كأنها تصارع نفسها، جزء يرفض هذه الحياة القاسية وجزء يحاول إقناعها بالصمود والعيش. مروان محاولاً تهدئة هشام: دا شئ طبيعي يا فارس. واحدة كانت بتحاول تنتحر يعني رافضة الحياة. بس ممكن يكون كلامك بيأثر عليها، فكأنها بتحارب نفسها. إنما هي نبضها تمام، ودا كله أثر المهدئ ومع نفسيتها الغير مضبوطة. عقلها بيقنعها إنها تفضل كده ومتقومش. المهم انت اهدى عشان لما تفوق تكون جنبها. وادعي إنها متدخلش في غيبوبة.
وطالما كلامك بيأثر عليها كده... اتكلم معاها لحد ما تفوق. بلاش تيأس يا هشام، انت أقوى من كده. هي مش هتفوق دلوقتي خالص، لازم تنام شوية عشان ترتاح. إنما كده على ما هي تفوق هتكون انت تعبت ومش قادر. هشام بصوت متعب مختنق من الحزن: أنا مش عارف أتصرف يا مروان. أنا كنت دايماً معاها. مش عارف أفكر إن فيه إيه حصل إنها توصل للانتحار. أنا مش عارف أنا قصرت في إيه. حاسس بالذنب ومش عارف أتصرف في نفس الوقت. مروان بتأثر وحزن على صديقه:
متشيلش نفسك الذنب يا هشام. لا قوم نام شوية ولو فيه أي حاجة ناديني. ويكمل بمرح حتى يخفف عن صديقه: بس مش بالطريقة اللي كانت من شوية دي. دا انت عملت رعب للمستشفى، أنا قلت المستشفى اتحرقت ولا حاجة. فيبتسم هشام على حديثه، فهو يعلم أنه يريد التخفيف عنها. يتركه مروان ويذهب ليكمل أعماله، ويجلس هشام بجانبها مرة أخرى وهو يدعو أن يحميها الله له. كان هشام مازال يتحدث إليها حتى شعر أنه لم يعد يستطيع الصمود أكثر.
فاقترب منها للنوم بجانبها، وكان يضمها إليه بشدة كأنه يشعر إذا غفى عنها ستتركه. رغم أن لينا لم تكن تشعر بشيء، ولكن شعور الأمان وصل إليها عندما أصبحت بين أحضانه. في اليوم التالي صباحاً، تذهب والدتها إلى المستشفى. فلم تستطع شروق أن تترك ابنتها أكثر من ذلك. وعند دخولها الغرفة تجد لينا تنام في أحضان هشام. كأنها لم تكن هي نفس التي حاولت قتل نفسها البارحة. تبتسم بحب عند رؤيتهم هكذا فتقرر مغادرة الغرفة وتركهم.
ولكن عند مغادرتها يشعر بها هشام. فتشير إليه في صمت أن يظل بجانبها وأنها ستذهب خارجاً. لكنه نهض من جانبها ببطء شديد واقترب من شروق وهو يقول لها بصوت منخفض جداً: صباح الخير يا طنط، جاية بدري ليه وتعبتي نفسك. أول ما تفوق كنت هتصل عليكم. شروق بصوت منخفض أيضاً: صباح النور يا هشام، مقدرتش أستحمل أقعد هناك وأسيبها كده. ثم نظرت إليها بحزن على وضعها ثم قالت بصوت منخفض حزين:
هي هتفوق امتى يا هشام، بقالها كتير أوي كده يا ابني، دا من امبارح ودا كله ولسه كده. بنتي فيها حاجة يا هشام وانت مخبي عليا؟ هشام بهدوء: اقعدي الأول بس كده يا طنط واهدي، لينا بخير والله وهتفوق وهنطمن عليها. بس متنسيش إنها كانت بتحاول تنتحر، فأكيد المهدئ دا عشان لما تفوق متعملش في نفسها حاجة تاني. المهم اطمني وخليكي جنبها لحد ما أنزل أجيب فطار، أكيد جيتي من غير فطار. صحيح عمي وليد فين؟ شروق وهي مازالت نبرتها حزينة:
سبته نايم ونزل. معرفتش أصبر أكتر من كده. أنا طول الليل قلقانة عليها وكنت غلطانة إني سبتها وممشيتهاش. هشام بابتسامة وهو يربت على يديها: اطمني والله. هتكون بخير. وكمان هي كانت مع حد غريب يعني، دا أنا جوزها ولا عشان نامت عندكم يوم يبقى خلاص. شروق بابتسامة: ربنا يخليكم لبعض يا حبيبي، وتعدي الفترة دي على خير. بعدما نهض للمغادرة، رجع إليها مرة أخرى. شروق بتعجب: فيه حاجة يا هشام؟ يجلس بجانبها بهدوء وهو يسألها:
كنت عايز أسألك يا ست الكل. هو حصل إيه لما كانت عندكم؟ ياريت تحكيلي بالتفصيل. شروق بتذكر: انت بعد ما وصلتها كانت كويسة خالص. وقالت لي إنك عندك شغل كتير وهتبات هناك، فهي عشان كدا هتبات عندنا النهارده. ودخلت أوضتها ومبسوطة وعادي خالص. قعدت أنا وهي نتكلم فترة طويلة لحد ما دخلت تنام واحنا كمان دخلنا ننام. تاني يوم طبيعي بردو وكانت كويسة مفيش حاجة اتغيرت. فطرنا واليوم ماشي طبيعي. في نص اليوم وهي في أوضتها سمعت صراخها.
دخلت أنا ووليد جري عليها. كانت في الأرض وبتصرخ وبتعيط على آخرها. حاولنا نهدى فيها، مفيش فايدة. وليد نزل وسابنا وأنا فضلت معاها أهدى فيها. فكرت إنكم زعلانين من بعض. قالت لي لا… أنا زهقانة شوية بس. وعلى ما وليد جه وأنا قمت أعمل أكل وهي نايمة في الأوضة. دخلت عليها لقيتها مرمية كده. وتنهي حديثها ودموعها تتساقط، فهي ابنتها، وحيدتها وترها هكذا، تشعر أن قلبها يتفتت حزناً.
هشام بشرود في حديثها، فلا يوجد شيء مريب أو غريب فيما قالت. فيسألها مرة أخرى: مفيش حد كلمها في التليفون مثلا، لاحظتي أي حاجة غريبة عليها؟ شروق بنفي: لا والله يا ابني، دا جت قالت لي قبلها إنها هتلبس وهستناك تيجي تاخدها. وكانت بتتكلم وهي بتضحك ومبسوطة. بس لما كانت منهارة كده مكنتش بتقول حاجة غير أنا اتدمرت وانكسرت. وليه يارب يحصل فيا كده. والتليفون كان مرمي على الأرض.
كان يسير في طرقه المستشفى بشرود تام بعد حديث والدتها. فلم يحدث شيء غريب لتفعل هذا في نفسها. يعلم أن زوجته رقيقة، حساسة، تحزن سريعاً، ولكن تصل إلى هذه المرحلة فهذا شيء مريب. كانت دائما تحكي له أنها كانت تشعر بالوحدة والحزن في دراستها، فهي وحيدة بين أهله، ليس لديها أصدقاء، ولكنها تشعر بالأمان إلى جانبه. فهل من الممكن أن يكون حدث شيء جعلها تشعر بالوحدة مرة أخرى وتؤذي نفسها هكذا. فيشعر بالذنب أنه تركها بمفردها.
يقطع شروده صوت الهاتف وهو يرن. "هشام طمني، لينا فاقت ولا لسه؟ شروق عندك ولا إيه، أنا صحيت لقيتها مش موجودة." كان صوت وليد وهو يسأله بقلق عن ابنته. هشام بصوت حاول جعله طبيعي قدر الإمكان: اطمن يا عمي، طنط شروق عندك فوق وأنا نزلت أجيب فطار. ولينا بخير، الدكتور طمني وهى هتفوق خلال ساعات. وليد باطمئنان: طب الحمد لله يا ابني طمنتني، أنا مسافة السكة وهكون عندكم.
يغلق الهاتف وهو يتنهد بتعب، فهو لن يشعر بالارتياح إلا إذا رآها أمامه بخير وتتحدث ويعلم ما حدث لها. كانت شروق تفطر بمفردها بعد معاناة من هشام، وهشام يشرب القهوة خاصته حتى يفوق. شروق: مش هتفطر معايا بردو يا هشام، وبتشرب قهوة من غير فطار كده يا ابني؟ هشام وعينيه مرتكزة على لينا: أنا كده تمام، أهم حاجة بس افطري انتِ عشان لما تفوق تلاقي كويسة وجنبك. بعد مرور بعض الوقت.
قد وصل وليد والجميع يجلس بجانبها ينتظر أن تفتح عينيها. "كفاية كده يا هشام، دي تالت كوباية قهوة تشربها يابني. فيه إيه حرام عليك صحتك." كان هذا صوت وليد الغاضب، فهو يرى تعب هشام الواضح وشروده والقهوة التي يشربها باستمرار. كاد هشام أن يرد عليه، ولكن صوت آهات لينا جعلت شروق ووليد يهرولوا إليها. منع هشام نفسه من الركوض إليها، فهو لن يسامحها على ما فعلت في نفسها وفيه. شروق بلهفة: لينا… لينا انتِ سامعاني يا بنتي. لينا بتعب:
أنا فين… آآآه. كان صوتها المتألم وهي تحاول النهوض فيساعدها والدها على النهوض. وليد وهو يساعدها على النهوض: كده يا لينا تعملي كده وتقلقينا عليكي كده. ليه يا بنتي تأذي نفسك كده….. حرام عليكي. شروق بهجوم وهي تضم ابنتها إليها: استنى يا وليد لما تكون كويسة الأول حتى. أنا لما صدقت شفتها بتتكلم قدام عينيا تاني. وليد بعصبية: لا يا شروق، الدلع دا مش هينفع دلوقتي… هي كانت بتلعب واتعورت، دا حاولت تنتحر.
مع هذه الأصوات لم تكن لينا تنظر سوى إلى هشام. تحاول أن تفهم معنى نظرته هذه. تشعر بالخوف من مواجهته، فهي تعلم أنه رغم حبه لها إلا أنه لن يسامحها بسهولة على ما فعلت. جملة واحدة جعلت الجميع يصمت بصدمة ولينا دموعها تذرف: "اتجوزت عليها….."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!