المواقف الصعبة تظهر معدن الأشخاص، إن كان نقياً أو ملوثاً بالشوائب التي تشوه مظهره الخارجي والداخلي أيضاً. فلا تنظر إلى الشكل الخارجي؛ لأنه يمكن إخفاؤه ببعض المساحيق، ابحث عن النقاء الداخلي؛ لأنه لا شيء يمكن إخفاء العيوب التي به. مر شهر والثاني والثالث والرابع على هذه الحالة ولم يحدث شيء مما طلبه والدها، حتى صار شجار بين آثر وسهيلة. قالت سهيلة بصوت مرتفع وغضب عبر الهاتف: -إلى متى ستظل على هذه الحالة؟
لن يرأف بك والدي هذه المرة. بكل وقاحة أجابها: -ومن هذا والدك حتى لا يرأف بي؟ انتبهي لحديثكِ أيتها الحمقاء، هل نسيت نفسكِ؟ لم تتردد سهيلة في أن تجيبه بطريقته وأسلوبه، فبالرغم من قسوة والدها إلا أنها لم تقبل أحداً أن يتفوه بكلمة واحدة تهينه أو تجرح به: -ليس هناك أحمق سواك يا آثر، وأنت من نسيت نفسك، ليس أنا. ألم تعلم من تكون ومن أكون؟
قبلت بك لأني أحببتك حقاً، وفعلت لأجلك الكثير وتحملت منك ما لا يتحمله بشر. وفي كل مرة تخطئ أقول ربما يتحسن لاحقاً، ربما يكون أفضل لاحقاً، ربما ربما. لكني كنت مخطئة، فأمثالك لا يتغيرون؛ لأن أصلهم هكذا تملأه القذارة. سمعت صوت تصفيقات بيديه، يقول بكل برود: -برافوووو يا سهيلة، أحسنتِ يا فتاة، لقد أصبحت القطة تجرح الآن ولديها مخالب حادة. يا إلهي ماهذه الجرأة التي أراها، حقاً تحتاجين إلى تصفيق حااار. بغضب وانفعال من سخريته
منها وحديثه إليها قالت: -لن أستطيع أن أكمل معك بهذه الطريقة يا آثر. ابتعد عني ودعني وشأني، ما بيننا قد انتهى الآن. أنا حقاً نادمة؛ لأني كنت أوهم نفسي كل هذا الوقت وأداري حقيقتك. سأرسل لك كل أغراضك، وخاتم خطبتك أيضاً. بنبرة تهديد واضحة لا خجل فيها ولا حياء: -انظري إليّ أيتها الفتاة، إن دخول الحمام ليس كالخروج منه أيتها الأميرة، ودخول حياتي ليس كالخروج منها. تريدين تركي؟!
حسناً افعلي، لكن قبل ذلك سأخبر والدتك ووالدكِ بتلك الصور العارية التي أرسلتها لي، وسأريهم كيف تبدو ابنتهم وكم هي جميلة وهي دون ملابس.
تلك هي الصدمة الكبرى التي حصلت عليها سهيلة من علاقتها. فهذا هو الطبيعي، فتاة تعرفت على شاب عبر السوشيال ميديا، ووثقت به لهذه الدرجة حتى وإن كان خطيبها وتُقدم على الزواج منه. فلا شيء يجعلها تثق به كل هذه الثقة حتى وإن كان زوجها. دائماً لا تعطوا الرجال الثقة الكاملة؛ لأن ليس هناك رجل يعطي أنثى الثقة الكاملة، فلتكن المعاملة بالمثل تكن الحياة أفضل.
لم تشعر فقط بالإهانة من حديثه إليها، وإنما شعرت بأنها سلعة رخيصة الثمن، بل تكاد تكون لا تسوى شيئاً، تباع وتشترى بما ترتضيه رغبته. لم تتوقع سهيلة أن هذا سيكون جوابه، فهي على عهدها معه أنها زوجته، وما صار بينهما على اعتقاد منها بذلك وإيمانها بهذا الزواج، فكلمة أمام الله تعني لها الكثير. بصوت مصدوم وبحالة استغراب كبيرة: -ماذا؟! أنت تقول هذا الكلام لي؟!
أنا سهيلة، أنا لا أصدق أنك أنت الشخص نفسه الذي أحببته. ليتني لم أعرفك يوماً، تباً لهذا اليوم الذي عرفتك فيه. يا إلهي كم كنت غبية حقاً! لقد كنت أفعل كل شيء لإرضائك، كنت كالآلة تحركها كيفما تشاء، هذه هي نهاية كل هذا؟! حسناً إذا افعل ما تريد، أنا من أخطأت وهذا عقابي وسأتحمله. هيا افعل ماتريد، بل كل ما تستطيع فعله بي افعله يا آثر.
بكت بصوت منهار وارتفع صوت بكائها وهي تقول من شدة الألم الذي تشعر به. في كل مرة ينكسر بها القلب تكون مختلفة عن التي قبلها أو بعدها، فتكون المرة الثانية أكثر ألماً من الأولى وهكذا في كل مرة تلو الأخرى، حتى يتهشم القلب ويخشى الألم فلا يحتمل حتى قرصة يتألم لها الجسد. قالت سهيلة وهي منهارة:
-هذا أنا سهيلة، لقد كنت أفعل الكثير لأجلك. لقد أقدمت على بيع قرطي الذهبي الذي جلبه لي والدي ولم يهمني لأجلك. لقد فعلت كل ما فعلته فقط لأجلك، تركت دراستي وأصدقائي حتى عائلتي انعزلت منها لأجلك أنت. وهذا ما أستحقه منك في النهاية؟! ليتني مت قبل أن أسمع منك هذا الكلام، ليتني مت حقاً. لكني سأصلح خطأي والكفر عنه الآن. مسحت دموعها براحتها واستعادت بعضاً من قوتها وهي تقول: -سأصلح خطأي بالتأكيد، أنا حقاً أستحق الموت الآن.
رق قلب آثر قليلاً عندما سمع صوتها بهذه الحالة، عندما تحدثت عن الموت ارتجف قلبه خوفاً. هل يمكن للشيطان أن يعشق ويتحول لأجل العشق؟! ربما، فليس هناك شيء مستحيل. قالت سهيلة، وكانت هذه آخر كلماتها التي قالتها لآثر قبل أن تغلق الخط وتكسر شريحة الاتصال خاصتها؛ حتى لا تتواصل معه مرة أخرى: -أنا حقاً أستحق الموت. لم أستمع لأهلي ولم أصدق ما قالوه عنك، لقد كان لديهم كل الحق في ذلك. كيف لي ألا أرى حقيقتك كل هذا الوقت؟
حقاً غبية وحمقاء. لا فائدة من الكلام، لكن ما سيحدث الآن سيكون ذنباً برقبتك حتى الممات، وسأخبر الجميع أنك السبب في موتي. صدم آثر من كلامها، هل حقاً ستقتل نفسها أم أنها تهدده حتى لا يفعل ما قاله لها؟ عندما أيقن أنها بالفعل تصعد الدرج للذهاب إلى أعلى سطح المنزل، قال بخوف ورهبة: -ماذا تفعلين؟ سهيلة أين تذهبين؟ أنا أسمع صوت قدميكِ، أخبريني ماذا ستفعلين؟!
أيتها الغبية لم أكن أقصد ذلك، رجاءً لا تفعلي ذلك، هيا انزلي من أعلى ولنتحدث. تصرخ عبر الهاتف قائلة: -ليس هناك حديث بيننا أيها الندل الجبان، لقد سلمتك نفسي وأنت أقل من ذلك، لا تستحق. فلتنسَ سهيلة من الآن، وداعاً آثر. بصوت مرتفع وبسرعة يريد أن يلحق بها قبل أن تؤذي نفسها:
-سهيلة أقسم لك أني لم أقصد، ليس هناك صور ولا شيء. أقسم لك أني حذفت كل ذلك من على هاتفي، سآتي إليكِ بعد يومين لترين بنفسك هاتفي، لا تفعلي ذلك أرجوكِ، تعلمين كم أحبكِ، أقسم لك أني أحبك حقاً وأنكِ زوجتي أمام الله حقاً. أيتها الغبية هل تصدقين أن يصدر مني شيء كهذا؟ ألم تعرفيني مطلقاً؟!
تعلمين أني أتفوه بكلمات لا أقصدها وقت الغضب. لم أتحمل أن تبتعدي عني، رجاءً دعنا نتحدث، لقد حصلت على عمل وسأبدأ بتجهيزات العرس، سنكون سوياً. اعتقد آثر أنها كالعادة ستتلقى فقرات السحر خاصته وتقتنع وتعود كما كانت من قبل، فكل مرة يخطئ بحقها يعيدها إليه ببعض الكلمات المعسولة التي تذهب عقلها من حلاوتها، لكن خاب ظنه هذه المرة، وأغلقت الخط دون كلمة واحدة.
وقفت سهيلة على أعلى درجة سطح المنزل في الدور الثالث، نظرت إلى أسفل فوجدت أخشاباً ملقاة خلف المنزل وأشياء قديمة وقطعاً من الحديد. بدأت تتخيل نفسها بعد سقوطها بين هذه الأشياء، تفكر هل ستنجو من هذا وتكون فرصة لبداية جديدة، أم أنها ستخسر نفسها وينفطر قلب أمها وأبيها عليها بسبب شخص لا يساوي؟ هل ما تفعله الآن هو الصواب؟ هل هذه هي الطريقة الوحيدة لتصحيح الخطأ الذي ارتكبته؟
لبرهة كانت ستقفز سهيلة من أعلى سطح المنزل وتقدم على الانتحار، وعندما وضعت قدمها على الحائط وقبل أن ترفع الأخرى، تنهدت وهي تتنفس نسمات هواء نقي أتت إليها وكأنها محملة بالأمل، تخبرها أن هناك رباً لم تفكر في عقابه، وأنها على حافة عصيانه والوقوع في الكفر. فتحت عينيها وتراجعت على الفور عندما سمعت صوت والدتها تنادي: -سهيلة؟ أين أنتِ؟ لقد حضرت العشاء. بكت بشدة، وبدأ يستيقظ ضميرها وتقول في خاطرها:
-إنها أمي تناديني من أجل تناول الطعام، ماذا لو كنت بالأسفل الآن ولم أجيبها؟! كيف ستكون حالتها؟ أعلم كم تتعلق بي أمي وتحبني، كيف لها أن تتحمل خسارتي، كيف لي أن أعصي الله عز وجل؟ إنه رجل لا يستحق. نزلت سهيلة إلى غرفتها واستلقت على فراشها وهي تستعيذ بالله من الشيطان وتستغفر لما أقدمت على فعله، وتقرأ القرآن الكريم.
أما آثر فكاد أن يصاب بالجنون عندما وجد هاتفها مغلقاً، لا يعلم بمن يتصل. اتصل بهاتف والدتها وأخبرته والدتها أنها نائمة، اطمأن قلبه وقال في خاطره: -ماذا تفعل يا آثر؟ ماذا تفعل؟ ضرب رأسه براحته من صدمته وهو يقول: -ماذا لو كانت بالفعل قتلت نفسها؟! يا إلهي يا آثر أيها الغبي لقد خرج الأمر عن سيطرتك الآن، عليك أن تعيد حساباتك، لقد كنت ستخسرها وتخسر نفسك أيضاً وتخسر كل شيء.
جلس آثر على سريره وهو في حالة ذهول وصدمة، دخل عليه أكرم شقيقه التوأم فعلم من ملامح وجهه القلقة أن هناك شيئاً ما. جلس أمامه وقال: -ماذا هناك يا رجل، مابك؟ لم يبدُ وجهك شاحباً هكذا؟ نظر إليه بحزن وقال: -لا أعلم ماذا فعلت مع سهيلة، إنها لا تستحق ذلك يا أكرم، لقد أحبتني بجنون. باستغراب قال أكرم: -ماذا تقصد بماذا فعلت؟ لقد خطبتها أمام الجميع، لا أعلم بما تفكر؟
-لا أقصد ذلك، أقصد معاملتي السيئة لها واستغلالها بهذه الطريقة. لقد سمعت كلامك وكلام أسعد، لكني كنت مخطئاً. بسخرية قال أكرم وهو متفاجئ من حالته: -حقاً؟ الآن نحن السبب ونحن المخطئون؟ لم تكن تعلم ماذا تفعل حينها وعندما حصلت عليها أصبحنا نحن المخطئين؟ إذا تصرف بنفسك فيما سيأتي ولا تسأل عن شيء بعد الآن. -لم أقصد ذلك. بتر حديثه قائلاً بانفعال: -وإن كنت تقصد لا يهم، لقد حصلت عليها من نصائحنا، أصبحنا نحن المذنبين الآن؟
ماذا كنت ستفعل لو لم تحصل منها على شيء يجعلها تحت يديك في أي وقت؟ لقد كانت ستتركك عند صدور أي خطأ منك. وقف آثر منفعلًا يضرب جانبيه براحتيْه ثم رفع يديه يمررها على شعره بتوتر قائلاً:
-أنت لا تعلم ماذا حدث، لقد أقدمت على الانتحار، كادت أن تقتل نفسها من أفعالي يا أكرم، لقد زاد الأمر عن الحد، لم أعتقد أن الأمر سيصل بنا إلى هنا. هي لم تفعل شيئاً سيئاً لكل هذا، لقد حصلت عليها وكل شيء سيأتي بعد ذلك، سأحاول إصلاح الأمور من الآن فصاعداً، هذا وإن عادت إلي مرة أخرى. نظر إليه بلا مبالاة وقال: -افعل ما تشاء، لم يعد يعنيني الأمر. أمسك آثر بذراعه حينما كان يهم بالخروج من الغرفة وقال:
-أكرم لا تنزعج مني، أنا حقاً متوتر بعض الشيء. دفع يده برفق وقال: -لا عليك، أنا ذاهب إلى العمل، هل ستأتي؟ زفر بضيق قائلاً: -لا لن أذهب اليوم سأرتاح قليلاً، وربما لن أعمل مع والدي مرة أخرى، سأبحث عن عمل آخر، حتى أجني المال اللازم لتحضيرات الزفاف، بقي شهران ليس إلا. -حسناً كما تشاء، أنا ذاهب. -لا تخبر أبي حتى أجد عملاً مناسباً وأخبره بذلك.
نظر إليه وتركه دون جواب واضح. ظل آثر عدة أيام لم يستطع التواصل مع سهيلة، كانت سهيلة في تلك الفترة تستجمع قوتها وتحاول لملمة ما تبقى من مشاعرها وكرامتها. طرأت لها خاطرة: -كيف سأتعرف إلى رجل آخر؟ وكيف سأغرم برجل آخر؟ بعدما حدث كل ذلك بيني وبين آثر، هل أستطيع فعل كل ذلك مع رجل غيره؟
سأعتاد الأمر، لا لا لن أستطيع، إنه الشخص الوحيد الذي دخل بيتي طالباً يدي. لقد أحببت سابقاً ولم يتجرأ على فعلها بالرغم من أن ظروفه المادية أفضل بكثير من آثر، لكنه تردد في المجيء وتركني وحيدة. تجيب على نفسها قائلة: -لا فهو ليس مثل آثر، لقد أتى آثر رغبة في مالي وإرثي وتملكي وليس لأنه يحبني. -لكن ما الذي يجبره على أن يتزوج فتاة لا يحبها، فقط من أجل المال؟
أيعقل أن يكون هناك بشر من هذا النوع لا تعنيه مشاعره ورغبته في الحياة؟! لا لا أعتقد ذلك. انقسمت إلى نصفين، نصف يتساءل وآخر يجيب، نصف يحكمه العقل والنصف الآخر تتملكه المشاعر، نصف ضد ونصف مع، وهذا هو العشق، دائماً ما يجعل الشخص بين نارين، نار القلب ونار العقل، فنار القلب لا يمكن إخمادها عندما تشتعل، أما نار العقل فتخمد دائماً بمشاعر القلب.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!