في قديم الزمان كان العريس لا يرى عروسه سوى ليلة زفافهما، وإن رآها قبل ذلك تكون مرة واحدة كفيلة من أن يقبل بالزواج بها أو يرفض. كانت القيم والمبادئ لا تتحول ولا تتحرف، العادات والتقاليد بمثابة القوانين التي لا يجرؤ على مخالفتها أحد وتطبق على الجميع دون استثناء، وذلك قبل أن يتطور الزمن وتتبدل الأجيال.
في زمن كثرت فيه الفتن وتبدلت المبادئ وأصبحت سلع تباع وتشترى وكل منها لديها ثمنها الخاص، أصبحت الضمائر مخدرة والعقول مغيبة والقلوب كصخرة متحجرة. أصبح الاستغلال هو السلعة الأكثر مبيعًا وشهرة على الإطلاق، له عدة طرق وجوائزه عديدة، بل أصبح كالدورات التعليمية التي تمكنك من الحصول على ما تريد عبر استغلال نقاط ضعفه، وهذا ما حدث مع سهيلة.
"سهيلة" هي فتاة في الصف الثالث الجامعي، فتاة مهذبة متوسطة الجمال خمرية اللون، ذات ملامح بريئة وبسيطة، كانت ذات شخصية مميزة ولها طابع خاص، طيبة قلبها ونقاء روحها يجذب إليها كل من يعرفها، بالإضافة إلى روحها المرحة والتي دائمًا ما كانت تضفي البهجة والسرور في مكان تواجدها، مرحها الذي لم يتوقف قط إلا بعدما كسر قلبها.
وجهها بشوش، جمال روحها كان يغطي على جمال وجهها البسيط والذي كان يتنكر عليه البعض، لكن ثقتها بنفسها لم يكسرها شيء. تلك الفتاة البسيطة والأنيقة التي حملت من الهموم ما لا يطيق تحمله أحد، التي عانت الكثير رغم صغر سنها بداية من زواج والدها بأخرى وكره جدها والد أبيها لها والدتها بالرغم من أن والدتها هي ابنة أخيه المتوفي، إلى حبها الذي كسر قلبها وهشم مشاعرها وحطم نفسيتها.
كان يعتمد عليها في الكثير من الأمور داخل المنزل وخارجه، هي الأقرب لوالدتها واخواتها، لديها صديقتان مقربتان ليس فقط من الناحية المعنوية وإنما تربطهما قرابة دم أيضًا، كانت رفقتهم يقسم بها من في الشرق والغرب، يحسدهم عليها كل من يراهم سويًا.
فتاة قوية بكل ما تحتويه الكلمة من معان، تسقط وتقوم، تسقط وتقوم لكن بالرغم من صلابة الجبال إلا أنها تهدم في وقت ما، بالرغم من قسوتها وتحجرها إلا أنها تخترق بأجهزة من صنع الإنسان مهما كان عمرها. في مكالمة عبر الهاتف: يصرخ آثر بصوت مرتفع وغاضب بنبرة تهديد يتحدث: -إن لم تفعلي ذلك يا سهيلة لن تري وجهي مرة أخرى، ماذا أفعل لك أكثر من ذلك؟!
ماذا أفعل لترضي عائلتكِ، وها أنتِ الآن ترفضين البقاء معي، كنت أعلم أنكِ ستتأثرين بحديثهم يومًا ما. بصوت حزين وباكٍ يحطم القلب: -تعلمين كم عانيت لأجلك يا سهيلة، وكم تحملت من الإهانات؛ كي أكون بجانبك، لكن إلى هنا وكفى، لقد اكتفيت وعلمت مكانتي لديك الآن. بصوت حزين ومتوتر:
-آثر توقف عن قول ذلك أرجوك، ليس الأمر كما تعتقد، لكن لا فائدة مما سنفعله، ما تطلبه الآن لن يعود بالنفع علينا بشيء، بل ربما متأذى منه أكثر، رجاءً اهدأ؛ حتى نستطيع التفكير بعقلانية والتحدث في الأمر. بصوت مرتفع ونبرة تهديد قاسية، فهو يعلم في نهاية الأمر أنه سيحصل على ما يريد، بالطبع تلك الثقة يكتسبها الشخص عندما يتمكن من معرفة نقاط ضعف الطرف الآخر ويعلم كيفية استغلالها، ذلك الخبيث جعلها تعشقه حد الموت وكان
عشقه هو قاتلها الوحيد: -لن أهدأ يا سهيلة، فقط أريد سماع شيء واحد منكِ، تريدين الزواج بي أم لا؟ تريدين البقاء معي أم لا؟ بلا تردد قالتها بحب وصفاء نية: -بالطبع أريد، ولكن... بتر حديثها حتى يتمكن من إكمال تأثيره عليها، ذاك السحر الخفي الذي ألقاه عليها فجعلها كأداة بين يديه يستعملها وقتما يشاء:
-ليس هناك ولكن، إن كنتِ تريدين البقاء معي فلنتزوج الآن، ولتكوني زوجتي أمام الله؛ حتى لا يستطيع أهلكِ إجباركِ على الزواج من آخر، وحتى أطمئن أنكِ معي وأنكِ ملكي أنا فقط. بتنهيدات حارقة، مغلوبة على أمرها، تستسلم أمام حديثه الذي سيطر على عقلها كليًا: -حسنًا يا آثر كما تريد إن كان هذا ما سيريحك ويجعلك تطمئن سأفعله، قل لي الآن ماذا تريد مني أن أفعل، ولكن قبل ذلك...
بتر حديثها ليجعلها تطمئن ذلك الشيطان الذي يخفي حقيقته خلف وجه رجل عاشق وضحية للحب، ابتسم تلك الابتسامة الخبيثة، لقد حصل على ما يريد ولكن هناك زر بسيط لابد من الضغط عليه برفق حتى تكتمل مهمته: -أعلم ماذا ستقولين. تحدث بصوت حنون وطيب، بحب وهدوء: -أنا أحبك أكثر من نفسي، أحافظ عليكِ كما أحافظ على قطعة من جسدي، بالإضافة إلى أنكِ بمكان وأنا بآخر، كيف سأقترب منكِ إذا؟ أفعل ذلك من أجل الحفاظ عليكِ يا سهيلة.
تنهدت مستسلمة للأمر: -حسنًا يا آثر، لكن وعدني بأنك ستحافظ على ذلك ولن تخذلني؟ -أعدكِ بأني لن أخذلكِ أبدًا، وستظلين زوجتي أمام الله حتى تتقبل عائلتكِ ارتباطنا، ويقبل والدكِ بزواجنا. في محاولة أخرى من عقله الشيطاني لإقناعها برغبته الكامنة، يعتقد أنه سيجعلها تقبل كما قبلت رغبته الآن:
-لقد طلبت منكِ أن نتزوج سابقًا دون علم أحد ونضعهم أمام الأمر الواقع لكنكِ لم تقبلي ذلك، بالرغم من أنه كان الحل الأمثل لما نحن به الآن، كان يستقبل والدكِ الأمر مع مرور الوقت وسيتقبل الجميع. بترت حديثه بانفعال وضيق:
-بالطبع لا لن أفعل ذلك يا آثر ولا تتجرأ على التحدث معي بهذا الأمر وإلا ستخسرني إلى الأبد، لن أكون تلك الفتاة التي تخذل أهلها وتجلب لهم العار، إن كنت حقًا تحبني لا تتحدث بهذا الأمر مجددًا، أو سأعلم أني سلعة رخيصة بالنسبة إليك تباع وتشترى. -حسنًا حسنًا أنسِ الأمر، هيا قولي ورائي يا حبيبتي، زوجتك نفسي... عودة بالزمن قبل عدة أشهر رن جرس الهاتف، أخرجت "سهيلة" هاتفها من حقيبة يدها وإذا برقم ليس ضمن جهات الاتصال الخاصة بها،
أجابت: -سلام عليكم. صوت شاب يتحدث: -وعليكم السلام، أستاذة سهيلة تتحدث؟ -أجل سيدي تفضل، من أنت؟ -أنا آثر، لقد أخبرتني أستاذة رباب أن أتواصل معكِ بخصوص العمل وتفاصيله. -نعم حسنًا، من أين أنت سيد آثر؟ -أنا من القاهرة، لكن أتوجد حاليًا بالقرب منك في المنصورة. -ممتاز إذا لنتقابل بعد نصف ساعة إن كان ذلك يناسبك. -اااه لا لا يمكنني ذلك أنا منشغل الآن ولدي عمل أنجزه، دعينا نتواصل عبر الهاتف ونحدد موعدًا آخر في يوم لاحق.
لاحظت سهيلة التوتر والقلق في حديثه، لكنها لم تعطِ انتباهًا وتخطت الأمر بلا مبالاة قائلة: -حسنًا كما تريد، معذرة، سعدت بالتعرف إليك، وداعًا. -وأنا أيضًا وداعًا. أغلقت سهيلة الهاتف وقامت بالاتصال برباب صديقتها المقربة والتي تقربها قرابة دم من جهة والدتها، فهو ابنة خالتها، تحدثت بجدية وضيق بعض الشيء: -رباب لما تعطي رقم هاتفي لمن كان؟ ألم نتحدث بأن تخبريني أولاً؟ أجابت رباب عبر الهاتف بانفعال قائلة:
-وهل يقف العملاء بالصف على عتبة بابك أستاذة سهيلة، تعلمين أننا ملتزمون بإعادة تلك الأموال التي أخذناها من أجل العمل في هذه الشركة المشؤومة، ولا نعلم متى سنربح وإن كنا سنفعل أم لا. التقطت أنفاسها بهدوء تحاول استعادة حالتها الطبيعية: -حسنًا انسي الأمر، من هذا آثر؟ وكيف تعرفت عليه؟ -تحدثتي إليه؟ وماذا فعلت؟ -أجيبيني أولاً؟ -لقد تعرفت عليه عبر الفيس بوك وتحدثت معه عن العمل وأعطيته رقم هاتفك ليتواصل معك، ألستِ المسؤولة؟
-رباب استمعي إلي جيدًا، ليس كل الأشخاص الذين تتحدثين معهم عن العمل يريدون العمل، هناك أشخاص تجعلها حجة لهم لخوض الأحاديث التي بلا جدوى. -وإذا، ليس هناك ما يشغلنا عزيزتي، لنرفع عن أنفسنا قليلاً. ضحكت سهيلة قائلة: -أعلم أنكِ تريدين الزواج بأقصى سرعة أيتها الفتاة الحمقاء، لكن عليكِ أن تحسني الاختيار. -فليأتوا أولاً وأعدكِ بأني سأختار بدقة هههههه.
-هههه حسنًا أنسي الأمر سأذهب الآن علي العودة إلى المنزل لقد تأخر الوقت، لم أجد وسيلة مواصلات تقلني إلى القرية الآن. -حسنًا هيا اذهبي، تحدثي إلي بعد رجوعك. -حسنًا، إلى اللقاء..
أغلقت رباب الهاتف وسهيلة أيضًا، تلك هي الصديقة المقربة لسهيلة "رباب" تكبرها بثلاثة أعوام، مرحة وذكية وفتاة اجتماعية، أنيقة ومهندمة متوسطة الجمال لكنها أجمل من سهيلة بعض الشيء، وأفتح منها من حيث لون البشرة، كانت القائد لفريق الأصدقاء، كانوا يسمونهم الثلاثي المرح، رباب وسهيلة وأسيل.
جلس آثر في المساء على فراشه بجوار شقيقه التوأم أكرم، الذي يشبهه كثيرًا من ناحية الشكل ولكن ليست جميع الطباع، بل كان أكرم يفوقه مكرًا وخداعًا. لاحظ أكرم أن آثر منزعج، يمسك هاتفه ويحاول الاتصال بأحد لكنه لم يصل إليه، قال بمزاح وحب استطلاع: -ماذا هناك يا رجل، فتاة أخرى؟! لا تعرها انتباهها، ماذا يا بطل هل وقعت في المصيدة؟! زفر آثر بضيق وقال: -أنا لست بمزاج لمزاحك الآن، دعني وشأني. تحدث بهدوء ليعلم ما يخفيه آثر قائلاً:
-ما الأمر يا أخي لما أراك بهذه الحالة؟ أخبرني ماذا هناك ربما نجد حلاً سويًا؟ تنهد آثر بحزن وتوتر وقال: -لقد تعرفت على فتاة منذ عدة أيام لكنها ليست كباقي الفتيات، لا تجيب على هاتفي ولا على رسائلي الإلكترونية، إنها حادة الطباع وجدية دائمًا، تتحدث في العمل فقط. سأله باستغراب: -وهل أنت تبحث عن عمل، ما معنى هذا لا أفهم؟
-أنا أعمل بإحدى شركات المساهمة وتعرفت على صديقتها من خلال العمل، ومنها تعرفت عليها، اتخذت العمل حجة كي أتقرب منها. ابتسم أكرم بلؤم وقال: -يا لك من ماكر كبير، حسنًا ولم لا تجيب عليك؟ -لا أعلم عندما أتحدث معها تخبرني بأنها ليست تلك الفتاة التي تحب الأحاديث التي بلا معنى أو التلاعب بمشاعرها. -حسنًا إنها بسيطة جدًا، سأجعلك تمتلكها في ثانية. انتفض آثر معتدلاً ينظر إلى أكرم بحماس ويقول: -حقًا؟! وكيف ذلك؟
-أنا فتاة محترمة كما يتضح، وأنت أيضًا شاب محترم وهذا ما ستفعله، أخبرها بأنك تريد التعرف عليها وعلى عائلتها بغرض شريف؛ إلا أن تحصل عليها. -هل سيجدي هذا نفعًا؟ لا أعتقد ذلك؟ -حسنًا لن تخسر شيئًا جرب الأمر، أو تخلى عنها فهناك الكثير حولك. قام أكرم وخرج من الغرفة وترك آثر بين أفكاره شارداً، أمسك بهاتفه وترك رسالة على الماسنجر الخاص بها، كانت تلك الرسالة هي مفتاح لباب عقلها ومشاعره.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!