تحميل رواية «زواج اشتراكي» PDF
بقلم هيام عمر
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
جلست منى تفرك يدها بتوتر. تنصت بحذر للأحاديث التي تجري في غرفة الجلوس الملاصقة لغرفتها، تدعو في سرها ألا يكون ما استنتجته حقيقة عليها مواجهتها. بضع لحظات مرت ك الدهر سبقت دخول أمها الغرفة تنبؤها بمستجدات الحديث. "مر الوقت سريعا دون أن ألاحظ كم كبرت عزيزتي حتى أخوض هذا الحديث الذي لطالما كنت أتحضر له مذ كنت طفلة في المهد، إنها سنة الحياة يا ابنتي." قالت الأم ممهدة ثم واصلت تصريحها. "عزيز شاب محترم وخلوق يعمل مع أباه، صديق والدك، في شركتهم، لا يكبرك بالكثير كما أنه سمح الوجه بهي الطلعة إن كان هذا...
رواية زواج اشتراكي الفصل الحادي عشر 11 - بقلم هيام عمر
في الغد، بعد أن أنهيا عملهما في الشركة، طلبت منى من عزيز أن يقوم بإيصالها إلى منزل صديقتها لزيارتها. فلبّى طلبها وغادر بعد أن أوصاها بالاتصال حالما تعزم المغادرة.
التقيتها أحلام بالأحضان وراحت تعدّ عصيراً. جلبت معه بعض الحلويات وجلست معها في غرفة الجلوس ليتشاركا مستجداتهما.
صاحت أحلام هاتفة بعد سماع صديقتها:
"أعتقد أن أذني تعاني خطأ ما. أعيدي ما قلت."
ابتسمت منى في خجل وأعادت في صوت خفيض:
"أعتقد أنني قد وقعت في حب عزيز."
أطلقت صديقتها زغرودة أفاقت بها جيران الحي، ثم أضافت مستفسرة:
"كيف حدث ذلك؟ لقد فعلت المستحيل لأجعلك تتقبلينه دون أي نتائج تذكر. ما الذي فاتني في هذه الفترة القصيرة؟"
"لم تفوتي شيئاً، بل أنا من فعلت. لقد أهدرت الكثير من الوقت متشبثة في رأي تبنيته دون تفكير، أن أكون أنا من يختار شريك حياتي.
في تمسكي بهذا الرأي المتحجر، نسيت أن الاختيار اختيار قلبي ولا رأي فيه لعقلي البتة."
تبسمت مسترجعة في ذاكرتها لقطات جمعتها بعزيز، ثم واصلت:
"نسيت أن قلبي قد اختاره ومال إليه منذ أول لقاء، لقاء الطفولة، وكذا اللقاء الذي أذكره حين تعرفنا لتدبير زواجنا. لكنه عنادي ما حال بيني وبين قبولي لتلك المشاعر التي دقت أبواب قلبي رغماً عن الأجواء التي كانت فيها."
سألت أحلام بلهفة والبسمة لا تزال تعلو وجهها:
"هل يعرف عزيز بما تكنين له؟ أيبادلك ذات الشعور؟"
فركت منى يديها بقلق مجيبة:
"لا يعلم، لم أخبره بعد. لم يمض الكثير من الوقت منذ أدركت حقيقة مشاعري، وأنت أول شخص خطر لي إخباره."
"لا تقلقي، كما أحسنت قراءة مشاعرك حينما كنت تجهلين ترجمتها، أعتقد أن نظرتي لعزيز أيضاً لن تخيب. لا بد أنه أيضاً يكن لك المشاعر وربما أبكر مما قد تظنين."
اقترحت أحلام على صديقتها إعداد عشاء رومانسي وجو مناسب للاعتراف لعزيز بمشاعرها وأن تبوح له دون التفكير المفرط بما سيكون ردّه حول الأمر.
رغم صعوبة الأمر عليها، إلا أن منى قررت الأخذ بنصيحة صديقتها ووصية والدها أيضاً، بما أن الحياة قد اختارت لها أخيراً هذا التوقيت لتلك المشاعر.
أنهت الفتاتان حديثهما وغادرت منى على توصيات صديقتها بأن تخبرها بكل جديد أولاً بأول.
عاد عزيز لمرافقة منى إلى المنزل، وحالما ولجت الفتاة إلى السيارة، لاحظت مجموعة من الهدايا المغلفة بين الكراسي الأمامية والخلفية للسيارة. فأحست بالغبطة وبصيص أمل بأن يكون هو أيضاً يبادلها الحب، وإلا فلم يتكبد عناء الهدايا ولم يهتم دائماً لأمرها ويفكر براحتها حتى بعد كل محاولاتها الاستفزازية لنبذه.
لم تنم منى تلك الليلة وهي تفكر بالطريقة المثالية لقول ذلك، وماذا ستعد على العشاء، وكيف ستزين المكان، وما عساها ترتدي.
في الغد، بعد أن أنهيا عملهما، عادت منى إلى المنزل مسرعة لإعداد العشاء مبكراً حتى تجد الوقت لتجهيز نفسها.
حين أصبح العشاء حاضراً، انتقلت الفتاة إلى غرفتها للاستحمام، ثم موّجت شعرها واختارت تطبيق إطلالة ناعمة بمساحيق التجميل لإبراز ملامحها، مع لون وردي على شفتيها يتماشى مع لون فستانها. ثم حملت حذاءها ذا الكعب العالي معها لارتدائه آخر وقت، واتجهت إلى الطاولة التي غيرت مكانها إلى الشرفة لتنصب عليها الطعام الذي أعدته.
كانت قد أنهت كل تحضيراتها حين سمعت صوت الباب يفتح معلناً عن عودة عزيز.
دخل عزيز المنزل ليجده محاطاً بالظلام، وظن أن منى قد خلدت إلى النوم، إلى أن قادته قدماه نحو بصيص الضوء المتراقص للشّموع التي احتلت مكاناً على طاولة العشاء.
بقي متجمداً مكانه ينظر بدهشة لمنى التي تقف بكل زينتها أمامه، تتفحصها عيناه بإعجاب كأنهما تريانها للمرة الأولى.
تقدم نحوها بخطوات بطيئة مترددة وعانقها دون أية مقدمات.
ظلا على ذلك الحال برهة من الزمن، ودت منى لو أنها كانت أطول، ثم جلس أمامها على الطاولة وقد تركها واقفة غير مدركة ما تفعل، وقال:
"ما هذا الجمال؟"
وقبل أن تخطئ فهمه، أضاف مفسراً:
"تبدو هذه الأطباق شهية للغاية. منذ متى تخفين هذه الموهبة؟"
لم تعلق الفتاة على تجاهله لها واكتفت بأن ابتسمت مجيبة:
"أردت أن ننعم بعشاء هادئ لمرة على الأقل."
ابتسم عزيز مضيفاً:
"هادئ؟ إذاً فقد بالغت قليلاً في التحضير، إذ لا تبدو كلمة هادئ منصفة لوصف كل هذه الأجواء."
احمر وجهها خجلاً وقالت مجيبة إياه:
"دعنا لا نصفها إذن، فلنتناول طعامنا في صمت."
لم يفهم عزيز، رغم محاولته استفزازها للبوح، سر هذا العشاء الرومانسي المفاجئ، غير أنه انصاع لرغبتها في الهدوء ولازم الصمت بينما يتناول عشائه، متعمقاً النظر إليها، تتشبث عيناه بعينيها كلما التقتا.
أنهيا طعامهما، ثم أضافت منى ممهدة:
"لم أستطع رغم كل هذا الوقت بيننا أن أفهمك، إلا أنني رغم كل تصرفاتي التي تدعوها بالصبيانية والتي قد تعطيك فهماً خاطئاً عما أكنه لك، أنا ممنونة كل الامتنان لوقوفك مع رغبة والدي أولاً ولمعاضدتي وحقيقة أنك صرت سندي بكل ما للكلمة من معنى من بعد والدي وطوال الفترة المنصرمة."
صمتت قليلاً تجمع كلماتها، بينما يكاد قلبها يخرج من بين ضلوعها من فرط توترها.
كان عزيز ينظر إليها في صمت يحاول استنتاج ما تريد إيصاله، لكن فترة صمتها طالت قليلاً، فقال مستفسراً:
"أنا حقاً لا أفهم ما الذي جعلك تتحدثين عن كل هذه الأمور فجأة. أتقولين أن هذا العشاء بمثابة تعويض؟ إن كان الأمر كذلك فأنا أريد أن أطلب تعويضاً أكبر."
فأجابت الفتاة ملقية برأسها نحو الأرض في صوت خفيض:
"لا، العشاء لم يكن التعويض، لقد كان طريقتي لوداعك."
اختفت البسمة التي كانت تعلو وجه الفتى وحلت محلها آثار الصدمة، بينما واصلت الفتاة حديثها:
"لقد عملت ما عليك على أحسن وجه وأنا لا أستطيع أن أطلب منك أن تفعل أكثر.
لقد أصبحت الآن مديرة أعمال بشهادتي، ومع القليل من الخبرة التي تعلمتها منك ومن والدي صرت قادرة على التعويل على نفسي من الآن فصاعداً. لا أستطيع أن أبقيك حبيساً لهذه العلاقة المزيفة وأحرمك إكمال حياتك أطول من هذا."
ظلت عينا عزيز تطالعانها في دهشة بينما أنهت جملتها:
"أريد أن نلغي هذه الزيجة التي لا أساس لها."
خلعت الفتاة حذاءها وحملته مغادرة، تاركة عزيز صامتاً في دهشة لا يدري ما يفعل.
كانت عيناها مغروقتين بالدموع وهي تهم بتغيير ملابسها، تنفض عنها عبراتها متذكرة التفاصيل التي قلبت يومها الرومانسي إلى يوم الفراق.
رواية زواج اشتراكي الفصل الثاني عشر 12 - بقلم هيام عمر
كانت بصدد ارتداء فستانها حين اتّصلت بها أحلام تخبرها أنّها قد صادفت عزيز بالخارج وقد كان يقوم بتفريغ بعض الهدايا المغلّفة من سيّارته الى سيّارة مساعدته.
كان وقع تلك المحادثة ثقيلا على قلب منى الذي انفطر بعد أن ظنّت أنّه يفكّر بها ويكنّ لها ما تكنّه هي.
علمت حينها أنّها قد أخطأت فهمه رغم القرب الذي ظنّته بينهما، ورغم حقيقة عيشهما تحت سقف واحد الّا أنّها كانت غير قادرة على اكتشاف أنّه على علاقة بأخرى وأنّه يكنّ لها المشاعر تلك التي ظنّت أنّ غيرتها فقط ما يجعل علاقتها به تبدو أقرب ممّا هي عليه.
حملت حقيبة صغيرة لها كانت قد حضّرتها بأهمّ مستحقّاتها بعد اتّصال صديقتها وغادرت المنزل نحو بيت أحلام حتّى لا تشغل بال والدتها في تلك السّاعة من اللّيل.
"حتّى ان لم يكن يحبّني، لم أتخيّل يوما أن يكون على علاقة بأخرى أو أن ينظر لها نظرة غير لائقة. ربّما لم يكن يعني له زواجنا شيئا لكن كان عليه على الأقل أن يحترمني ويلتزم بهذه العلاقة ما دام قد قبل بها."
قالت منى باكية لصديقتها بعد أن جلست تحادثها في بيتها.
"ولا أنا، لم أتصوّر شيئا كهذا مطلقا."
أجابت أحلام جالبة كأس ماء لرفيقتها ثمّ أضافت:
"هو الخاسر، من يفرّط في ياقوتة مثلك ليقتات من فتات الطريق، فلا بدّ أنّه أعمى البصيرة."
ثمّ عانقتها في صمت، تلك التي فقدت الحبّ بعد أن وجدته بعد طول انتظار، بعد طول خوف على قلبها من الخذلان، فقدته قبل حتّى أن تملكه.
في الغد، لم ترد منى أن تجعل حياتها الشّخصية تؤثّر على ارث والدها لذلك ذهبت الى الشّركة لتنهي ما عليها من عمل.
رغم أنّها حاولت جاهدة اقناع نفسها أنّها لا تودّ رؤية عزيز، الّا أنّها كانت تبحث عنه دون كلل بين الوجوه تحاول أن تجد خيطا يوصلها اليه، لكنّه لم يأتي ولا مساعدته فعلت.
ضحكت منى بمرارة وهمهمت في نفسها:
"عليه أن ينتظر طلاقنا أوّلا حتّى يأخذها بهذه السّرعة ليتزوّجا."
كان قلبها محطّما، حانقا لدرجة لم تر عذرا آخر لغيابهما معا غير هروبهما للزّواج.
أنهت عملها ثمّ عادت الى بيت صديقتها لأخذ حقيبتها والعودة الى بيت والدها.
فتحت لها أحلام طالبة منها الجلوس وانتظارها في غرفة الجلوس حتّى يشربا معا كوب قهوة ويدردشا قليلا قبل مغادرتها.
حين دخلت، وجدت منى عزيز جالسا على احدى المقاعد في انتظارها، بينما زيّنت طاولة الغرفة بزهور التّوليب البيضاء المحبّبة الى قلبها.
بقيت الفتاة مجمّدة في مكانها تودّ في داخلها لو أنّها قادرة على الاختفاء اذ لم تحضّر نفسها لمحادثته بعد حديثهما في اللّيلة الماضية.
وقف عزيز مبتسما وأخذ بيدها فاسحا لها المجال للجلوس بجانبه فانصاعت له كالمنوّمة متناسية غضبها وقد أثّر بها حبّه أكثر ممّا اعتقدت.
جلست الى جانبه تودّ لو أنّه يخبرها ولو كاذبا أنّ ما فهمته خاطئ وأنّه لها قلبا وقالبا، جلست ولو قال لها أكرهك لسمعتها أحبّك.
قال ولا زالت البسمة لم تغادر شفتيه:
"أهلا بك، أتيت الى هنا مبكّرا ظنّا منّي أنّك لن تذهبي الى العمل بعد ما حدث بيننا البارحة. يبدو أنّني أخطأت الحكم."
"أجل فعلت، وأظنّ أنّني أخطأت الحكم عليك أيضا."
أجابت منى مشيحه بوجهها عنه.
علا الحزن وجه عزيز بينما اختفت ابتسامته وقال مستسلما:
"حسنا، أنا مستعدّ للطّلاق."
ما ان سمعت جملته حتّى التفتت اليه من جديد وقد اتّسعت عيناها في دهشة وارتعشت أطرافها من وقع الكلمة على قلبها، لكنّه أكمل غير آبه لأثر كلامه عليها:
"بعد أن تفسّري لي أسبابك المنطقيّة التي جعلتك تطلبين ذلك دون لفّ أو دوران."
كان استفزازها طريقته المثلى لجعلها تقرّ بما تخفيه في صدرها.
هذه المرّة أيضا لم تخيّب آماله وقالت في تحدّ موضّحة له ما فاته:
"أعلم بما تكنّه لمساعدتك في الشّركة، والتي لم أستطع حتّى أن أحفظ اسمها الغريب أو حتّى أن أستسيغه، وأعلم أيضا أنّكما على علاقة ربّما من قبل حتّى أن أدخل حياتك. لا يهمّني كيف قبلت على نفسها ذلك أو كيف قبلت أنت أن تفعل ذلك رغم ما بسطته أمامك من حلول تخوّلك لرفضي. أنا فقط لا أريد أن أكون عقبة في طريقكما بعد الآن، لا أريد سوى ألّا تكون لكما السّلطة لإدماء قلبي أكثر من هذا. زواجنا مزيّف على كلّ حال لذلك لن يكون صعبا علينا الغاؤه."
سمعها عزيز بإنصات حتّى أكملت حديثها ثمّ أجاب وقد وقف هامّا بالرّحيل:
"حسنا، سآتي مساء لاصطحابك الى محامي العائلة لبدء إجراءات الطّلاق."
كبحت منى عبرتها السّاخنة حتّى خروجه ثمّ سمحت لجيش عبراتها بالنّزول.
كانت أحلام قد سمعت ما دار بينهما وحال مغادرة عزيز المنزل خرجت الى صديقتها لتهدئتها:
"تعجّلت في طلب الطّلاق كان عليك السّماع منه أوّلا."
قالت محاولة جعلها تعدل عن الأمر لكنّ كلماتها كانت كصفير بعيد لا يلامس قلبها الذي غمره الألم.
عادت الى بيت والدها رغم الحاح صديقتها بمرافقتها الّا أنّها رفضت ذلك حتّى لا تشكّ أمّها في زيارتها بما أنّها غير عازمة على اخبارها حتّى يبدآ في الإجراءات، فهي لا تريد لها أن تعارض قرارهما كما لا تريد كشف قصّة المساعدة أمامها.
مرّت السّاعات طويلة، تتأرجح فيها بين حزنها لمصاب قلبها واشتياقها لعزيز أو الصّورة التي رسمتها عنه والتي ربّما لن تكون قادرة على رؤيتها بعد الآن.
وها هو يتّصل بها أخيرا معلنا وصوله الى المنزل.
لم تستغرق الكثير من الوقت للخروج لمرافقته.
"يبدو أنّك لا تطيقين الانتظار للانفصال عنّي، فهذه المرّة الأولى التي تجهزين فيها بهذه السّرعة."
قال عزيز عند ركوبها السيّارة لكنّها لم تجب.
حلّ الصّمت بينهما، صمتا يترجم الهوّة التي خلقت في علاقتهما، واستمرّ الى أن ركن السيّارة على حافّة الطّريق بجانب الشاطئ.
"لم توقّفنا؟"
سألت منى فترجّل عزيز من السيّارة مشيرا لها باللّحاق به، وأخرج بساطا وسلّة كبيرة وبعض المعدّات ثمّ سار متوجّها نحو الشاطئ مجيبا سؤالها:
"لا بدّ لي من الإيفاء بدين العشاء الذي قمت بتحضيره بما أنّنا سنفترق بعد هذه اللّحظة."
فرش البساط ووضع عليه سلّة الطّعام ثمّ جلسا في صمت يتابعان حركات الموج يقترب منهما ثمّ يتراجع كأنّه يشاركهما التّردّد.
مدّ اليها زجاجة عصير صغيرة ثمّ قال مبدّدا غيمة الصّمت:
"تعلمين؟ ... لم أكن أتخيّل قط أنّ وداعك سيكون بهذه السّهولة، فقط ببضع كلمات بسيطة. ظللت أفكّر طويلا بكلّ ما قلته وكلّ ما سكتت أنا عنه، وكلّ ما طرق الى مخيّلتي هو زواجنا الاشتراكي."
تبسّم ابتسامة حزينة فقالت هي مستفسرة:
"وما علاقة الزّواج الاشتراكي بقصّتك مع مساعدتك الكريمة؟"
"زواجنا نحن، أنا وأنت، ولا دخل للمساعدة به. اعتقدت أنّه بما أنّك أنت من طلبت زواجا اشتراكيّا ستكونين على علم بالطّريقة المثلى للتّصرف في وضع كهذا، وأنّك ستلتزمين بمشاركتي همومك وشكوكك حول الأمر قبل أن تصدري حكمك بشأني وبشأن علاقتنا. لكن ربّما أنت أيضا لا تدركين حجم مفهوم الاشتراكيّة وربّما مازال لدى كلينا الكثير لاكتشافه حولها."
رفعت منى رأسها نحوه مسترجعة كلام صديقتها وواصل عزيز فضفضته:
"حين كنت تزوريننا مع السيّد أحمد ونحن صغار، كانت جدران بيتنا لا تسع سعادتي بك وابتسامتك المليئة بالبراءة والطّمأنينة. كبرت لكنّ ابتسامتك ضلّت تزرع السّعادة في قلبي، وكبرت أنا وظلّ حبّك ساكنا أضلع هذا القلب."
وضعت منى يدها على صدرها كأنّها تحاول تهدئة دقّات قلبها التي اشتدّت، وتشبّثت عيناها اللّتان تتلألآن دهشة بعينيه بينما أكمل هو شرحه:
"ربّما أصبحت تدركين أنّك كنت حبّ طفولتي، لكنّك لم تدركي بعد أنّني لم أتخلّ أبدا عن هذا الحبّ وأنّ زواجنا ربّما كان بوصاية والدك لكنّه كان اعترافا سريّا منّي بحبّي."
كانت منى لا تزال تضغط على صدرها حتّى لا يفلت قلبها من بين أضلعها حين قالت غير قادرة على تصديق أنّ نهاية قصّتها سعيدة كنهاية رواياتها المفضّلة:
"لكن... ماذا عن مساعدتك؟ وتلك الهدايا التي حملتها اليها؟ ما المكانة التي تشغلها تلك الفتاة في حياتك وفي قلبك؟"
"تملك هي أيضا مكانة في حياتي كما لك أنت بالطّبع، لكن ليس كما تظنّين. انّها مساعدتي وهي الصّفة الوحيدة التي تملكها."
أخرج ورقة من جيبه مدّها اليها ثمّ واصل حديثه:
"هذه وصيّة والدك لي، وهي السّبب الوحيد الذي يجعلني ألتقي مساعدتي خارج أوقات العمل."
حملت منى الورقة تتفحّصها ثمّ قالت في حيرة:
"وما علاقة والدي بتلك الشابّة؟"
ابتسم عزيز مجيبا:
"ليس له علاقة بمساعدتي. لقد تكفّل السيّد أحمد حين ولدتي برعاية فتاة صغيرة وكان دائما يرسل اليها بالمال الذي تحتاجه والهدايا في كلّ الأعياد، وحين وصلت حالته الى المراحل الأخيرة أوصاني بإكمال رعايتها الى أن تصبح قادرة على الاعتماد على نفسها."
"وما دخل المساعدة بكلّ هذا."
"لا تتسرّعي دعيني أكمل حديثي. لم أشأ أن أظلّ على اتّصال دائم بتلك الفتاة، لأنها في مثل سنّك تقريبًا، وخشيت أن يثير الأمر غيرتك أو حيرتك. كانت مساعدتي مجرّد وسيطة، توصّل لها ما تحتاجه وتخبرني عن أحوالها. أمّا عن تلك الهدايا، فقد وافق ذاك اليوم يوم عيد ميلادها."
انشرح وجه منى بينما لم تهدأ دقّات قلبها المضطربة بعد.
صمت عزيز لبرهة ثمّ قال بنفاذ صبر:
"لقد أنهيت حديثي ان كان لديك ما تقولينه."
لكنّها ارتمت في أحضانه ملتزمة الصّمت، فضمّها اليه بقوّة وقد سالت عبراتها سعادة هذه المرّة. كانت لاتزال متشبّثة به حين قال ضاحكا:
"أأعتبر حضنك هذا اعترافا بأنّك لم تنسي أيضا حبيب طفولتك؟"
ابتعدت منى مبتسمة في خجل:
"اعتبرها ردّ دين، تماما كما رددت أنت دين العشاء."
تعالت ضحكاتهما مفصحة عن فصل جديد لعلاقتهما فصلا سمح للبهجة والطّمأنينة بالولوج أخيرا الى قلبيهما.
فرشا الأكل الذي أحضره عزيز على البساط وجلسا يتناولان عشاءهما بينما يراقبان غروب الشّمس والتقاء حمرتها بزرقة البحر.
"أكنت تعلم الطّبخ كلّ هذه المدّة؟ لا يمكن أن يكون هذا الطّعام من الخارج انّه لذيذ حقّا."
سألت منى في صدمة بعد أن أكملت طعامها فضحك عزيز مجيبا:
"آه لقد نسيت، أمّي ستقوم بزيارتنا غدا لتطمئنّ عليك."
"لكن، لماذا؟ أنا بخير"
حكّ عزيز لحيته بقلق ثمّ أضاف ضاحكا:
"لقد أخبرتها أنّك مريضة حين طلبت منها اعداد الطّعام لنا."
رواية زواج اشتراكي الفصل الثالث عشر 13 - بقلم هيام عمر
بعد ثلاث سنوات، أيقظ صوت بكاء الرضيع المتواصل منى من نومها.
فتحت عينيها بصعوبة، متلمسة السرير بجانبها باحثة عن عزيز لإيقاظه.
"عزيز، عزيز."
"نعم." أجاب، محركاً فمه بصعوبة.
"ألا تسمع الطفل يبكي منذ مدة، قم هيّا، إنه دورك في الاعتناء بمعتز."
قام عزيز بتثاقل من السرير، عيناه نصف مغمضتين، واقترب من سرير الطفل الباكي ليحمله بين ذراعيه.
وحالما حمله وقرب إليه أنفه ليتفقده، حتى اشتم رائحة كريهة فأغلق أنفه متأففاً ثم قال في حنق: "لا تتذكر فعلتك إلا حين يكون والدك نائماً."
ضحكت منى بصوت خافت وهي تراقبه من بعيد، تضع وسادتها على وجهها لتكتم ضحكتها كي لا تثير غضبه أكثر.
تنهد عزيز وهو يحاول السيطرة على الموقف، ثم فتح حفاظة الطفل بحذر لتغييرها، بينما همهم بكلمات تملؤها الشكوى: "كان عليك الانتظار حتى الصباح على الأقل، والدك لم يهنأ بنومه منذ مدة طويلة."
ضحكت منى من شكواه وهي تنهض عن السرير، تلف نفسها بالشال كما توصيها والدتها دائماً، وقالت بنبرة هادئة: "لقد حل الصباح يا عزيز، انظر، لقد بزغ الفجر بالفعل."
ثم أضافت هامسة بالخروج: "سأعد القهوة، علّ رائحتها تنسيك رائحة الحفاظة."
في المطبخ، وضعت منى الماء يغلي لإعداد القهوة، ثم جلست في لحظة من السكون تتأمل من نافذة المطبخ السماء التي بدأت تفتح جفونها.
كم حملت سنواتها الأخيرة من تغييرات في حياتها، وكم تغيرت هي فيهن، من طفلة تثمن اختياراتها وتخاف المسؤولية، إلى هذه المرأة التي تنعكس صورتها على زجاج النافذة، المرأة التي تثمن اختيارات قلبها كما تستمع إلى حكمة عقلها، وتنظر إلى المسؤولية التي كانت يوماً تمثل عبئاً لها نظرة تشريف من أحبائها.
فاحت رائحة القهوة في أرجاء المطبخ، تضيف بهجة إلى المكان، فحملتها منى إلى الشرفة حيث كان عزيز في انتظارها، وقد وضع معتز في سريره المتنقل بين كرسيهما.
جلسا يترشفان قهوتهما، يتقاسمان البسكويت الذي أعدته أمها، قبل أن يقضيا معاً، من جديد، يوماً آخر في كنف زواجهما الاشتراكي.