ليس هناك شخص هانئ البال حتى وإن حصل على ما يتمنى، فقبل الحصول عليه يظل منشغلا به حتى بلوغه، وعندما يبلغ غايته يظل منشغلا من أن يخسرها يوما، وإن خسرها يظل منشغلا بخسارته وكيف سيعوضها، تلك هي طبيعة البشر وطبيعة الحال، وهذا ما جعل الدنيا في صراع دائم، وسببها أن لا أحد يحمد الله على ما حصل عليه وما يملكه، دائما يتطلع الشخص إلى من حوله، أريد أن أكون مثل هذا وأبلغ منصب هذا وأحصل على ما حصل عليه هذا، وهذا وهذا وهذا إلى أن تنهي الحياة.
لكن على المرء أن يكون لديه القناعة والرضا النفسي، حتى يستطيع إكمال حياته هانئ البال، لا ينظر إلى غدا ولا يقلق مما سيقدم عليه، فقط يعيش يوما سعيدا مطمئناً لا يحمل هم غدا. بالرغم مما عاناه سهيلة كانت لديها قناعة باختيارها لآثر، فهي لم تعد تملك الاختيار، عليها تقبل ما صارت لأجله الحصول عليه بكل قناعة ورضا.
في يوم الزفاف بالرغم من وجودها في صالون التجميل إلا أن بالها كان منشغلا بالكثير، بعدما انتهت من تجهيز نفسها، أتت منال وشهد لتجهيز أنفسهن أيضاً، لقد كان عليهن الوصول مبكراً عن ذلك حتى لا تنتظر سهيلة وقتا أطول بين الأدخنة وحرارة الجو، والتي أفسدت مكياجها، وقامت بتحسينه مرة أخرى، أثناء جلوس سهيلة تنتظر آثر شعرت بالملل والزهق.
هاتفها لا يهدأ رنات مستمرة من والدتها وشقيقتها، عائلتها تنتظر منذ أكثر من ساعة في قاعة الزفاف، وأخبرته شقيقته أنه لا يوجد أحد بالقاعة سواهم، فقالت سهيلة بتوتر: "ربما لم تأتِ الناس بعد يا زينب، ابقي أنت ووالدتي في استقبالهم حتى يأتي أحد من عائلة آثر." أغلقت سهيلة الخط وقالت لمنال بتهكم: "أليست هناك أحد من عائلتكِ في استقبال عائلتي يا منال بقاعة الزفاف؟! تخبريني شقيقتي أن لا أحد هناك سواهم."
قالت منال ببرود وهي تضع مساحيق التجميل على وجهها، بعد ثوان من سؤال سهيلة: "وما أدراي أنا من هناك، لا أعلم ربما ستأتي الناس بعد قليل." قالت سهيلة باستغراب شديد: "ألم تخبري أحدا من عائلتك بأمر الزفاف؟! خالاتكِ وعماتكِ حتى والدكِ ليس هناك، أليس غريباً هذا؟! صمتت منال لدقائق وقالت تتدعي أنها لم تسمع جيداً: "ماذا قلت يا سهيلة؟ كنت منشغلة لم أسمعك جيداً." فهمت سهيلة من تعابير وجهها أنها لم تخبر أحداً وأنها كانت تقصد ذلك،
فقالت لها: "لا شيء." ثم أعادت شهد عليها الحديث وقالت لها: "تتسائل سهيلة عن أهلك، أهل والدتك ووالدكِ لا يوجد أحد منهم في قاعة الزفاف." قالت منال ببرود: "آه أجل لا أعلم أنا أخبرتهم." زفرت سهيلة بضيق، لم تعد تحتمل تلك الأساليب المستفزة، اتصلت بآثر وقالت منفعلة: "أين أنت يا آثر؟ كل هذا الوقت انتظرك، لا أحد هناك يستقبل عائلتي من أهلك، وأنا منتظرة هنا." "ما الأمر يا سهيلة؟ لم ترفعين صوتك هكذا؟ "لقد مللت من الانتظار."
"هل أنتِ لديكِ منال وشهد؟ قالت سهيلة بكل جرأة فبدى وجه منال: "لا دخل لي بهن، لم ينتهين من تجهيز أنفسهن بعد، لقد أخبرتهن أن يأتوا إلى هنا الساعة السادسة، وأتين إلى هنا الثامنة، هيا تعال وخذني على الفور، وهن ينهين تجهيز أنفسهن على مهل." "حسنا حسنا أنا قادم."
بعد حوالي النصف ساعة تنتظر سهيلة أتى آثر، فتح الباب فوجدها تنتظره بثوب زفافها الأبيض المرصع بالكريستال الذي يشع ضوءا، بخيوط مطرزة ومتشابكة تشبه خيوط العنكبوت، وحجابها الأبيض الذي يتدلى خلفها حتى يصل إلى الأرض، تجره خلفها وكأنها ملكة في يوم تتويجها. نظرت سهيلة إلى آثر ودخلت الفرحة إلى قلبها عندما رأته ببذلته السوداء الأنيقة، وشعره المهندم الذي يلمع كالزجاج، نسيت غضبها عندما رأته، ابتسم لرؤيتها وقال: "هل انتهيتِ؟
قالت عاملة صالون التجميل تمزح معه: "أجل لكننا لن نعطيك إياها بسهولة." قال ضاحكاً: "أنتِ لا تعلمين كم عانيت حتى أحصل عليها، اصمتي." ضحكت وقالت: "أسعدكم الله وأتم لكم على خير، حسنا أريد خمسمائة جنيهاً ثمن المكياج والزينة." دفع لها آثر وقال وهو يمسك يد سهيلة يستعد للخروج: "منال ألن تأتي معنا؟ دفعت به سهيلة للخارج وقالت: "لم تنتهِ بعد، ستأتي خلفنا." وقفت سهيلة على الباب وصدمت بما تراه، سيارة أجرة تأخذها إلى زفافها؟!
أين هي سيارة العروس المزينة بالورود؟ سيارة أجرة؟! يا لها من صدمة أخرى تحط على رأسها، تغاضت سهيلة عن تلك النقطة عندما تذكرت أن آثر لا يملك المال، لكن ما أثار غضبها أكثر عندما كانت تخرج من باب صالون التجميل قالت الفتاة التي تعمل به: "هيا يا شقيقة العريس زغرودة من فضلك؟ لكن منال تجاهلت الأمر كأنها لم تسمع شيئاً. ابتسمت سهيلة وقالت: "ربما أكل القط لسانها." فقالت العاملة: "حسنا سأفعلها أنا."
شعرت سهيلة بالسعادة لهذا الموقف الشهم من العاملة، بالرغم من أنها غريبة عنها لا تعرفها ولم تراها مطلقاً، إلا أنها جعلتها تشعر بالسعادة بفعلها شيئاً صغيراً كهذا، بالفعل الأصل لا يشترى بالمال، فهناك أناس يظهر أصلهم النقي ومعدنهم الصافي من أفعالهم، وهناك أناس سيماهم على وجوههم من كثرة الدناءة.
خرجت سهيلة إلى السيارة وصعدت إليها وذهبت في طريقها إلى قاعة الزفاف، عند وصولها ورؤيتها الأضواء والأنوار المعلقة بجميع الألوان، وبعض أناس من عائلتها، بنات خالها وأختها الصغيرة "ندى" ولمحت جزء من وجه والدتها.
خرج الجميع لاستقبالها، ظنت سهيلة أن القاعة مملوءة بالناس، ترجلت من السيارة وساعدتها ابنة خالها في حمل الفستان حتى تمكنت من النزول والوقوف على قدميها، لحظة سعادة تنسيها ما قبلها من صدمات وهكذا ظلت سهيلة طوال اليوم، كلما تتعرض لصدمة ما تنسيها لحظة سعادة تشعر بها بعدها، كأن الله يعلم بها وبحالتها ويعطيها إشارات وهي مازالت مستمرة.
وقفت سهيلة أمام باب القاعة تستعد للدخول، تلتقط كاميرا الفيديو لهما بعض اللقطات، وكانت اللحظة الحاسمة عندما دخلت سهيلة أول خطوة من باب القاعة ورأت القاعة فارغة، ليس بها سوى عائلتها فقط، أشخاص لا يتعدى عددهم الخمسين شخصاً ربما أقل، إنها صدمة ليس بعدها صدمة، تجمدت سهيلة بأرضها وتغيرت ملامح وجهها.
كأن أحد ما أسقط عليها دلوا من الماء المثلج، تسارعت ضربات قلبها وازداد توترها وقلقها، ظلت تتحدث إلى نفسها وهي تبتسم أمام الناس حتى تداري صدمتها. فقالت بصوت واضح لآثر: "أين المعازيم يا آثر؟! أين الناس؟! القاعة فارغة." لم يجبها آثر من توتره وضيقه من الموقف، لقد شعر بالحزن لأجل سهيلة، كادت أن تسقط دموعها حزناً على يوم زفافها الذي لم تجد به ما ظلت تتمناه طوال حياتها.
قمة الألم والمعاناة التي شعر بها قلبها، مر شريط أمامها لعلاقتها مع آثر طوال فترة الخطوبة حتى الآن، لقد ارتأت في هذه اللحظة أن تنهي الزفاف وتهرب إلى بلدها ومنزل والدها، لكن قد فات الأوان، فكرت بالناس وكلامهم عنها إن فعلت ذلك، فكرت بآثر عندما نظرت إليه بحزن ورأت ملامح وجهه المتعبة والباهتة، قالت في خاطرها: "ماذا سيحدث له إن تركته الآن؟ لقد عانى أيضاً الكثير، ماذا سيقول الناس عني إن تركت زفافي؟
سيقولون هربت من زفافها، يا إلهي ماذا أفعل؟ ثم عاودت النظر إلى آثر بلوم وعتاب وقالت في خاطرها أيضاً: "لكنه المسؤول عن كل هذا، لم يصارحني بشيء، كلما سألته عن شيء ما كان يكذب علي حتى رسم لي خيالاً وأوهام صدقتها وليست موجودة بالواقع، ماذا سيحدث لو كنت صارحتني؟ هل كنت تخاف من أني أتركك؟
إنه حقي، لا فائدة مما أفعله الآن، عليك التماسك يا سهيلة والصمود، ستأخذين حقكِ منه لاحقاً بطريقتكِ، لتكملي ليلة زفافكِ البائسة وتنتهي هذه المعاناة."
دخلت سهيلة إلى القاعة وأكملت الزفاف بكل تفاصيله، لكنها لم تشعر بها قط كأنها ليلة حفل عادي، رغم نظرات الناس إليها وتودد أفراد عائلتها عليها وعلى زفافها، صارعت سهيلة تلك الحمم البركانية التي انفجرت داخلها حتى تمنعها من الخروج، تكتم في نفسها وقلبها حتى انتهى الزفاف وذهبت إلى شقتها برفقة عائلتها وآثر وعائلته.
صعدت خالتها وزوجة خالها إلى شقتها، لكنهم صدموا من مظهرها، ليس هناك سجاد على الأرض، السرائر عارية دون فرش، دخلت زينب شقيقتها أكملت فرش السرائر، فقالت سهيلة لآثر: "ألم تخبرني أن شهد ومنال سيكملون ما تبقى من فرش الشقة؟! أين باقي الأغراض؟ "قال آثر بصوت منخفض: أنا لا أعلم ما هذا الذي يفعلونه؟! انتظري فقط حتى يذهب الناس، سيحاسب كل شخص على أفعاله."
ودعت سهيلة عائلتها لكن لم تجد والدتها من بينهم، بحثت عنها وأخبروها أنها لم تصعد، ظلت تنتظر في السيارة لأن قدميها تؤلمها، بدلت سهيلة فستان زفافها وارتدت عباءة تسهل عليها الحركة؛ لتذهب إلى والدتها.
لكن عمها قام بمنعها وأقسم عليها ألا تنزل إلى أسفل لتوديع والدتها، فهو يعلم كيف كانت علاقتهم ويعلم أن البكاء لن يتوقف إن نزلت سهيلة، بقيت سهيلة بين أحضان عمها تبكي لبضع دقائق، إنها تودع الجميع لكن ليس بتلك السعادة التي تكون في مثل هذه اللحظات، إنها تودعهم بقهر وألم وحزن ليس فقط على فراقهم وأنما مما عانته في هذين اليومين الماضيين.
خرج الجميع من شقتها وأغلق آثر الباب، دخل فوجد سهيلة تقف في النافذة تنظر إلى سيارة عائلتها وهي تغادر وتتركها وحيدة. اقترب منها آثر يضمها من الخلف إليه يواسيها ويهدأ من حالتها الحزينة: "كفاكِ بكاء يا سهيلة رجاءاً؟ أغلق آثر النافذة وجلس جوارها في الغرفة على سرير الأطفال: "هل هدأتِ الآن، ألستِ جائعة؟ نظرت إليه سهيلة بعينيها الحمراء من شدة البكاء، حاولت أن تخفف عن نفسها وقالت:
"أجل أموت جوعاً لم آكل شيئاً منذ الصباح.، لكن أين هو الطعام؟ أنت لا تملك المال، حتى الموقد لم يعمل بعد لتحضير الطعام." ربت على قدمها وقال: "لا تقلقي، سأتصرف أنا، هيا قومي بدلي ملابسكِ." قامت سهيلة ودخلت تبدل ملابسها لترتدي روب نوم أبيض اللون، ناعم الملمس، خصلات شعرها الأسود المسدول، وخرجت عليه كأميرة مثيرة، يظهر الثوب بعض من مفاتن جسدها، نظر إليها آثر وقال: "ألم يكن هذا الثوب لدخلتنا؟ "أجل." "لم ترتدينه اليوم؟
فأنتِ لست جاهزة بعد." ابتسمت سهيلة وقالت: "ربما أكون كذلك سأرى." وقف آثر وكأنه ينتظر قدوم طفله الأول، يذهب ويعود أمام باب الحمام حتى رن جرس الباب، ذهب إليه وفتح الباب وجد عامل توصيل الطلبات قد جلب لهم الطعام. أخذه منه وعندما دخل إلى الغرفة ليضع الطعام على الطاولة وجد سهيلة خلفه، أمسك بها وقال متحمساً: "أخبريني ما الأمر؟ تجاهلت سهيلة حديثه كأنها لم تسمع شيئاً لتستفزه، ذهب إلى شنطة الطعام خلفه مباشرة وقالت:
"يا إلهي لقد وصل الطعام أنا جائعة للغاية." فتحت الشنطة وقالت باستغراب: "ما هذا؟! بيتزا؟ هل سأتناول يوم زفافي بيتزا على العشاء؟! رفعت يديها إلى أعلى ثم قالت بمزاح: "أين أنتِ يا أمي؟ لو كنت تزوجت بجوارك لكنت أكل الآن الحمام والبط." نظر إليها آثر وقال: "تعالي إلى هنا، أنا سأجعلك تأكلين كل ما تريدينه." أمسك بها من ذراعها وقال لها: "أخبريني أولاً هل سيتم الأمر أم ماذا؟
شردت سهيلة لعدة ثوان خوفاً من تلك الليلة، مما سمعته عنها من أحاديث باطلة، وهذا أيضاً ما يجعل أغلب الفتيات يعانين رعباً من ليلة الزفاف؛ وذلك لسوء ثقافتهن عن الأمر، وما يتداوله الشباب والفتيات من أفكار وأحاديث خاطئة دون وعي أو تثقيف، حتى إنه في بعض الحالات تؤدي هذه الثقافات الخاطئة إلى مضاعفات حادة ربما تصل إلى فقدان الحياة.
لا حياء في العلم ولا حياء في الدين وهذا ما أقرته جميع الأديان السماوية، ووصف الإسلام تلك العلاقة بأجمل كلمات وهي الود والرحمة، فقط على الإنسان ألا يستمع إلى ما يتداوله البعض من خرافات تحرض على العنف أو ما شابه. على جميع الفتيات والشباب قبل الزواج أن يلجؤوا لثقافة صحيحة وصحية، من شخص مختص وليس من أي كان، مما يؤدي إلى خوض تجربة صحيحة وسليمة بعيدة عن التقاليع والأفكار الخاطئة، ونتيجة ذلك نشأ قويم ومتحضر وعلاقة متحضرة تبقى كذلك طوال العمر.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!