جلست منى تفرك يدها بتوتر. تنصت بحذر للأحاديث التي تجري في غرفة الجلوس الملاصقة لغرفتها، تدعو في سرها ألا يكون ما استنتجته حقيقة عليها مواجهتها. بضع لحظات مرت ك الدهر سبقت دخول أمها الغرفة تنبؤها بمستجدات الحديث. "مر الوقت سريعا دون أن ألاحظ كم كبرت عزيزتي حتى أخوض هذا الحديث الذي لطالما كنت أتحضر له مذ كنت طفلة في المهد، إنها سنة الحياة يا ابنتي." قالت الأم ممهدة ثم واصلت تصريحها.
"عزيز شاب محترم وخلوق يعمل مع أباه، صديق والدك، في شركتهم، لا يكبرك بالكثير كما أنه سمح الوجه بهي الطلعة إن كان هذا مما قد تخشينه، وقد رأى والدك أنه سيكون الزوج المناسب لك، كما أستطيع أن أقول بثقة أنني أستطيع ائتمانه على فلذة كبدي." أجابت منى تكابد عيناها كي لا تفيض:
"أرجوك أمي، لا تحاولي إقناعي بأنه الشاب الذي تحلم به كل فتاة، أعلم بما يواجهه أبي في الشركة، أرجوك أن تحاولي إقناعه العدول عن فكرته. من يضمن أصلا أن تحل الأمور بهذه الزيجة التي تريدون أن تجعلوني كبش فداء فيها." مسحت العبرة المتمرّدة على خدها وأكملت مصرة: "لم يبق سوى بضع أشهر عن موعد تخرجي وأعدك أن أساعده في مواجهة هذه الأزمة." سحبت ليلى يداها اللتان كانتا تطوقان يدي ابنتها وقالت محذرة:
"لا تختبري صبري، أعدك أن أشترط أن تكملي دراستك بعد الزواج. أعلم أنك لا تنظرين للأمر سوى على أنه صفقة عمل مبرمة بين العائلتين، لكنني أريدك أن تعلمي في المقابل أنني ما كنت لأقبل به تحت أي اعتبار لولا علمي المسبق بأخلاق عزيز وشهامته، لذلك لا أريد لهذا الحديث أن يعاد مرة أخرى. سيأتي الشاب بعد غد هو وعائلته لرؤيتك، لا أريد لأي خطأ أن يحدث." غادرت الأم بينما تربعت منى على الأرض وقد انهمرت عبراتها تتسابق على سفوح خديها.
"كيف لهم أن يقرروا عني مسار حياتي؟ وأي قرار هذا، أن أتزوج في أهم فترات دراستي؟ أنا بالكاد أتحمل مسؤولياتي الخاصة وها هم يريدون أن يلبسوني مسؤوليات لا طاقة لي بها الآن. أيضحي المرء بسعادة وحيدته من أجل إنقاذ عمله؟ ربما أكون حقا متبناة أو هل يمكن أن يكونوا قد وجدوني ملقاة في مكان ما؟ أقسم أنني لن أدع الأمر يمر هكذا، سنرى من سيكون صاحب القرار في حياتي." مر اليومان كالدهر على منى تبكي حينا وتخطط أخرى.
وها هو يوم اللقاء وقد لقيها غير مستعدة وبجعبة تكاد تكون فارغة إلا من حجج واهية لا تستطيع بها إقناع أحد. استيقظت ليلى أبكر من عادتها تجهز البيت وتحضر كل مستلزمات استقبال ضيوفها حريصة على عدم القيام بأي تقصير. وقد كانت تتفقد ابنتها بين الفينة والأخرى تستعجلها تجهيز نفسها. أما منى فقد كانت مسرورة لأول مرة في حياتها بوجهها المنتفخ من كثرة البكاء وعيناها الحمراوان.
وقد تعمدت أن تكحلهما رغم علمها لما قد يسببه الكحل من تورم واحمرار في جفنيها بسبب تحسسها منه. استفزتها عبارات التشجيع والسعادة التي كانت تراها في عيني أمها فراحت تفتح صندوقا كانت تضع فيه مستلزمات التجميل الإضافية أو التي لا تستعملها وأخرجت منه كريم أساس كانت قد أحضرته لها أمها منذ مدة ولم تستخدمه مطلقا نظرا لكونه غير متجانس مع درجة لون بشرتها. وقالت باسمة كأنما قد ربحت الحرب: "لقد آن لك اليوم أن تستخدم أخيرا."
كما استخدمت مظلل عيون بني اللون فوق عينيها ثم راحت تزحف به إلى تحتهما تعزز به لون الهالات التي رافقتها خلال اليومين الأخيرين. ثم أضافت: "سأكتفي بهذا القدر وإلا فلن تتركني أمي أخرج بهذا الوجه." ارتدت الثوب الجديد الذي أحضرته لها أمها رغم رغبتها الشديدة في توشح الأسود. ولفت حجابها تكاد تغطي به أغلب وجهها ثم ألقت نظرة أخيرة على المرآة وقالت في سخط: "لم أبدو جميلة هكذا رغم كل هذا المجهود، لا أصدق هذا."
حضر الضيوف أخيرا فاستقبلتهم العائلة بحفاوة. بينما جلست منى بينهم ساكنة وقد ألقت بعينيها نحو الأرض تحاول إقناع نفسها أن وجودها بينهم لا يعني إخلالها بوعدها لنفسها. تحدث والدها السيد أحمد وصديقه السيد عمر شعبان مطولاً حول العمل والطقس واسترجعا عدة ذكريات جمعتهما. بينما سمحا لكل من منى وعزيز أن يتحدثا قليلا بانفراد في الجزء المقابل من الحديقة المنزلية ليتعرف كل منهما على الآخر.
جلست منى على مضض ساكنة غير مكترثة لوجود عزيز. بينما قال هو محاولا تشجيعها على الكلام: "تبدو مجهوداتك لنبذي واضحة آنسة منى." رفعت منى رأسها لأول مرة منذ غادرت غرفتها لتلتقي عيناها بعيني الشاب الذي لاحظت ملامحه للتو. وقالت في نفسها: "سمح الوجه بهي الطلعة، حسنا صدقت في ذلك على الأقل يا أمي." ثم أجابته مستدركة: "بت تعرف رأيي بذلك على الأقل، ماذا عنك؟
"فطرت قلبي آنستي، لقد أحببتك مذ كنت طفلة صغيرة بالكاد تمشي بخطوات متعثرة متشبثة بإصبع والدها وبقيت هذه الطفلة تكبر يوما بعد يوم أمام ناظري ويكبر معها حبي أكثر فأكثر، بينما أنتظر بفارغ الصبر اليوم الذي أطلب فيه يدك، حسنا، لا أعلم حقا ماذا أجيبك." تشبثت عيني الفتاة بعينيه العسليتين في دهشة وقد تجمعت بهما العبرات وكادت تستنزف ماء جسدها دموعا أسفا على قلبه لولا ضحكته التي أفاقتها من حالتها ليصرّح عقبها:
"أعتذر منك، لم أرد لحديثنا أن يبقى بتلك الجدية فقط، من البديهي أنني لا أعرفك بتاتا رغم علاقة والدينا الوثيقة. وإجابة على سؤالك أنا لم أختر حتى بدلتي لهذا اليوم، لقد كان قرارا سريعا من عائلتنا ولم أرد أن أكسر بخاطرهما برفض القدوم." كانت منى لا تزال مغتاظة من ثقل مزحته فقالت في تحد: "إذا ستتزوجني فقط كي لا تفطر قلب والديك؟ "لا تنسي أن كلانا في نفس الوضع، ما فعلتيه بوجهك لا يعطيك أحقية التبجح هنا." أجابت منى في إحراج:
"لم أقصد ذلك، كما أن وجهي لا يشكو من شيء." ثم أضافت: "ماذا علينا أن نفعل إذا؟ "لم أكن متجهزاً حقيقة لسؤال كهذا، نُماطل ربما؟ لم تستطع منى الإجابة إذ نادتهما العائلة لتناول العشاء. عم البيت لحظات من الهدوء قبل أن يقول عزيز مخاطباً السيد أحمد:
"لقد تحدثت قليلاً والآنسة منى عن الدراسة وعن التربص الذي عليها القيام به لتحضير مشروع التخرج وقد اقترحت أن تقوم به في شركتنا تحت إشرافي ليتسنى لنا بذلك أن نعرف بعضنا أكثر، لذلك أردت أن أطلب إذنك كي تسمح لها بذلك وأعدك أن أقوم بتعليمها أسس العمل على أحسن وجه." أكمل السيد أحمد مضغ اللقمة في فمه وابتلاعها بروية ثم أجاب:
"نتوقع أنا وعمر أن يتم زواجكما في أقرب الآجال لذلك أود أن تكون هذه فرصة كي تحاولا التفاهم وفهم بعضكما البعض، لذلك أنا لا أمانع الفكرة." انتهت الأمسية سريعا وقبل المغادرة قدمت السيدة مريم سلسلة ذهبية على شكل فراشة كهدية لمنى. وقالت بعطف: "تبدين جميلة مثلها، حماك الله يا ابنتي من عيون الحاقدين." احمر خدا منى خجلا وشكرت العمّة بامتنان ثم قامت بتوديعها. ما إن خرجوا حتى عادت راكضة إلى غرفتها. وقفت أمام
المرآة ثم قالت باستغراب: "أنا الآن أقرب شبهاً إلى مدمن الكحول مني إلى الفراشة." ثم نزعت حجابها ووضعت الطوق على عنقها متأملة جماله. حضرت فراشها وجلست تفكر بما حدث وما عليها فعله. ثم حمدت الله أن عزيز يشاركها نفس الرأي وأنه سيحاول أيضاً من جهته إبطال هذه الزيجة. ذهبت منى إلى الكلية صباحاً عازمة على عدم إخبار صديقتها أحلام عن أمر الزواج. لكنها سرعان ما تخلت عن قرارها حالما سألتها أحلام عن سر عبوس وجهها. فقالت في حنق:
"لم أرد الحديث في الأمر، حديثي عنه بصوت مرتفع سيجعله يبدو واقعياً." ثم أضافت باكية: "لقد قرر والدي ببساطة تزويجي بابن صديق العائلة وفي أقرب الآجال، لا أعلم ما يجب علي فعله، لقد كنت أستمع لهذه الحكايات في الأفلام والروايات لكنني لم أعلم أن ذات القدر ينتظرني في الواقع." ضحكت أحلام طويلاً قبل أن تلحظ نظرات صديقتها اللائمة. فقالت مستدركة:
"حسنا، لا يبدو الأمر بهذا السوء، فإن كنت أعرفك ولو قليلاً فاحتمال أن تتزوجي بطريقة أخرى خلاف هذه ضئيل للغاية، وأنا لا أريد لصديقتي المقربة أن تبقى وحيدة طوال حياتها." ثم نظرت إلى عقد الفراشة الذي يطوق رقبتها وأضافت تستفزها: "يبدو أن صهري المستقبلي أظهر سحره منذ أول لقاء، ذوقه جميل للغاية، لقد قبلت به صهراً من قبل حتى أن أراه." ابتسمت منى مجيبة:
"تمنّي نفسك، لو كان هو من أحضرها ما كنت رأيتها على رقبتي اليوم. لقد أحضرتها الخالة مريم، أمه، لقد تعرفت عليها مؤخراً وهي امرأة جميلة شديدة العطف عذبة اللسان، أتمنى حقاً أن تكون حماتي بطيبتها." أجابت أحلام ضاحكة: "احذري مما تتمنينه عزيزتي فلا تعلمين كيف ومتى سيتحقق." مر الأسبوع سريعاً وحان موعد بدأ التربص. أفاقت منى باكراً لتجهيز نفسها والخروج في الموعد محاولة تقديم أحسن صورة لها في يومها الأول.
تسللت إلى غرفتها رائحة البخور التي تداوم أمها على وضعها كل صباح فخففت من توترها. ما إن غادرت غرفتها حتى استقبلها صوت والدها يحثها على الإسراع لتناول الإفطار. قبلت والديها ثم جلست إلى الطاولة تشرب قهوتها على عجل. لم يمنعها من ملاحظة السعادة والأمل الباديان على محيا والديها بسبب هذه البداية المرتبطة بعزيز ما جعلها تشعر بالضيق من سعادتهما ومن نفسها أيضاً.
أوصلها والدها إلى الشركة واتصل بعزيز كي يلاقيها ليقوم بإرشادها وتعريفها على المكان، قبل أن يتوجه إلى عمله. قابله عزيز بوجهه البهيج الضاحك وقال ممازحاً: "أهلاً بزوجتي المستقبلية، صباحك سكر." أجابت منى مصححة: "صباح الأمل لشريكي في مصيبتي." ضحك عزيز عالياً حتى التفتت إليه أعين العمال في استغراب. وقال: "مصيبة؟ أعجبني اختيارك للكلمات."
قام بمرافقتها في جولة تعريفية حول الشركة بمختلف أقسامها ثم توجها نحو مكتبه حيث أعد لها مكتباً صغيراً قبالته. أحضر من إحدى الرفوف ملفاً سميكاً وضعه على مكتبها ثم قال وهو يقرب الكرسي لها: "هذا سيكون أول عمل لك اليوم أريد منك مراجعة بيانات هذا القسم وتجديدها حسب المعلومات الحالية المرفقة، لا تقلقي، الأمر ليس صعباً لكنه فقط يتطلب بعض التركيز." أخذت منى الملف تقلبه وتتفحصه، ثم قالت باستغراب:
"منذ متى لم يقع تجديد هذه البيانات." رد ضاحكاً: "عام أو ربما عامين، ستكتشفين ذلك من خلال التواريخ." جلست منى بإحباط، تراجع محتوى الملف، بينما ظل عزيز يراقبها للحظات قبل أن يتركها على راحتها وينشغل بمهامه. كانت تشعر بثقل النظرات الفضولية الموجهة إليها من بعض الموظفين، لكنها تجاهلت الأمر محاولة التركيز فيما بين يديها، عسى أن تنهيه قبل أن ينهيها.
مرت ساعات طويلة وهي منغمسة في العمل، قبل أن يقاطعها عزيز بكوب ماء وضعه بجانبها قائلاً: "أحسنتِ، يبدو أنك تحسنين العمل أكثر مما توقعت." رفعت رأسها بإنهاك وقالت بهدوء: "ربما لأنني لا أملك خياراً آخر." تأمل ردها قليلاً، ثم قال مسنداً ذقنه على يده: "أحياناً لا نكتشف أنفسنا إلا حين نجبر على سلك طرق لم نخترها." ثم أضاف باستعطاف:
"لقد عملت بجهد اليوم، وبما أنه يومك الأول فسأسمح لك بالخروج باكراً إذ تبدو حالتك مزرية ولا أود أن تحدث أي حالة إغماء في الشركة." غضت منى طرفها عن العبارات التي وصفها بها وقالت بجدية: "مر اليوم دون أن نفعل شيئاً، لا أعلم كيف سنقوم بإقناع عائلتينا بالعدول عن رأيهم، كما لا أعلم ما الذي نبحث عنه بالتحديد، كان عليك أن ترفضني ببساطة، لا أظن أن المماطلة ستفضي لشيء."
"يا له من موضوع شيق تريدين مناقشته وسط الشركة. لا تنسي أنني أتعرض لنفس الضغط من عائلتي وليس لي أي أسباب منطقية للرفض؛ شابة مثقفة، جميلة ومحترمة من عائلة محترمة ومقربة من عائلتنا ماذا تريدينني أن أفعل؟ احمر خدا الفتاة خجلاً وقالت مستدركة: "سنعلم قريباً ما علينا فعله، لا نزال في بداية الطريق." عادت منى منهكة إلى المنزل فارتمت من فورها في أحضان سريرها محاولة نيل قسط من الراحة.
لكن ضجيج أفكارها أبى أن يخفت، ماذا لو لم يجدوا أي سبيل للهروب؟ عاودت النهوض من السرير وتوجهت نحو الخزانة تتفحصها. "ماذا لو قمت بتجهيز حقيبة سفري وتركتها جاهزة؟ في حال فشلت الخطة سأسافر لمدة إلى أن يغير والدي رأيه أو يجد عزيز فتاة أخرى." كانت منى ترتب ثيابها في الحقيبة حينما دخلت عليها أمها الغرفة. "ماذا تفعلين يا ابنتي، إلى أين أنت ذاهبة؟ ظلت منى متسمرة للحظات قبل أن تجيب في تلعثم:
"إلى أين سأذهب مع كل المهام المعلقة التي تنتظرني؟ لقد استنزف بحثي بين كل هذه الملابس وقتي هذا الصباح، لذلك أحاول أن أنتقي ما لا أحتاجه منها لأضعه على جنب." "حسنا، أكملي ما بيديك وتعالي لأضع لك الأكل لا بد أنك جائعة، ولا تتركي الملابس في الحقيبة، سأحضر لك أكياساً ضعيهم فيها." وضعت منى يدها على قلبها تتحسس نبضه المتسارع بينما غادرت والدتها الغرفة. "سارق وفي يده شمعة، علمت أنها فكرة غبية حالما نهضت فوراً لتطبيقها."
في الجهة الأخرى كان عزيز لا يزال غارقاً بين أوراقه حينما أتاه اتصال من صديقه ياسين يطلب فيه لقائه. حالما دلف إلى المقهى المنشود، رأى عزيز صديقه يشير إليه فجلس قبالته محيّياً إياه وطلبا القهوة. بينما تبادلا التحية والأسئلة الروتينية عن الأحوال والمستجدات في انتظار وصولها أخرج ياسين بطاقة دعوة وقدمها إلى صديقه قبل أن يقول:
"دون رسميات مبالغة، أعلم أنك لا تحتاج لدعوة لتحضر حفل زفافي لكنني أردت أن أشاركك لحظاتي البهيجة مثلما اعتدت أن تشاركني مشاكلي وأحزاني." "حسنا، كثرت حفلات الزفاف مؤخراً." أجاب عزيز ضاحكاً قبل أن يحدث صديقه بمستجداته. في اليوم التالي استفاقت منى مجددة أملها في الوصول إلى مبتغاها.
بعد الإفطار قام والدها بإيصالها إلى شركة آل شعبان كعادته، غير أنه لم يغادر إلى عمله بل رافقها إلى الداخل ليقابل السيد عمر للتشاور في بعض الأعمال المشتركة حسب قوله. كانت منى تتلصص على حديثهما حين فاجأها عزيز بالتحية. فردت التحية بخجل بصوت خافت خشية أن يفضح أمرها. فقال مطمئناً: "إن أردت، يمكنني المغادرة والادعاء بأنني لم أرك بعد." قالت في نفسها رامقة إياه بنظرات الشك: "لم يبدو دائماً مسالماً أكثر مما ينبغي."
ثم أجابت نافية: "لا عليك، كنت سأغادر على كل حال." توجهت معه إلى مكتبهم المشترك بينما ظل تفكيرها معلقاً عند والدها والسيد عمر. جلست على مكتبها وفتحت الحاسوب بينما وضعت أمامها الدفتر الذي بدأت تجديد بياناته بالأمس. ظلّت تنظر إليه بضع دقائق شاردة البال قبل أن يقطع عزيز حبل أفكارها: "ما الذي يشغل بالك أخبريني، ظننت أننا شريكان."
"يبدو أن أبي والسيد عمر لديهما بعض الأعمال المشتركة، لكن، لا أعلم لم يبدو لي لقائهم مريباً. لا أنكر أنني كنت بصدد التجسس على حديثهما، لكن للأسف لم أستطع التقاط شيء مما تحدثا." أجاب عزيز مجتهداً في إخفاء ضحكته: "لا تقلقي، لا يستطيع كلاهما التكتّم عن الأمر، إن وجد أمر فلا بد لأحدنا أن يعلم به." "حسناً إذن، لن يفلت الأمر من بين أيدينا، أنا أثق بك." رمقها بنظرة عطوفة وابتسامة دافئة شدتها ثم قال شاكراً:
"شكراً لمنحي شرف هذه الثقة، بالمقابل سأمنحك ثقتي في إنهاء الملف الذي بين يديك هذا اليوم." همست في نفسها مبادلة إياه ابتسامة منمقة: "في المرة القادمة سأحرص على أن أستخسر فيك أي كلمة طيبة." مرت الأيام سريعة، كأوراق تنفرط من رزنامة العمر بلا اكتراث. بين ملفات أثقلتها الأرقام ومحاولات يائسة للعثور على ثغرة تنقذها من حصار يضيق عليها شيئاً فشيئاً.
وحين عادت منى ذلك المساء إلى البيت، وجدت أبويها جالسين في غرفة الجلوس يغمرهم صمت ثقيل. أتت السيدة ليلى بصينية القهوة مرفقة إياها ببعض الحلويات. بينما بادئها والدها بالحديث، صوته مبحوح بثقل لا يخفيه: "لقد قررت أنا والسيد عمر دمج الشركتين لتحسين مركزنا التنافسي وتوسيع السوق المستهدف من خلال دمج الكفاءات والتقنيات الموجودة في كلا الشركتين." صمت قليلاً يجمع أفكاره ثم أضاف:
"ولذلك فقد ارتأينا أن تكوني أنت والسيد عزيز، كثنائي، الوجه الإعلامي للكيان الجديد للشركة، لذلك فقد قرر إقامة الخطبة هذا الأسبوع إن شاء الله والزواج الشهر القادم ليكون متوافقاً مع إعلان الشركة الجديدة."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!