لا نختار من نكون وما نحن عليه، ولا نختار أقدارنا، لكن بالطبع لدينا حرية اختيار من يشاركنا إياها، فلنحسن الاختيار؛ لأنه لا تبديل في الأقدار.
ذهبت سهيلة إلى منزل جدها والذي كانت تعيش فيه صديقتها الثالثة أسيل ابنة خالها، واجتمعت هي وأسيل ورباب في غرفة أسيل كعادتهم للضحك والمرح واللعب والسهر، حيث كان الجيران يسمعون صوت ضحكاتهم في منتصف الليل واعتادوا على ذلك، لم يكن يزعجهم الأمر بل كانوا يحبون تواجدهم سوياً ويحترمون صداقتهم وحبهم لبعضهم البعض الذي لا يقدر بثمن. بعد تناول العشاء والضحك، قفزت سهيلة إلى فراشها وقالت:
-حسناً، كفى يا فتيات، سيستيقظ جميع الجيران الآن، وخاصة والدك يا أسيل، سيلعننا حتى الصباح. ضحكت أسيل وقالت: -بالطبع، أقسم لك أنه لن يرحمنا إن لم نصمت ونخلد للنوم، إنه أبي وأعرفه جيداً. أثناء حديثهم، سمعت أسيل صوت والدها ينادي ويسبهم أسفل تراث غرفتها، ركضت أسيل وأطفأت الأنوار ودخلت في نوبة ضحك هستيرية هي ورباب وسهيلة، قالت أسيل وهي تحاول كتم صوتها وتمالك نفسها: -ألم أخبركم، هيا اخلدوا للنوم بسرعة، لقد استيقظ الوحش.
وضعت سهيلة رأسها على وسادتها وامسكت الهاتف تتفقد رسائل الفيس بوك والواتس آب، فرأت تلك الرسالة التي أرسلها آثر بصمت، حتى جعلتها تعتدل منتفضة متعجبة، وقالت: -يا فتيات، تعالوا إلى هنا فوراً. تسائلت رباب وأسيل: -ماذا هناك؟ ما الأمر؟ -أريد أن أريكم شيئاً غريباً. نظرتا أسيل ورباب إلى بعضهما البعض باستغراب وقاما مسرعين إليها، جلست إحداهما على يسارها والأخرى على يمينها، فتحت سهيلة الرسالة وقالت: -اقرأوا. قرأت
رباب الرسالة بصوت جهور: -سهيلة، أنا أحبك حقاً، لست ذلك النوع من الشباب الذي تعتقدينه، أنا لا أتلاعب بك، فقط أريد المجيء والتعرف إلى عائلتك، وبعد ذلك لديك حق الاختيار، تقبلين بي أو لا تقبلين، من فضلك أعطني جواب. تنهدت سهيلة وقالت: -ما رأيكن يا فتيات؟ أعتقد أن هذا حوار مدبر، ليس حقيقياً، هو يفعل ذلك لأني لا أجيب على مكالماته وأعطيه انتباه. تسائلت رباب وهي تتفقد اسم المرسل: -من هذا؟ آه يا إلهي، إنه آثر!
ذلك الشاب الذي أعطيته رقم هاتفك ذلك اليوم. -نعم، إنه هو. قالت أسيل بفضول: -من هذا آثر؟ أنا لا أفهم شيئاً، لم تخفون عني الأشياء؟ أشارت إليها رباب وقالت: -سأخبرك فيما بعد، ليس الآن، سهيلة، أنا لا أعتقد أنه يمزح أو يخلق حديثاً، أعتقد أنه يريد ذلك فعلاً، هو ليس مجبراً أن يربط نفسه بأحد. قالت سهيلة باستغراب شديد: -رباب، هذا الشاب لم يراني قط، كيف له أن يغرم بي ويطلب طلباً كهذا؟! تنهدت بحزن وألم قائلة:
-بالإضافة إلى أني لا أريد الارتباط بأحد، لا أريد التعلق بأحد، لن أستطيع تحمل كسرة قلبي مرة أخرى، فلننسى الأمر. قالت رباب بجدية: -لن تخسري شيئاً يا سهيلة، جربي الأمر، ربما يكون هذا عوضاً لك عن ذلك الحيوان الذي خذلك، هل ستظلين هكذا وحيدة بين العمل والجامعة والمنزل؟ ابتسمت سهيلة وبحب وهي تضمهن إليها: -لست وحيدة، أنتن هنا برفقتي ومعي دائماً، لا أريد أكثر. ضموها بقوة وقالت أسيل:
-سهيلة، رباب لديها حق فيما تقول، لن تخسري شيئاً، لا تحبيه فقط اختبري صدق كلامه، إن كان صادقاً فهي فرصة، لم لا، وإن لم يكن فلن تندمي؛ لأنك لن تقدمي له شيئاً. دفعتهم سهيلة بمزاح من على فراشها وقالت: -حسناً، هيا، لقد تخطيتن حدودكن، أعجبكن النوم على فراشي، اذهبن من هنا، هيا. ضحكت رباب بعدما أسقطتهم أرضاً هي وأسيل، قالت رباب بضحك: -يا يا أسيل، لقد بدأت تتحول، لنبتعد عنها قبل أن تأكلنا.
-هههههه، أجل يا رباب، لقد انتقلت العدوى إليها من أبي، إنه داء الوحش، ربما ستهجم علينا الآن. ضحكت سهيلة من أسفل الغطاء على وجهها وخلدت للنوم. ~~~ في غرفة مظلمة، يضيء نور ويطفأ عدة مرات، وصوت ينادي: آثر، آثر. فتح باب الغرفة ودخلت منها شخص لم تتضح ملامحه، إنه كالظل، يقترب أكثر فأكثر وهو يقول: -آثر، آثر، استيقظ. قام آثر فزعاً من نومه، لقد كان غارقاً في نومه: -ماذا هناك يا أكرم؟ لقد أفزعتني.
-استيقظ، إنه صديقك أسعد ينتظرك أسفل، ألم تسمع هاتفك؟ يحاول الاتصال بك عدة مرات. اعتدل آثر وامسك هاتفه يتفقد المكالمات، قام بالاتصال بأسعد وقال: -ماذا هناك يا أسعد؟ ما كل هذه المكالمات؟ هل قامت الحرب؟ عبر الهاتف يتحدث أسعد: -أراك تمزح يا رجل، مستيقظ برواق، حسناً، سأنتظرك على المقهى، لا تتأخر. -حسناً، وداعاً. قال أكرم واقفاً: -سأسبق أنا إلى أسفل، الحق بي ولا تتأخر. -هل تناولت الفطور؟ -وهل تفعل شقيقتك ذلك في العادة؟
سنتناوله بالأسفل. -لا أعلم إلى متى سيظل هذا الأمر، كل شيء تقوم بفعله تريد مقابله المال، لا طعام دون مال، لا شراب دون مال، لا تنظيف ملابس ولا شيء دون مال، لقد اكتفيت يا رجل. أخرج أكرم ملابسه وأقدم يرتديها وهو يقول ببرود: -اخفض صوتك، يترجل، ستسمعك أمك، وتتسبب في مشكلة بينهم. زفر آثر بضيق وامسك هاتفه يتفقد رسائله الإلكترونية، يتصفح الرسالة إذا برسالة من سهيلة، تحمس إليها وفتح الرسالة، وجد بها:
-صباح الخير يا آثر، كيف حالك؟ أردت فقط الاطمئنان عليك. فرح آثر وانتفض من مكانه إلى الحمام، ارتدى ملابسه بسرعة البرق ونزل ركضاً على الدرج، رفع الهاتف على أذنه يحاول الاتصال بها، رآه أسعد وأكرم وهما جالسان على المقهى، نادى عليه أسعد: -آثر، نحن هنا. أشار إليه آثر بيده وقال: -قادم، قادم. نظر أسعد باستغراب إليه وقال: -ماذا هناك يا أكرم؟ ما به آثر اليوم؟! ابتسم أكرم بجانب ثغره ببرود وقال:
-أعتقد أن الأمر متعلق بتلك الفتاة التي تعرف إليها مؤخراً، دعك منه، سيأتي الآن. فرك أسعد جبينه باستغراب وتعجب: -فتاة؟! لم يخبرني شيئاً عن ذلك، ليس من عادته أن يخفي عني أمراً، حسناً، سأنتظر حتى يأتي إلي. بينما كانت سهيلة ترتدي ملابسها، رن جرس هاتفها، امسكت الهاتف مبتسمة وأجابت: -الو، مرحبا آثر، كيف حالك؟ -أنا بخير الآن فقط؛ لأني سمعت صوتك. -كم أنك شاب متكلم، بل تتلاعب بالكلام. -لم تقولي ذلك؟ لقد أخبرتك بما أريده.
-لن أقتنع بأن هناك شخصاً يحب أحداً دون أن يراه، فأول ما يقال عن الحب أنه من النظرة الأولى، أنا وأنت فماذا يقال عنك؟ من السمعة الأولى. -هههههه، أنت خفيفة الظل أيضاً، لم أكن أعلم بأنك تحب المزاح. -حسناً، لقد قرأت رسالتك، لكن لم أقتنع بكل كلمة بها. -أريد منك فقط أن تعطيني فرصة لإثبات حسن نيتي. -حسناً، لك ذلك. -حقاً؟ يا إلهي، لا أصدق، كدت أقفز فرحاً الآن. -هههههه، حسناً، سأذهب الآن، نتحدث لاحقاً، وداعاً.
-لا تقولي وداعاً، بل إلى اللقاء. -حسناً، إلى اللقاء. أغلقت سهيلة الخط تتأمل الهاتف مبتسمة بأمل، تتأمل أن يكون صادقاً في حديثه ولا يكون سبباً في جرح جديد بقلبها. عاد آثر متحمساً وفرحاً يجلس مع توأمه وصديقه المقرب أسعد، نظر إليه أسعد بصمت يرمقه بنظرات عتاب، ابتسم آثر وقال: -كنت سأخبرك يا أسعد، لا تنظر إلي هكذا، فقط كنت أنتظر أن يتم الأمر. قال أكرم بسخرية: -وهل تم الأمر يا روميو؟
حسناً، أتمنى أن لا أراك تجلس باكياً جوار النافذة، وتندب حظك، لم يمر وقت طويل على فسخ خطبتك. نظر إليه أسعد وقال بجدية: -أكرم لديه حق، ماذا يدور في رأسك يا آثر؟ تنهد آثر بتوتر عاد إلى الخلف يسند ظهره على الكرسي، عاقداً ذراعيه: -لا أعلم يا أسعد، كل ما أعرفه أنها ليست كباقي الفتيات اللاتي عرفتهن. ~~~
وبدأت المحادثات بينهما عبر الهاتف والرسائل عبر الواتس والماسنجر، ليل ونهار، يرسل لها صوره وترسل له صورها في العمل وفي الجامعة، وهكذا ظل الحال بينهما حتى تسلل إلى قلبها واعترفت له بحبها، بالرغم من ذلك لم تكن تعلم أو تتوقع أنه سيصدق في حديثه ويتقدم لخطبتها يوماً، كانت فقط تعيش لحظاتها الجميلة معه دون تردد أو حسبان. اقترب موعد زفاف رباب، وأخبرتها رباب أنه الوقت المناسب لقدومه ولن يلاحظ أحداً تواجده كشخص غريب:
-سهيلة، أخبريه أن يأتي كما أخبرك سابقاً، إنه الوقت الأنسب للتعرف على عائلتك ونتعرف عليه أيضاً. وبالفعل أخبرته سهيلة بذلك، لم تكن تتوقع قدومه لكنه خيب ظنها السيء به وأتى إليها في حفلة حنة رباب، تعرف إلى سهيلة وجهاً لوجه وإلى عائلتها ولم يمض سوى أسبوع واحد على ذلك وطلب منها القدوم؛ للتعرف على والدها.
لم تتوقع سهيلة تلك السرعة، أيعقل حقاً أنه كان صادقاً، استغل آثر تلك المواقف بحرفية شديدة، ومن هنا انطلقت تلك الثقة العمياء من سهيلة إلى آثر، آمنت بأن الله عوضها بآثر وأنها لن ترى الألم مرة أخرى، لم تكن تعلم أن تلك هي بداية معاناتها وعذابها الذي لم يسبق لها أن رأته من قبل.
أحبته سهيلة حد الجنون بل حد الموت، وتقدم لخطبتها وفي يوم تعرفه إلى والدها، لم يكن والدها على هذا القدر من الارتياح لتلك العلاقة، أخبر والدها زوج شقيقتها الأكبر أن يتصل بوالد آثر ليعلم أن كان والده على معرفة بمجيئه أم أنه يعتقد أن الأمر سهل وبسيط كما اعتاد شباب القاهرة. كان والدها حاد الطباع بعض الشيء، رجل صاحب فضيلة، لا يخشى في الحق لومة لائم، رجل ملتزم وصاحب مبادئ ثابتة وسامية.
عندما اتصل "عدي" زوج شقيقة سهيلة الكبرى بوالد آثر، أخبره والده أن لا يعلم بوجوده لديهم ولا بما يدور بينهم، أنكر آثر ذلك بشدة واخبرهم أن هناك خلافاً بينه وبين والده في العمل؛ لذلك أنكر وجوده وأخبره أنه لن يساعده في شيء من تحضيرات الزواج خاصته.
بدأ يتلاعب الفأر في رأس والدها، وعلم أن هناك لغزاً مخفياً وراء تلك الأحاديث المتداولة، بعد ذهاب آثر وأخاه، قام والد سهيلة الأستاذ "بدر الدين سالم" بالاتصال بأحد معارفه، وأخبره باسم آثر وعائلته وطلب منه أن يتحرى عنهم بدقة.
بعد مرور فترة من الزمن قاربت الشهر، كانت سهيلة تزداد عشقاً له في كل يوم عما قبله، رفض والدها الزواج منه وبشدة وأخبرها أنها لن تتزوج منه مهما حدث، وعندما تسائلت عن السبب، كانت حجته أنه ليس لديه مستقبل، فهو مؤهل متوسط ولا يعمل بوظيفة دائمة، كيف سيلبي مطالبها بذلك.
لكن لم تتمكن سهيلة من تخطي الأمر ومن هنا ظهر وجه آثر الآخر الذي جعلها تقف أمام أهلها، كان يظهر أمامها أنه ملاك بريء وضحية لأفعال أهلها، فهم لا يريدونه لأنه لا يمتلك المال الكثير أو لأنه فقير ويجلب قوت يومه يوماً بيوم، استغل طيبة قلبها واستدرجها حتى جعلها ترى والدها قاسياً القلب ووالدتها لا تريد زواجها حتى تبقى في خدمتها دائماً.
يا له من مكر ليس بعده مكر، صدق من قال أن مرآة الحب عمياء، فالحب يجعلك ترى وجهاً آخر للشيطان، بل ويجعلك تغرم به تتعاطى عن كونه شيطاناً ليصبح بنظرك ملاكاً بأجنحة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!