عندما تتلاقى الأجساد تتلاقى الأرواح أيضاً. هناك رابط خفي لا يعلمه سوى خالقه. عندما يغمر الجسد الدفء والرغبة معاً، ويغمر القلب العشق المجنون، تتخلل مشاعر خفية إلى القلوب وتسكنها حتى الممات. في ليلة سهيلة الأولى في عش الزوجية، استطاعت أن تمنح نفسها السعادة بالرغم مما قاسته، فاجتماعها مع آثر في نهاية الأمر هو ما تمنته.
عندما علم آثر أن سهيلة مستعدة للقائهما الأول، قفز فرحاً من سعادته. اتجهت سهيلة إلى الطعام وتركت آثر في نار الحيرة، ثم أخبرته أنها جاهزة بعد تفكير للحظات. إنه مهما مر الوقت، هذا سيحدث. تناولت الطعام مع آثر وقضت ليلتها الأولى في هناء وسعادة.
استيقظت صباحاً وهي جانب آثر على فراش واحد. نظر إليها عند استيقاظها يتأملها، فهو يراها كأنه يراها للمرة الأولى في حياته. لقد أصبحت ملكه بعد معاناة وعذاب. اقترب منها يقبل كتفها ثم عنقها يدغدغها، حتى أصدرت صوت ضحكاتهم.
كانت سعادة أيامهم الأولى معاً جعلتها تنسى ما هي به وما مرت به. لقد مضى ثلاثة أيام على زواجها. أرادت سهيلة أن تنظف الملابس، خاضتها وخاصته، لكن كيف لها أن تفعل ذلك ومازالت الغسالة لم تتوصل بوصلات المياه والكهرباء بعد. استدعت سهيلة آثر من الغرفة وقالت: "آثر يا آثر؟ قدم إليها وقال: "أجل يا سهيلة، ماذا هناك؟ "أريد أن أغسل تلك الملابس، نحتاج إليها ومازالت الغسالة لا تعمل، اتصل بالمهندس من فضلك يأتي لتركيبها."
قال آثر بهدوء: "وهل سيأخذ هذا المهندس مال؟ "لا أعلم ربما، دعنا نتصل برقم الشركة ونستعلم عن الأمر؟ "حسناً، كم الرقم؟ "ها هو مكتوب على كرتونة الغسالة." اتصل آثر بشركة الغسالات وعلم أن تركيب الغسالة سيتكلف مائة وخمسون جنيهاً، فقال لخدمة العملاء: "حسناً، سنتصل بكم لاحقاً، شكراً." تعجبت سهيلة من رفضه وقالت: "ما الأمر؟ لم لم تخبرهم أن يأتون؟ بصوت منفعل قال آثر:
"يحتاج قدومهم إلى مائة وخمسون جنيهاً، تعليمات أني لا أملك المال الكافي الآن، دعيها فيما بعد نقوم بتركيبها." "وكيف سأغسل تلك الملابس أنا؟ "سأجلب لكِ مسحوق الغسيل، واغسليها بيديكِ يا سهيلة، أو اتركيها حتى تركب الغسالة." تعجبت سهيلة مما يقوله، إنه مبلغ بسيط ليس بالأمر الصعب وهو يمتلك هذا المبلغ لكنه لا يريد دفعه الآن. كيف ستغسل تلك الملابس على يديها؟ إنها كثيرة، وإن تركتها ربما تتضرر الملابس من الركنة.
استسلمت سهيلة للأمر الواقع وجلست على الأرض تضع أمامها أطباق بلاستيكية تغسل بها. كانت الأطباق صغيرة الحجم قليلاً، ليست بالحجم الكافي لغسل الملابس. لقد تضررت من هذا الوضع وطأطأت رأسها حزناً وكسرة على حالها. ماذا ستفعل؟ مازالت تريد تحضير الطعام ومازال الموقد لم يتم تركيبه بعد.
بعدما انتهت سهيلة من غسيل الملابس وقامت بنشر جزء منها، تبقى جزء آخر لم يسعه المكان. جلست على فراشها بعد ترتيب المكان وتنظيم الشقة. لقد كانت متعبة للغاية وجائعة. كان آثر قد خرج وعاد بعدما انتهت ومعه طعام. دخل وقال: "سهيلة؟ أجابته من داخل الغرفة: "أنا هنا يا آثر." دخل الغرفة وجدها مستلقية ومجهدة، قال وهو يقف على باب الغرفة: "هيا قومي، لقد جلبت الطعام."
"لا أستطيع الحراك يا آثر، أنا متعبة للغاية، أغسل الملابس منذ الصباح حتى تورمت يداي." قال لها يتهكم: "ألن تتناولي الطعام إذاً؟ تعجبت سهيلة من طريقة كلامه، قالت بانفعال: "وما دخل تناول طعامي بتعبي يا آثر؟ "تقولين أنك لا تستطيعين القيام، أقول لكِ جلبت الطعام تقولين متعبة." تحدثت سهيلة بحزن: "آثر، أنا حقاً متعبة، ألا يمكنك وضع الطعام؟ لا أريد أن آكل إن كان هذا ما يريحك." قامت سهيلة لتذهب إلى غرفة نومها بالداخل، امسك بها
آثر من ذراعها وقال بلطف: "لا تغضبي مني، أنا أعتذر منكِ." سالت دموع سهيلة كالمطر، تصعب عليها نفسها مما تعانيه وتتحمله، فقالت باكية: "أنا حقاً لا أحتمل هذا الوضع، لقد فاق الأمر طاقة تحمالي، أخبرتك أن تقوم بتركيب الغسالة، والموقد، لا نستطيع عيش حياة طبيعية هكذا يا آثر." ضمها إليه وقال: "حسناً، لا تغضبي، هيا اغسلي وجهك وتعالي نتناول الطعام سوياً."
دخلت سهيلة تغسل وجهها وجلست مع آثر لتناول الطعام، بعد الانتهاء قامت سهيلة وجلبت لآثر خمسين جنيهاً وأعطته إياها. نظر إليها وهو يجلس على فراشه وقال: "ما هذه يا سهيلة؟ جلست جواره وقالت:
"أنا ما تبقى لدي من أموال الزفاف التي أعطاني إياها عمي، خذها واكمل عليها واتصل بشركة الغسالات، وعندما يتيسر الحال نقوم بتركيب الموقد، لو نظرت إلى الأمر من جهة أخرى، نحن نصرف المال يومياً في جلب الطعام الجاهز، لنوفر هذا المال ونطهو طعامنا في المنزل." فكر آثر في كلامها قليلاً ثم قال: "أجل، لديكِ حق، حسناً أنا معي مائة جنيه سأضعها على الخمسون وتتصل بشركة الغسالات، أما بالنسبة إلى الموقد ستجلب شخصاً يقوم بتركيبه."
"ليس أي شخص يا آثر، تلك الأجهزة تحتاج إلى مهندس مختص، لقد جلبها لي أبي كهدية زواجي، أخاف أن يفسدها أحد." نفر من حديثها عما جلبه والدها وقال: "لا تقلقي، لن يحدث لها شيء، وإن حدث سأرسل لوالدك المال ليجلب لكِ غيرها." تعجبت سهيلة من طريقته وأسلوبه السيء في الحديث، قام بعد إلقاء حديثه ليدخل إلى غرفة النوم، فقالت له عندما وصل للباب: "ولم لم تفعلها من قبل؟ وقف آثر مكانه، أردف ينظر إليها بغضب، وعاد إليها ثم قال بانفعال:
"ماذا تقصدين بحديثكِ هذا؟ طأطأت سهيلة رأسها وقالت: "لا شيء." ظل ينظر إليها بغضب وضيق ثم وقف معتدلاً وذهب إلى الداخل، ظلت سهيلة تضرب الأرض بقدمها من ضيقها، ثم قالت لنفسها: "سحقاً لهذه الحياة، هل هذا ما أردتي عيشه أيتها الغبية؟ عم المساء ودخلت سهيلة تستحم، انتظر آثر خروجها فوجده يستعد للنزول، فقالت باستغراب: "أين ستذهب؟ "أنا أنزل إلى المقهى لبعض الوقت." "انتظرني وخذني معك، أريد الخروج لتنفس بعض الهواء النقي."
نظر إليها بصمت، ظلت تتدلل عليه وتقول: "رجاءً يا آثر، رجاءً، ما زلنا في بداية زواجنا، ستنزل وتتركني هنا وحيدة." ابتسم قائلاً: "حسناً، هيا ارتدي ملابسكِ." هلت سهيلة كالطفلة ودخلت مسرعة ترتدي ملابسها، ونزلت برفقة آثر، بدأ يريها بعض الأماكن التي يجلس فيها في العادة، وقال لها: "ما رأيكِ أن نذهب إلى منال؟ "ولم نذهب إلى هناك؟
لقد خرجنا بعض الوقت لنذهب من منزل إلى منزل، مرة أخرى دعنا نتناول العشاء خارجاً، نجلس في مطعم أو حديقة أو ما شابه." لم يرد آثر طلبها، بالفعل جلب لها الدجاج المشوي والكفتة المشوية، وأخذها إلى حديقة عامة، بينما كانوا يجلسون كان آثر يتصفح رسائله على الواتس آب، فقالت سهيلة: "ماذا تفعل؟ لم تمسك الهاتف ونحن سوياً؟! لمحت سهيلة بطرف عينها أنه يقوم بحذف بعض المحادثات، لكنها لم تتمكن من رؤيتها جيداً، فقال آثر:
"لا شيء، فقط كنت أتحدث إلى أكرم." باستغراب قالت: "أكرم؟! ولم؟ أنت تراه كل يوم لساعات، ما الداعي للحديث معه الآن؟ شعرت سهيلة أن هناك شيئاً يخفيه آثر، لكنها لا تعلم ماهو فقررت أن تخبرها بطلبها الهاتف منه: "أعطني هاتفك يا آثر، عماذا تتحدث أنت وأكرم؟ أرني." لكنه رفض أن يريدها المحادثات بالرغم من تحدثها بمزاح. أصرت سهيلة أن تحصل على هاتفه فقال لها: "حسناً، أرني هاتفك أيضاً."
أمسكت سهيلة هاتفها بكل ثقة ووضعته أمامه، هي لا تفعل ما يجعلها تخاف من رؤيته إليه. نظر إليه وقال: "حسناً يا سهيلة، أنا الرجل، أنا من أرى هاتفك وليس أنتِ." وقفت سهيلة ووضعت يداها على الطاولة وقالت بنبرة تهديد: "إن لم تعطني الهاتف الآن سأعود إلى المنزل." ضحك آثر وظن أنها تمزح، فهي لن تستطيع العودة وحدها، لا تعلم الطرق جيداً، ولا تعلم طريق العودة، لكنها تعرف اسم الشارع الذي تسكن به ورقم المنزل، فقال آثر: "حقا؟!
حسناً، هل تعرفين كيف تصلين إلى المنزل؟ اذهبي." لم تتردد سهيلة لحظة في أن تتركه وتذهب إلى خارج الحديقة. أحياناً يتفاجأ من جرأتها وشجاعتها، تلك ليست هي الفتاة ذاتها التي كان يتحكم بها كيفما يشاء ويفعل بها ما يريد، ربما أصبح الأمر مختلفاً الآن بعدما تعرفت عليه وعلى عائلته عن قرب. أخبر آثر العامل في الحديقة أن يحفظ الطعام وباقي الأشياء حتى عودته، خرج مسرعاً ورائها وأمسك بزراعها وسط الشارع يشدها بغضب:
"ماذا تفعلين أيتها الحمقاء؟ هيا إلى الداخل." دفعت بيده وقالت له: "اترك يدي، لن أدخل حتى تعطيني الهاتف وتخبرني بما تخفيه." "لا تجعلني أسخر وسط الشارع، هيا إلى الداخل، بالفعل أنت لا خروج لك من المنزل بعد الآن، حسناً، سنرى ما سنفعله بعد العودة." دفعت بيديه إلى الخلف بانفعال وذهبت تكمل طريقها، فقال لها: "حسناً، هيا ادخلي، سأعطيك إياه، لقد أصبحنا فرجة للناس، هيا ادخلي."
دخلت سهيلة إلى الحديقة وجلست على الطاولة وأعطاها آثر الهاتف، لكنه كان قد قام بحذف محادثات لم تراها سهيلة، وعندما وصلت إلى محادثته مع أكرم، سحب منها الهاتف بحجة أنهم شباب ويمزحون مع بعضهم بألفاظ لا يمكنها قراءتها أو سماعها. جعلته سهيلة يرى أنها اقتنعت بحديثه ومررت الأمر، لكن ما زال في بالها ما فعله آثر وتلك المحادثات التي قام بحذفها. جلست معه وتناولت الطعام سوياً وهم في طريقهم إلى العودة، قالت سهيلة:
"هيا لنذهب إلى منال، نجلس معها بعض الوقت قبل أن نصعد إلى المنزل." نظر إليها باستغراب وقال: "الم تقولي أنك لا تريدين؟ "لا، لم أقل ذلك، قلت أني أريد استنشاق بعض الهواء النقي أولاً، ونذهب إليها لاحقاً." ضحك آثر وقال: "أقسم أني تزوجت من طفلة، لهذا تخلى عنك أهلك بسهولة، لو أخبروني أنك مجنونة لما كنت تزوجت بكِ." ضحكت بسخرية على حديثه وقالت: "أجل بالفعل، لقد تخلوا عني بسهولة، والدليل على ذلك ما عانيته لتحصل علي، أليس كذلك؟
أنتم الرجال تتنمرون دائماً بعد الحصول علينا، أما قبل ذلك فتتوددون كالاطفال لتحصلوا علينا." ضحكوا سوياً وصعدوا إلى منال، وجدوا خطيبة شقيقه الأكبر هناك، وشهد ومنال، دخلت ورحبت بهم جميعاً، وجلست هي وآثر في جانب منفرد، جلبت لهم منال أكواب عصير، ثم جلست معهم تتبادل الأحاديث مع سهيلة، رن هاتف سهيلة بمكالمة واردة من والدتها. أجابت سهيلة وكانت الكلمة الأولى التي سمعتها منها عندما فتحت الخط هي:
"لقد اشتقت إليكِ كثيراً يا سهيلة." تلك الكلمات جعلت سهيلة تدمع وهي تقف عبر النافذة، أجابت والدتها بنبرة مهزوزة تحاول تمالك نفسها: "وأنتم أيضاً اشتقت إليكم كثيراً يا أمي." "أخبريني كيف حالكم؟ "الحمد لله، نحن بخير لا تقلقي، نحن بالخارج الآن، ذهبنا أنا وآثر لتناول العشاء بالخارج، ونحن الآن عند شقيقته منال."
قالت سهيلة تلك الأحاديث لوالدتها حتى تجعلها تطمئن أنها بخير ولا تشغل بالها قلقاً عليها، اطمأنت عليها والدتها عندما سمعت صوتها سعيدة وأغلقت الخط معها. أتى آثر من خلفها يطوقها بذراعيه قائلاً: "هل كانت هذه والدتكِ؟ "أجل، إنها هي." "هل أوصلتي لها سلامي؟ "أنا أرسل السلام إليك أيضاً، لقد اشتقت إليها كثيراً." "سأجعلك تذهبين لزيارتها في أقرب وقت، فقط تتعدل الأحوال المادية و أدعك تذهبين." "حقا يا آثر؟! "بالطبع يا عزيزتي."
جلست سهيلة وآثر لبعض الوقت وغادروا إلى شقتهما، وخلدوا للنوم دون خلافات اليوم. في اليوم التالي استيقظ آثر وقال لها دون إلحاح منها إنه سيذهب لجلب شخص ما يقوم بتركيب الموقد بالغاز، تعجبت سهيلة من حماسه وسعيه لقضاء حوائج المنزل دون إلحاح منها.
وبعد فترة زمنية تقرب الساعة أتى آثر وقال لها إن شقيقه محمد سيجلبه له في المساء، تناولوا الفطور سوياً وانتظروا حتى حل المساء، نزل آثر وأخبرها إنه سيجلب محمد والمصلح ويأتي، وتفاجأت سهيلة عندما أتى آثر وليس برفقته المصلح، بل أتت معه منال وشهد وابنة منال الصغيرة وشقيقه محمد. تعجبت عندما فتحت الباب، لكن ليس عليها سوى الترحيب بهم، بعد دخولهم وجلوسهم، أخذت آثر إلى الداخل وقالت: "لم لم تخبرني بأنهم قادمون يا آثر؟
تفاجأت من رده قائلاً: "ولم أخبركِ؟ وإن أخبرتك هل كنتِ سترفضين قدومهم؟ إنه منزلي يا سهيلة وهؤلاء هم عائلتي." "أنا لم أقل ذلك يا آثر لكن كنت أريد الاستعداد لاستقبالهم، ماذا سيشربون؟ ليس لدينا شيء يتناولونه." "لا تقلقي، سيأتي مصلح الموقد بعد قليل وحضري لهم بعض الشاي، سهيلة أريد أن أسألك شيئاً." "ماذا؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!