أحياناً يكون زواج الغرباء أفضل بكثير من زواج الأقارب أو المعارف، ولكن هذا يعتمد على أخلاق الغريب ونشأته وتربية عائلته، لكن دائماً ما يقال أن من نعرفه أفضل ممن لا نعرفه، بالفعل هذا القول هو ما آمنت به سهيلة لاحقاً، بعدما عاشت مع آثر وعائلته وتعرفت على طباعهم. في بداية الأمر كان كل ما يجمعها بهم هو مكالمات هاتفية، لا تراهم ولا ترى معاملتهم لبعض ولم تعاشرهم قط، فالقرب من الأشخاص يظهر نواياهم وطباعهم.
فقبل أن نقترب من شخص ما كل القرب، ونعطيه مكانة كبيرة في حياتنا، لابد وأن نتعرف عليه أولاً؛ لأن مشاعرنا أحياناً تخوننا ولا ترى سوى الظاهر فقط، تنخدع عندما تقترب وتتعرف على الباطن.
عندما أتت عائلة آثر في ثالث يوم لزواج سهيلة، دخلو عليها فارغي الأيدي، حتى أنهم لم يجلبوا لها هدية صغيرة أو زجاجة مشروب بارد أو ما شابه، من الطبيعي أننا عندما نزور أحداً ما نأخذ معنا شيئاً في زيارتنا، تلك هي عادات المجتمع، وما نأخذه يدل على قيمتنا وذوقنا وتقديرنا لمن نزور.
لاحظت سهيلة ذلك لكنها لم تدقق في هذا الشيء فهي ترى أنهم عائلة واحدة لا تفرق معها تلك التفاصيل البسيطة، وبالرغم من برودهم في جلوسهم مع عروس لثالث يوم في زفافها كل هذه المدة، لم يكتفوا بل انتظروا حتى تعد لهم الطعام ويأكلوا. كان آثر يعلم بقدومهم ويعلم أيضاً بأنهم سيتناولون الطعام هناك، الوحيدة التي لم تكن تعلم ووضعت أمام الأمر الواقع هي سهيلة.
قال آثر يخفي حقيقة ما بأفكاره ويستدرج سهيلة في الحديث؛ لتفعل ما يدور في رأسه برضا، تنتظر سهيلة سؤاله: -أريد أن أسألك سؤال؟ -ماذا؟ -هل إن تم تركيب الموقد اليوم وعمل؟ يمكنك تحضير الطعام لنا، أريد تناول الطعام من يدك بشدة. ابتسمت سهيلة وقالت: -بالطبع يا حبيبي أحضر لك ما تريد، لكن بعد رحيل إخوتك، بالرغم من أن الوقت سيصبح متأخراً لكن لا عليك سأطهو لأجلك. قبل يدها وقال لها: -شكراً لكِ يا حبيبتي.
خرجت منال من الغرفة ورأت آثر وهو يقبل يدها، علا صوتها مزاحاً وتمسك بآثر وسهيلة تضرب بهم: -ماذا تفعلون ونحن هنا، اخجلوا قليلاً أيها الحمقى. قالت سهيلة وهي تضحك: -لم نفعل شيئاً يا فتاة لقد قبل يدي فقط وليس شيئاً آخر. قالت منال ضاحكة: -هذا ما ينقص إذاً إن يقبل شيئاً آخر ونحن هنا.
ضحكت سهيلة خجلاً من حديثها، أتى رجل التصليح وقام بتركيب الموقد، وتنتظر سهيلة ذهاب عائلته لكنهم لا يذهبون، قمة البرود وجد فيهم في هذا اليوم، هم باقون ويعلم آثر بذلك ولم يخبرها وتفاجأت عندما قال آثر: -هيا يا سهيلة حضري الطعام ستتناولون العشاء سوياً. تفاجأت سهيلة ورمقته بنظرات استغراب ولوم ثم قالت: -كيف سأحضر الطعام، ليس لدينا أوانٍ للطهي يا آثر. فقالت منال:
-حسناً اذهب إلى المنزل برفقة شهد واجلب بعض أواني الطهي وزجاجة زيت طعام وكيس من السكر. ذهب آثر دون تردد وبالفعل قامت سهيلة بتحضير الطعام، وتناول الجميع الطعام وبعد الانتهاء جلست شهد ومنال في غرفة الأطفال يتبادلون الحديث، بينما كانت سهيلة تنظف مكان الطعام وتغسل يديها. سمعتهم سهيلة وهم يقولون: -لم نرى حاجتها بعد، كيف لوالدتها أن تذهب هكذا يوم زفافها دون أن تنتظر لتطمئن على ابنتها؟ أجابتها شهد: -لا أعلم لكنه أمر غريب.
أجابت منال: -لقد قال أبي ذلك، إنه شيء غريب. دخلت سهيلة وقالت: -ما هو الغريب الذي تحدث عنه والدك، وما هي حاجتي التي تريدون رؤيتها؟ خجلت منال وشهد لسماع حديثهم، ثم قالت منال بجرأة: -أجل يا سهيلة لم نطمئن على حاجتك لأجل أخي حتى الآن، لم لم تنتظر والدتكِ حتى تطمئن عليكِ قبل رحيلها يوم الزفاف. وبكل جرأة جاوبت سهيلة أيضاً وهي تقف عاقدة ذراعيها: -وهل هذا أمر يعنيكِ أو يعني والدكِ؟!
إنه سر بيني وبين زوجي ليس مسموحاً لأحد بمناقشتي به، والدتي وعائلتي جميعها أين ستنتظر؟! إن كانت عائلتي لم تجد من يستقبلها أو حتى يضيفهم بكوب من الماء، والدك لم يحضر الزفاف من الأساس وهرب حتى لا يدفع جنيهاً واحداً من تكاليفه، لم يتساءل الآن عن الأمر، في الحقيقة الغريبة هي أفكاركم وطباعكم. سمعها آثر من الداخل وهي تتحدث معهم بصوت واضح، ذهب إليها وقال: -ما الأمر ماذا هناك؟ قالت سهيلة بسخرية:
-استمع يا زوجي العزيز ما يتحدثون به عني، والدك يقول إنه شيء غريب ألا تنتظر أمي لتطمئن على حاجتي، على أساس أنه قام بضيافتها على أكمل وجه وهي رفضت ذلك. قال آثر يريد إنهاء الحديث: -يكفي إذاً التحدث بهذا الأمر. علمت سهيلة من طريقة كلامه أنه سمع هذا الكلام سابقاً، ليست المرة الأولى التي يقال هذا أمامه، نظرت إليه بتعجب وقالت: -ولم يا آثر؟
لم لم تخبرهم بما يريدون معرفته، أنت زوجي وأنت من كنت معي في غرفة نومي، لم لم تخبرهم بذلك. -يكفي يا سهيلة. بصوت منفعل تتحدث سهيلة، أنه عرضها الذي يخوضون فيه، لقد وصل بهم الأمر إلى هنا دون خجل يشككون في أخلاقها، لم تصمت سهيلة وتتغاضى عن الأمر مثل كل مرة، بل دافعت عن نفسها بكل شجاعة وقالت: -لا يا آثر لا يكفي، لقد وصل الأمر بوالدك أن يخوض بعرضي، أقسم بالله من يتحدث بعرضي كلمة واحدة أضعه أسفل قدمي. أشاحت
بنظرها إلى منال وقالت: -أخبري والدك بأنني فتاة تربيتها في بيت أهلها تكفي هذه البلد بأكملها. ابتسمت منال بلؤم وقالت إدارة عن الأمر وتحاول تغيير الموضوع: -سهيلة لا تأخذي حديث والدي على محمل الجد أنه رجل كبير السن. أجابت سهيلة ما أثار غضبهم وقالت: -كبير السن؟ تعني أنه بدأ يفقد عقله ويتفوه بتخاريف؟
نظرت منال لآثر وإلى شهد تتعجب من جرأة سهيلة وحديثها دون خجل أو تراجع، بالطبع إنها فتاة حرة تثق في تربيتها وفي أخلاقها، هذه ليست إهانة لها فقط وإنما يمس الأمر عائلتها بأكملها، دافعت عن نفسها وعن عائلتها بكل شرف وشجاعة، هذا ما على الفتيات فعله التصدي لأصحاب النفوس المريضة دون خوف، يدافعون عن أعراضهم وأنفسهم وعائلاتهم دون تردد. فقالت منال: -هل تهينين والدي؟
-أنتِ من قال أنه كبر في سنه، إذاً تعلمين أنه يعاني تخاريف، ولم يتحدث أحد منكم عندما أهانني بحديثه هذا، نهاية الأمر هذا الأمر يعنيني فقط وزوجي ولا علاقة لكم به. خرجت سهيلة من الغرفة فوجدت ابنة منال تفتش في الأغراض، تفتح نوافذ المطبخ وتفتح الثلاجة، طاحت بها سهيلة وقالت: -ماذا تفعلين؟ لم تفتشين في الأشياء هكذا دون استئذان؟ ماذا تريدين؟
نظرت إليها الفتاة الصغيرة التي لا يتعدى عمرها الثلاث سنوات كأنها شخص تخطي العشرين، رمقتها بنظرات حادة وهي تقف أمامها دون خوف أو خجل، نزلت الفتاة إلى أسفل وأمسكت بالحذاء ورفعته على سهيلة، اشتعلت سهيلة غضباً وصرخت بها وقالت: -ضعي الحذاء جانباً وإلا كسرت يدك، إياك أن ترفعي الحذاء بوجهي مرة أخرى، ضعي الحذاء. خافت الطفلة من صرخة سهيلة بها ورمت الحذاء على الأرض، فقالت لها سهيلة: -هيا اذهبي إلى أمك.
ركضت الطفلة إلى الداخل، خرج آثر يعاتب سهيلة بصوت منخفض ويقول: -لم فعلت ذلك يا سهيلة؟ إنها فتاة صغيرة لا تفهم شيئاً، لقد غضبت منال من ذلك. رفعت سهيلة صوتها حتى تسمع الجميع وقالت:
-بدلاً من أن تخبرني أنها فتاة صغيرة، أخبرها أن ما فعلته خطأ لا يصح، عليها احترام من هو أكبر منها سناً، هل سألت عن ذلك إن فعله أحد أخواتي الصغار، كنت كسرت رأسه، أنا أعلمها ما عليها فعله وأعلمها الصواب الذي يبدو أنها لا تعرفه كما تقول فهي صغيرة ولا تفهم شيئاً وعلينا تعليمها.
سكت آثر ولم يتفوه بكلمة فهو يرى كم سهيلة غاضبة مما حدث ومن حديث والده، يعلم أن الأمر سيزداد سوءاً إن تحدث أكثر أو عاندها، ذهبت منال وشهد وانتهى اليوم بكل ما فيه، جلست سهيلة مع آثر تعاتبه عما قاله والده، اكتشفت أنه حتى آثر يشك في الأمر. لم تكن هذه الصدمة الأولى بل إنها صدمتها الأقوى على الإطلاق، والتي حفرت جرحاً عميقاً في قلبها دام حتى الممات.
تتوقع المرأة من أي شخص في الكون تعرفه أو لا تعرفه أن يجرحها، لكن ما لا تتوقعه أن يكون هذا الجرح من زوجها من هو أقرب إليها من نفسها، هو أيضاً يشك بأخلاقها، لماذا؟! قالت سهيلة باستغراب: -من الذي سمح لهم التحدث بهذا الأمر؟ تقلقل آثر في حديثه وقال بتوتر: -لقد تساءلت منال عندما ذهبت إلى هناك، فاخبرتها أنه كل شيء بخير، أرادت رؤية حاجتك، وقالت إنها بواقي لعادتك الشهرية.
كأن سهيلة وهي تسمع هذا الكلام تصعق بشحنات كهربائية، عائلة ليس هناك خجل ولا حياة بين أفرادها، تتحدث المرأة مع الرجل في أي كان دون حياة، ما هذه الأخلاق؟ وتذمون وتشكون بأخلاق غيرهم. فقالت سهيلة تنتظر رده: -وأنتِ ماذا أجبتها، أنت من كنت معي بغرفة نومي. حتى هو زرعت به منال ووالدها الشكوك نحوها: -لا أعلم يا سهيلة لكن لم لم يكن الأمر واضحاً أكثر؟ وقفت سهيلة منتفضة، ليس هذا الرد الذي كانت تنتظره منه،
فقالت بغضب وانفعال شديدين: -ماذا تقول؟! ما هذا الذي لم يكن واضحاً يا آثر، لقد كان كل شيء أمام عينيك، هل هذا آخر ما أتلقاه منك، ضربة قوية تقسم ظهري، أنت أيضاً تشكك بي. وقف آثر وقال: -لا لا، ليس الأمر كذلك. تساقطت دموع سهيلة بغزارة وقالت: -ليس ماذا. ليس ماذا؟ ليتني لم أتزوجك يوماً، سحقاً لك ولعائلتك.
دخلت سهيلة إلى غرفتها باكية حزينة، ترقد على فراشها وتتوالى الأحداث أمام عينيها من بداية اليوم حتى نهايته بتلك الكلمات التي سمعتها من زوجها وعشقها واختيارها، بئساً لهذا الاختيار. ظلت سهيلة تردد في داخلها:
-أنا المخطئة وأنا من فعلت ذلك بنفسي، ليتني سمعت لأمي وأبي، ليتني لم أتزوج به، حقاً لقد حدث ما أخبروني به، تستحقين أكثر من ذلك يا سهيلة تستحقين، هذا هو اختيارك هيا تحميلي ما تشائين من الذل والإهانات، ستعودين إلى والدكِ؟! بماذا ستخبرينه؟! سامحني يا والدي كان لديك حق، وماذا سيقول وكيف سيتقبلك بعدما فعلته بهم لأجل الزواج من آثر؟
ظلت هكذا طوال الليل تفكر وتتحدث وتجيب على نفسها، شعرت بباب الغرفة يفتح بهدوء كان آثر ما زال مستيقظاً، دخل إلى جوارها، ادعت النوم حتى لا تتحدث إليه، وضع يده حول خصرها يحتضنها ويقول: -سهيلة هل أنت نائمة؟ لم تجبه ولم تتحرك، آثر آثر أن يوقظها هو يعلم أنها ليست نائمة: -سهيلة؟
دفعت بيده بعيداً عن خصرها وتحركت إلى الداخل قليلاً تبتعد عنه، اقترب منها أكثر ووضع يده على خصرها وضمها إليه، عاودت الكرة حتى حصرت نفسها بينه وبين الحائط، فقال لها: -أين ستذهبين؟ أما أنا أو الحائط. قالت بحزن: -اتركني يا آثر من فضلك أريد النوم. -لا لن أترككِ، أريد النوم معك أيضاً. -حسناً نم السرير أمامك. -لا أريد أن أنام بحضنك. زفرت سهيلة بضيق ولم تجبه، عاود عليها الحديث: -أنتِ يا فتاة ألم تسمعيني؟ أريد النوم بحضنك.
اعتدلت سهيلة تعطيه وجهها وقالت: -حسناً هيا نم. ظل آثر يتكفل عليها حتى بدأت تهدأ، أخبرها أنه لم يقصد ما قاله وأن والده يتحدث هكذا من غضبه منهم، وصفت سهيلة كالعادة عندما تلقت جرعة من السحر الذي لا ينتهي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!