقبلتها في ابتسامة عريضة قائلة:
– فريدة بنفسها جاية لحد هنا.
تقدمت منها فريدة فاحتضنها لأول مرة قائلة:
– مبروك يا زهرة ربنا يكمل فرحتك على خير، حقيقي زي القمر.
ثم نظرت إلى خبيرة التجميل فقالت لها:
– تسلم إيدك على الميكب الجميل ده.
شكرتها ثم قطع حديثهم صوت طرقات على الباب فأجابت زهرة:
– أدخل.
دلف المنشاوي فقال:
– بسم الله ماشاء الله.. دي عروستنا زي القمر النهاردة!
ضحكت زهرة وكذلك فريدة فقال:
– يلا يا حبيبتي تعالي المأذون وصل.
قامت في هدوء وذهبت بصُحبته وغادرت خلفهم خبيرة التجميل بينما بقيت فريدة في الغرفة بمفردها فأغلقت الباب خلفهم وألقت بجسدها على الكرسي في حسرة وضيق تبكي قهراً وهي تقول في نفسها:
” أنا ليه سمعت كلامهم وجيت، مش قادرة أستحمل أي حاجة من اللي بتحصل.. مش قادرة أشوفها بتتجهزله.. الغيرة هتاكل قلبي مع إني رافضة شعوري وبكرهه، أنا بكره قلبي اللي حبه وبكره شعور الغيرة والنار اللي جوايا ياريتني كنت مُت قبل ما أعيش أي إحساس من اللي بيجرا فيا ده.. “
دلفت عليها سماح فوجدتها تبكي فقالت:
– إيه دا يافريدة! إنتي بتعيطي.
مسحت فريدة الدمع عن عينيها فقالت:
– لأ يا ماما متقلقيش أنا تمام.
أجابت:
– طب يلا ياحبيبتي كريم بيسأل عليكي تحت.. عقبال ما أشوفك زيها عن قريب ان شاء الله.
أجابت في هدوء:
– يارب يا ماما.. معلش اسبقيني انا هدخل الحمام وأجي وراكي على طول.
– ماشي ياحبيبتي متطوليش بقى.
– حاضر.
ذهبت فقامت بتعديل ما أفسدته في وجهها أثر البكاء بمساحيق التجميل واستعادت رونقها وهدوئها ثم تنهدت في تعب وعادت إليهم.
هبطت زهرة على السلم وهي في قمة السعادة. بخطواتها الرزينة بهيبتها الآخذة للقلوب وجمالها الأنثوي الجذاب. تعلقت عيونها بعيون سليم في عناق مخفي ظهر تأثيره على وجنتيها التى تصبغت باللون الوردي. ثم جلست بجانبه وقال في خفوت وهدوء في تلك الأمواج العاتية من المشاعر المتدفقة من عينيه:
– هوا طبيعي إن الأنسان يقع في حب شخص واحد مرتين؟
ضحكت في خجل حتى انها لم تُجيب نظراً لتلك العيون العالقة بهم في صمت مَهيب لحضور المأذون تخشى أن يسمعها أحد.
فقطع الصمت صوت المأذون وهو يبدأ في إجراءات عقد قرانهم.
عادت فريدة فجلست بالقُرب من كريم وهي تنظر إلى سليم وزهرة في حسرة وحزن لا يعلم به أحد سوى خالقها، توزع أنظارها على عيون زهرة الذائبة عشق وسعادة و على سليم صاحب الضحكة التي لم تفشل أبداً في سرقة قلبها والتي طالما أطالت النظر بها حتى عشقتها حد الموت.
وفجأة نكزها كريم في ذراعها فانتفضت وانتبهت له قائلة:
– إيه ياكريم خضتني؟
أجاب:
– خضيتك إيه يافريدة أنا بقالي ساعه بكلمك يا ماما وانتي مش هنا أصلا! كنتي سرحانة فـ إيه يا ترى.
أجابت في وجوم:
– ولا حاجه ياكريم.. فرحانة بيهم.
نظر إليهم منشغلين بإجراءات الزواج فقال:
– عقبال فرحتنا ياحبيبتي.
نظرت له فريدة نظرة مطولة تتأمله وتقول في نفسها:
– طب ما أنا طلعت حلوة وبتحَب أهو أمال سليم محبنيش ليه!
حدق بها كريم هو الآخر فقال:
– انتي بتبصيلي أوي كدة ليه؟
أجابت وهي لازالت تنظر إليه:
– أصل إنت أول مرة تناديني حبيبتي.
أجاب:
– ومش آخر مرة.
بقيت على حالتها تلك حتى شردت عيناها بعيداً عنه فتسائل:
– فريدة إنتي كويسة؟
أغمضت عينيها لثوانٍ فقالت:
– لأ.. أنا مش كويسة ياكريم.
شعر بأنها ستبكي أمام الجميع فسحبها من يدها في هدوء وخرج بها دون أن يشعر بهم أحد.
أحكم قبضته على يدها واحتضن يدها بيده حتى وصل بها إلى سيارته فقال:
– اركبي.
استقلت سيارته وهي لازالت في حالة الوجوم تلك، لم يُعلق لكنه استخرج هاتفه من جيب سترته فأجرى اتصالاً بسماح وحينما أجابته اخبرها بأنه سيصطحب فريدة في نزهة وسيعود مرة أخرى، ولما سألته عن السبب أخبرها قائلاً:
– فريدة في حاجة كبيرة أوي مزعلاها وباين عليها تعبانة، أنا هاخدها تغير جو شوية وهنرجع تاني.
فعلمت سبب ذلك الانهيار النفسي الذي تمر به فتاتها فوافقت في سبيل أن تبقى بخير لكنها كانت خائفة من أن تُخبر كريم بالأمر ويتركها بعدما كان آخر أمل لها يُعيد إليها الحياة التي انطفئت بعينيها من جديد.
هتف المأذون قائلاً:
– يلا ياجماعة رددوا ورايا ” بارك الله لكما، وبارك عليكما، وجمع بينكم في خير.. “
وبعدما انتهى امتلئت الفيلا بالزغاريد ثم احتضن سليم زهرة بقوة أمام الجميع وهي تضحك في سعادة وكانت تشعر بأنها في السماء ولم تلامس قدميها الأرض.
ثم قاموا بتشغيل الموسيقى وظلوا يتراقصون جميعاً في سعادة إحتفالاً بهم بينما قام كريم باصطحاب فريدة إلى أحد الأماكن الهادئة على طاولة أمام الشاطئ فقامت بتغيير وجهة مقعدها لتكن جالسة مباشرةً في وجه البحر وأراحت ظهرها للخلف حتى أصبح وجهها للسماء وعقدت ذراعيها أمام صدرها وتنهدت بعمق تستنشق نسيم الهواء اللطيف في صمت دام لبضع دقائق حافظ فيهم كريم على صمته وهو يراقبها بنظراته ويخشى أن يكون ما بذهنه حق، أو أن شكه في محله.
وأخيراً قطع الصمت حينما نطق كريم متسائلاً في هدوء:
– ها مش هتقوليلي مالك بقى..!
ظلت فريدة صامتة تشعر بانعدام رغبتها وقدرتها في الحديث.
فأعاد سؤله في نبرة شك يختلط بها الضيق:
– فريدة الخنقة اللي انتي فيها دي ليها علاقة بـ سليم!
نظرت له فريدة في دهشة اتسعت لها حدقتا عينيها وهي تتسائل في نفسها:
” هوا أنا باين عليا أوي كدة ؟! “
فاستطرد قوله:
– يبقى صح.. ياريت متسيبيش دماغي تحلل وتستننج وتودي وتجيب وقوليلي إنتي فيكي ايه بالظبط عشان كدة كتير بجد!
أجابت في نفاذ صبر:
– أيوة يا كريم.. بصراحة كدة أناا..
تسائل في ضيق:
– إنتي إيه اتكلمي.
تنهدت فقالت:
– أنا بحب سليم.. إنت دخلت حياتي في وقت غلط وصح في نفس الوقت.
شعر بالنيران تسري في قلبه تأكل الأخضر واليابس بالبطيء لكنه حاول السيطرة على مشاعر الغضب تلك وتسائل في هدوء:
– لأ مش فاهم وضحي أكتر ممكن!
نظرت أمامها تراقب موجات البحر الثائرة المتتالية واحدة تلو الأخرى في نظام وصوت مريح للنفس والأعصاب فقالت:
– يعني أنا يوم الحادثة ده كنت خارجة متعصبة وبعيط بسبب إني سمعت سليم بيطلب إيد زهرة من مامتها.. كنت بحاول في الوقت ده أحافظ على سليم لقلبي زي ما تعاهدت من صغري وكنت بسمعهم دايما يقولوا، فريدة لسليم.
تسائل:
– وسليم كان موافق على الكلام ده ولا لأ!
– لا سليم مافيش ولا مرة عبر عن اهتمامه بكلامهم بس أفعاله معايا هيا اللي كانت بتوصلي إن مشاعرة تجاهي حب.
– اه وبعدين كملي.
أجابت:
– بس مع الوقت بدأت الأمور تتعقد أكتر وسليم بدأ يضيع مني وأخدته زهرة بكامل اهتمامه وحبه وعشقه اللي عشت عمري كله فاكراهم ملكي أنا لواحدي.
تسائل:
– وليه قولتي ان وجودي في حياتك في وقت صح.. كدة أنا فهمت غلط ليه.
أجابت:
– عشان أنا فالفترة دي كلها كدة بحاول أتعافى من جرح قلبي وصدمته في سليم.. وعاملة زي الغرقان اللي بيحاول يستنجد بأي حاجة توصله لبر الأمان، وجودك في حياتي في الوقت ده مهون عليا كتير أوي. أنا مش هنكر إني لسة تعبانة وموجوعة ولسة مبقتش في كامل التعافي منه بس إنت حسستني إني أتحب وليا قيمة واهتمامك مهون عليا.
أجاب:
– بصي يا فريدة كل حاجة بالوقت بتروق.. وهتنسي وهتقدري تشوفيه فيما بعد واحد عادي زي أي حد تاني.
قامت فريدة عن مقعدها وتوجهت صوب البحر كالمجنونة وهي تتألم بشدة قائلة:
– أنا تعبانة أوي يا كريم.. أنا نفسي أموت.
شعر كريم بأن فريدة الآن لم تكن بكامل وعيها ويكاد الألم بقلبها يدفعها لإنهاء حياتها بالكامل. فاتبعها بخطواته وجدها تستمر في الخُطى نحو البحر وأرادت أن تلقي بنفسها داخله فأمسك بذراعها فدفعته عنها بقوة قائلة:
– سيبني يا كريم والنبي أنا مش عايزة أعيش تاني.
جذبها بقوة حتى أصبحت بين أحضانة وأحكم ذراعيه حولها احتواها بالكامل فأخفت وجهها وملامحها داخل صَدره وهي تبكي فقال.
أجاب:
– أسيبك دا إيه انتي مجنونة! أنا جنبك ومعاكي وعمري ما هسيبك.. هستحمل إن قلبك دلوقتي مش ملكي بس أوعدك إن قلبك ده مش هيكون فيه حد غيري وهعوضك عن كل إحساس وحش مريتي بيه ودا وعد عليا ليوم الدين. إوعديني يافريدة إن عمرك ما هتأذي نفسك بأي شكل من الأشكال!
لم تنطق فأبعدها برفق عنه وهو محاوط وجهها بكفيه وينظر في داخل عينيها قائلا:
– إوعديني.
أومأت في إيجاب فقال:
– لأ عايز أسمعها.
أجابت في هدوء:
– أوعدك إني مش هأذي نفسي.
بقيت عيناه عالقة بعينيها لبضع ثوانٍ فأخفضت بصرها في خجل فابتعد عنها قائلاً:
– أنا آسف، مقصدش اللي حصل بس انتي كنتي عايزة ترمي نفسك فالبحر وأكيد مش هسمحلك تعملي كدة مهما حصل.
تنهد فقال:
– بصي يا فريدة أنا ربنا خلاني أقابلك وأدخل حياتك في أكتر وقت انتي هتكوني محتاجة لوجودي فيه.. أنا كمان محتاجلك جنبي باقي عمري كله فياريت من أول اللحظة دي نرمي كل حاجة ورا ضهرنا ومتشغليش بالك غير بيا وبس.. ولا أنا بقى مش مالي عينك؟
نظرت له فريدة تتأمل ملامحه، تلك العينين الزرقاويتين والوجه الأبيض واللحية السوداء والبِنية القوية تلك فقالت وهي تبتسم:
– يا كريم إنت أكبر من طموحاتي أصلاً.
تنهد كريم فقال:
– ياشيخة بقى أخيراً ضحكتي.. ضحكتك دي بترد روحي.
نظرت له في امتنان فقالت:
– ربنا مايحرمني منك.
وفجأة أعلن هاتفها عن اتصال والدتها تريد الاطمئنان عليها فأجابتها بما يجعلها تطمئن أن كل شيء على ما يرام فطلبت منها العودة لأنها تود الرجوع إلى الفيلا لتستريح من ذلك اليوم الشاق.
أما سليم فأخذ زهرة لقضاء نزهة ليلية بأحد المطاعم الفخمة وعلى طاولة قد حُجزت لها خصيصاً.
هتفت زهرة في زهول:
– الله يا سليم المكان ده جميل أوي.
أجاب:
– والله ياحبيبتي دي أقل حاجة تناسب واحدة قمر زيك كدة.. أنا لو أطول أجيبلك نجمة من السماء كنت جبتهالك.
جاءهم النادل فطلبوا منهم وجبة عشاء وبعدما انتهوا منها. تغيرت الموسيقى الصاخبة لأخرى هادئة ورومانسية، كان جميع الموجودين قد هموا ليتراقصوا عليها فنظر سليم إلى زهرة فقال:
– إيه رأيك ما تيجي نتجنن ونعمل زيهم!
أجابت في حرج:
– لأ انا هتكسف أرقص معاك سلو قدام الناس دي كلها.
قام عن مقعده فجذبها من يدها ثم قال في حماس:
– تعالي بس هنا مافيش حد بيبص على حد أصلاً.
نظر سليم في عيني زهرة ووضع يده على خصرها ثم جذبها إليه في حين أنها حاوطت عنقه بذراعيها فقال:
– بردو مكسوفة.. يابنتي أنا دلوقتي جوزك رسمي فهمي نظمي.
ضحكت زهرة في خجل فقالت:
– أنا مش مكسوفة، أنا في قمة سعادتي وفرحتي بيك.
– أنا اللي مافيش حد في الدنيا يقدر ينافسني في حبي ليكي وفرحتي بيكي.
اعتلت الابتسامة ثغرها وتوردت وجنتيها قائلة:
– ربنا يديم حبك ليا و يديمك في حياتي زوج و حبيب و أب و أخ و كل حاجة ليا فالدنيا يا سليم.
استفاقت زهرة من شرودها حينما نكزتها بدرية قائلة:
– إيه يا زهرة ياحبيبتي وصلتي لحد فين كدة بالتفكير.
ابتسمت زهرة فقالت:
– وصلت لفين..! أنا روحي متعلقة في كل لحظة وثانية عشتها مع سليم زمان.
تنهدت بدرية في ضيق ثم قالت:
– طب ياحبيبتي يلا عشان خلاص الفرح خلص وهنروّح.. وإعملي حسابك أحمد هيجي يتعشى مع هايا في البيت وبعدين يروح تمام! إحنا هنروح على الفيلا بقى.
أومأت زهرة قائلة:
– تمام ياحبيبتي إبقوا طمنوني لما توصلوا.
في نهاية اليوم وبعدما غادر أحمد جلست هايا بين أحضان والدتها زهرة وهي تتحدث إليها عن كم السعادة والفرحة التي تغمر قلبها فقالت زهرة:
– تعرفي، أنا لما شوفتك كدة بفرحتك دي وجمالك انتي وأحمد رجعتيني بالذاكرة لأجمل أيام عمري مع باباكي.. إحنا وقتها عملنا شبكة وكتب كتاب في نفس الوقت.
طلبت منها هايا في شغف:
– كلميني عن بابا أكتر يعني مثلاً علاقتكم ببعض كانت عاملة ازاي؟
أجابت وهي شاردة الذهن في عالم آخر تتمنى أن تعود إليه ولو لثواني وعينيها تلمع باشتياق قائلة:
– باباكي كان رومانسي أوي يا هايا و كان طيب و حنون و عمره ما ظلمني عمره ما إتهمني بحاجة حتى لو كان يسمع عني إيه ميصدقش وييجي يواجهني و يصدقني.. كانت ثقته فيا فوق الحدود. مافيش حاجة اتمنيتها إلا و حققهالي كإنه كان عايش عشاني أنا و بس.. حياتنا كانت قمة في السعادة والحب. تعرفي يا هايا حتى لما كانت تقابلنا مشاكل وابقى متوترة أو متضايقة كان يساعدني نواجهها بعقل وهدوء ويتحملني في غضبي وتقلباتي المزاجية، كان زوج مثالي حقيقي.
أجابت هايا بإنصات واهتمام:
– و بعدين يا ماما كملي.
– لأ خلاص مافيش بعدين، يلا عشان تنامي يومك كان متعب أوي وأكيد عايزة ترتاحي.. بكرة نكمل كلامنا.
قامت هايا ثم قبلت يد والدتها قائلة:
– تصبحي على خير يا أحلى أم في الدنيا.
ابتسمت زهرة قائلة:
– وانتي من أهل الخير ياحبيبتي.