على الرغم من أني كنت أموت وأراها حقيقيًا، وأموت وأضمها لقلبي، بس ما ينفعش. أنا مش ناسي إنها مشيت وسابتني، حتى لو سابتني بعد ما فقت. أنا مشوفتهاش يوم ما فقت. مكانتش أول حد عيني تقع عليه، مكانتش أول حد يمسك إيدي وأنا فايق. مش قادر أتخيل لو ما كنتش عرفت أوصلها كنت هعمل إيه. تكلمت تاني بخوف أشد: _يونس. رديت بجمود: = البسي هدومك ويلا عشان نمشي يا مي. عيطت بخوف: _يونس. زعقت: = أنا قولت البسي هدومك ويلا عشان نمشي يا مي.
_طيب.. طيب انت عرفت مكاني منين؟ = هو أنا هعيد كلامي كتير؟ تكلمت صاحبتها: _لو سمحت ممكن تهدي، انت مش شايف هي خايفة إزاي؟ اتفضل بس اقعد على ما تهدى. قعدت بعصبية وسكت. صاحبتها أخدتها في حضنها وهي قعدت تعيط بصوت عالي. مستحملتش عياطها، أو بصراحة مستحملتش إن فيه حد بيطبطب عليها غيري. مستحملتش إن فيه حد بيمسح على شعرها غيري، شعرها اللي أول مرة أشوفه، واللي اتفاجئت من جماله. مستحملتش حد بيضمها ويمسح دموعها غيري.
حاولت أتحكم في أعصابي وأتكلم بهدوء عشان ما تعيطش أكتر. _تعالي يا مي. صوتها هدي بس لسه دموعها بتنزل. بصت لفاطمة وبصتلي بخوف وسكتت. اتكلمت بتحذير: _قولت تعالي يا مي. جت قعدت جنبي وسكتت. مسكت إيديها عشان تبطل عياط وسكت. لحظة، اتنين، تلاتة.. وكانت مي بترمي نفسها في حضني وبتعيط. حقيقي كان نفسي أضمها بس مقدرتش. أنا زعلان منها جدًا. أنا لسه مش متخيل لو ما كنتش لقيتها كنت هعمل إيه.
لما ما ضمتهاش عيطت أكتر. فضلت شوية في حضني وبعدين بعدت. حاولت أنضف صوتي وأتكلم عشان ما آخدهاش في حضني فعلاً. _يلا يا مي عشان نمشي. ردت وهي بتعيط: = لا أنا مش همشي إلا لما تقولي عرفت مكاني إزاي. زعقت: _قولت يلا يا مي عشان ما أتعصبش. عيطت بصوت عالي وسكتت. ردت فاطمة: _طب ممكن طيب تريحها وتقولها عرفت إزاي؟ معلش. رديت بنفاذ صبر: = هووف، تمام. ردت وهي بتعيط: _متنفخش عشان حرام، الرسول عليه الصلاة والسلام نهى عن النفخ. حاولت
أمنع ابتسامتي وأنا برد: = تمام. اتكلمت فاطمة تاني: _ممكن لو سمحت تقول عرفت مكان مي منين بقا؟ رديت وأنا بتحاشى النظر ليها، عشان غض البصر أولاً وعشان اللي أنا عملته ثانيًا. = احم، هو أنا مبدئيًا عملت سيرش عن أكونت مي على الفيسبوك. ردت مي: _وإيه علاقة ده بده مش فاهمة. رديت ببرود:
= أنا لسه مخلصتش كلامي. عملت سيرش لحد ما وصلت للأكونت بتاعها على فيسبوك. وده طبعًا من الـ information اللي انتي حطاها. فوصلت للأكونت بتاعك ودخلت عليه والحمد لله ما كنتيش عاملاه lock. فدخلت على الـ friends بتوعك والحمد لله برضه ما كنتيش عملاهم lock. ودورت على اسم فاطمة لحد ما وصلت لفاطمة. مكتوب في الأكونت بتاعها إنها من 6 أكتوبر. فقولت إن دي فاطمة اللي حكتلي عنها. فاحم، يعني بصي يا آنسة فاطمة هو أنا كنت مضطر لكده والله.
ردت صاحبتها: _في إيه؟ = احم، هكرت الأكونت بتاعك عشان أوصل للرقم بتاعك ووصلتله. وروحت شركة اتصالات عرفت العنوان بتاعك لأنك مسجلة الخط ببطاقتك. فطبعًا عرفت العنوان وجيت. خلصت كلامي وببص عليهم لقيتهم متنحين ومحدش بيتكلم. مي بطلت عياط وسكتت وفاطمة فاتحة بوقها باندهاش لحد ما فاقت. فاطمة قالت: _يعني أنت اللي كنت السبب في مشكلة الفيسبوك اليومين اللي فاتوا؟
لعبت في شعري بإحراج وأنا ببتسم بخجل من اللي عملته عشان أوصل لست مي اللي مجنناني. = احم، أيوه. أنا حقيقي آسف بس ما كانش قدامي حل غير ده. ردت مي بعد ما فاقت من السرحان اللي كانت فيه: _وأنت عرفت منين إني هبقى عند فاطمة؟ رديت وأنا بتحاشى النظر ليها كرسالة مني ليها إني زعلان. = يوم ما النور قطع إنتي قولتي إنها أقرب حد ليكي وأنا عارف إنك مش هتروحي لأهلك. فعملت كده. ردت بعد ما رجعت لسرحانها تاني: _اهااا. رديت بتحذير:
= طب مش يلا بينا بقا ولا إيه؟ _تمام. قامت تجهز شنطتها وصاحبتها قامت معاها. دخلو الأوضة وفضلوا يتكلموا على أساس إن صوتهم واطي وكده، بس أنا كنت سامع كل حاجة أصلًا. اتكلمت مي بفرحة باينة في صوتها اللي وحشني: _ده برا يا فاطمة، يونس برا بجد. ردت عليها: = أيوه يا قلب فاطمة برا بجد. عيطت: _بس ده زعلان مني، زعلان مني أوي. = حقه يا مي. خلينا نتفق إنه حقه إنه يزعل، وإنتي واجبك إنك ترضيه. _هيحصل، هيحصل إن شاء الله.
= أيوه هي دي ميوشا العسل. شويه وخلصوا وطلعنا. أخدت منها شنطة هدومها عشان أشيلها. _سيبها عشان دراعك. = ملكيش دعوة بدراعي، هاتي الشنطة. أدتهالي بزعل بعد ردي عليها وسلمت على صاحبتها ومشينا. نزلنا تحت ووقفت. وأنا معرفش وقفت ليه. _أنتِ وقفتي ليه؟ = هنستنى تاكسي. _ونستنى تاكسي ليه إن شاء الله؟ = مش أنت عربيتك اتفرمتت من الحادثة؟ _آه، مانا جبت غيرها حضرتك. اتفضلي قدامك أهي. = اشتريتها إمتى؟ _بعد ما فقت بأسبوع.
ركبت العربية وهي منبهرة تقريبًا ومش عارف من إيه. طول الطريق مش بتكلم ولا ببص ناحيتها أصلًا، بس واخد بالي منها وهي بتسرق نظرات ليا كل فترة وفترة. لحد ما كسرت الصمت واتكلمت. همست: _يونس. = هممم. اتكلمت برجاء: _يونس بصلي. رديت ببرود وأنا لسه باصص للطريق قدامي: = يعني أبص لك ولا أبص للطريق؟ ردت بعصبية وهي على وشك إنها تبكي: _لا بصلي أنا يا يونس، بصلي أنا. مردتش وفضلت باصص قدامي من غير ما أتكلم.
لقيتها مسكت إيدي اللي ماسك بيها الدريكسيون وبتعيط. لحظة واحدة وكنا هنعمل حادثة. ركنت على جنب وزعقت لها: _أنتِ اتجننتي؟ ردت بعياط وخوف: = ما أنا قولتلك بصلي وانت اللي مبصتليش. رديت بنفاذ صبر: _بصيت لك، ها؟ خير، عايزة إيه؟ عيطت: = هو أنت زعلان مني؟ رديت بعصبية مبررة: _لا خالص، هازعل منك ليه؟
كل الحكاية إنك هربتي وسبتيني، خبّيتي عليا وأنا اللي طلبت منك ما تخبيش عليا حاجة. مشيتي كأني مش هجيب لك حقك. أنا إمتى مجبتلكيش حقك قوليلي؟ سبتيني أسبوعين، عيشتيني في وجع أسبوعين كاملين إني ما أتحبش. أسبوعين كاملين موجوع بسببك وعليكي، موجوع عشان مشيتي وموجوع عشان كلام أمي ليكي. أسبوعين عايش في رعب، يا ترى إنتي كويسة ولا لأ؟ طب يا ترى إنتي فين؟ حد مزعلك طيب؟ طب بتعيطي ولا لأ؟ طب وحشتك طيب ولا لأ؟
أسبوعين كاملين مش بنام ساعتين على بعض بسبب خوفي وقلقي عليكي. وجاية تقولي زعلان منك؟ لا يا مي هانم مش زعلان منك ولا أي حاجة. بقولك يا مي، أنا فعلاً مش عايز أتكلم عشان ما أزعلكيش مني. أنا سبحان من سبّتني عليكي لحد دلوقتي. عيطت بعنف: = أنا آسفة. رديت وأنا برجع أسوق تاني عشان نروح عشان محتاج أنام فعلاً. أنا اتطمنت عليها خلاص فمحتاج أنام جدًا. = واسفك مش مقبول، وياريت نسكت بقا.
مردتش وفضلت طول الطريق تعيط، باصة للشوارع وبتعيط بس. لوهلة كنت هضمها لحضني زي العادة بس لأ. لازم تعرف إنها غلطت.
وصلنا بيت غير البيت اللي كنا عايشين فيه. مانا مش هسيبها مع أمي تجرح فيها تاني. مهما كان زعلي أو وجعي منها فهي مراتي. كرامتها من كرامتي ووجعها من وجعي. وأنا كمان بحبها. لا أنا عديت فيها مرحلة الحب. يعني الوجع، الضعف. أنا عارف إن مي مشيت عشان ما يحصلش مشاكل بيني وبين أمي، بس برضه كانت تعرفني وتشوفني هتصرف إزاي. مش تسبني من غير حتى ما تقولي. مي مدتنيش حتى حق الاختيار بينها وبين أمي. لا هي أجبرتني على اختيار واحد، اختيار مش هيريح حد فينا. فكان لازم ده يكون ردي معاها.
على ما وصلنا كانت نامت من كتر العياط ومن إرهاق الطريق. مرضتش أصحّيها. حليت الحامل بتاع دراعي من على كتفي عشان أشيلها. كده كده هو متجبس فمش هيفرق لو شلته شوية. فضلت أبصلها شوية وأنا مش مصدق إنها معايا دلوقتي. مش مصدق إنها جنبي. حتى لو زعلان منها المهم إنها جنبي. بشم ريحتها وبتنفس تحت سقف واحد. نزلت من العربية ولفيت عشان أشيلها. رفعتها على دراعي وقفلت باب العربية برجلي وطلعت.
وأنا بحاول أفتح باب الأصنصير صحيت. شوية وأخدت بالها من الوضع اللي إحنا فيه. أو اللي هي فيه بمعنى أصح. ردت بلهفة ممزوجة بخجل محبب: _يونس، نزلني عشان دراعك. = هششششش، نامي. رديت بحنية ظهرت ليها غصب عني في عيني اللي بتبصلها وهي مكسوفة وأنا شايلها. وفي إيدي اللي ضمتها لحضني أكتر. سندت رأسها على كتفي بين تجويف رقبتي وسكتت.
طلعنا الشقة اللي اشتريتها عشان نقعد فيها. نزلتها قدام الباب عشان أفتح. دخلنا وأنا ساكت من غير ما أتكلم معاها. اتكلمت بهمس: _يونس. بصتلها من غير ما أرد. اتكلمت: = هو إحنا فين؟ _ف شقتنا. = ط.. طب والشقة التانية؟ رديت بحزم: = إحنا ما عندناش غير الشقة دي. أي شقق تانية ما نعرفهاش. يلا عشان ننام. = طب وفين أوضتي؟ _أعتقد إن الشقة زي ما إنتِ شايفة واسعة. يمكن أوسع من التانية كمان. فالأوضة اللي تعجبك نامي فيها. ردت بحزن:
= طيب. دخلت أوضتها وأنا طلعت أوضتي واللي قعدت فيها من ساعة ما خرجت من المستشفى. لوهلة كان هاين عليا آخدها في حضني الليلة دي وننام، بس لأ. لازم أثبت على موقفي. لازم. صليت الأوقات اللي كانت ضاعت مني في طريق السفر وصليت القيام ونمت. صحيت الفجر زي ما اتعودت خلال الفترة اللي فاتت. قمت عشان أصحّيها قبل ما أصلي. لقيتها لسه فاتحة باب أوضتها وخارجة. باين على عينيها البكا كأنها ما نامتش وفضلت طول الليل تبكي.
دخلت أوضتي اتوضيت ولسه هنوي الصلاة وأصلي لقيتها بتخبط. _ادخلي. اتكلمت وهي موطية رأسها بحزن: = هو أنت مش هتصلي بيا؟ لوهلة كنت هرفض بس مقدرتش آخذلها. مقدرتش آخذل عينيها اللي فيهم رجاء إني ما أرفضش. مش لازم أرفض. وعينيها دول حبايبي. = لو اتوضيتي يلا. صلينا وخلصنا صلاة وكل واحد فضل يقول الأذكار بتاعته. قبل ما أقوم أتعادل على السرير عشان أنام لقيتها بتتكلم بهمس: _يونس. = نعم. اتكلمت بخجل ودموع: = هو أنا ينفع أنام معاك؟
أنا مش بعرف أنام في مكان غريب عني ومش عارفة أنام. بص هنام معاك ومتكلمنيش لو مش عايز، أو بص هنام معاك ولو ضايقتك أبقى انقلني أوضتي. بس... أنا والله مش عارفة أنام. أنا خايفة أنام لوحدي في الأوضة دي. بص... خلاص خلاص.. أنا هقوم أنام في أوضتي. قبل ما تتحرك وتمشي كنت شديتها نيمتها في حضني. شوفتوني وأنا ثابت على موقفي. ده بقا موقف تكاتك والله. بس مش مهم. أهم حاجة ست مي تنام وهي مستريحة.
ضمتها لقلبي وهي حاوطت خصري وحطت راسها على صدري ونامت. نامت وأنا اتطمنت. صحيت تاني يوم قبلها بشوية. كانت الساعة 11 تقريبًا. قمت عشان أصلي الضحى واللي عرفت أهميته منها لما
قالتلي على الحديث اللي هو: "يُصْبِحُ عَلى كُلِّ سُلامَى مِنْ أَحدِكُمْ صَدَقةٌ: فكُلُّ تَسْبِيحةٍ صدقَةٌ، وكُلُّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ، وكُلُّ تَكْبِيرةٍ صدقَةٌ، وَأَمْرٌ بِالمعْرُوفِ صَدقَةٌ، وَنَهْيٌ عَنِ المُنكَرِ صدقَةٌ. وَيُجْزِيءُ مِنْ ذلكَ ركْعتَانِ يَرْكَعُهُما منَ الضُّحَى".
صليت وبعدها بشوية قامت هي. وصلت وقعدنا. فضلت طول اليوم في الأوضة تقريبًا. وقت الصلاة تيجي عشان أصلي بيها. وقت الأكل تيجي عشان تناديني آكل. منكرش إنها بتحاول تكلمني بس أنا مش بتكلم. عدى كذا يوم على نفس المنوال. اللي بيحصل النهاردة زي اللي بيحصل بكرة زي اللي حصل امبارح. لحد ما في يوم كنا قاعدين بالليل بنتفرج على كرتون لأن الأفلام حرام زي ما عرفت. قاعدين مع بعض بس كل واحد قاعد في دنيا تانية.
لحد ما الجرس رن. فقمت عشان أشوف مين قبل ما تقوم هي. _أنتِ راحة فين؟ = هشوف مين ع الباب. _ده أساس إنك مش قاعدة معايا. سبتها وقمت أشوف مين واتفاجئت لما لقيت أهلها. معرفش حقيقي عرفوا العنوان منين بس تقريبًا من والدي. هو الوحيد اللي عارف المكان وهو الوحيد اللي قولته. هو وأدهم. حاولت ألغي سرحاني عشان أرحب بيهم. كان موجود والدها والدتها بس. _اتفضلوا اتفضلوا. رد والدها: "ربناا يزيد فضلك ي بني".
دخلو وقعدوا وقمت عشان أنادي على مي. دخلت أوضتها. _مي. التفتتلي: = نعم. _أهلك بره. ردت بفرحة: = نعم! بتتكلم بجد والله؟ _آه والله. طلعت تجري وقبل ما تخرج كنت مسكت إيديها. _أنتِ راحة فين؟ ردت بعدم فهم: = خارجة. _هتخرجي كده؟ ردت بعدم فهم: = كده إزاي يعني مش فاهمة؟ _شعرك باين يا هانم. استوعبت إنها واقفة قدامي بشعرها فدخلت تجري وقبل ما تلبس الطرحة بصتلي تاني. = لحظة بس، هو فيها إيه؟ دول أهلي. _البسي طرحة وتعالي يا مي.
وسبتها ومشيت. شوية وخرجت. سلمت عليهم بس سلامهم كان بارد، مفهوش لهفة. حضنهم مفيهوش دفء. حسيتها اتكسرت تاني بسلامهم ده. جت قعدت جنبي فمسكت إيديها عشان أطمنها. أعرفها إني جنبها ومعاها. بصتلي بامتنان وابتسامة هادية وسكتنا. بعد ما فضلوا يتكلموا شوية ويسألوا عن دراعي واللي حاصل له. لقينا مامتها بتقول: "طبعًا مي تعباك وقرفاك في عيشتك، أصلها كانت عاملة فينا كده".
خلصت كلامها وضحكت. بعد ما مي كانت باصة في الأرض سرحان لقيتها رفعت رأسها بصدمة وفي لحظة عينيها اتملت دموع وبصتلي. قربت منها وأخدتها في حضني وبوست إيدها وراسها وأنا برد على مامتها:
_لا أكيد حضرتك اللي ما كنتيش حاسة بالنعمة اللي في إيدك، وإلا ما كنتيش قولتي كده. أنا الحمد لله ربنا أنعم عليا ببنت حضرتك. ولو قولت كل كلام الدنيا الحلو فهو شوية قدام مي. أنا معرفتش إن ربنا بيحبني إلا لما هداني مي. مي اللي أصبحت وطن بالنسبالي. دي أحلى حاجة في حياتي وفي الدنيا كلها. ربنا يديمها نعمة لقلبي وروحي يا رب.
خلصت كلامي وأنا ببوس إيدها وراسها تاني وبعدين بصيت في عينيها. كانت بتدمع برضه بس دموع فرحة وامتنان وفي نفس الوقت حزن من كلام والدتها. شويه وأهلها مشيوا وهي دخلت أوضتها. سبتها شوية ودخلت عشان أطمن عليها وأنا عامل حسابي إني هتحجج بإن بناديها لقيام الليل. لقيتها بتعيط، لا دي تقريبًا خلصت مخزون دموعها كله. بدون كلام كنت بحضنها، وبدون كلام كانت بتمسك في التيشرت بتاعي وتشُد على حضني. _شششششش، اهدي، أنا جنبك.
فضلت فترة أهدي فيها لحد ما هديت. صلينا القيام، وأخدتها في حضني بصمت ونمنا. صحينا كذلك الفجر صلينا ونمنا. قبل ما أمشي ع الجامعة لأن إجازتي خلصت كانت واقفة كده بلبسها عشان هتيجي معايا. _أنتِ راحة الكلية؟ = أيوه. _طب يلا. ركبنا العربية ووصلنا. أنا روحت مكتبي وهي راحت محاضرتها.
الظهر أذن وأنا في السكشن فصلته وخرجت بالطلبة عشان نروح نصلي في مسجد الجامعة. وأنا ماشي لقيتها مقبلاني راحة تصلي. بصتلي بفخر وفرحة ومشيت راحت تصلي هي كمان. وأنا في آخر سكشن وبعد ما خلصت شرح فيه بنات كانت عايزة تسأل. فبنت اتكلمت بدلع: "أقسم بالله لو مي شافتها لتنفخها... لو سمحت يا دكتور يونس، أنا إيه فهم الحتة دي؟ وكانت أفكاري اتجسدت قدامي. لقيت مي بترد قبل ما أفكر أرد عليها وهي بتبصلها بـ "ارف" وعينيها بتطق شرار:
= ما انتي لو اتعدلتي يا أختي وظبطي نفسك كده هتفهميها. * أنتِ مين وإزاي تتكلميني كده؟ = أنا مين؟ أنا مرات دكتور يونس اللي حضرتك بتدلعيه وإنتي واقفة قدامه كأنه ابن خالتك. بكلمك كده ليه؟ لأن اللي زيك مبكلموش إلا كده. أقول لك اتفضلي برا السكشن. السكاشن للي عايزين يفهموا بس. والواضح إن حضرتك مش منهم. لقيت البنت بتبصلي وهي بتقول: * يا دكتور دي بتطردني. _زي ما بشمهندسة مي قالت اعملي. البنت خرجت ولقيت مي
بصت للي موجودين وهي بتقول: _اعذروني يا شباب لو كنت اتدخلت بس حقيقي الناس اللي بتتكلم بالطريقة دي بتنرفزني، خاصة إننا المفروض نغض بصرنا عن الأجانب والكلام للبنات والشباب طبعًا. والآنسة مكنتش بتغض بصرها. وده جوزي يا جماعة والله. لقيت السكشن اتقلب. الشباب بتضحك وبتبصلي بخبث، خاصة إني مصاحبهم مش بعاملهم كأني طالب ودكتور. والبنات في اللي ضحك وفي اللي مؤيد مي في كلامها وفي اللي بيبصلها بحقد. اتكلمت:
_طب يا شباب بما إن السكشن خلص تقدروا تتفضلوا. لقيت الشباب بتقرب مني وهي بتضحك واللي بيقول "الله يسهله" واللي بيبصلي بخبث بس واللي بيقول "لعبة معاك". -20 درجة لكل واحد فيكم يا فاشل منك له. * خلاص يا عم متبقاش قفوش كده الله. _برا يا فاشل أنت وهو. * خارجين يا دكتور خارجين. السكشن كله خرج واتفضل أنا وهي. اتكلمت ببرود: _خير يا مي، فيه إيه؟ اتكلمت وهي بتقرب عليا وبتزعق وعينيها بتخرج شرار:
= البت دي كانت بتتكلم كده ليه يا يونس؟ _وأنا ههتم بكل واحدة بتتكلم إزاي ليه؟ = يونس. غيرتها اللي باينة في عينيها وكلامها دوبتني، خلتني من غير ما أحس أرد عليها: _قلبه وعيونه وروحه. ردت بارتباك بعد ما اتصدمت تقريبًا من ردي: = عايزة أتكلم معاك. _طب تعالي نتكلم في المكتب. مسكت إيديها وخرجنا من المدرج عشان نروح المكتب بتاعي. دخلت وقفلت الباب وروحت قعدت على المكتب وأنا بتكلم: _هممم، اتفضلي.
= كنت عايزة أشكرك على اللي عملته امبارح قدام أهلي. أنا... قبل ما تخلص كلامي كنت قاطعتها: _إنتي مراتي يا مي، يعني كرامتك من كرامتي واللي يزعلك يزعلني. مهما كنت زعلان منك فأنتي مراتي وأنا مازلت بحبك و... = وأنا بحبك. قالت كده بعد ما قطعتني وهي بتقرب عليا. قالت كده وأنا وقفت بفرحة من المفاجأة، من كلمة خلت نبضات قلبي تتسابق بعنف، خلتني عايز أحضن قلبها وروحها. كملت بحب باين في عينيها وهي مازلت بتقرب مني بهدوء:
= أنا بحبك، بحبك جدًا. إنت كنت عوض ربنا ليا عن أي وجع شفته. إنت الأمان اللي عمري ما حسيته غير معاك يا يونس. حضنك اللي مش بحس بالأمان غير وأنا جواه. غير وأنا سامعة نبضات قلبك تحت ودني. إنت وطني يا يونس. إنت سندي وأماني. إنت نور عيوني يا يونس. إنت دنيتي كلها. إنت الجبر اللي فضلت أطلبه من ربنا. إنت فرحة سنين عمري يا يونس. خلصت كلامها وكانت وصلتلي وأنا واقف قدامها من الصدمة والفرحة. ابتسمت وهي بتقول:
_عارف ليك عندي كام وحشتني حسيتها ومقولتهاش؟ = وإنتي عارفة ليكي عندي كام حضن تمنيته وما طولتوش؟ ردت وهي بتدخل نفسها جوه حضني وبتغمض عينيها براحة وهي مبتسمة بفرحة: _لا مش عارفة، عرفني. رديت وأنا بضمها لقلبي بعد ما دابت رأسها استقرت على مكان قلبي بالظبط، وبشد على حضنها أكتر: = عينيا. _يونس. رديت وأنا مغمض ومبتسم، مستمتع بكل اللي بيحصل، مش مصدق إنه حصل أصلًا: = هممم. _أنت كنت هتنتقم إزاي بعد ما تتجوزني زي ما قولت؟
رديت وأنا ببتسم على الأيام دي وبحمد ربنا على اللي خلاني أوصلها وأشوف الفرحة دي: = كنت هخليكي تحبيني. ردت وهي بتضحك وبتلف إيديها حوالين خصري أكتر وبتحرك راسها على صدري باستمتاع: _طب ما أنا بحبك، بحبك قوي يا يونس. = وأنا بحبك أكتر يا قلب يونس. *******************
عدت سنة، سنة من يوم ما الدنيا صفت بينا. سنة مشوفتش في حلاوتها. سنة ربنا كان شايل لي فرحة مع مي عمري ما شفتها. سنة كانت مي هي السكر اللي محلي مر الأيام. سنة كنت قربت من ربنا أكتر وهي دائمًا ماسكة في إيدي. لو حصلي فتور تشدني وتفوقني. بعد كل فتور كنت برجع أقرب أكتر بسببها. سنة كانت معايا يوم بيوم وأنا بحضر الدكتوراه. سنة كانت بتشد إيدي وتقومني غصب لو مقدرتش أقوم أصلي الفجر. سنة كنت بشيلها وأوضيها لما كانت مش بتقدر تقوم
تصلي الفجر أو القيام لما كانت حامل. حامل في بنتنا. واللي خلت أمي تصفي لمي. واللي برضه مخلتنيش أرجع في كلامي وأرجع البيت تاني. فضلت في بيتنا، مكان بدايتنا. ومع ذلك كنت كل يوم مع أهلي، وكل جمعة نتجمع كلنا. سنة كانت أحلى سنة في عمري. مقدرش أقول مكنش بيحصل بينا مشاكل. طبيعي يحصل. مشاكلنا كانت تافهة. بس مفيش يوم ولا حتى ساعة عدت واحنا شايلين من بعض. مفيش ساعة عدت واحنا زعلانين. محدش فينا كان بيهون على التاني.
مي جميلة. جميلة جدًا ولطيفة. جميلة شكلاً وروحًا وقلبًا وملامح. وده اللي خلاني أحقق لها حلمها. لبست النقاب. وختمنا القرآن أنا وهي سوا. فوقت من سرحاني في المكتب لما اكتشفت إنها وحشتني. كالعادة وحشتني. وكالعادة جريت ركبت عربيتي وروحت. وأنا مشغل فارس عباد اللي حببتني في صوته هو ومشاري العفاسي. وصلت البيت. وصلت الوطن. بس لسه موصلتش لحضن الوطن. حضن مي.
دخلت لقيتها بتنيم قدس، بنتنا. واللي طبيعي أحبها عشان هي بنتي. بس أنا بموت فيها عشان هي شبه مي. _ميوش. ردت وهي بتبتسم بفرحة كل ما تشوفني راجع من الشغل مع جريها على حضني. عمره ما بطلت تجري على حضني كل ما أكون خارج وراجع. ولو حتى خارج للسوبر ماركت اللي على أول الشارع. زي ما عمري نسيت إني أحضنها وأبوس إيديها وراسها وأنا خارج أو وأنا راجع. = يا قلب ميوش. رديت وأنا بضمها لقلبي وببوس راسها وهي ضامة قدس: _وحشتيني.
ردت الرد اللي عمره ما اتغير على مر الأيام: = لا أوحش الله لك قلباً ولا قبراً. وأنت وحشتني أكتر يا نور عيني. رديت وأنا بضمهم أكتر لقلبي وبغمض عيني براحة مش بتتواجد إلا وهي في حضني: _جميلة الدنيا وأنا جنبك يا أطيب ركن في الزحمة.. 💜 ردت كالعادة وهي بتشد على حضني أكتر، وبتتبسم أكتر وأكتر: = جميلة الدنيا وأنا في حضنك يا آمن ركن في الزحمة.. 💜 "وبعد التوهة والحيرة تقابل حد يكون لك عوض كافي عن مر الأيام.. 💜 "
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!