بقي فنجان القهوة في يد منى معلّقا في الهواء يرتجف مع ارتجاف روحها، قبل أن تتكسّر الكلمات على شفتيها: "ربّيتني منذ صغري ليكون لي كياني الخاص وقراراتي التي أتحمّل كامل مسؤوليتها، لماذا إذن تريد الآن أن تسلبني ببساطة حق الاختيار دون أن تبالي بمشاعري، لماذا أصبحتم فجأة تملون عليّ القرارات التي اتخذتموها عوضا عنّي كأنّما تخبرون بها غريبا، لم عليّ لعب دور الغريب في حياتي."
وضعت منى الفنجان بيدين مرتعشتين وغادرت راكضة نحو بيتها تخفي دموعها المحترقة بنار قلبها، لحقتها أمّها ماسحة هي الأخرى بطرف شالها عبراتها المتمرّدة، دقّت الباب بلطف ثمّ ولجت الغرفة دون أن تنتظر الردّ. جلست على طرف السرير بجانب ابنتها ثمّ قالت بعطف: "تعلمين كم يحبّك والدك، هو لم يجبرك يومًا على سلك طريق لم تختاريه وكان دوما يكتفي بنصحك وارشادك." قاطعتها منى مشتكية: "لماذا إذن يفعل بي هذا الآن؟
لماذا في أهمّ قرار في حياتي؟ أحاطت ليلى ابنتها بكلتا يديها لتشعرها أنّها تحسّ بما يخالجها من حزن وقالت مطمئنة: "لأنّه يعلم أنّه القرار الأمثل لك يا عزيزتي، حتّى وإن لم يعجبك ذلك في البداية." شعرت الشّابة بخنقة من ردّها الجافّ فاستلقت على السرير شادّة اليها اللحاف تغطّي به وجهها الباكي. طبعت والدتها قبلة على جبينها ثمّ غادرت الغرفة في هدوء. حين خرجت، كان السيّد أحمد لا يزال في انتظارها في غرفة الجلوس، فسألها في قلق:
"كيف حالها؟ أهي بخير؟ أجابت ليلى مطمئنة: "سوف تقتنع، لا تقلق، هي فقط بحاجة لبعض الوقت." في الغد كانت آثار الحزن بادية على منى فلم يعرف عزيز كيف يحادثها. بقيا صامتين مهلة من الزمن قبل أن يبادر بإحضار كوبين من القهوة ليقول أخيرا: "سمعت أنّك لم تفطري اليوم، دعنا نتشارك فطورنا إذن كما نتشارك المصيبة، ما رأيك؟ ابتسمت منى من بين أحزانها وأخذت كوب القهوة قبل أن تجيب:
"كيف لك أن تكون لا مبالي هكذا، لا بدّ أنّك علمت بآخر المستجدّات." "أؤمن أنّني لا أغيّر من أمري شيئا من خلال قلقي المبالغ فيه عليه." "رغم يقيني بصواب ما تقول لا يسعني إلا أن أستشعر حزني كاملا حتّى أستطيع أن أتخطّاه." أدخلت يدها إلى حقيبتها تخرج علبة بسكويت زجاجيّة وضعتها بينهما ثمّ أضافت:
"لاحظت أنّك تشرب القهوة سادة، فلتعدّل مرارتها ببعض البسكويت، وضعته لي أمّي حين رفضت الإفطار. تعلم جيّدا أنّني لن أستطيع مقاومته، فهي تداوم على طبخه لي بكلّ حبّ." صمتت قليلا تجمع كلماتها ثمّ واصلت: "أكثر ما يجعل الأمر مؤلما هو أنّني لم أعهد هذه المعاملة منهم." كانت تتحدّث دون توقف كمن يفرغ ثقل قلبه من أحزانه على شكل كلمات بينما ظلّ هو يستمع في صمت حتّى أنهيا فطورهما ليعود كلّ منهما إلى عمله.
حين حان موعد الخروج أصرّ عزيز على ايصالها للمنزل، في الطريق شكرته على تحمّل شكواها ثمّ سألت كمن تذكّر شيئا قد غيّب عنه: "لماذا يريد أبي والسيّد عمر دمج الشّركتين؟ أجاب في لامبالاة: "كما يقال في الاتّحاد قوّة."
لم يكن جوابه مقنعا بالنسبة لها، فان كانت شركة والدها تعاني من خسارات فالحلّ الأمثل لكلا الطرفين هو القيام بمشاريع مشتركة تعمل على زيادة الإيرادات أو ربّما دخول صديق والدها كشريك في نسبة من الأسهم في شركتهم واستثماره فيها. وصلا إلى المنزل في غضون دقائق فتشكّرته فاتحة باب السيارة للخروج فقال مودّعا: "اشكري لي الخالة ليلى عن البسكويت، كان لذيذًا جدًّا فلتسلم يدها." اندفعت مجيبة دون تفكير:
"أجل، فكرة رائعة، أخبرها أنّنا فطرنا سويًّا حتّى تتمادى في آمالها بشأننا." صمتت قليلا نادمة على ما قالته ثمّ قالت مستدركة: "شكرًا مجدّدا، أراك غدًا إن شاء الله." دخلت المنزل في صمت وتوجّهت من فورها إلى غرفتها متفادية مقابلة أيّ أحد. ظلّ عقلها مشغولًا بسرّ قرار الدمج ثمّ تذكّرت إجابة عزيز "في الاتّحاد قوّة؟ حقًّا؟
قرّرت بعد لحظات من التفكير أنّه هو الآخر مشكوك في أمره، وعليه، فستعمل وحيدة من الآن فصاعدًا لفكّ هذا اللّغز. في الغد فتحت حاسوب الشّركة تبحث بين الملفّات عن دليل يثبت ادّعائها، كانت تشكّ أنّ شركة آل شعبان هي الأخرى تعاني من مشاكل مادّية وهو ما يفسّر قبولهم بالدمج وانفتاحهم على هذه الزيجة. غير أنّها عادت خائبة المسعى بعد أن أكّدت كلّ الأرقام والوثائق أنّ الشّركة في أحسن حالاتها، بل أنّها تعاني من فائض سنوي غير مستثمر.
انسدّت كلّ المنافذ أمامها، لكنّها قرّرت أن تكمل في الطريق الذي اختارته. أخبرت عزيز أنّ أباها قد طلب مساعدتها ببعض المسائل المتعلّقة بالشّركة، وعليه فقد طلبت أن يعفيها من الحضور لليوم القادم وقد قوبل طلبها بالقبول من طرفه. قرّرت أن تراجع ملفّات شركة والدها هذه المرّة وأن تتقصّى حال الأعمال فيها علّها تجد ضالّتها هناك.
في اليوم التالي أخبرت والدها بأنّها تريد جمع بعض المعلومات حول شركتهم بما أنّها ستدمج قريبا مع شركة آل شعبان وذلك قبل انتهاء فترة تربّصها، وقد طلبت مرافقته إلى هناك لفعل ذلك. بقيت طوال اليوم جالسة في مكتب والدها تتفحّص الملفّات الموجودة على الحاسوب الذي قدّم لها مدّعية اهتمامها بما حواه من معلومات عامّة لا تفيدها في شيء، وحالما غادر والدها ليترأس اجتماعًا، استغلّت الفرصة للبحث في حاسوبه الخاصّ.
غائصة بين الملفّات، كانت تراجع الأرقام مرّة تلو الأخرى غير قادرة على الاستيعاب. "لا بدّ أنّني كنت أتعلّم الرّقص الشّرقي طوال سنوات دراستي لينتهي بي المطاف غير قادرة على تحليل أو تفسير نتيجة ظاهرة أمامي بهذا الشّكل." أعادت تصفّح الملفّ للمرّة التي لا تعرف عددها: "لا يمكن ذلك، إنّ شركتنا كشركة آل شعبان في أحسن حالاتها وتحقّق أرباحًا مرضية ومتزايدة طوال السنوات الأخيرة."
خالجها شعور عارم بالغبطة، وظنّت للحظة أنّها لن تكون ملزمة بالزّواج بعد اكتشاف تلك الحقيقة. غير أنّها سرعان ما تذكّرت أنّ الحقيقة كانت معلومة جديدة بالنّسبة لها فقط وأنّ والدها يعلم ذلك منذ البداية وربّما والدتها أيضًا. "إذا كان الأمر غير متعلّق بالشّركة فما الذي يدفع والدي لرميي فجأة أمام زواج اجباري؟ وما الذي يجعله يعجّل في أمري هكذا؟
تملّكها الحزن أكثر ممّا فعل سابقا، وهاجمتها الأفكار والهواجس فعادت إلى مقعدها في صمت غير عارفة لم يجب عليها فعله. عادت إلى المنزل بعد يوم حسبته الأطول بين ما قد عايشت من أيّام، فسارعت إلى غرفتها تتوارى عن الأنظار، تحاول رسم خطّة جديدة لمسارها المختار.
صباح اليوم التالي كانت الأعمال مكدّسة بالشّركة؛ المعاملات الروتينية أضيف إليها معاملات دمج الشّركتين وتغيير مقرّهما إلى واحد مشترك مع تحويل المقرّ الثاني إلى مستودع خاصّ بالشركة الجديدة. كان الكلّ مشغولًا بمهامّه ولم تستطع منى محادثة عزيز بآخر مستجدّاتها.
عادت منهكة بعد يوم مليء لتجد والدتها في انتظارها طالبة مرافقتها للقيام بحصّة تدليك لتبديد شحنات التوتّر واستقبال يوم خطوبتها بمشاعر إيجابيّة، وافقت الفتاة على مضض بعد إصرار وإلحاح من والدتها رغم أنّها كانت تنتظر مرافقة والدتها لتلك الحصص بفارغ الصّبر في كلّ مرّة. كانتا لا تزالان ينتظران في قاعة الاستقبال حينما باغتت والدتها بالسّؤال: "هل سيكون زواجي مفيدًا حقًّا في إنقاذ شركتنا؟
أجابت الأمّ بنعم بعد لحظات طويلة من الصّمت فهمت من خلالها منى أنّها كانت تعلم هي الأخرى. كان اليوم هو يوم الخطوبة المنتظرة، عمّت الأجواء الاحتفاليّة المنزل. أحضر السيّد أحمد أصنافًا من الحلويّات والعصائر بينما أعدّت السيّدة ليلى المنزل، زيّنت أركانه وراحت تبخّر أجوائه برائحة العنبر. أمّا منى فقد لزمت بيتها تعدّ نفسها هذه المرّة دون أيّ اعتراض أو مكائد.
كانت تلفّ حجابها حين سمعت صوت سيّارات ضيوفها قد وصلت، وعمّت الزغاريد وأصوات زامور السيارات المكان. "إنّه يستمتع في الخارج وكأنّه سيطلب يد الفتاة التي يحبّ، بينما أنا الوحيدة التي تقلق حول كلينا." ابتسمت بينما تتفقّد حجابها مستعدّة للخروج. "لكن ليس اليوم، أنت من عليه القلق اليوم سيّد عزيز."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!