كان المكان حين وصولهم ممتلئا بالحضور من الأقارب والأصدقاء وأفراد من الصحافة. مر الحفل سريعًا، بينما ظلت منى غارقة في أفكارها تختلق ابتسامة واهية كلما التقت عيناها بعيني والديها. كان الوقت متأخرًا حين انتهى حفل الزفاف، لذلك غادر الجميع إلى بيوتهم. بينما ظل عزيز يجول بالسيارة مع منى دون هدف حتى وصل بهما الطريق قرب الشاطئ. ركن السيارة وخرج فاتحًا لها الباب: "لنتمشى قليلا على الشاطئ."
خرجت دون أن تنبس بكلمة وراحا يمشيان في صمت، يحيط بهما الظلام الذي أسدل ستائره على المكان وهدوء تام تقطعه أصوات الأمواج المتلاطمة على الشاطئ. توقف فجأة مستديرًا إليها وتنحنح قبل أن يقول: "أردت أن نتحدث خارجًا قبل أن تحول رهبتنا من وجودنا في بيت واحد دون ذلك." نظرت أخيرًا إلى عينيه في تمعن محترمة رغبته في التواصل وانتظرت أن يكمل:
"أعلم أنك مرغمة على هذا الزواج وأن تظاهرك بالسعادة أمام والدك فقط كي لا تزيدي من قلقه وآلامه. لكن دعنا نبرم اتفاقا بيننا أن يبقى هذا الزواج حبرًا على ورق ولن يكون غير ذلك إلا في حال أن كلينا أراد ذلك. وفي هذه الأثناء لنعتبر أننا رفقاء سكن فقط." مدت يديها تصافحه وقد انجلى عنها الكثير من قلقها وقالت باسمة: "رفقاء سكن، اتفقنا." عادا أخيرًا إلى منزلهما الجديد، فاختار كل منهما غرفة منفصلة ودخلا للاستحمام والنوم.
ظلت منى متوجسة من حالها الجديد رغما عنها ورفضت النوم بدون حجابها رغما عن وجودها وحيدة في الغرفة المغلقة. استفاق عزيز صباحًا على رائحة المخبوزات الطيبة تقتحم أنفه، فاغتسل سريعا وتوجه نحو المطبخ، حيث كانت منى واقفة تحضر الفطور في هدوء يشبه نسمات الصباح وقد أسدلت شعرها للخلف وربطته بمشبك ذهبي اللون. وقف متجمدًا يتفحصها إلى أن لاحظت وجوده فاستدار بسرعة نحو الحائط وقال في ارتباك: "أعتذر، لم أعلم أنك هنا... هكذا."
ضحكت في الخفاء من ردة فعله. "بت الأمس على قرار ألا أنزع حجابي حتى أثناء النوم." ضحكت مضيفة: "لكن حرارة ليلة أمس أقنعتني أنه لا بأس بذلك طالما أننا متزوجان أمام الله." التفت إليها مجددًا وجلس سريعًا إلى الطاولة منتظرًا الفطور، بينما أخرجت هي الكعكة من الفرن ووضعت القهوة الساخنة على الطاولة ثم قالت جاذبة لها الكرسي للجلوس إلى جانبه:
"بما أننا اتفقنا على أن يكون زواجنا اشتراكيًا، سنقسم الأدوار بيننا سواء داخل أو خارج البيت ولنبدأ بالداخل." قاطعها ملقيًا بالمنديل على رأسها. "دعبه هكذا حتى أستطيع التركيز معك، لم أعتد بعد على رؤيتك دون حجاب." كتمت ضحكتها مضيفة: "سأعتني اليوم بالمطبخ بينما يكون عليك الاعتناء بباقي المنزل والغد تتبدل الأدوار." "حسنًا، لكن فلتعلمي أنه لا يبدو لي تقسيمك عادلا على الإطلاق."
"حسنًا، سنرى رأيك في ذلك غدًا حين يكون عليك القيام بأعمال المطبخ." ثم أضافت متهكمة: "رغم أنني لا أعتقد أن أعمال المنزل البسيطة ستمثل مشكلة بالنسبة لك." ونظرت إليه نظرة تحد سرعان ما التقطها ليجيب قابلاً الخوض في الحرب التي رسمتها: "بالطبع لن تمثل أية مشكلة، في المقابل أتمنى ألا تتعبك بعض الأعمال الخارجية." "دعنا لا نستبق الأمور."
كان المنزل مرتبًا نظيفًا لذلك لم يكن على الشاب فعل الكثير، غير أنه استمتع بأصناف المأكولات الطيبة التي حضرتها منى لكليهما، لذلك، ورغبة منه لإبراز رغبته الصادقة في التعاون فقد تطوع لإخراج القمامة عوضًا عنها. حين حل المساء، أعدت منى كوبين من الشاي بالنعناع ونصبت طاولة في الشرفة وضعت عليها الشاي والبسكويت الذي أعدته لها أمها قبل الزواج، ثم نادت عزيز للجلوس معها وتجاذب أطراف الحديث. ترشفا الشاي للحظات في
صمت قبل أن تصرح دون إنذار: "تبدو الشرفة خالية ميتة، أود أن أزرع فيها بعض الأزهار طيبة الرائحة ونباتات الزينة و... والنعناع." بدأت الجملة في حماس وأنهتها فاترة كأنما أفاقها الحقيقة التي غيبت عنها للحظات من حلمها. لاحظ ذلك فقال مشجعًا: "فكرة رائعة، في النهاية حتى وإن لم تدم هذه العلاقة فهي لن تنتهي بهذه السرعة لذا علينا أن نحاول خلق مكان مريح للعيش فيه." في الغد، استيقظت منى على رائحة القهوة وصوت عزيز يناديها للإفطار.
لبّت ندائه لتجده وقد حضّر بعض البيض المقلي وشرائح الطماطم والخيار، ووضع إلى جانب أكواب القهوة بعض البسكويت. ابتسمت ملقية عليه تحية الصباح: "جميل، سأشرب معك القهوة سادة اليوم تشجيعًا لعملك على إعداد فطور صحي." ابتسم غير ناوي إخبارها أنه لم يفكر إطلاقا بما هو صحي أو لا وأنه فعل كل ما ظن أن في استطاعته طبخه لا أكثر ولا أقل. تكمش فم الفتاة بعد أول رشفة قهوة شربتها وقالت مجاهدة لبلعها: "ما هذا العقاب؟
فرد ضاحكًا وقد حمل مكعب سكر ليضيفه إلى فنجانها: "لا عليك، لن يغير هذا المكعب الصغير الكثير، لا يمكنك شرب القهوة دون تحليتها ما لم تستمتعي بمرارتها." أكملا الفطور سريعًا واتصلت منى بوالدها تطمئن على حاله وتطمئنه عليها، بدا لها صوته ثقيلاً متعبًا بينما أكد لها هو أنه بأحسن حال وأن صوته السعيد جعله أحسن، ثم طلب منها التحضير لأول ندوة صحفية تقوم بها هي وعزيز بعد زواجهما على أمل أن يقدماها قبل عودتها إلى الدراسة.
كان لدى الزوجين أسبوع كامل بعد موعد زفافهما للتخفي عن الأنظار حتى لا تطالهما ألسنة الناس والصحافة، لذلك قررا التحضير لهذه الندوة وإنهاء بعض الأعمال المكتبية من المنزل. دلفا إلى البيانات التي وصلتهما بشأن ما قد وصلت إليه الشركة من تطورات، وراحا يعدان تقريرًا مفصلاً عنها سيحتاجانه في ندوتهم.
مر بهما الوقت سريعًا منغمسين بين الأوراق حتى سمعا صوت أمعائهما الفارغة، فدخل عزيز المطبخ بتشجيع من منى مستعدًا لتحضير الغداء، وطالت المدة التي قضاها في الداخل حتى ظنت الفتاة أن شيئًا قد أصابه. لحقته إلى المطبخ لتجده غارقًا بين الخضر المنشورة على مائدة المطبخ، حاملاً بين يديه طبقًا أخرجه لتوّه من الفرن قد اختفت ملامحه من شدة احتراقه. نظر لها في يأس وإرهاق ثم قال مستسلمًا وقد غلبته ضحكته على حاله:
"حسنًا، على الأقل حاولت، لذلك لا تعتبر هذه هزيمة فعليًا." ثم خلع عنه مئزر المطبخ وأضاف مطمئنًا: "سأصلح الأمر، لا تقلقي، لنأكل ثم لنعد التفكير في طريقة تقسيم المهام بيننا." غير ملابسه بسرعة وخرج لطلب الطعام من مطعمه المفضل. اتصل بها بعد فترة ليست بالطويلة معلمًا إياها أن هناك من سيرافقه إلى المنزل، لتكون على استعداد.
بضع لحظات مرت قبل أن تسمع طرقات خفيفة على الباب معلنة وصوله، فتحت الباب فدخل هو ورجلان كانا يحملان ألواحًا خشبية تحمل نقوشًا زخرفية، سلّمها أكياس الطعام ورافقهما إلى الشرفة أين قاما بتركيب الألواح. غادر الرجلان فذهبت لتتأمل الجمالية التي أضافتها الألواح على الشرفة، وسرعان ما لحقها عزيز لسماع رأيها. "تبدو لمسة بسيطة لكنها حقًا أحدثت فرقًا كبيرًا." "لكن الفرق الأكبر ستلاحظينه حين تعدين لنا مساء كوبي الشاي بالنعناع."
لم تفهم قصده لكنها سارعت إلى المطبخ تفتح أكياس الطعام لإعداد الطاولة. "لو بقي لك الأمر لأمتنا من الجوع." "ومن أحضر الأكل إذن إن كنت فاعل؟ نظرت إليه دون اكتراث ولم تجبه واكتفت بإكمال طعامها في هدوء. حين حان المساء، طلب عزيز من منى إعداد الشاي والالتحاق به إلى الشرفة أين قبع. "لم أكن أعلم أنك سريع الإدمان هكذا وإلا ما كنت لأعد الشاي منذ البداية." ثم أضافت: "لا تجلس هنا هكذا، انزل القمامة على الأقل بينما أعددت الشاي."
وقف متأففًا وذهب للقيام بمهمته بينما توجهت بدورها إلى المطبخ في رضا بعد أن عكرت هدوءه. جلست على الشرفة تترشف فنجانها بينما أسدلت شعرها الأسود على كتفيها تداعبه نسمات الهواء المنسابة من بين فتحات الألواح الخشبية. نظر لها بابتسامة رضا تعلو وجهه وصرح مفسرًا:
"لاحظت اختناقك بالأمس بينما تلفين حجابك بحرص غير قادرة على التمتع بهذه النسمات العليلة، لذلك بحثت عن هذه الألواح لتركيبها حتى تستطيعي الجلوس مرتاحة دون قلق أو اختناق." "لكن، كيف ستستطيع النباتات التمتع بالشمس هكذا؟ "لا تقلقي، تسمح هذه الفتحات للشمس كما تسمح للهواء بالمرور. إضافة إلى أن هذه الألواح تفتح وتغلق ببساطة." شعرت فجأة بإحساس بالنذالة حيث لاحظت الفرق بين تفكيرها واهتمامه وأجابت مبتسمة في امتنان:
"شكرًا حقًا لتفكيرك بما يريحني، أدين لك بمعروف الآن." "حسنًا، فليكن." أجاب بتلقائية ثم تذكر مأساته مع المطبخ فأضاف سريعًا: "أريد أن نقوم بإعادة تقسيم للمهام المنزلية." "وكيف ذلك؟ "حسنًا، يمكن أن أقبل بأخذ بقية المنزل دونًا عن المطبخ، ما رأيك؟ "ألم يكن تقسيمي غير عادل أول يوم حين أخبرتك أن هذا تقسيمنا المبدئي؟ "فل تعتبري ذلك زلة مبتدأ، علما أنني أبليت حسنًا رغم ما واجهني من تحديات." قالت في تهكم:
"أجل أبليت حسنًا في إخراج القمامة إن كان هذا قصدك." غض عزيز نظره عن استفزازاتها وركز على هدفه فقط وهو تخليصه من مهام المطبخ فقال متحايلًا: "لقد بدأت الأعمال الأخرى في التفاقم ولا أعلم إن كنت حقًا أحسن الاختيار." فأجابت موافقة خشية أن يغير رأيه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!