قرر آثر بعد غياب سهيلة عنه بضعة أيام أن يعمل بجد ويتغير للأفضل حتى يحصل عليها ويكون رجلًا في أعين والدها، تلك الخطوة الإيجابية الأولى التي خطاها آثر منذ بداية علاقته بسهيلة، أو بالأحرى الخطوة الصادقة التي لا يخفى ورائها نوايا سيئة أو مطالب شخصية. علم آثر أن لا فائدة من تحقيق نواياه، وربما سيحصل على ما يريد لاحقًا، لمرة واحدة كان صادقًا في مشاعره ونواياه.
أراد آثر فعلاً أن يتزوج بسهيلة، لأنه اكتشف أنه مغرم بها، أراد الحصول عليها كزوجة وليس كصفقة مربحة تدوم طوال العمر. أرادت سهيلة أن تبطل شكوكها وأحكام تلك المعركة التي تدور داخلها، هذا الصراع الذي لا ينتهي بين قلبها وعقلها، تحدثت مع آثر حتى تتضح لها جميع الأمور وتقرر ما إذا كانت تكمل رحلتها معه وتستسلم لطباعه السيئة، أم أنها تنهي تلك الرحلة وتعود إدراجها إلى الخلف مهما كانت الخسائر، لكنها لن تكون كخسارتها لنفسها.
نزلت سهيلة امتحاناتها الجامعية لعامها الثالث، وفي يومها الأول بالامتحان بعدما انتهت من تأدية امتحانها، اشترت شريحة اتصال جديدة وقامت بالاتصال بآثر، أجاب فورًا وقال: -الو مرحبا. -هل أنت معتاد أن تجيب على أرقام مجهولة؟ بحماس وفرح: -سهيلة حبيبتي، يكفي أنا غاضب منك، هل طاوعك قلبك أن لا تسمعي صوتي كل هذه المدة. تحدثت إليه ببرود: -أجل طاوعني، ولم أتصل بك للتحدث كما لم يحدث شيئًا. سمع أصوات الضجيج حولها وقال: -لحظة أين أنت؟
هل أنت خارج المنزل؟ -أجل أنا في الجامعة. -وماذا تفعلين هناك؟ جلست سهيلة على إحدى المقاعد العامة بالجامعة ووضعت حقيبتها جوارها وقال بتنهيدة: -كان لدي امتحان اليوم. فكر آثر لثوان قليلة فيما حدث سابقًا وقال دون تردد: -حسنًا وماذا فعلت في امتحانك؟ هل كان سهلًا؟
تعجبت سهيلة من رده، ظنت أنه سيتشاجر معها ويسألها لماذا ذهبت وتكون تلك هي النهاية بينهما، لكن خاب ظنها وهذا ما أعادها إليه مرة أخرى، فقرة سحر غير مقصودة، لكني أعتقد أن هذا ما يسمى بالنصيب والقدر. قالت سهيلة باستغراب: -ألن تتشاجر معي كعادتك؟ -لا لن أتشاجر معك، أكملي جامعتك وأكملي امتحاناتك، لأني سآخذك بعد فترة قصيرة. -لا أفهم ماذا تقصد؟ -أخبريني أولاً أين أنت الآن؟
-أجلس لأرتاح قليلًا، وسأذهب لموقف السيارات وأعود إلى المنزل. -حسنًا أخبريني عندما تصلين، سنتحدث سويًا عن كل شيء. -حسنًا وداعًا. -اعتني بنفسك. -حسنًا. -وداعًا. أغلقت سهيلة الخط وظلت تنظر إلى هاتفها بتعجب، تفكر من هذا؟ هل هذا حقًا هو آثر؟ ما الذي يحدث؟ لكن الأهم من كل ذلك أنها كانت تقفز فرحًا، كم تمنيت أن يتغير للأفضل، وها هي ذا حصلت على أمنيتها.
لم تنتظر حتى تستريح استقلت سيارة الأجرة مسرعة وعادت إلى المنزل، متحمسة لتعرف ما الأمر، وما الذي بدأ آثر بهذه الطريقة. دخلت إلى المنزل وسلمت على الجميع، كانت تجلس والدتها وأخواتها الصغار، سألتها والدتها: -حمدًا لله على سلامتك يا سهيلة، كيف كان امتحانك. جلست على الأريكة تستريح وترتشف بعض رشفات المياه من كوب على طاولة الطعام، ابتلعتها وقالت: -بخير يا أمي، كان جيدًا. -حسنًا لعل الباقي خيرًا كهذا إن شاء الله.
-إن شاء الله يا أمي، سأبدل ملابسي وآتي. -حسنًا سأضع لك الطعام. -لا لا ليس الآن لست جائعة الآن، سأرتاح قليلًا، سآكل عندما أستيقظ. -حسنًا كما تريدين. ذهبت سهيلة إلى غرفتها وعندما أدارت ظهرها إلى والدتها قالت والدتها تدعي لها: -هداك الله يا ابنتي، لقد أوشكت تعود إلى حالتها الطبيعية. أجابت إحدى أخواتها الصغار وقالت: -ربما لأنها تركت آثر.
ضحكت والدتها على ملاحظة هؤلاء الأطفال، وتأملت أن تستقر حالتها وتعود كما كانت وتتخلص من هذا المرض. بدلت سهيلة ملابسها واتصلت بآثر، أخبرها أنه سيتحدث إليها لاحقًا حالما ينتهي، أخذت هاتفها وخرجت لتجلس مع والدتها وأثناء حديثهم دخلت خالتها إلى المنزل في زيارة لهم، قالت والدتها: -إنها خالتك يا سهيلة. نظرت سهيلة باتجاه الباب وقالت مبتسمة: -أجل إنها هي، لم تأت منذ فترة. وقفت مرحبة بها وتقول:
-يا مرحبا يا مرحبا، كيف حالك يا خالتي؟ لم نراك منذ مدة. ابتسمت خالتها وقالت وهي تمد يدها: -كيف حالك يا عروس؟ لقد أتيت بخبر سار. تعجبت سهيلة من ندائها بالعروس، ثم اعتقدت أنها تعلم شيئًا يخص التغيير الذي حدث مع آثر، طرأت لها خاطرة، هل تحدث مع والدها أو خالها؟ ربما هناك شيئًا جيدًا يحدث وهي لم تعلم به بعد. فقالت والدتها بعد سلامها على أختها: -حقًا نحتاج إلى تلك الأخبار، أخبرينا يا أختاه.
جلست سهيلة ووالدتها في ترقب لما ستقوله خالتها، فقالت: -لقد أتى إلى منزلي اليوم محمد بك، ومعه شقيقه الأكبر، يريد القدوم لخطبتك يا سهيلة. ضحكت سهيلة باستهزاء وقالت: -كيف ذلك يا خالتي؟ ألا يعلم أني مخطوبة؟ ما زاد الأمر سوءًا وزادها تعجبًا قول خالتها: -بلى يعلم أنك مخطوبة، لكن جميعنا لا نريد تلك الخطبة، وهو قال إنه يريدك أن تفسخي خطبتك، وسيفعل لك كل ما تريدين، لديه منزل والده ولديه أرض خاصة به سيبني عليها منزلًا لك وحدك.
انفعلت سهيلة بعض الشيء وقالت: -يا إلهي يا خالتي أيعقل ما تقولين؟ هل هذا الرجل مجنون أم ماذا؟ كيف له أن يطلب هذا؟ أم أنه يقول لنفسه أنا وكيلا للنائب العام ومن أجل ذلك ستقبل بي من أريد. -وماذا به يا سهيلة؟ إنه يريدك وهو أقرب إلينا من آثر، إنه غريب عنا ولا نعرف عنه شيئًا، أما هذا فهو من عائلتنا نعرف أصله وفصله. وقفت سهيلة وقالت:
-لا أحد يتحدث معي بهذا الموضوع ثانية، ما زلت مخطوبة ولم أترك آثر بعد وربما لا أتركه، كنت أحترم هذا الشاب لكن بعدما عرفت طريقة تفكيره سقط من نظري، سأخلد للنوم قليلًا، أراك لاحقًا يا خالتي. دخلت سهيلة غرفتها تزفر بضيق، استلقت على فراشها ووضعت الهاتف جوارها تنتظر مكالمة آثر، جلست خالتها تذم بها وتقول: -يا لها من فتاة غبية ابنتك يا أختاه، كيف لها أن ترفض شابًا كهذا؟ قالت والدتها مغلوبة على أمرها:
-كنت أتحدث الآن قبل قدومك وأقول يارب، ليتها تعود كما كانت وتتخلص من هذا المرض، لكن لا فائدة، إنه مقدر علينا. لم يكتفِ محمد بك بمحادثة خالتها فقط، عندما علم برفضها له تحدث إلى زوج شقيقتها الكبرى، والذي هو أيضًا لا يحب آثر ويرفض زواجها منه، ومن هنا بدأت عقبة أخرى تعترض طريق سهيلة وآثر، كلما قالت سهيلة أن الأمور ستتحسن، تحل من جهة وتعقد من جهة أخرى.
اتفق زوج شقيقتها الكبرى وشقيقتها وهذا الشاب محمد بك، والذي هو في الأصل صديقًا لزوج شقيقتها من أصدقاء الدراسة، على أن يخططوا لشيء يجعله يتركها أو يجعلها تتركه. في الجهة الأخرى يبحث آثر عن عمل آخر ليجني منه المال، حتى يقوم بتحضير لوازم العرس، لكن لا شيء يمر كما يريد الإنسان، نحن دائمًا نضع الخطط والبرامج المستقبلية لما نريد فعله، لكن إرادة الله تعالى فوق كل شيء.
في أول يوم عمل بدأه آثر في شركة قطع غيار للسيارات، اتصل بسهيلة وأخبرها بذلك، فرحت سهيلة كثيرًا ودعت له بالتوفيق، قال لها بحماس: -حمدًا لله يا سهيلة لقد حصلت على العمل، لقد نويت خيرًا وأكرمني الله بنيتي، سنتزوج في المعاد المحدد ولن أخذلك أمام والدك. -أجل يا آثر حمدًا لله على ذلك، لكن ألن تخبرني ما الأمر وماذا حدث؟ لم نتحدث حتى الآن. -لا شيء سهيلة كل ما في الأمر أني سئمت العيش وحدي وأريدك جانبي. -حقًا؟
لن أمر الأمر بهذه السهولة فقط استقر في عملك الجديد وسنتحدث، لدي الكثير للتحدث معك فيه. -حسنًا حسنًا أعلم أني لن أفلت من بين يديك، سأفرغ نفسي لبعض الوقت ونتحدث حسنًا؟ -حسنًا. -هيا سأذهب الآن لدي عمل. -حسنًا موفق. -شكرًا لك يا حبيبتي، وداعًا. -وداعًا. تفاجأت سهيلة بقدوم شقيقتها الكبرى رهف في هذا اليوم، تقول في خاطرها: -لقد كانت هنا بالأمس، أرى ما الأمر؟
ربما هناك خطب ما أنا لا أرتاح لقدومها هي وزوجها دون سبب هكذا، لعله خيرًا إن شاء الله. للأسف لم يكن خيرًا لسهيلة لقد كان كارثة وحطت على رأسها ورأس آثر، كلما اعتقدت أن الحياة ستستقر بينهما وتحسن علاقة آثر بأهلها، كلما ظهر لها عائق جديد. دخلت سهيلة وبيدها هاتفها إلى استقبال المنزل، وسمعت والدتها تقول لوالدها: -هل والده بنفسه هو من قال لك ذلك؟ أأنت متأكد من أنه صوت والده؟ أجاب:
-أجل إنه هو والده وأخبرني ذلك بنفسه، ماذا نفعل الآن؟ -لا شيء نفعله سنخبرها بما حدث، نحن لسنا صغارًا. -حسنًا أخبريها ومنك إليها، لنرى ماذا ستفعل. خرج والدها إلى غرفة الضيوف حيث كان ينتظره بعض الناس، وخرجت والدتها تجالس شقيقتها الكبرى، استغربت سهيلة من تلك المهامسة بينهم، رن هاتفها بمكالمة من آثر، أجابت بهدوء: -مرحبا آثر اخبرني كيف حال العمل الجديد؟ بانفعال وغضب تحدث آثر قائلاً: -ما هذا الذي فعله والدك يا سهيلة؟
كيف له أن يتحدث مع أبي بهذه الطريقة؟ تعجبت سهيلة وهي في صدمة من حديثه، لكنها بدأت تربط الأحداث ببعضها، يخبرها قلبها أن هناك شيئًا خلف اجتماع والدتها وشقيقتها، والحديث الذي دار بين والديها منذ قليل، باستغراب قائلة: -والدي؟ ماذا فعل والدي يا آثر؟ أنا لا أفهم شيئًا. اهدئي وأخبريني ما الذي حدث. بصوت غاضب يحاول تمالك نفسه، بجواره شقيقه أكرم وشقيقه الأكبر: -استمعي إلي. لقد هاتفني أخي محمد وقال إن والدك تحدث إلى والدي.
سمعت صوتًا جانبه يقول: -ليس والدها من تحدث، بل ابن عمها. قالت سهيلة: -من هذا؟ -إنه أكرم. يقول إن ابن عمك تحدث إلى والدي وأخبره أن والدك لا يريد هذا الزواج. وهو محرج للتحدث مع والدي، لذلك أخبر ابن عمك أن يتحدث إليه منعا للإحراج بينهما. أخبره أيضًا أنه كان يريد إخباره بذلك منذ فترة وتردد في ذلك. قال إنكم ليس لديكم بنات للزواج، وإن أتيت إلى بلدكم ثانية لن أعود على قدماي.
إنها في حالة ذهول مما تسمعه، لكنها تعلم جيدًا أن هناك خطأ ما. ليس الأمر كما يروى لها. هناك حلقة مفقودة. قالت لآثر: -ولم يفعل والدي هذا؟ هناك خطأ ما يا آثر، متأكدة من ذلك. انتظر فقط حتى يأتي والدي. لدينا ضيوف في الخارج يجلس معهم، سأفهم الأمر. بصوت غاضب ومنفعل للغاية: -ماذا ستفهمين؟ أنا أخبرك بما حدث. لقد أتيت الآن وتركت العمل عندما اتصل بي أخي وأخبرني بذلك. أبي غاضب جدًا. تحاول سهيلة أن تهدأ الأوضاع حتى تعلم ماذا حدث:
-من فضلك يا آثر اهدأ حتى نعلم كيف نحل الموضوع. رجاءً، سأعرف كل شيء وأخبرك به. أغلق الآن، ولا تفعل شيئًا قبل أن أتصل بك. -حسنا يا سهيلة، حسنا. سمعتها والدتها وشقيقتها الكبرى رهف، فقالت رهف: -ما الأمر يا سهيلة؟ -لا أعلم، هناك شيء خطأ يحدث. أنتظر أبي ليأتي وأسأله. تفاجأت من حديثها عندما قالت: -عن ماذا ستسألين والدك؟ إنه غاضب جدًا ولا يطيق كلمة واحدة بخصوص آثر ووالده. -ماذا تقولين يا رهف؟ هل تعلمين ما حدث؟
-أجل، لقد أتيت لأن أبي اتصل بي وطلب مني القدوم حتى يشهدنا على ما حدث أمامك ونتحدث إليك في الأمر. يكفي هذا يا سهيلة، لقد طفح الكيل. أصبحت سهيلة في حيرة من أمرها، فهنا يشكوا ممن هناك، وهناك يشكوا ممن هنا، وهي تقف وسط الاثنين لا تعلم من الصادق ومن الكاذب. لا تعلم حتى ماذا يحدث. رفعت يدها تشير إلى جهلها بالأمر: -أنا لا أفهم ماذا حدث. أخبروني أولًا ما الأمر حتى أستطيع أن أجيب على حديثكم. ماذا فعل والدي آثر؟
لقد أخبرني آثر أن والده غاضب من والدي لأنه تحدث إليه ابن عمي نيابة عنه وأخبره أنه لا يريد هذا الزواج. رفعت رهف إصبعها بالرفض وقالت بصوت واضح وضيق: -لا يا حبيبتي، والدك لم يفعل شيئًا. ما حدث أن والد آثر اتصل بوالدك وأخبره هذا الكلام حرفيًا: "ابني ليس رجلاً يتحمل المسؤولية، ولا رجل زواج والتزام. إنه فتى طائش، لا مستقبل لديه ولا عمل. يعمل معي بيومية قدرها خمسون جنيهًا. كيف له أن يكفي ابنتك بهذا المال؟
لقد أخبرتك ذلك حتى لا تأتي باللوم علي لاحقًا وتشكوا منه ابنتك. أنت رجل ذو خلق ومبادئ وأنا أحترمك وأقدرك، ولن أكون جزءًا من هذا الزواج. وإن أتى ابني إليكم فافعلوا به ما تشاءون."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!