معاناة الحياة لا تنتهي، تخرج من واحدة تدخل في الآخرى، نحن نعيش فيها نعافر لأجل البقاء والاستمرار، نتحمل الكثير من الألم والآلام والمعاناة، فقط لأجل الاستمرار وعلى أمل بأن الحياة ستكون أفضل لاحقًا.
نتنازل عن أشياء عديدة أملًا أن نعوض بأفضل منها، ربما نكون هنا خسرناها للأبد ولن نحصل عليها ولا على أفضل منها، ربما نحصل على ما هو أسوأ؛ لتنازلنا عما هو ملك لنا في الأصل، فلن يكون هناك شيئًا يعوض المرأة عن حق هو ملك لها في الأصل عندما تتنازل عنه برغبتها لأجل رجل.
قبل أن نتنازل عن حقوقنا علينا أن نعلم جيدًا إن كان هناك من يستحق هذا التنازل أم لا، وعلينا أن نقتنع بأسباب التنازل حتى لا نعود باللوم على أنفسنا لاحقًا، وتكون الخسارة حليفتنا والندم رفيقنا، ولن يفيد شيئًا ولن يعيد ما كان. ظلت حياة سهيلة غير مستقرة بعد الزواج لفترة طويلة، طباع مختلفة كليًا، تتعامل معها بصعوبة، تحاول التأقلم مع الأمر.
عندما توفر المال مع آثر طلبت منه سهيلة أن تشتري بعض أواني الطهي وتعيد الأواني خاصة منال التي ظلت لديها حوالى الأسبوع، تعلم أنها فتاة وقحة ولا تريد التشابك معها لأمر كهذا، ظل يماطل آثر ليومين حتى اتصلت به منال وقالت له أن يجلب لها الأواني، عندما سمعته سهيلة اشتعالت غضبًا وقالت وهو يتحدث معها:
-أخبرها أن الأواني خاصتها مركونة هنا منذ يومين ولم أستخدمها، أخبرتك مرارًا أن تأخذها لها هل كنت منتظرًا حتى تطلبهم مني، لم تضعني في هذه المواقف؟ قال آثر بانفعال: -أخبرتك إني سآخذهم إليها يكفي انتهى الأمر. ازداد انفعالها وقالت بغضب: -حقًا ستأخذهم إليها الآن بعدما قامت بطلبهم، حسنا إن لم تأخذني الآن لشراء نواقص منزلي لن أبقى بالمنزل دقيقة واحدة بعد. صرخت في وجهه وقالت:
-يكفي إلى هنا لقد تحملت الكثير وعانيت الكثير وأنت لا تهتم، لقد غسلت الملابس على يدي حتى تورمت، تحملت ضيق الشقة والمطبخ الذي أقف فيه بصعوبة حتى تألم ظهري، أجلس على بلاط المنزل دون فراش، لا أستطيع فتح النوافذ من الجيران فلا ستائر تداريني، حتى أنني أتصبب عرقًا في اليوم ألف مرة؛ لأنه لا توجد مراوح أو مبرد هواء، ماذا أتحمل أكثر من ذلك؟ اقترب آثر منها خطوتين وهو يقول: -حسنا اهدئي. بكل انفعال تراجعت وهي تصرخ وتقول:
-لن أهدأ لقد وعدتني أن تكون شقتي أفضل من جميع فتيات عائلتي، هل هذا هو الأفضل؟! لقد أصبحت بفضلك أقل منهن جميعًا. تكاثرت دموعها بقلب منكسر وهي تقول: -حتى زفافي لم يكن الزفاف الذي أستحقه، أنا سهيلة الفتاة التي كانت ينتظر الجميع كيف سيكون عرسها وشقتها وحياتها، تكون هذه هي نهايتي؟ فقدت سهيلة أعصابها وجلست أرضًا وهي تبكي حسرة على نفسها، جلس آثر جوارها يهدئ من حالتها:
-حسنا يا سهيلة يكفي هكذا رجاءً، ماذا أفعل أنا تعلمين أني عندما أمتلك المال سأفعل لك كل ما تريدينه، هل تجرحين مشاعري بهذا الكلام وأنت تعلمين ما هي ظروفي، أنا أعتذر منك أنا المتسبب بكل هذا وأعدك أني سأفعل كل ما أستطيع فعله لإرضائك، هيا قومي ارتدي ملابسك، سنذهب لشراء بعض الأواني.
قامت سهيلة وارتدت ملابسها ونزلت مع آثر لشراء بعض الأواني المنزلية، عندما تغضب سهيلة وتكاد أن تفقد السيطرة على نفسها من شدة الغضب يهدأ آثر ويتعامل معها بهدوء تام، وعندما تكون هادئة تظهر قسوته عليها ومعاملته السيئة، وكأنه يقوى بضعفها ويضعف بقوتها.
عندما تقوى المرأة يضعف الرجل أمام قوتها ويتراجع عما يقدم على فعله من أذى، وعندما تضعف المرأة يستمد الرجل قوته من ضعفها فيتمادى عليها بقسوته، لا أعلم إن كانت هذه هي طباع الرجال أم لا، ولكن هنا بدأ الأمر واضحًا في كل خلاف يحدث بين سهيلة وآثر، عندما تتعامل مع الأمر بهدوء يتمادى هو وعندما تغضب وتنفعل يتراجع هو، مع مرور الوقت اكتشفت سهيلة أن هذه هي طباعه جميعًا.
بعد مرور عدة أشهر ظهرت نتيجة العام الدراسي لسهيلة الذي خاضت امتحاناته قبل زواجها، علمت أنها رسبت للمرة الثانية وذلك بفضل آثر وأفعاله، حزنت كثيرًا ولكن أصرت أن تكمل دراستها مهما كلفها الأمر.
بعد مرور عدة أشهر كان قد اقترب موعد ولادة شهد زوجة أكرم، حدثت بينهم وبين منال عدة خلافات وقامت بطردهم من المنزل، كان أكرم لا يقارن بأحد في بجاحته وبروده، كان يذهب إلى منزل آثر وزوجته دون موعد سابق، كان يتناول الطعام لديهم دون خجل، وأحيانًا كان يبقى وينام لديهم دون استئذان أو خجل.
ملت سهيلة من هؤلاء الأشخاص وبدأت تعاملهم بمعاملتهم، تتشاجر مع آثر باستمرار حتى تغيره وتغير من هذه الطباع، استطاعت أن تغير بعض الأمور لصالحها، لن يأتِ أحد دون إذن مسبق، ولا نوم لديها لأحد كل منهم ينام في منزله، ولا طعام لأحد دون عزومة سابقة.
بالفعل استطاعت أن تفعل هذه الأشياء مع مرور الوقت ويعتاد الجميع على طباعها، لكن كرههم لها كان يزداد، كان يرونها متكبرة ولا تطاق، بالرغم من أنها كانت تتحدث بالأصول دائمًا، لكن لا تعجبهم الأصول لأنهم لا يعرفونها جيدًا. في يوم ما في الصباح الباكر اتصل أكرم بآثر وهو في خلوة حميمة مع سهيلة، قاطع خلوتهم اتصاله، أجابه بضيق قائلًا: -ماذا يا أكرم. ما زال الوقت باكرًا.
-ستَلْدِ شهد اليوم يا آثر، أريد مبلغًا من المال كسلفة حتى أحصل على المال من عملي. -حقًا ستلد، حسنا أين أنتم الآن؟ -نحن في طريقنا إلى المشفى. -حسنا سنأتي إليكم على الفور. قام آثر من جانب سهيلة بسرعة، ما زالت سهيلة تنظر إليه باستغراب، لاحظ ذلك وقال لها: -ما الأمر؟ لم تنظري إلي هكذا هيا قومي ارتدي ملابسك سنذهب إليهم. قالت سهيلة وهي تمسك بالغطاء ترفعه على صدرها، وشعرها المسدول إلى أسفل ظهرها، تتعجب وترفع رأسها قائلة:
-لم أنظر إليك؟! هل بتلك البساطة تتركني وتذهب لأجل شقيقك وزوجته. -ألا تفهمين؟ يقول إنها تلد في المشفى. خرج آثر من الغرفة إلى الحمام، تزفر سهيلة بضيق وتقول: -يا لأكرم وزوجته، إنهم حظك السيء في الحياة يا سهيلة، لا فائدة.
قامت سهيلة إلى الحمام تستحم، وبدلت ملابسها وخرجت مع آثر للمشفى، وصلوا إلى هناك وانتظروا حتى دخلت شهد إلى المشفى، نظرت سهيلة إلى حالة المشفى المزرية، أنه مشفى عام قمة الإهمال، لكن أكرم أخذها إليه؛ لأنه لن يدفع جنيهًا واحدًا في ولادتها فهم يحددون مواعيد الولادة المجانية من الساعة الثامنة صباحًا حتى الواحدة ظهرًا، دخلت شهد وخرجت بعد نصف ساعة وقالت إن الطبيب أخبرها أنها ليست حالة ولادة وما زال لديها يومان. فقال أكرم
بكل برود ودون استئذان: -حسنا لتبقي عند سهيلة الليلة وتأتي إلى هنا غدًا برفقتها. رمقته سهيلة بنظرات التعجب والذهول، يا لهذه البشر تقرر ما سيفعله غيرها، فقالت سهيلة: -شهد اتصلي بوالدتكِ هي أحق بأن تكون معكِ في هذا اليوم، أنا لن أفهم بهذه الأشياء قدرها يمكنها الاعتناء بك أكثر مني. قال أكرم: -ألا تريدينها أن تبقى لديك يا سهيلة؟
-ليس هذا ما قصدته يا أكرم، لكني مثلي مثلها لا أفهم شيئًا في هذه الأمور، إن كان على هذه الليلة مقدور عليها. نظر أكرم إلى سهيلة بوجه خشن، وعاود النظر إلى آثر، فقالت سهيلة: -هيا يا آثر. تحرك الجميع سويًا وقال آثر ليغير من حدة مزاجهم: -ماذا ستسمونها يا أكرم؟ قال أكرم: -نسميها على اسم والدتك رحمها الله. -حقًا أصيل يا أكرم، فعلًا أنه أفضل اسم. فقالت سهيلة تضحك بسخرية: -وهل هذا ما يجعله أصيلًا؟! ألم يكن كذلك من قبل؟
قام آثر بأخذها في ذراعها وخذة خفيفة حتى تتوقف عن إثارة الجدل بينها وبين أكرم، فقال: -أجل أنا أيضًا سأسمي ابنتي على اسم أمي. قالت سهيلة: -ولِمَ لا أسميها على اسم أمي أنا هل ستكون ابنتك وحدك؟ فقالت شهد تنهي هذا النقاش: -حسنا فقط انتظروا حتى تأتي أولًا بسلام. سكت الجميع ثم قال أكرم لشهد: -هل لديك مانع يا حبيبتي في أن أسميها على اسم أمي؟ قالت شهد بخوف: -بالطبع لا يا حبيبي.
نظرت إليهم سهيلة بقرف، علاقة مقززة كل منهما يدعي حب الآخر ويتحدث عنه في ظهره، علاقة ليس فيها ما هو صادق سوى المعاشرة الجسدية، أجساد بلا أرواح. قالت سهيلة عندما لاحظت أن شهد لا تريد تسميتها بهذا الاسم، حاولت إقناع الجميع بطريقة مختلفة: -من المفترض ألا نربط أطفالنا بأحد في تسميتهم، ما المختلف في أن أسمي ابنتي على أمي أو على أمها، فهي ليست هي ولن تصبح مثلها، هما شخصان مختلفان، أنا لا أحبذ هذه الأشياء. فقال آثر مؤيدًا
لها: -أجل بالفعل وأنا أتفق معكِ، أنا من سيسميها، ما رأيكم في اسم "چنى"؟ وافق عليه آثر وأكرم وشهد أحبته أيضًا، وأصبح هذا هو الاسم المفروض للطفلة المنتظرة. مر اليوم وأتى اليوم التالي والذي من المقرر أن يكون يوم ولادة شهد، استيقظ الجميع في شقة آثر وتناولوا الفطور ثم استعدوا للنزول للذهاب إلى المشفى، فقالت سهيلة: -آثر أخبرتك عدة مرات بأن تأخذ القمامة معك لرميها، هل تعجبك هذه الرائحة؟ قال آثر يتهكم:
-ولِمَ لا ترميها أنت بدلًا من تركها تتعفن هكذا؟ -وهل أنا أعرف أين يكون مكان رميها؟ أرني أين هو لاحقًا وسأرميها أنا. فقال آثر يريد أن يظهر أمام أخيه وزوجته رجلًا مسيطرًا يهين زوجته أمام الجميع، تلك هي الرجولة في نظره: -خذِ يدل على نظافتكِ، انظروا إلى القمامة يلتهم الناموس حولها من عفنتها. فقالت سهيلة بغضب: -عفنة من؟ من تقصد بذلك؟ لم تتحدث كثيرًا؟ واجهني بما تريد قوله لأعرف كيف أجيبك. فقال آثر بانفعال: -أنا عفنتكِ أنت.
فأجابته بنفس الرد: -بلى هي عفنتك، ولن أرمي قمامة ولن آخذها، لتحلّ عليك كل يوم حتى تأخذها معك، لا يوجد ركن بهذا القبر الذي أسكنتني فيه لا يبدو نظيفًا بفضل نظافتي واهتمامي، هل كانت هذه شقة؟! لقد جعلتها منزلًا مرتبًا ومنظمًا يليق بك لكنك لست معتادًا على هذا. استفزته سهيلة بتلك الكلمات واقترب منها يريد ضربها فوقفت شهد بينهما تخلصهم وقالت: -لأجلي أنا يا آثر، ألا تحترمون وجودي بينكم. قال آثر بتهديد:
-أقسم لك يا سهيلة لولا شهد لكنت قسمتكِ إلى نصفين. ضحكت سهيلة بسخرية وقالت: -حقًا؟! ابتعدي يا شهد لأرى كيف سأُقْسَمْ إلى نصفين. قالت شهد: -اصمتي يا سهيلة وكفى، سآخذ أنا القمامة.
أقسم آثر أن لا أحد سيأخذ القمامة غير سهيلة وأقسمت سهيلة أنها لن تأخذ القمامة ولا لن تخرج من المنزل، لكن عندما رأت شهد وغضبها مما يحدث، تنازلت سهيلة وأخذت القمامة تقديرًا لها ولحالتها، لكن ما جعل سهيلة تستفز أكثر، أن آثر أعطى شهد مصاريف المواصلات إلى المشفى ولم يعطِها لزوجته، مهما حدث من خلافات بينهما تظل هي زوجته ولها الحق في كل ذلك.
هل إذا صار خلاف بين الزوجين يعطي حقوقها لأخرى، ربما لأنه شخص غريب الأطوار في كل شيء فلن تقف على هذه التفاصيل، لكنها ستعاتبه لاحقًا على أفعاله.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!