تحميل رواية «زواج بالقوة» PDF
بقلم زهراء السعيد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
لا مش هقع على حاجة يا عمي، أنا مش بحب ابنك، افهم بقى. خالد بغضب: هتتجوزي حمزة يعني هتتجوزي حمزة، انتي فاهمة؟ لا مش هتجوز ابنك ده، بتاع بنات وزعيم عصابة. حمزة ببرود: خالص، امضي يلا عشان أنا مش فاضي للكلام ده. فريدة بغضب شديد: انت ياض، أنا مش ناقصاك، اطلع من دماغي. بص بص يا عمي، جواز مش هتجوز، واللي عندك اعمله. خالد بغضب: يعني انتي مش خايفة مني ولا من حمزة؟ فريدة ببرود: طز فيك انت وحمزة بتاعك ده، أنا فريدة محمد النمر، مش بخاف من حاجة. حمزة بغضب: انتي عارفة انتي قولتي إيه دلوقتي؟ فريدة ببرود: آه بق...
رواية زواج بالقوة الفصل الحادي عشر 11 - بقلم زهراء السعيد
كانت قد شارفت على الانتهاء من معظم الاستشارات التى جاءتها بها النساء بعد طول غياب وما ان همت بغلق باب غرفة الكشف حتى تناهى لمسامعها جدلا دائرا بالقرب من الباب الخارجى .. طلت برأسها فى اتجاه اللغط الدائرهناك لتلمح امرأتين و بجوارهما رجل يجادلها في عصبية و ضيق وما ان همت بالخروج اليهم حتى كانوا هم الأسبق وتوجهت النساء باتجاهها وبجوارهن فتاة صغيرة لم تتعد الحادية عشرة من عمرها ..
ألقين السلام فى اضطراب فردت دلال السلام و سمحت لهن بالدخول .. كان الرجل لايزل بالخارج ينتظرهما بفارغ الصبر ..
جلست النساء وقد بدأن في التخفف من حمل برداتهن القاتمة لتهتف اكبرهن سنا بلهجة متسلطة امرة :- مش انتِ الداكتورة اللي چت من مصر !؟.. لم تنتظر جوابا بل استطردت بنفس اللهجة .. عايزينك تطهريلنا البت دي ..
اشارت للفتاة الصغيرة الضئيلة الجسد والضعيفة البنية التي كانت تجلس منكمشة بالقرب من المرأة الاخرى التي كان يبدو عليها الاستكانة و الاستسلام حتى انها لم تنطق حرفا ..
نظرت دلال في صدمة للمرأة المتعالية اللهجة هاتفة في ذعر :- ختااان !؟.. بس البنت ضعيفة وممكن متستحملش وبعدين لازم يبقى في ضرورة طبية لعملية ذي دي .. لان ممكن ضررها يبقى اكبر من نفعها ..
هتفت المرأة من جديد :- بجلك ايه يا داكتورة !؟.. هاتعمليها ولاااه نروحوا لحد غيرك .. اى داية تعملها و نخلصوا..
ونظرت للمرأة المستسلمة والتي كان يبدو انها ام تلك الفتاة الصغيرة هاتفة في حنق :- اني عارفة ايه كان لزمته وچع الجلب دِه !؟.. جال دكاترة و معرفش ايه !؟.. ما كانت ام حبشي الداية خلصتنا ف ساعتها ..جلع ماسخ..
كظمت دلال غيظها رأفة بالفتاة الصغيرة وحتى يتسنى لها فحصها فهتفت بهن مؤكدة :- متقلقوش انا هعمل اللازم ..
و امسكت دلال بكف الصغيرة التي تشبثت بذراع امها التي همهمت في محاولة لطمأنة ابنتها :- روحي معاها يا بتي .. روحي متخافيشي ..
تحركت الفتاة في طاعة خلف ستار الفحص وما ان اصبحت دلال معها بمفردها حتى همست وهى تربت على كتفها في حنو :- متخافيش .. مفيش حاجة هتأذيكي .. انا مش ممكن اخليهم يضروكي ابدا ..
ابتسمت الفتاة السمراء الصغيرة في راحة واستكانت ملامح وجهها للمرة الاولى منذ وصولها .. لم يكن من السهل على دلال ادراك عدم حاجة الفتاة لمثل تلك الجراحة العقيمة لكن كان عليها ان تثبت ذلك لأهل الفتاة انقاذا لها ..
خرجت دلال من خلف ستار الفحص هاتفة فى تأكيد :- البنت مش محتاجة لعملية ذي دي .. البنت ممكن اصلا متستحملهاش .. دى ضعيفة قووى ..
هتفت المرأة المتسلطة عالية الصوت بغضب في ام الفتاة :- اني جلت بلاها دكاترة .. والمحروس ولدي عام على عومك .. أدي اللي خدناه من شورتك .. نسوان عايزة الحرج ..
هتفت دلال بحنق بالغ لم تستطع التحكم به اوالسيطرة عليه :- بقولك البنت ضعيفة .. واللي هتعملوه ف حق البنت جريمة .. و انا مش هسكت وهبلغ عنكم البوليس لو حد قرب للبنت او ضرها ..
انتفضت المرة السليطة اللسان من مكانها هاتفة متجاهلة الرد على دلال بل وجهت كلامها لزوجة ولدها :- أدي اخرتها يا معدولة .. وادي اخرة اللي يمشى ورا شورة الحريم .. جومي ياللاه بينا جامت جيامتك ..
نظرت المرأة المستكينة الى دلال نظرة تحمل كم لا بأس به من الوجع وكم مساوٍ من الاعتذارعلى اسلوب حماتها الفظ وهتفت تستدعى ابنتها من خلف ستار الفحص الذي كانت تختبئ الفتاة خلفه متحاشية ثورة جدتها :- ياللاه يا براءة..
تحركت الفتاة من خلف الستار لتسير في اتجاه امها مغلوبة على امرها و تطلعت الى دلال فى نظرة تحمل الكثير من القهر ونداء موجع يستغيث بها حتى تنقذها من براثن عادات بالية يجرمها العالم ..
هتفت دلال للفتاة ف حنو :- اسمك براءة !!.. الله .. اسمك جميل قووى..
ابتسمت الفتاة في رقة وهى تطأطئ رأسها بحياء .. وضعت كفها بكف امها وسارتا خلف المرأة الأكبر سنا والتي اندفعت خارج حجرة الكشف دون حتى إلقاء التحية ..
نظرت دلال فى اتجاهه البوابة لتجد المرأة العجوز تلك تتشاجر فى غضب مع ولدها .. لم يكن يصلها ما يقولونه و لكن لم يكن من الصعب عليها استنتاج فحواه .. تجاهلتهما دلال تماما وعيناها مسلطة على الفتاة الصغيرة التي أدارت وجهها فى اتجاه موضع وقوفها و اشارت اليها مودعة من طرف خفي حتى لا يلحظها احدهم ..
ابتسمت دلال فى سعادة وهى تلوح للفتاة محاولة بدورها ان لا يلمحها احد من اهلها والتي اصبحت منذ اللحظة عدوتهم اللدود .. و خاصة تلك العجوز الجبارة التي تتعامل كانها الحاكم بأمره..
**********************
تنحنحت وهى تطرق باب غرفته داخل نقطة الشرطة التي يشرف على تحقيق الأمن داخل النعمانية من خلالها .. هتف شريف من الداخل معتقدا انه عسكري الخدمة الخاص به:- اتفضل .. من امتى الادب ده ياخويا !؟..
كان مندمج في تجميع بعض الاوراق والملفات الهامة من فوق مكتبه وهتف دون ان يلتفت للقادم يستوضح شخصه :- نعم !؟.. عايز ايه يا عملي الأسود ..!؟..
كان يقصد شاويشه الذي دوما ما يواتيه بالأخبار المشؤومة ولم ينتبه الى القادم الا عندما علت قهقهاتها رغما عنها مما جعله ينتفض مستديرا وما ان تنبه لوجودها حتى ابتسم متحنحا في احراج :- اهلًا يا دكتورة .. اتفضلي ..
هتفت دلال والابتسامة لا تزل مرسومة على محياها :- واضح انك مشغول وانا مش هعطلك ..
هتف شريف وهو لايزل يجمع الأوراق على عجالة :- لا مش حكاية شغل يا دكتورة لانك اكيد جاية هنا عشان شغل .. بس اصل انا نازل اجازة حالا دلوقتي ..
هتفت فى قلق :- طب نازل اجازة يبقى مبسوط وانا شايفة غير كده..
هتف شريف بنبرة صوت مضطربة:- صح .. اصل خالتي بلغتنى ان امي تعبانة وفي المستشفى ..
شهقت متعاطفة :- الف سلامة عليها .. خير مالها !؟..
هتف شريف :- ابدا هو قلبها اصلا تعبان شوية .. يا رب يبقى خير ..
هتفت دلال تحاول المساعدة :- طب انا ممكن اكتب لك اسم دكتورة زميلتي ممتازة وده تخصصها .. هكتب لك اسم المستشفى وعيادتها كمان ..
وتناولت احدى الاوراق وقلم و بدأت على عجالة فى كتابة رسالة لزينب صديقتها وناولتها اياه مؤكدة:- اتفضل يا حضرة الظابط.. هى بتشتغل في مستشفى … و هتفت باسم المستسفى وعنوانها ..
فهتف شريف متعجبا :- دي نفس المستشفى اللي فيها ماما .. دي اقرب مستشفى لبيتنا ..
ابتسمت دلال :- سبحان الله .. طب كده تمام قووي .. اديها بس الجواب ده وهى هتعمل اللازم ..
ابتسم شريف ممتنا :- متشكر يا دكتورة .. بس مقلتيش كنتِ جاية ف ايه !؟.. خير ..!؟..
هتفت دلال متنهدة :- خلاص بقى يا حضرة الظابط .. يا دوب اسيبك تشوف ترتيبات سفرك للوالدة ربنا يقومها بالسلامة ..
ونهضت مودعة وهى تهمس فى حزن :- بس ع الله لما ترجع يكون فى فرصة تدخل من اساسه ..
******************
خرجت من الحمام وما ان وقع ناظرها عليه حتى هتفت فى تعجب:- على فين !؟.. انت لسه تعبان..
هتف وهو يكمل احكام غلق سترته الجلدية حول جسده اتقاءنا للبرد بالخارج :- زهقت م الراقدة .. بقالي كام يوم راقد ف السرير .. لو قعدت اكتر من كده هعيا بجد و كمان اجيب حاجة ناكلها بدل الجبنة اللي تعبتنا دي و ..
تردد قليلا قبل ان يستطرد هاتفا :- وهكلم دلال اشوف أخبارها ايه .. زمنها رجعت من المؤتمر اللي سافرت له ده المفروض انها رجعت بقالها كام يوم وبالمرة اقولها اني مش هنزل اجازة لفترة عشان متقلقش عليا لحد ما نشوف الدنيا هتودينا على فين ..
اومأت برأسها تفهما ولم تنبس بحرف واحد لذا اندفع خارجا وقبل ان يغلق الباب بأحكام خلفه سأل هاتفا :- مش عايزة حاجة اجبهالك معايا !؟..
هزت رأسها نفيا وهتفت :- عايزة سلامتك .. بس متتأخرش عليا عشان بخاف اجعد لوحدي ..
ابتسم في مودة واومأ برأسه موافقا.. ثم رحل ..
*****************
اغلقت باب غرفة الكشف بعد ان وعت لسعدية زوجة مناع بانتظارها خارج البوابة الخلفية كما اتفقتا ..
اندفعت كلتاهما لوجهتهما المشتركة فقد قررت ان تواجه ذاك الجهل و تحاربه في عقر داره وتقضى على أدواته .. انحدرتا التلة المقام عليها دار النعماني وسلكتا طرقا ضيقة حتى وصلا لذاك الدار الطيني المبني من طابق واحد والمقام على أطراف النعمانية وهمست سعدية مؤكدة :- هو دِه يا داكتورة بيت الداية ام حبشي ..
وما ان همت بالاندفاع للطرق على باب الدار حتى استوقفتها سعدية هاتفة في قلق :- لساتك يا داكتورة عايزة تعملي اللي ف راسك برضك!؟.. دي ولية جوية و شرانية ..
هتفت دلال :- ايوه لازم ومش هتراجع ولو فيها ايه ..
وبدأت دلال في الطرق على باب الدار الخشبية المتهالكة بعد ان ابتعدت سعدية تختبئ خلف شجرة ضخمة بالقرب من الدار..
انفرج الباب بعد فترة قصيرة عن امرأة طويلة القامة سمراء البشرة ضخمة الجثة ممتلئة القوام متشحة بالسواد من قمة رأسها حتى اخمص قدميها باختصار امرأة طلتها مقبضة للنفس.. تنفست دلال في عمق مستجمعة شجاعتها هاتفة في ثبات:- انتِ ام حبشى الداية ..!؟..
هتفت المرأة بصوت أجش اقرب لصوت الرجال :- ايوة .. انتِ مين يا شابة !؟..
هتفت دلال فى هدوء :- طب مش هتقوليلي اتفضلي الاول !؟..
هتفت ام حبشى في ابتسامة صفراء:- اه طبعا احنا نعرفوا الأصول والواچب .. و بعدين شكلك چاية ف حاچة كَبيرة .. ربنا يسترع الولايا كلهم ..
كادت دلال ان ترفع كفها لتلطم وجه تلك المرأة الحقيرة على ذاك الاستنتاج الأحقر لكنها تمالكت أعصابها وأظهرت ظبطا للنفس فاق احتمالها وتساءلت هل تلك المرأة ستقبل ما هى مقدمة على عرضه عليها !؟.. صمتت لحظات واخيرا هتفت من جديد محاولة الخروج من حالة اليأس التى انتابتها قبل حتى ان تبدأ :- بصي يا ام حبشي .. انا الدكتورة دلال المصري .. مش عارفة سمعتى بيا ولا ..
قاطعتها ام حبشي هاتفة بنبرة بها الكثير من الغل :- اهلًا .. طبعا سمعت .. و أديني اتشرفت كمان ..
تنهدت دلال هاتفة :- طب كويس انك سمعتي .. ده هيوفر علينا كتير .. انا جاية اعرض عليكِ عرض هينفعك وهتكسبى من وراه ..
هتفت ام حبشى ساخرة :- چاية تنفعيني !؟.. اني مشفتش من بعد مچيتك اي مُصلحة ..
اكدت دلال تحاول استمالتها :- ما هو انا جاية عشان كده .. عشان حاسة ان وجودى اثر على اكل عيشك .. فقلت ليه متشتغليش معايا وتحت اشرافى وليكي اللي تطلبيه!؟..
قهقهت المرأة متهكمة :- اشتغل معاكِ !؟.. بطلوا دِه واسمعوا دِه .. انتِ عارفة اني بولد حريم النچع من ميتا !؟.. من جبل ما انتِ تتولدي يا داكتورة .. يعني عِندي كد اللي اتعلمتيه ف الچامعة و الكتب بتاعتك عشر مرات ..
ابتسمت دلال هاتفة فى هدوء :- ربنا يزيدك يا ستي .. وانا عارفة ان عندك خبرة .. بس خبرتك مع شوية العلم اللي طلعت بيهم م الكتب ممكن تفيد الستات هنا ف النجع .. ليه نبقى ضد بعض لما ممكن نساعد بعض !؟..
هتفت ام حبشي وهى تتجه لباب الدار تفتحه :- شرفتي وانستي يا داكتورة.. ابجي كرريها ..
تأكد لدلال ان مسعاها قد خاب فتنهدت ونهضت تعبر باب الدار للخارج حتى استدارت تواجه ام حبشى من جديد هاتفة فى محاولة اخيرة :- مش هعتبر ده ردّك النهائي .. فكري تاني يمكن تغيري رايكِ ..
اقترب عفيف بعربته من حدود النجع وها قد طل على مشارفه عندما لمح سعدية زوجة مناع تقف منتصبة في استنفار خلف تلك الشجرة الضخمة كأنما تترقب وصول شخص ما ..
تعجب مما يحدث و توجه ناظره الي حيث تلقى بنظراتها المضطربة.. و ها هو يرى دلال تخرج من بيت تلك المرأة المشؤومة ام حبشي والتي مات على يديها من نساء النجع اكثر مما عاش .. لقد كادت تودى بحياة سعدية نفسها في ولادة ابنتها الثانية.. لكن ماذا تفعل الدكتورة عند تلك المرأة يا ترى !؟.. تساءل متعجبا وهو يترجل مقتربا من الدار و قد سمع دلال تدعوها للتفكير مرة اخرى في امر ما .. ما ذاك الامر الجلل الذي قد يجمعها..!؟..
هتفت ام حبشي خلف دلال وهى ترحل مبتعدة في طريقها لسعدية :- مش هغير رأيي يا داكتورة .. و مظنيش هاياچينى خير من تحت راسك ولا هشوف منفعة طول ما انتِ هنا ف النچع ..
ظهر عفيف اخيرا صارخا فى صوت كالرعد :- ام حبشي !؟..
ارتعدت المرأة وتطلعت الى محيا عفيف الذي ما ان وعت لظهوره المفاجئ ذاك حتى تحولت من هذا الجبروت الذي كانت تتمثله منذ دقائق الي امرأة اخرى تماما تدعي المسكنة والوداعة تطأطئ رأسها في مذلة هاتفة في صوت مرتبك :- امرك يا عفيف بيه ..
اقترب عفيف من المرأة هاتفا فى لهجة قاسية :- تعرفي !؟.. انت لولا ما انك مرة كبيرة وكد امي كنت عِملت الواچب معاكِ .. الداكتورة ضيفتي .. عارفة يعنى ايه تجولي اللي جولتيه ده لضيفة عفيف النعماني !؟..
انتفضت المرأة تحاول الدفاع عن نفسها :- لااه .. و الله ما اجصد يا عفيف بيه !؟.. ضيوفك على روسنا من فوج بس اصلك ..
هتف عفيف بصرامة منهيا الحوار العقيم:- انتهينا.. و يكون ف معلومك .. مچية الداكتورة لحدك دي ليها تمنها.. و اجل حاچة تتعمل انك توافجي ع اللي طلبته منيكِ .. ولا ايه !؟..
همست ام حبشي في نبرة تحاول ان تداري ذاك الحقد الذى يقطر منها:- بس يا عفيف بيه !.. يعني ..
هتف عفيف مؤكدا :- خلصنا يا ام حبشي .. سلام عليكم ..
هتف عفيف بالتحية واندفع في اتجاه عربته مارا بدلال التي ما ان حازاها حتى همس امرا :- اتفضلي يا داكتورة ع الكارتة أوصلك المُندرة ف طريجي ..
واستمر فى طريقه صاعدا الكارتة منتظرا قدومها ممسكا بلجام فرسه متأهبا للانطلاق مبتعدا ..
أشارت هى لسعدية من طرف خفي ان ترحل في هدوء وصعدت العربة بجواره كالمعتاد ليهز اللجام لتتحرك العربة ويشملهما الصمت للحظات .. حتى هتفت اخيرا متسائلة :- عجيب انك تضغط على ام حبشي تقبل باللي عرضته عليها رغم انك متعرفش انا عرضت ايه .. وحتى مسألتش !؟..
اكد في هدوء دون ان يحيد بناظريه عن الطريق :- واسأل ليه ..!! انا متأكد انك هتعرضي عليها اللي فيه المصلحة للكل ..
ابتسمت رغما عنها فى بلاهة تكاد تطير فرحا لمجرد إظهاره الثقة بها وبما تتخذه من قرارات ..
تطلعت للطريق الأخضر على جانبى العربة واستنشقت في عمق ذاك الهواء المحمل بعبق خاص لن تجده الا هنا واكدت لنفسها ان ذاكرتها ستظل تحفظ ذاك العبق الأخضر المحمل بأديم الارض البكر ما حيت ..
لم يستطع كالعادة ان يغض الطرف عنها وهى بهذا الكم من البراءة و ذاك القدر من العفوية والكاف تماما لتدمير ثباته في ثوان مهما ادعى قدرته على الصمود ..
وسأل محاولا إلهاء افكاره و خواطره عنها قليلا :- بس انتِ ليكي ايه عند المرة السو دي عشان تروحيلها يا داكتورة !؟.. لو كنتِ جولتيلى كنت چبتها لحد عِندك ..
هتفت سعيدة بتجاذب أطراف الحديث وايجاد الفرصة لتستطلع رأيه فيما فعلت فهى عاجلا ام آجلا كانت لابد ان تخبره :- انا فكرت انها بدل ما تبقى منافس ليه متبقاش شريك !؟..
هتف عفيف وقد ضاقت عيناه مستفسرًا رغم استنتاجه المراد :- بمعنى !؟..
هتفت دلال شارحة في حماسة :- يعنى ليه اسبها تعمل مصايب عشان خاطر الفلوس لما ممكن اخليها تشتغل تحت عينى وبإشرافي و تاخد الفلوس اللي هى عيزاها .. المهم ف الاخر اننا نكف أذاها عن ستات النجع وبناته ..
كانا قد وصلا بالفعل امام البوابة الرئيسية للبيت الكبير فترجلا من العربة وسارا معا حتى باب المندرة تركها تفتح بابها في أريحية بمفتاحه الذي لا يفارقها وهم بالرحيل لتستوقفه هى هاتفة فى تعجب :- ايه!؟..مقلتليش رأيك يا عفيف بيه!؟.. اللى عملته ده صح ولا غلط!؟..
ارتسمت على شفتيه ابتسامة مهلكة ولمعت عيناه ببريق فخر وهمس بنبرة اذابتها حرفيا :- اتغيرتِ كَتير جوى يا داكتورة ..
همست بصوت متحشرج تأثرا :- اتغيرت !؟..
تطلع اليها من جديد وهم بالرحيل الا انها استوقفته من جديد مصرة على سماع رأيه هاتفة :- برضو مسمعتش رأيك !؟..
هتف مقهقها :- كل دِه ولسه معرفتيش رأيي !؟..
واندفع مبتعدا تاركا إياها تغمرها سعادة عجيبة وفرحة من نوع خاص ..فلقد اختفى عفيف الساخر ذاك والذي كان يمطرها بالتهكم على افعالها التي كانت تحاول بها تغيير واقع النعمانية المرير وانارة طريق الجهل الوعر ببعض من مشاعل علم لتطمث معالمه التي حفرت اثارها طوال سنين غابرة ..
هى على الطريق الصحيح واخيرا بدأت في ادراك كيفية التعامل مع معطيات تلك البيئة التي تحيطها و الاستفادة منها لتحقيق افضل نتائج ممكنة .. هو يدرك ذلك جيدا وهذا بات يسعدها وخاصة دعمه بهذه الابتسامة القاهرة وتلك النظرة البراقة التي لمحت بها شعورا من نوع خاص .. وكان ذلك كافيا لها و زيادة ..
******************
اندفع شريف لداخل حجرة المشفى و ما ان طالعه محيا امه الراقدة على فراش المرض حتى توجه اليها هاتفا فى لوعة :- ماما .. انتِ كويسة !؟...
ابتسمت امه الحاجة شريفة فى محبة هاتفة :- يا حبيبي مفيش حاجة .. متقلقش كده .. دول شوية تعب وهيروحوا لحالهم .. اقعد بس خد نفسك ..
جلس على اقرب مقعد للفراش متنهدا في راحة :- انا اول ما خالتي كلمتني جيت جرى ..
هتفت الحاجة شريفة :- شوف وانا اللي موصياها متخضكش !!..
هتف شريف معاتبا :- هو انتِ كمان مكنتيش عيزاها تقولي !؟.. ده برضو ينفع يا ماما !؟..
هتفت الحاجة شريفة في حنو :- و الله يا شريف مكنتش عايزة اقلقك عليا .. انا بقيت ذي الفل اهو ..
نهض شريف من موضعه هاتفا :- طب انا هروح اشوف الدكتور اللي متابع حالتك و اشوف ايه الاخبار ..
هتفت امه :- طب يا حبيبى خد نفسك .. ده انت شاكلك لا كلت ولا نمت ..
اكد شريف :- اه و الله انا مطبق من امبارح ..
وابتسم مستطردا في مزاح وهو يقبل جبينها :- بس فداكِ انتِ يا حجوج يا قمر ..
قهقهت امه في سعادة بينما اندفع هو باحثا عن الطبيب المعالج .. وتذكر في طريقه اسم الطبيبة التي أوصته الدكتورة دلال بالمرورعليها مرسلة لها التحية والتوصية لامه وكذا تلك الرسالة التى بعثتها معه أمانة لتصل لكفها شخصيا ..
سأل احدى الممرضات وهو يعبر الممر المفضى لحجرة الأطباء :- لو سمحتي !!.. الدكتورة زينب عبدالحكيم ألاقيها فين !؟..
اكدت الممرضة :- الدكتورة زينب لسه مجتش .. و مش عارفة اذا كانت هتيجي النهاردة و لا لأ ..
هز رأسه في تفهم وانصرف عائدا لحجرة امه ليجد السرير خاليا .. تنبه لخالته التى وصلت للغرفة فسألها فى قلق :- ازيك يا خالتي !.. هى ماما راحت فين ده انا لسه سايبها !؟..
ابتسمت خالته في هدوء :- ازيك يا شريف يا حبيبي حمدالله على سلامتك .. متقلقش شريفة ف الحمام .. تعالى كوول لك لقمة .. سربت الاكل ده من الأمن تحت بالعافية .. محشي يستاهل بقك ..
قهقه شريف هاتفا :- سربتيه !؟.. انا عرفت دلوقتي انا جبت الحس الأمنى منين يا خالتي !؟..
قهقهت خالته هاتفة :- يخرب عقلك يا شريف .. و الله الواحد بتوحشه خفة دمك دي .. تعالى بس كول .. مش هتندم ..
تمدد شريف على فراش امه هاتفا بوهن :- لا يا خالتى مليش نفس .. امدد جسمي بس لحد الحاجة ما تطلع م الحمام .. انا عارفها هتقعد لها بتاع ساعتين جوه أكون انا كوعت فيهم ..
قهقهت خالته على اقواله وتركته يتمدد على الفراش فى أريحية ..
****************
دخلت هى الغرفة في هدوء متطلعة حولها لجو الغرفة الذى يلفه السكون والصمت .. توجهت بهدوء الي مؤشر الحالة المعلق على واجهة الفراش .. قرأته فى عجالة و توجهت للمريض الممدد على الفراش تمسك بمعصمه تفحص نبضه في احترافية .. وفجأة .. و بدون سابق إنذار وجدت نفسها تطير للأعلى لتسقط ممددة على الفراش في موضع المريض الذي أنتفض منقضا ومشرفا عليها بجسده المفتول العضلات صارخا في ذعر :- مين !؟..
هتفت بأحرف ترتعش :- اهدى و الله ما في حاجة ..
هتف مضطربا ومشوشا :- انتِ مين !؟..
اكدت في عجالة :- أنا الدكتورة زينب والله العظيم ..
تطلع شريف حوله في تيه واضح و تذكر انه بحجرة المشفى ممددا على فراش امه .. وأنار في عقله الاسم .. أقالت انها الدكتورة زينب ..!؟..
تطلع اليها من جديد واخيرا عاد اليه وعيه كاملا وهى تهتف تحاول تهدئته :- ارتاح .. شكلك تعبان فعلا..
ابتعد عنها لتنتفض هى منتصبة بعيدا عن الفراش تعدل من هندامها وثبات غطاء رأسها ليعاود هو الهمس مدعيا المرض :- ايوه .. انا فعلا تعبان .. انا تعبان قووي ..
ترددت قليلا واخيرا مدت كفها اعلى كفه تقيس نبضه الذي ما أعطاها الفرصة سابقا لقياسه همست بعد قليل:- فعلا ضربات قلبك عالية ..
اكد فى ادعاء :- شفتي .. ده انا تعبان ع الاخر والله ..
تركت كفه فتأسف داخليا متمنيا الا تتركها ابدا وهم بالتشبث بها لولا بعض تعقل بينما توجهت هى مرة اخرى لمؤشر الحالة تتعجب من التشخيص المكتوب والمدون بها عن الحالة محل العلاج الغير معنونة باسم المريض على غير العادة .. حتى ان الطبيب المتابع للحالة غير متواجد بالمشفى لسؤاله وجاءت هى للمتابعة نيابة عنه ..
همست رغما عنها في حيرة :- غريب .. هو التشخيص اللي غلط و لاه انا اللي ..
واتجهت اليه مرة اخرى هاتفة و هى تضع سماعة الفحص على اذنيها :- اسمح لي افحص حضرتك!؟..
تمدد في أريحية هاتفا :- انت تعملي فيا اللي انتِ عوزاه.. اعتبريني حقل تجارب تحت امر سعادتك ..
ما ان همت بوضع سماعتها على صدره حتى دخلت امه متوكزة على ذراع خالته بعد ان تركتا له الغرفة عندما استغرق في النوم وتوجهتا للكافتيريا وما ان طالعهما المنظر حتى نظرت كل منهما للأخرى و انفجرت في الضحك بشكل هيستيري ..
تعجبت زينب مما يحدث وتطلعت للجميع في دهشة وفضول لمعرفة سبب هذه السعادة المنتشرة بالعائلة الكريمة ..
لكن اذا عُرف السبب بطُل العجب فقد هتفت الحاجة شريفة لولدها :- انت مفيش فايدة فيك يا شريف!؟..مش هتبطل مقالبك دي ابدا ..!؟..
اعادت زينب نظراتها مرة اخرى لمريضها بعد كلمات تلك السيدة المنشرحة لتجده ينهض في عافية كاملة يعدل من هندامه وابتسامة بريئة ترتسم على شفتيه في أريحية و بدأت تدرك ذاك الفخ الاحمق الذي أوقعها به فنظرت اليه شذرا ليهتف وهو يمد كفه مرحبا فى سعادة جمة وكأنه ما وضعها منذ لحظات في موقف لا تحسد عليه جعلها اشبه ببلهاء :- اهلًا يا دكتورة.. نقيب شريف عبدالواحد..
لم تمد كفها ردا على تحيته بل هتفت في ضيق :- اه .. و سيادة النقيب جاى يتسلى هنا بقى !؟..
شعر بالحرج وما ان هم بالرد حتى هتفت امه في نبرة معتذرة :- معلش يا دكتورة متخديش على خاطرك .. شريف ميقصدش ..
اكد شريف هاتفا :- فعلا مقصدش يا ماما .. انا واحد نايم ف امان الله لقيت واحدة ذي القمر .. اقصد ذي الغفر .. اقصد لا ذي القمر ولا نيلة .. ماسكة أيدي وبتقولي قلبك و نبضك وكلام كده م اللي يدوخ ده .. طب بزمتك اعمل ايه انا !؟..
قهقهت خالته و امه مع وجوم من زينب ليستطرد مازحا :- لقيت نفسها ف مريض تكشف عليه .. قلت يا واد يا شريف الشرطة ف خدمة الشعب .. قمت مطوع .. يبقى غلطة مين !؟..
هتفت زينب مصدومة :- نفسها ف مريض !؟..
علت ضحكات امه وخالته كالعادة بينما تصنعت هى الجدية هاتفة :- حصل خير .. عن اذنكم ..
واندفعت هاربة من الغرفة فما عادت قادرة على تصنع ذاك العبوس الذي ترسمه على محياها بصعوبة بالغة ..
عاتبته امه هاتفة :- شكلك زودتها يا شريف وزعلت البنية منك ..
هتف متسائلا :- تفتكرى يا حجوج!؟..
اومأت امه ايجابا ليندفع بدوره خارج الغرفة محاولا اللحاق بزينب التى ما ان ابتعدت عن الغرفة حتى أطلقت العنان لقهقهاتها والتي امسكتها متصنعة الجدية من جديد تحاول مداراة نظراتها الباسمة بكل الاتجاهات حتى لا تفضحها بعد ان توقفت اثر سماعها لصوته ينادي عليها فأستدارت لتواجهه هاتفة فى حنق :- أفندم ..
هتف معتذرا :- انا اسف بجد .. و أرجو ان حضرتك متكونيش زعلانة ..
اكدت فى هدوء جدي :- حصل خير..
تنبه اخيرا ليهتف في تساءل :- صحيح ..!؟.. مش حضرتك الدكتورة زينب عبدالحكيم !؟.. انا ازاى نسيت!؟.
استطاع استثارة فضولها لتهتف :- ايوه انا .. خير ..!؟..
اكد وهو يخرج رسالة دلال :- الدكتورة دلال المصري بعتالك الرسالة دي ..
واظهر الرسالة امام ناظريها مستطردا في مرح :- و بتقولك و النبي تتوصي بيا .. نظرت شذرا فاستطرد في مرح :- اقصد بأمي .. انتِ مش دكتورة قلب برضو !؟..
وتنهد فى لوعة ..
اختطفت الرسالة من بين أصابعه و ابتعدت تاركة اياه وما ان أصبحت وحيدة بحجرة الأطباء حتى انفجرت ضاحكة على افعاله واخيرا فضت رسالة صديقتها التى خطت فيها بخط متسرع :- "ازيك يا زينب!؟.. يا رب تكوني بخير .. بقولك .. حضرة النقيب شريف عبدالواحد ده اللي ماسك النقطة هنا ف النجع وولدته تعبانة عندك ف المستشفى .. يا ريت تعملى اللازم معاهم ..
ملحوظة :- مفيش اى اخبار وصلتك عن نديم !؟.. يا ريت تبعتي تطمنينى مع حضرة الظابط وخدي بالك هو ميعرفش اي حاجة عن سبب وجودي ف النعمانية .. سلميلي على طنط .. سلام عليكم"..
عاد شريف لغرفة امه التى اتخذت موضعها على الفراش لتهتف فيه :- تعالى يا حبيبى كُل حاجة .. انت مكلتش لقمة من ساعة ما جيت .. تعالى خدلك صباعين محشى ..
هتف شريف شاردا و هو يتذكر نظراتها المذعورة عندما جذبها لفراش امه مذعورا بدوره و كذا تلك الأصابع الناعمة الرقيقة التى مست معصمه جعلت نبضه يتقافز للضعف :- لا انا عاوز صوابع زينب ..
هتفت امه متسائلة :- بتقول حاجة يا حبيبي !؟..
قهقه هاتفا :- بقول سلامتك يا ست الحبايب ..
رواية زواج بالقوة الفصل الثاني عشر 12 - بقلم زهراء السعيد
اندفع لتلك الردهة المفضية الي غرفة الأطباء والتي طرق بابها ليسأل عنها لكنه لم يجدها .. فقد كانت تمر على بعض مرضاها ...
اخذ يجوب المشفى باحثا عنها فليس لديه الوقت الكاف وهو يود رؤيتها قبل ذهابه الى النجع بعد انتهاء إجازته..
اخيرا لمح طيفها وهى تدلف الى احدى الحجرات فاندفع خلفها في رعونة هاتفا :- دكتورة زينب ..
توقفت مصدومة من رؤيته ورسمت على وجهها جدية حاولت اصطناعها وهى تراه يسرع الخطى الى موضع انتظارها اياه وتلك الابتسامة الباشة على وجهه تدفعها رغما عنها لتبتسم فى حبور عجيب كأنما هى عدوى لا يمكن تجنبها .. لكنها امسكت بالباقى من ثباتها و هى تهتف :- خير يا حضرة الظابط!؟..الوالدة بخير!؟..
اكد هاتفا والابتسامة لم تفارق محياه :- اه يا دكتورة الحمد لله بخير .. دي حتى بتسلم عليكِ وبتقولك تسلم ايدك .. قلبها دلوقتي لا بيأخر ولا بيقدم .. بقت دقاته مظبوطة ذي الساعة ..
ابتسمت رغما عنها وطأطأت رأسها تحاول مداراة تلك الابتسامة واخيرا هتفت :- طب الحمد لله .. يا رب دايما بخير .. عن اذنك ..
هتف معاتبا :- عن اذنك ايه !؟.. يعني انا جاي لكِ مخصوص يبقى ده كرم الضيافة بتاع الدكاترة !؟..
هتفت زينب في حنق :- بقولك ايه يا حضرة الظابط واضح انك مش لاقي حاجة تتسلى بيها ف اجازتك.. بس للاسف انا مش تسلية ولا عندي وقت اسلي سعادتك .. عن اذنك ..
وهمت بالاندفاع مبتعدة الا انه هتف متحسرا :- طب مع السلامة و اشوف وشك بخير بقى .. اصل مسافر دلوقتي النجع .. تحبي أوصل حاجة للدكتورة دلال !؟..
توقفت زينب مستديرة تواجهه من جديد هاتفة في تساؤل :- انت مسافر دلوقت !؟..
اومأ برأسه ايجابا في ضيق لتعود ادراجها اليه مرة اخرى امرة :- طب اتفضل معايا عشان اديك جواب تديه لدلال ..
همس شريف في سعادة :- ربنا يخليلنا الدكتورة دلال اللي خلتك ترضي عننا ..
هتفت متسائلة رغم انها سمعت ما كان يهمهم به :- حضرتك بتقول حاجة !؟..
رد هو في عجالة :- لا بقول كويس انك هتبعتي معايا جواب للدكتورة.. تلاقيها وحشتك ..
و همس لنفسه :- عقبالي يا رب ..
هزت هى رأسها في تأكيد وسار جوارها في شرود يتأمل محياها تحاول ذاكرته تشرب تفاصيل تلك الملامح وقسمات ذاك الوجه الذي سيحرم رؤياه حتى يحين موعد إجازته القادمة ..
دلف خلفها للحجرة وجلست هى خلف مكتبها وجلس بدوره قبالتها لتندمج هى في كتابة خطابها و يندمج هو في التفرس فيها واخيرا ناولته اياه داخل احد مظاريف المشفى ..
مد كفه يلتقطه فى مرح هاتفا :- من يد ما نعدمها ..
ونهض مستطردا :- اشوف وشك بخير بقى ..
هتفت في نبرة محايدة :- مع السلامة يا سيادة النقيب ..
هتف مازحا قبل ان يغلق الباب خلفه مودعا :- اهو انا كنت جاي عشان اسمع بس الكلمتين دول ..
واستطرد بنبرة جادة كانت غير معتادة منه :- مع السلامة يا دكتورة..
واغلق الباب في هدوء .. ليتركها نهبا للفكر والخواطر حول ذاك الذي ظهر في غفلة من الزمن ليقلب اتجاه بوصلتها حتى ولو حاولت ادعاء العكس ..
*****************
شعرت باختناق عجيب يتملكها فأغلقت باب غرفة الكشف بعد ان تأكدت انه لن يأتيها مرضى بعد تلك الساعة ..
أحكمت ضم شال امها حول كتفيها و تحركت باتجاه الطريق الترابي الضيق الذي ينحدر لقلب النعمانية .. كانت تشعر ان السير قليلا قد ينفعها في تخفيف وطأة ذاك الشعورالداخلي الخانق والذي لا تعلم له سببا محددا .. تركت قدميها تقودها للطريق وقررت ان تستمتع فقط بعبق ريح العصاري
الندية المحملة بأريج الغيطان البعيدة المختلطة بثرى الجبل العتيق هناك ..
لم يكن في مخططها ان تقابل احدهم و خاصة انها علمت ان شريف لم يعد بعد من إجازته وهى في الاساس لا رغبة لها في ادارة حوار مع اي من كان .. تشعر برغبة عجيبة في البقاء وحيدة ..
لكن يبدو فعلا ان ليس كل ما يتمناه المرء يدركه فلقد سمعت نداء ما باسمها .. تطلعت حولها في تيه حتى وقع ناظرها على الدكتور طارق طبيب الوحدة الصحية ..
ابتسمت في رسمية متجهة الي حيث يقف عند مدخل الوحدة لا تعرف هل هو في سبيله للدخول ام الخروج منها .. هتف مرحبا:- اهلًا يا دكتورة .. مالك !؟..
هتفت متعجبة :- هو انا باين عليا قووي كده!؟..
ابتسم طارق مجيبا وهو يعدل منظاره الطبي في حياء :- مش قووي متقلقيش .. بس خير!؟.. و استدرك متنحنا :- ده لو جاز ليا اني اتحشر واسأل .. لو مكنش يضايقك ..
ابتسمت في شجن :- لا ابدا يا دكتور.. بس حاسة ان الامور مش ماشية تمام ..
اشار لها لتجلس بداخل الوحدة على احد آرائك انتظار المرضى فلبت في سعادة حتى لا تقف بالخارج فيلمحها احدهم او حتى يرها عفيف نفسه وهى في غنى عن ما قد يحدث بعدها ..
هتف متسائلا :- امور ايه اللي مش ماشية تمام !؟.. امور شخصية !؟..
كان سؤاله يتجه وجهة هى لا ترغبها على الإطلاق فحاولت ان تعيد الحوار لمساره الاول هاتفة :- الامور المهنية هنا ف النجع مش اكتر .. لسه الجواز العرفي عشان التحايل على شهادة التسنين شغال ولسه الختان رغم توضيح بعض إضراره في اصرار على إجراءه .. وفيه وفيه .. اللستة لسه طويلة للاسف .. ده كله هيتغير امتى!؟.. و ازاي !؟.. اذا كان اصحاب الشأن مقتنعين بصحة اللي بيعملوه !؟.. انا فعلا مش مستوعبة ازاي اهل يعرضوا بناتهم لكوارث ذي دي عادي كده والاسم انهم بيعملوا كده حماية و سترة ..
وقصت له ما حدث مع نادية وبراءة و زيارتها لأم حبشي ..
تبسم طارق هاتفا :- كل ده يا دكتورة و بتقولي انك مش حاسة انك بتعملي حاجة !؟..
صدقينى انتِ بتهزي جبل من تقاليد وعادات ارسخ من الجبل اللي انت شيفاه ده ..
واشار للجبل الغربي على مرمى البصر مستطردا :- وده عايز عزيمة واصرار اشد صلابة من الصخر .. وانتِ قدها وقدود يا دكتورة ..
ابتسمت في امتنان ونهضت محيية :- متشكرة يا دكتور .. انا شكلي كنت محتاجة أتكلم مع زميل يقدر ويدرك حجم المعاناة اليومية اللي بعيشها مع الستات عشان أقنعهم بالمناسب والأصح عشانهم ..
ابتسم طارق بدوره :- تحت امرك يا دكتورة ف اي وقت .. و اعتبريني صديق مش مجرد زميل .. دي حاجة هتسعدني جدا ..
هزت رأسها في تفهم وانسحبت بهدوء خارج الوحدة ..
سارت بضع خطوات وتناهى لمسامعها صوت عربة عفيف من البعد .. كانت تعتقد انها تقترب فتوقفت للحظات تمد ناظريها متوقعة ظهوره الا انها ادركت ان العربة تبتعد وان عفيف قد مر ..
هل رأها يا ترى !؟.. دار السؤال بخاطرها لكنها لم تقف كثيرا عند البحث عن اجابة ..
اما هو فقد رأها بالفعل .. كان يتعقبها منذ خروجها من البيت الكبير .. كان على مقربة منها لكنها لم تع ذلك .. وعندما رأها تقف مع طارق جن جنونه لكنه لم يستطع ان يحرك ساكنا فلقد اكتفى من افعالها وما عاد قادرًا على كبح جماح انطلاقها وكبت حريتها.. هى كالفراشة وهو ود لو كان ذاك اللهب الذي تقترب منه صاغرة مرحبة .. لكنها للاسف فراشة عمياء تتجه للعتمة متجاهلة دفء الضي وحرارته غاضة الطرف عن وهجه .. لذا تجاهلها و سار بطريقه مبتعدا ولم يكن يدرك انه اول من سيحترق بذاك اللهب الذي يحاول تجاهل ندائه لفراشته ..
******************
تثاءب في تكاسل متطلعا الى تلك التي كانت تجلس قبالته على الأريكة الضيقة هناك .. كان يحاول جاهدا ان يتجاهل ذاك الشعور الذي بدأ في النمو تجاهها وما عاد قادرًا على وأده .. لا يعلم منذ متى بدأ ذاك الكامن في أعماقه في الظهور من مكمنه الا عندما ظهر بالفعل مشرأبا برأسه من بين كوامن روحه.. تنحنح لا ليستدعي انتباهها بقدر رغبته في اخراج نفسه من أتون خواطره التي اصبحت بالفعل تنحى منحن خطر في الآونة الاخيرة واخيرا هتف بصوت يكسوه المرح المصطنع :- ايه رأيك ف خروجه وتمشية ع البحر !؟..
هتفت في سعادة :- صحيح !؟.. يا ريت ..
ثم استدركت :- لكن انت لسه يا دوب طالع من دور برد شديد .. لحسن تتنكس ..
هتف مؤكدا :- لا متقلقيش .. انا كويس و هتقل ف اللبس .. و بيني وبينك .. انا زهقت قووي م الرقدة والحبسة ف الأوضة دي ..
هتفت توافقه :- عندك حق ..
اكد هاتفا وابتسامة على شفتيه :- طالما عندي حق يبقى ياللاه بينا ..
نهض في اتجاه حقيبته واخرج ملابسه و هتف في حرج :- ادخلي غيري هدومك ف الحمام وانا هغير هنا ..
اومأت دون ان تتفوه بحرف حرجا ودخلت للحمام بالفعل .. أنهت تبديل ملابسها لكنها لم تجرؤ علي الخروج من الحمام حتى هتف هو من خارجه متعجلا إياها ..
توجها نحو احد السنترالات وطلب رقم بيت ابيه وانتظر بفارغ الصبر ان ترفع دلال سماعة الهاتف حتى يطمئن قلبه الا انه كما المرة السابقة لم ترد .. زفر في ضيق كان ظاهرا عليه بوضوح عندما غادر الكابينة لتساءله رغم علمها :- برضو مردتش عليك!؟..
اومأ برأسه مؤكدا وهتف في حنق :- مش من عادتها انها تبقى بره البيت لفترات طويلة كده !؟.. انا قلقان فعلا عليها ..
هتفت تطمئنه :- يمكن عشان انت بعيد عنها بجت بتشتغل فترات اطول !؟..
هز رأسه غير مقتنع بتلك الحجة :- يمكن ..
هتفت ناهد مستوضحة :- طب هى ملهاش اصحاب أوليكم جرايب تسأل عندهم !؟..
هتف نديم مؤكدا :- ملناش قرايب لكن ممكن تكون عند زينب .. دي صاحبة عمرها .. ووالدتها ذي امنا وياما وقفت جنبنا بعد وفاة امي .. بس انا بقالي سنين من ساعة ما دخلت الكلية لا رحت عندهم ولا اتصلت بتليفونهم .. نسيت الرقم للاسف..
تنهد في خيبة وحاول اعتصار ذاكرته لكنه لم يفلح ..
تحركا صوب البحر واستنشقا عبق ريحه الفريدة المحملة بعشق الحرية .. الان هما امامه وجها لوجه .. بصلابته وعنفوانه و رقته ولينه .. عبا من هوائه النقي ملء رئتيهما وزفراها انفاس حارة بحجم مواجع روحيهما ..
سادهما الصمت فلم ينبس احدهما بحرف واحد .. حتي همست هى في صوت متلجلج متسائلة:- يا ترى عفيف عامل ايه ف المصيبة اللي وقعناه فيها دي !؟.. ويا ترى ممكن يسامحني !؟..
انسابت العبرات السخينة على خدها مناقضة لنسمات البحر الباردة .. تطلع نديم اليها و همس متسائلا :- مش عارف .. انتِ اللي تقدري تجاوبي ع السؤال ده لانك اخته و اكتر واحدة تعرف تحدد ردود افعاله ..
همست ساخرة في مرارة :- ردود افعاله!؟.. انا مبقتش عارفة احدد اي حاچة ..بس بعد اللي عملناه ده عفيف لو شافنا جدامه دلوجت هتكون نهايتنا چتت مرمية ف البحر ده .. في امور عفيف مبيتفاهمش فيها .. برغم انه متعلم ووصل لدرچة علمية كبيرة الا ان الطبع غلاب وامور الشرف دي بالذات مفيش فيها نقاش من اساسه ..
تنهد نديم هاتفا :- عنده حق ..
هتفت متعجبة :- عنده حج !؟.. انت اللي بتجول كده !؟..
اكد هاتفا بحنق:- اه انا اللي بقول كده ..
هتفت في ضيق :- امال ليه ..
قاطعها هاتفا في ضيق مماثل :- عشان مكنش فيه حل تاني .. كان قدامنا حل تاني!؟.. هااا !؟..
هزت رأسها نفيا ولم تنبس بحرف لكن دمعاتها أجابت عنها ..
ساد الصمت من جديد واخيرا زفر نديم في محاولة لتهدئة الأجواء المحتدمة :- ايه رأيك ف اكلة سمك جامدة !؟..
نظرت اليه وهى تمسح اثر دموعها من على وجنتيها :- بس الفلوس !؟..
هتف متعللاً :- ميهمكيش ..خربانة خربانة .. خلينا ناكل اكلة ترم عضمنا .. الواحد معدته تعبت من اكل الجبنة .. وبعدين ده انا لسه خارج من عيا وعايز اتقوت ..
ابتسمت في هدوء هامسة :- صح .. انت فعلا لازم تتغذى كويس ..
هتف مبتسما :- اهو شوفتي .. ياللاه بينا على اقرب محل سمك نفرتك القرشين اللي معانا قبل ما نمشي ..
هتفت متعجبة :- نمشى نروح فين !؟..
امسك كفها فى أريحية وهما يعبرا الطريق فاضطربت هى وما ان وصلا للجانب الاخر من الطريق واستأنفا طريقهما حتى هتف :- لازم نرجع القاهرة يا ناهد ..
تساءلت :- ليه !؟.. ونرجع لمين !؟.. لأختك!؟..
تنهد في وجع وهتف :- هنشوف يا ناهد هنروح فين .. بس لازم نرجع القاهرة لأني هنا معرفش حد ولازم اشوف لي شغلانة و ده مش هيحصل الا ف القاهرة .. ليا اصحاب هناك ممكن يساعدونى ف الموضوع ده ..
هزت رأسها في تفهم واكملا طريقهما ولم يلحظ انه كان لايزل ممسكا بل متشبثا بكفها التي شعرت بالراحة في احضان كفه ..
******************
اندفع شريف يوقف عربته الميري امام بوابة البيت الكبير وترجل منها مندفعا تجاه مناع ملقيا التحية فى مودة :- سلام عليكم يا مناع .. الدكتورة دلال موجودة !؟..
نظر اليه مناع في تعجب هاتفا :- انت عايز الداكتورة !؟.. ولا تجصد عفيف بيه !؟..
هتف شريف مؤكدا:- انا بسأل ع الدكتورة يا مناع !؟.. موجودة !؟..
اكد مناع هازا رأسه ايجابا وبداخله رغبة دفينة في نفي وجودها لكنه اشار له بالدخول :- موچودة يا بيه .. اتفضل ..هديها خبر ..
اتجه شريف الى الحديقة وتطلع حوله منتظرا ظهور دلال التي اندفعت خارج باب المندرة مرحبة في مودة :- اهلًا حضرة الظابط .. اتفضل.. حمدالله ع السلامة وصلت امتى م القاهرة !؟..
مد شريف كفه مرحبا وهتف فى مودة :- الله يسلمك يا دكتورة .. انا لسه واصل حالا والله ..
هتفت دلال متسائلة :- وايه اخبار الوالدة !؟.. يا رب الصحة تكون بقت عال دلوقتي ..!؟..
اكد شريف ممتنا :- انا مش عارف اشكرك ازاي والله !؟.. بصراحة الدكتورة زينب قامت بالواجب و زيادة .. و الحاجة صحتها جت على علاجها ..
وهمس بصوت كان مسموع لها :- عقبال صحتي أنا كمان..
ابتسمت دلال ولم تعلق ليستطرد هو هاتفا :- بقولك ايه يا دكتورة!؟.. هى الدكتورة زينب يعني .. مرتبطة .. او متكلمين عليها !؟..
قهقهت دلال هاتفة :- اه متكلمين عليها ..
هتف منتفضا :- ايه !؟..
استطردت وهى لاتزل تضحك :- ايوه قايلين عليها كل خير ..
نظر اليها عاتبا :- وقعتي قلبي يا دكتورة ..اه صحيح .. كنت هنسى.. واخرج من جيبه خطاب زينب هاتفا :- اتفضلي جواب م الدكتورة زينب مستعجل مع علم الوصول ..
ابتسمت دلال شاكرة ومدت كفها تتناول الخطاب منه واستدار راحلا وهو لا يعلم ان هناك نظرات كالصقر تتابعه ولو ان النظرات تقتل لأردته قتيلا فى الحال ..
اندفعت لداخل المندرة وهى تتطلع للرسالة التي بكفها والتي قد تحمل اخبار عن اخيها الغائب قد تشفي غليلها وشوقها لمعرفة اين يمكن ان يكون .. كانت تهرول لتصل لغرفتها لتفض الرسالة الا انها اصطدمت به لترتد للوراء خطوة و تصدراهة ألم مع شهقة صدمة و هى تراه يقف متحفزا بهذا الشكل و نظرات عينيه تنطق بأمور تتمنى لو كانت غير قادرة على قراءتها بهذا الوضوح ..
سقطت منها رسالة زينب لتستقر بينهما ارضا ..
لا تعرف لما شعرت برغبة عارمة في الهروب من امام تلك العينين فى التو واللحظة لذا لم تشعر الا وهى تنحني لتلتقط الرسالة وتندفع مهرولة باتجاه الدرج الا انه هتف بصوت لم يكن يحمل من الغضب و الضيق بقدر ما كان يحمل من بوادر ثورة موؤدة بشق الأنفس داخله تهدد بحرق الأخضر و اليابس اذا ما أعلنت عن نفسها :- يا داكتورة !؟..
تسمرت مكانها كتمثال لا روح فيه على اولى درجات الدرج ولم تجرؤ على الاستدارة لتواجهه وهو يهتف متسائلا:- ممكن اعرف ايه اللي بيحصل بالظبط !؟..
أضطرت للاستدارة لتواجهه هاتفة في هدوء :- ايه اللى بيحصل يا عفيف بيه !؟.. لو قصدك على حضرة الظابط .. اعتبره ضيف جالي واستقبلته.. و احتراما لحضرتك استقبلته خارج المندرة .. ف الجنينة ولمدة لاتزيد عن ربع ساعة .. و متهئ لي ده افضل من انى اقف أكلمه بره المندرة ذي ما حضرتك لفت نظري عشان كلام الناس ..و لا ايه !؟.
هتف ساخرا جازا على اسنانه :- و هو ياچيكِ ليه م الاساس سوا كضيف ولاعفريت ازرج !؟..
تجاهلت نبرة السخرية التي اتشح بها صوته وهتفت في هدوء من جديد متسائلة :- مكنتش اعرف انه مش من حقي استقبال ضيوفى يا عفيف بيه لمجرد اني ضيفة عند حضرتك !؟..
هتف في محاولة لضبط نفسه عن الصراخ فيها وهى تجادله بهذا المنطق وبحجة دامغة لا يملك امامها مبررا واحدا مقنعا :- مش الجصد يا داكتورة .. انا كل اللي اجصده حضرة الظابط الهمام .. ايه اللى بينه وبينك يخليه ياچي لحدك و يبجى في بينكم چوابات ومراسيل!؟..
كان هذا هو لب الموضوع وبيت القصيد .. ذاك الخطاب الذي رأها تتناوله من بين يديه في لهفة ماذا يحمل يا ترى !؟..يكاد يجن لينتزعه من بين كفيها ويفضه حتى يشفي غليله ..
نظرت اليه في غضب لا يمكن تحجيمه وهتفت وهى تجز على أسنانها في ثورة تحاول على قدر استطاعتها السيطرة عليها :- انا مقبلش يا عفيف بيه نبرة الاتهام الموجهة ليا ف سؤالك !؟.. و معتقدش ان كوني ضيفة عند حضرتك يديك الحق في أسئلتك دي ولا انا مطالبة من الاساس اني أبرر أفعالي لحضرتك اولغيرك .. عن اذنك ..
قالت كلمتها الاخيرة وانطلقت كالسهم تعتلي الدرج في عجالة تاركة اياه يكاد يمسك السماء بيديه غضبا وثورة حتى انه ما استطاع السيطرة على انفعاله اكثر من هذا فأطاح بتلك المزهرية الزجاجية من موضعها بعصاه دافعا بها ارضا مهشمة لعلها تخفف ولو قليلا من تلك النيران التي تشعلها الغيرة بين جنباته ..
اما هى فقد تجاهلت صوت الحطام الذي تناهى لمسامعها بالأسفل ودخلت حجرتها مغلقة بابها خلفها فى عنف ينم عما بداخلها من حنق وضيق ..
كيف يجرؤ !؟.. حاولت ان تهدئ من روعها وهى تجوب الغرفة ذهابا وايابا واخيرا جلست تفض خطاب زينب و تنهدت في حزن زادها هما عندما ادركت ان ما من اخبار تخص اخيها الحبيب مع تأكيد زينب على ان اى معلومة ستصلها سترسلها لها مع حضرة الضابط المجنون الذي يبدو انه سيكون له مع زينب شأنا خاصا ..
دعت لهما بالتوفيق معا فى سرها و دعت ان يظهر نديم وتجده قبل ان تصل اليه يد ذاك العفيف بالأسفل ..
******************
انتفض دافعا جسدها في غيظ عنه هاتفا بغل يقطر من كل حرف من حروفه :- اعمل ايه تانى يا عفيف عشان اكسر نفسك وأذلك ..!؟.. وضرب بقبضة يده اليمنى باطن كفه اليسرى في حقد واضح .. ليستطرد هاتفا من جديد :- اعمل ايه فيك يا واد خالي .. اعمل ايه!؟..
اقتربت منه رفيقته اللعوب هاتفة في دلال ممجوج :- واه يا سي صفوت ودِه وجته برضك .!؟.. يولع عفيف وسيرته اللي تكدر سيد الرچالة ..
تنبه اليها بكل حواسه هاتفا :-جوليلي اعمل ايه تاني ..!؟..دِه اني وجفت جدامه اطلب يد اخته و النعمانية كلها كانت جاعدة .. و مردش على طلبى ولا حد منيهم جدر يجوله كلمة واحدة ترده ..
ونفخ في غل يكاد يرديه قتيلا.. لكنها اقتربت منه في إغواء هامسة بالقرب من أذنه كالحية :- دلوجت انت معاي اني.. يبجى تنسى عفيف دِه واللي خلفوه كمان وبعدين بجى نبجوا نفكروا كيف تخليه ينخ و يطاطي وما يرفع عينه ف عينيك طول ما هو عايش.. بس سيب دِه على لواحظ ..
وجذبته اليها من جديد وقد انصاع لها وهي تطلق ضحكة ممجوجة ماجنة تؤكد انه سيكون طوع بنانها في تنفيذ كل ما قد تصبه في رأسه من سموم ..
***********************
كانت تتابع فحوصاتها كالعادة كل نهار وفجأة في منتصف احدى الكشوفات اندفعت فتاة صغيرة لا تتعد الثامنة من عمرها لتمسك بكفها جاذبة إياها وهى تهتف في ذعر :- ألحجي اختي يا داكتورة دلال .. ألحجيها لچل النبي .. هيدبحوها ..
توقفت دلال عن الفحص واستأذنت من المريضة وتنحت جانبا بالطفلة تهدئ من روعها هامسة:- اهدى يا حبيبتي وفهميني بالراحة .. اختك مين!؟.. و مين اللي هيدبحوها دول!؟..
هتفت الفتاة السمراء الصغيرة و هى تلتقط انفاسها فى تتابع ينم عن سوء فى التغذية واضح بجانب حالة الذعر التي تنتابها والتي زادت من سوء حالتها:- اختى براءة يا داكتورة .. ألحجيها .. امي اللي جالت لي اچيلك بس مجولش لحد .. محدش غيرك اللي هيجدر ينچدها..
انتفضت دلال ما ان سمعت باسم براءة .. تلك الفتاة التي كانت تصر جدتها المتحجرة الرأس تلك على ختانها رغم تأكيدها لهم انها ليست بحاجة للختان وان ابنتهم ضعيفة البنية قد لا تحتمل عملية كهذه ..
خلعت دلال معطفها الطبى الابيض واعتذرت من الجميع واندفعت في اتجاه بوابة البيت الكبير تمسك الطفلة بكفها باحثة عن مناع حتى يحضرالعربة ليسرع بهما حتى بيت براءة الا ان مناع لم يكن بموضعه المعتاد جوار البوابة الحديدية فعلمت انه بصحبة سيده بالخارج .. ذاك الذي كانت تتحاشى لقاءه منذ اخر خلاف بينهما بسبب زيارة شريف لها ..
لم يكن هناك وقت للانتظار او حتى التفكير فاندفعت مهرولة مع الفتاة الصغيرة في أتجاه بيتها تكاد تركض في مشهد اثار استعجاب كل من لاحظه ..
وصلت اخيرا على اعتاب بيت براءة .. دفعت الصغيرة المصاحبة لها الباب ودلفت للداخل مسرعة تختبئ حتى لا يعلم من بالدار من المسؤل عن جلب الطبيبة في تلك اللحظة فتنجو من عقاب جدتها القاسية وابيها الخانع دوما لاوامر امه المتسلطة ..
اندفعت دلال لداخل الدار ووقفت في منتصف باحته الضيقة تتطلع حولها في تيه .. و اخيرا جاءتها صرخة ما شقت صدرها رعبا فاندفعت من حيث اعتقدت انها مصدرها دافعة بالباب الخشبي المهترئ لتجد نفسها وجها لوجه مع ام حبشي القابلة وجدة براءة وامها المغلوبة على امرها .. وجسد براءة الممدد هناك على الفراش جثة هامدة بلا حراك.. كانت تعتقد ان تلك الصرخة لبراءة .. لكنها كانت لامها التي كانت تولول وتلطم خديها في حسرة ..
اندفعت دلال دافعة بتلك القابلة الحقيرة مبعدة إياها عن الفراش حيث ترقد براءة لعلها تستطيع انقاذها قبل فوات الأوان ..
حاولت وحاولت ان تعيد للفتاة لون الحياة في ذاك الوجه الشاحب لكن الفتاة كانت غارقة في نزفها وما عاد بالإمكان لإنسان ان يتدخل فى احكام القدر..
فلقد فتحت براءة عينيها الكحيلتين لثانية واحدة وما ان طالعت وجه دلال حتى ابتسمت في وداعة و رحلت في هدوء ..
صرخت دلال فيها هاتفة :- براءة .. انا هنا متخافيش .. انا قلت اني مش هخليهم يضروكِ .. سامحيني .. فوقي عشان خاطرى ..
انطلقت صرخة اخرى من صدر الام المكلومة على طفلتها وساد بعدها صمت احد وطأة من صمت القبور ..
*******************
ثارت النسوة امام غرفة الكشف معترضات على غياب الطبيبة مما دفع الخالة وسيلة لأستطلاع الامر لتخبرها تلك المريضة التى شاهدت اخت براءة تصطحب دلال بكل ما حدث ..
اندفعت الخالة وسيلة في ذعر في اتجاه عفيف الذى دخل لتوه الى البيت الكبير هاتفة في اضطراب :- ألحج الداكتورة دلال يا عفيف بيه ..
انتفض عفيف هاتفا في قلق :- مالها يا خالة..!؟.. ايه في !؟ ..
هتفت الخالة وسيلة :- اخت براءة چت خدتها من وسط الحريم و محدش يعرف ايه اللي بيچرى ..
اندفع عفيف خارج الدار في اتجاه العربة مستقلا إياها على عجالة و اندفع بها فى سرعة باتجاه بيت براءة ..
وصل اخيرا وقفز من العربة مهرولا عندما استمع للصرخة المدوية التي انطلقت من الداخل ليجد دلال تصرخ فى براءة او بالاصح في جثمانها المسجى ليندفع باتجاها مطوقا كتفيها بذراعه جاذبا إياها بعيدا عن الفراش ومحاولا ان يخفف تشبثها بالفتاة المتوفاة..
تنبهت لوجوده اخيرا ونظرت اليه نظرات باكية كلها تيه وقهر هاتفة بصوت متحشرج :- انا وعدتها ان محدش هيقدر يضرها يا عفيف .. انا قلت لهم انها ضعيفة ومش هتستحمل .. لكن انا خزلتها .. ثم رفعت كفها الغارق في دماء الفتاة متطلعة اليه مستطردة في هزيان .. خزلتها ودمها على كفي وهيفضل ف رقبتي يا عفيف ..
ونظرت لأهل الفتاة الذين تجمعوا بالغرفة مطأطئ الرؤس منتحبين و صرخت في قهرمشيرة اليهم بيد مرتعشة ونبرة مقهورة :- دبحتوها .. كلكم دبحتوها ..ورفعت كفها صارخة من جديد .. دمها ف رقبتنا كلنا ..
كان عفيف يشد من ضم كتفيها محتملا ثقل جسدها بذراعه وهمس مهدئا بصوت متحشرج يكسوه تأثر لا يمكن إغفاله :- اهدي يا داكتورة .. انا لله وانا اليه راچعون ..
تنبهت الى وجوده من جديد فرفعت نظراتها الملتاعة اليه هامسة :- براءة ماتت يا عفيف .. براءة ماتت..
ودون سابق إنذار حررت نفسها من قبضة ذراعه واندفعت خارج الغرفة ومنها لخارج الدار…
كان هو باعقابها يحاول اللحاق بها وقد لاحظ وصول الشرطة و الدكتور طارق طبيب الوحدة ..
لم يكن يعلم الى اى الطرق اتجهت بين كل ذاك الزحام امام بيت براءة بعد صرخات امها التي جمعت الجيران ولا الى اين يمكنها الذهاب في تلك اللحظة وهى بتلك الحالة!؟.. اندفع يستقل عربته باحثا بناظريه عنها بكل اتجاه واخيرا وجدها تقف بمفترق طرق تبحث حولها عن شئ لا تدركه .. كانت كتائهة لا تحدد لها طريقا تسلكه .. اندفع في اتجاهها بالعربة وما ان هم بالوصول اليها حتى ظهرت زفة نادية بالطبول والمزامير تاهت بين زحامها وزغاريدها ليندفع هو بين بحر البشر ذاك حتى يصل اليها..
انتهت الزفة ليجدها تقف موضعها بنفس التيه لكنها تضع كفيها على اذنيها تحاول ان تمنع وصول تلك الطبول والمزامير الناعقة التي تنبئ بحدوث جريمة اخرى في حق فتاة اخرى ربما يكون مصيرها يوما كبراءة من الوصول لمسامعها..
همس بالقرب منها :- تعالي نرچعوا البيت يا داكتورة..
هزت رأسها لا يعرف ايجابا ام رفضا ام تشوشا وما ان همت بالتحرك موضع قدم حتى اغلقت الدنيا ابوابها امام ناظريها لتراها بلون الحزن .. ليتلقفها هو صارخا باسمها فى لوعة بين ذراعيه..
رواية زواج بالقوة الفصل الثالث عشر 13 - بقلم زهراء السعيد
اندفع حاملا إياها فى ذعر حقيقي لداخل البيت الكبير ولم يتنبه الا و هو يضعها على فراشه في عجالة و الخالة وسيلة تندفع مهرولة خلفه فى ذعر مماثل هاتفة فى لوعة :- ايه فى !؟.. الداكتورة مالها بعيد الشر!؟..
هتف عفيف بدوره في اضطراب :- معرفش يا خالة.. معرفش ...وجعت من طولها بعد ما مامت براءة جدام عنيها ..
هتفت الخالة وسيلة مفجوعة للخبر ضاربة بكفها على صدرها :- براءة ماتت!؟.. عيني عليكي يا بتي ..و على اللي نابك ..
تحرك عفيف في سرعة فى اتجاه طاولة الزينة جالبا زجاجة من عطراسقط بعض من رزازها على كفه التي قربها الى انفها في محاولة لإفاقتها لكن لا فائدة فقد ظلت على حالها ليضرب بخفة على خدها هامسا باسمها في اضطراب :- دلال .. دلال ..
تنبه انها المرة الاولى التي ينطق اسمها مجردا حتى ولو بينه وبين نفسه .. كان يهاب فعل ذلك وكأنه كان يدرك انه لو فعل فسيكون كمن ألقى تعويذة ما على قلبه حتى انه لن يعود قادرًا على ذكر امرأة سواها ماحيا لكنه فعل فى غفلة منه ونطق بأحرف اسمها في اضطراب جعله يشعر برجفة خفيفة بأوصاله و اهتزاز عجيب بأعماقه وارتجافه بفؤاده..
لكن همسه باسمها لم يوقظها كذلك اعاد الكرة متجنبا ذكر اسمها :- يا داكتورة ..
لم يفلح ذلك ايضا في إفاقتها ..كاد ان يصرخ هلعا واندفع في اتجاه الخارج باحثا عن طبيب لمداواتها ليصطدم بالدكتور طارق والذي جاء مسرعا بدوره للاطمئنان عليها..
هتف عفيف به كمن وجد طوق نجاة :- چيت ف وجتك يا داكتور .. الداكتورة فوج تعبانة جوي ..
اندفع طارق للأعلى وتبعه عفيف الذي وقف خارج اعتاب الغرفة يقسم انه يموت قهرا من شدة انفصامه .. فهاهو يجلب لها طبيبا لفحصها تاركا إياها معه بغرفة واحدة رغم وجود الخالة وسيلة الا ان ذلك لم يكن كافيا ليقلل من شدة استعار النيران بجوفه وما بين رغبته فى الاطمئنان عليها ورؤيته لها سالمة معافاة من جديد ..
ظل يتأرجح ما بين مشاعره المتناقضة تلك حد الهلاك حتى ظهر طارق من الداخل فتنفس الصعداء وهو يندفع اليه متسائلا :- خير يا داكتور .. ايه فى !؟..
هتف طارق متنهدا :- ذي ما اتوقعت يا عفيف بيه .. للاسف صدمة عصبية ..
هتف عفيف في اضطراب :- صدمة عصبية !؟..
اكد طارق :- ايوه .. الموقف اللي اتعرضت له مكنش بسيط عليها .. برغم اننا دكاترة وبنشوف ياما لكن واضح ان الدكتورة متعرضتش لمواقف مشابهة وخاصة اني عرفت ان البنت دي هى حاولت تمنع اللي حصلها وكانت أديتها وعد محدش هيقدر يضرها بس هى مقدرتش تمنع ده للاسف .. الدكتورة عندها احساس رهيب بالذنب ان لها يد ف اللي حصل لبراءة وانها كانت تقدر تمنع اللى حصلها وعجزت..
هتف عفيف فى ضيق :- لا حول و لا قوة الا بالله .. طب والعمل يا داكتور !؟..
اكد طارق :- متقلقش يا عفيف بيه .. فترة وهتعدي باذن الله بس اهم حاجة الهدوء والراحة وان محدش ينقل لها اخبار مش كويسة .. و الدكتورة دلال مؤمنة وعارفة ان كل حاجة باذن الله .. بس الصدمة كانت شديدة عليها شوية ..
اكد عفيف :- و نعم بالله ..
تحرك طارق نحو الدرج راحلا و مؤكدا :- انا ف الخدمة ف اى وقت يا عفيف بيه .. ابعت لى مناع بس هتلاقيني هنا ف ثواني لو جد اى جديد ..
هتف عفيف ممتنا :- شكرًا يا داكتور ..
هتف طارق :- العفو على ايه .. الدكتورة عزيزة علينا كلنا .. ربنا يقومها بالسلامة ..
تنحنح عفيف محاولا ان يسيطر على انفعالاته حتى تكون تحت السيطرة بعد تصريح طارق العادي في فحواه والغير عادي على الإطلاق بالنسبة لعفيف الذي هتف بلهجة تبدلت للرسمية فجأة :- متشكرين يا داكتور كلك ذوج ..
اندفع طارق يهبط الدرج هاتفا :- اروح اشوف ايه اللي تم ف موضوع براءة .. انا سبت شريف باشا بيعمل اللازم مع اهلها وجيت عشان اطمن ع الدكتورة ..
لم يكد يكمل طارق جملته وقد وصل لأسفل الدرج بالفعل حتى اندفع لداخل البيت الكبير النقيب شريف الذي هتف فى قلق :- خير!؟ ايه اللي سمعته ده !؟.. الدكتورة دلال !؟..
طفح الكيل .. فقد كان عفيف يغلي بموضعه اعلى الدرج غير قادر على التفوه بحرف واحد حتى لا يحرق الجميع .. فهتف طارق لشريف :- الحمد لله .. هى كويسة .. بس صدمة بسيطة وباذن الله هتعدي على خير ..
هتف شريف :- طب الحمد لله .. بس هى فايقة !؟.. يعني انا ممكن أشوفها !؟..
هم طارق بالإجابة الا ان عفيف هتف بصوت هادر:- جلنا انها بخير يا حضرة الظابط ..!!.. ايه .. نغنوها ع الربابة .. هى كويسة .. مكدب الداكتور يعني .. مجال حاچة بسيطة وهتجوم منيها باذن الله .. وبعدين متهئ لي في حاچات تانية مهمة برضك محتاچاك ..
لم ينفعل شريف كالعادة بل ابتسم فى هدوء :- يا عفيف بيه ما انا كنت بسأل عشان لو فايقة كان ممكن اخد منها كلمتين عن اللي تعرفه ف موضوع براءة ..ع العموم تمام يا عفيف بيه .. المهم انها بخير ..
شعر عفيف بتسرعه في الرد بهذا الشكل .. و اقسم ان ذاك الشعور الاحمق الذي يتملكه تجاه اي ذكر يقترب منها سيورده يوما ما مورد التهلكة .. تنبه على صوت شريف مؤكدا :- انا فعلا سبت كل اللى ف أيدي وجيت جرى اطمن ع الدكتورة وأشوف اقدر اعمل ايه .. هاروح انا بقى ..
هتف طارق بدوره :- خدني معاك يا شريف باشا ..
دعاه شريف برحابة صدر و انصرفا سويا ليزفر عفيف فى ضيق عندما اختفيا من امامه زفرة راحة لانه استطاع ان يتمالك أعصابه التي كانت تحترق فى وجودهما وقد ضاق ذرعا بلهفتهما على تلك الراقدة بالأعلى التى يشعر ان لا حق لاحد غيره في القلق عليها .. نعم .. حقه هو فقط ..
*******************
همس نديم متسائلا :- جمعتي كل حاجة لينا هنا !؟..
ابتسمت رغما عنها هاتفة :- ده على أساس ان لينا سنين هنا !؟.. دي هدومنا هي اللي حيلتنا ونصها لبسينه والنص الباجي ف الشنطة ..
ابتسم بدوره هاتفا :- على قولك .. بس اهو بسأل بحكم العادة .. ياللاه بينا ..
هتفت وقد تحولت نبرة صوتها الى نبرة مضطربة :- لسه ناوي ع القاهرة !؟..
اكد نديم وهو يفتح باب الغرفة مفسحا المجال لها لتمر حتى يغلق الباب ليسلم مفتاحه لاستقبال الفندق:- والله ما عارف .. سبيها على الله .. يمكن اول ما نوصل المحطة أغير رأيي .. خلينا نشوف الدنيا هتروح بينا على فين ..
اومأت برأسها ايجابا وانتظرته حتى اغلق الغرفة وتبعته في صمت راحلان الى اللامكان ..
****************
كان يزفر في ضيق لما حدث بالأسفل منذ دقائق .. الكل جاء للاطمئنان عليها بعد ان وصل لهم خبر ما حدث لها .. جميع الرجال بلا استثناء جاءوا مهرولين من اجل السؤال عنها .. تبا لهم جميعا ..
كان ذاك الشعور الداخلي تجاه اي رجل يتأكله فعليا وهو يطرق على باب غرفته لتطل الخالة وسيلة برأسها من خلف الباب هاتفة :- خير يا عفيف بيه!؟.. الداكتور جالك ايه !؟..
هز عفيف رأسه مؤكدا في هدوء :- خير يا خالة وسيلة .. كل خير باذن الله .. بجولك .. ناوليني چلبية انام فيها من چوه ..
هتفت وسيلة و كانها تنبهت فجأة :- واااه .. دِه جنابك چبت الداكتورة على اوضتك .. دلوجت هتنام فين!؟..
هتف عفيف بنبرة صوت منهكة :- ف اي حتة يا خالة .. مش هاتفرج كَتير .. ناوليني بس چلبية من عندك .. همّي ..
هتفت وسيلة وقد دلفت للغرفة بالفعل :- حاضر .. حلاً اهاا ..
تحركت الخالة وسيلة من امام باب الغرفة مما جعله بلا تعمد منه يرى جسدها المسجي على فراشه ..انها تحتل فراشه .. كما تحتل روحه.. شئ ما تحرك داخله جعله لا يقو على التطلع اليها من جديد فقد كان يكفيه نظرة واحدة .. مجرد نظرة فعلت به الكثير .. ظهرت الخالة وسيلة حاملة ما طلب وما ان هم بتناوله منها حتى أشاحت بكفها واندفعت خارج الغرفة هاتفة في تصميم :- و الله ما اسيبهم الا اما اعرف هتنام فين وأتأكد انك نايم ومرتاح ..
اكد عفيف :- هنام ف اى اوضة .. متشغليش بالك انتِ.. خليكِ چنب الداكتورة ..
اندفعت الخالة وسيلة حاملة اغراضه متجهة لأحدى الغرف و دفعت بابها هاتفة :- يبجى خليك ف اوضة ناهد .. انا عنضفها يوماتي من يوم ما..
قطعت الحاجة وسيلة استرسالها في الكلام وتطلعت الي وجهه الذي انقلبت سحنته الا انه لم يعقب بل على العكس دفع باب الغرفة ودلفها لتتبعه وسيلة في صمت وتضع اغراضه جانبا راحلة في هدوء لتتركه يكتر ذكريات مضت .. ذكريات تنكأ جرحا لايزل حيّا .
******************
هتفت ماجدة ام زينب تحاول استثارة فضول ابنتها لتتابع حديثها بدلا من تلك الاوراق التي تدفن بها رأسها :- انتِ عارفة مين اللي كلمني النهاردة !؟..
هتفت زينب بلا اهتمام في محاولة لمجاراة حديث امها :- مين يا ماما!؟..
هتفت ماجدة في سعادة :- الست شريفة .. ام حضرة الظابط اللي قبلته يوم ما كنت عندك ف المستشفى ..
انتفضت زينب وبدا عليها الاهتمام اخيرا مما جلب الابتسام لشفتي امها فقد استطاعت هذه المرة استثارة فضولها بحق لتسأل زينب في توجس :- اتصلت ليه يا ماما !؟..و جابت نمرتنا منين اصلا !؟..
اكدت ماجدة :- قالت لى ان دلال اديتها لحضرة الظابط .. و هى احتفظت بيها عشان لو تعبت تعرف توصل لك ..
هتفت زينب من جديد :- تمام يا ماما .. بس برضو اتصلت ليه !؟..
هتفت ماجدة :- وحياتك يا بنتي ما اعرف .. شوية تحيات على سلامات .. وخلاص ..
نظرت زينب الى امها نظرة متوجسة تشبه نظرة المفتش شارلوك هولمز وهو في سبيله لحل لغز عويص:- ماما ..قري و اعترفي .. ام حضرة الظابط كلمتك ليه !؟..
هتفت ماجدة في اضطراب :- يوووه .. والله ما قالت حاجة .. غير..
قاطعتها زينب هاتفة تتعجلها :- ايوووه .. غير ايه بقى !؟..
هتفت ماجدة معترفة داخليا بفشلها في الاحتفاظ باي سر:- غير انها بتدعيلك دايما لتعبك معاها ف المستشفى وأنك بنت ذي القمر .. و اي واحدة تتمناكِ لأبنها .. واستغربت انك ازاي لسه متجوزتيش لحد دلوقتي ..
انتفضت زينب صارخة :- وانتِ قولتلها ايه !؟..
انتفضت ماجدة بدورها :- والله يا بنتي ما قلت لها اي حاجة .. قلت لها النصيب لسه مجاش .. يعني هقول ايه غير كده !؟..
تنهدت زينب في راحة وعادت لتجلس موضعها لكن ما ان رأت الوجوم يرتسم على ملامح امها حتى نهضت من جديد مقتربة منها وانحنت تقبل هامتها هامسة :- كله بأوانه يا ماما ..
همست ماجدة باكية :- بقالك سنين بتقوليلي كده .. سنين مش قادرة ت..
قاطعتها زينب دامعة :- عشان خاطري يا ماما بلاش السيرة دي .. بلاش ..
همست ماجدة وهى تجذبها لأحضانها :- خلاص يا حبيبة امك.. خلاص .. بلاها اي حاجة تزعلك ..
انزوت زينب باحضان امها راغبة في الهروب من ذكرى بعيدة لكنها لاتزل ماثلة حية امام ناظريها .. لكن هل لها من مفر !؟..
*****************
كان يتطلع اليها الان من الطرف الاخر عبر الحديقة و قد امر الخالة وسيلة بإنزالها من عزلة غرفتها التى تجلس بها وحيدة رغبة منه في اخراجها من حالة التيه التى لاتزل تعتريها وذاك الصمت المطبق المصحوب بالدمع المنساب على خديها ..
كان شعوره بالذنب تجاهها يتضاعف كلما رأها على هذه الحالة فقد كان هو السبب فى جلبها من الاساس .. ليته ما دفعها رغبة فى حماية اخيها الوحيد للقدوم الى هنا .. فهنا ليس مكانها المناسب على اية حال .. فعادات وتقاليد النجع لاتناسبها وافكار أهله لم تعتدها ويبدو انها لن تستطع التأقلم يوما على طريقة التفكير اواسلوب التعامل ما حيت ... فهى من بيئة مختلفة شكلا وموضوعا ..
تنهد في حزن وهو يراها لاتزل تجلس بصحبة صمتها الذى يقتله قهرا عليها ولا حيلة لديه الا صمت مقابل .. فماذا عليه ان يفعل ليخرجها من هذه الحالة !؟..
احضر بدل من طبيب واحد ثلاثة أطباء وكلهم اجمعوا ان حالتها نتيجة صدمة قوية تعرضت لها و ان احساس الذنب يكبلها عن التعاطي مع العالم الخارجي الذي ترفضه ..
تقدم منها بخطوات متمهلة حتى جلس مجاورا لها على تلك الأريكة المنعزلة نوعا ما في احد جوانب الحديقة وتنحنح محاولا اجلاء صوته المتحشرج تأثرا وهمس:- ازيك دلوجت يا داكتورة!؟.. لم تجبه بالطبع وظلت على شرودها ليستطرد هو بنبرة يحملها الشجن.. انا عارف انك سمعاني بس مش عايزة تردي .. مخاصمه الكل وأولهم انا طبعا .. معلوم مش انا اللي چبتك على هنا .. و بسببي شوفتي اللي شوفتيه ده .. بس انا عايز اجولك كلمة يا داكتورة .. متحمليش نفسك فوج طاجتها .. انتِ عملتي اللي عليك .. و انا اشهد لك بكِده .. انتِ روحتى للولية الفجرية ام حبشي وحاولتي تچريها لسكتك و تكفي الحريم أذاها .. ومن جبلها حاولتي تخلي ابو براءة وامها يراچعوا نفسهم وجلتي ان البت ضعيفة ومش هاتستحمل .. و كان عندك حج.. و لما اختها الصغيرة چات لك عشان تلحجي اختها .. مترددتيش لحظة وانا شفتك هناك بتحاولي تلحجيها ولو كنتِ تجدري ساعتها تديها من روحك مكنتيش اتاخرتي ..
تنهد ولم يطرف لها جفنا لكلماته ليكمل مؤكدا :- اللي بجوله دِه شهادة حج يا داكتورة مش عشان انتِ تعبانة .. ربنا العالم انك تستاهلي اكتر من الكلام دِه مليون مرة .. واللي حصل لبراءة دِه مجدر ومكتوب مهما كانت الأسباب وانتِ انسانة مؤمنة بجضا ربنا ..و لا ايه !؟..
كان يتمنى ان ترد عليه بأي كلمة ان تصرخ ان تلعن حتى ذاك اليوم الذي رأته فيه عند باب شقتها باحثا عن اخيها الهارب لكنها لم ترد الا بصمت تام كان يمزق روحه ..
انتفض من موضعه جوارها عندما تنبه لدخول احدهم بوابة البيت الكبير .. كان حضرة الضابط شريف .. حاول ان يتمالك أعصابه التالفة من الاساس وهو يهتف بلهجة رسمية جعلت شريف يتطلع لموضعه القادم منه والذي كان يحتله بمجلسها المنزوي بالحديقة :- خير يا حضرة الظابط!؟..تحت امرك ..
ابتسم شريف فى أريحية متجها اليه هاتفا :- خير اكيد يا عفيف بيه .. انا نازل اجازة وقلت أجي اطمن ع الدكتورة قبل ما انزل ..
هتف عفيف وهو يضرب باطن كفه اليمنى على ظهر كفه اليسرى الممسكة بعصاه والمستندة عليها :- فيك الخير يا شريف بيه ..
هتف شريف متجاهلا نبرة عفيف المبطنة بالغضب:- على ايه يا عفيف بيه .. الدكتورة عزيزة علينا .. و ده اقل واجب ..
هتف عفيف بنفس اللهجة التى بدأت تمتزج بالسخرية :- لاااه الحجيجة يا شريف بيه انت جايم بالواچب و زيادة الصراحة ..
قهقه شريف هاتفا :- و لسه يا عفيف بيه .. الواجب الحقيقي مع الدكتورة متعملش ..
زم عفيف ما بين حاجبيه فى تعجب هاتفا :- جصدك ايه !؟.. واچب ايه اللي متعملش !؟..
ابتسم شريف في غموض هاتفا :- الدكتورة ليها جميل ف رقبتي و لازم أرده .. و هحاول أرده ف الاجازة الجاية باذن الله ..
هتف عفيف فى ضيق :- ايه الفوازير دي يا حضرة الظابط!؟.. چميل ايه !؟.. و ترده كيف !؟..
اكد شريف هاتفا :- انا هساعد الدكتورة تخرج من حالتها دي ..
تنبه عفيف هاتفا في تساؤل متحيرا :-كيف يعنى !؟
نظر شريف لساعة يده وهتف في عجالة :- هتعرف لو قدرت اعمل كده فعلا .. اشوف وشك بخير يا عفيف بيه اتاخرت جداااا ..
واندفع شريف مبتعدا قبل ان يشفي عفيف غليل فضوله لمعرفة ما الذي يمكن ان يخرج دلال من حالتها تلك ويقصده ذاك الاخرق و هو لا يعلم به ..
وأنار بعقله هاجس ما .. هل كان حضرة الضابط يقصد اخيها !؟.. لمعت عيناه في جزل وتمنى من صميم قلبه ان يكون الامر كذلك و ساعتها سينتهي هذا الوضع برمته وسيكون ذاك الضابط الاخرق قد أسدى له خدمة العمر بحق ..
****************
اندفع شريف إلى داخل المشفى متوجها رأسا الى غرفة الأطباء التى حفظ مكانها عن ظهر قلب .. طرق بابها المغلق لعله يفتح على محياها الذى اشتاقه كثيرا فى الفترة السابقة .. لكن ما من اجابة .. مرت به احدى الممرضات هاتفة :- مفيش حد جوه يا حضرت .. انت عايز مين !؟..
هتف بدوره :- الدكتورة زينب عبدالحكيم ..
اكدت الممرضة :- الدكتورة زينب بتاعت القلب !؟
اكد شريف مبتسما :- اه هى بتاعت القلب .. واستطرد هامسا :- واللي تاعبة القلب ومدوباه والنعمة ..
اكدت الممرضة :- على وصول .. استناها ف الاستقبال ..
اومأ برأسه موافقا وجلس على احد المقاعد القريبة من الغرفة لعله يلمحها وهى تدلف اليها ..
و ما هى الا دقائق حتى كانت ماثلة امام الباب تفتحه و تدخل للغرفة فانتفض وزاد وجيب قلبه وهو يراها بعد طول غياب .. لم يكن يعتقد ان ذلك سيكون حاله عند رؤيتها .. ماذا فعلت تلك المرأة بقلبه !؟.. فما ان يلمح محياها حتى يضيع ثباته وتبدأ كل موازينه فى الاختلال ..
طرق الباب وسمحت له بالدخول ليفتح الباب في هوادة مطلا برأسه من خلفه هاتفا فى محاولة للمرح رغبة فى مدارة ذاك الاضطراب الذى يعتريه ما ان يتطلع اليها :- السلام عليكم يا اعظم دكتورة قلوب ف بر مصر كله ..
انتفضت داخليا وحاولت استجماع شتاتها ما ان وصلتها نبرات صوته المرحة وتغلغلت حتى أعماقها .. كادت تبتسم لمرأه لكنها حاولت بل جاهدت حتى تتصنع الجدية كعادتها فى حضرته وردت تحيته المرحة بأخرى جادة باءت بالفشل الذريع لانها كانت مصاحبة بابتسامة على شفتيها معاكسة تماما لتلك الجدية و أفصحت عن الكثير وهى ترد :- و عليكم السلام يا كابتن .. حمد الله بالسلامة .. رجعت م النجع امتى!؟.. اكيد معاك رسالة من دلال…
تقدم لداخل الغرفة مما اثر على أعصابها كليا وجلس قبالتها و ابتسامته تلك تفعل بقلبها ما لم تخبره يوما وهتف مؤنبا :- هو انا مقدرش اجي ازورك الا لما يكون معايا رسالة من صاحبتك !؟..
أكدت زينب :- متهئ لى كده يا حضرة الظابط .. هو احنا عرفنا بعض اصلا الا من خلال دلال .. يبقى اكيد مجيتك بسببها ..
زفر في حنق هاتفا :- لا طبعا .. مش شرط على فكرة.. بس تصدقي.. انتِ عندك حق برضو ..
كادت تقهقه ضاحكة على ذاك الذي لا يستقر على رأي واحد وهتفت :- انا مش فاهمة حاجة الصراحة بس وماله .. هات جواب دلال وانا اشوف ايه الاخبار عندها ..
اكد مطأطئ الرأس :- الصراحة مفيش جوابات المرة دي منها .. بس ..
انتفضت داخليا وهتفت فى قلق :- بس ايه !؟.. دلال حصل لها حاجة!؟..
تنحنح فى محاولة لتوصيل الاحداث بشكل يقلل من وطأة صعوبتها وبدأ فى شرح الملابسات وما ألت اليه حالة دلال ..
انتفضت من موضعها واقفة وهى تهتف في عزم:- انا لازم اروح لها .. و لو قدرت هرجعها .. مش ممكن اسبها هناك مع الراجل المتوحش ده اللي اسمه عفيف ..هى ملهاش ذنب ان ..
وفجأة توقفت عن متابعة كلامها الذى يفضح عن امر ما لا يعرفه فتطلع اليها فى تعجب متسائلا :- ملهاش ذنب ف ايه بالظبط !؟.. هو ايه الحكاية !؟..
اندفعت باتجاه الباب متحججة بان موعد فحوصاتها قد حان و هتفت مؤكدة:- انا اتاخرت قووى على المرضى بتوعي .. ع العموم .. متشكرة جدا يا كابتن انك جيت قلت لي اللي بيحصل لدلال .. وذي ما قلت لك انا مش هسبها وهروح لها.. حضرتك راجع امتى النجع!؟..
هتف شريف في لهفة :- المفروض بعد يومين .. بس لو حابة أقطع الاجازة ونسافر سوا حالا ..
اكدت :- لا .. يا دوب اجهز حالي وابلغ والدتي .. ونتفق نتقابل ازاي عشان طبعا مش هعرف أوصل النجع لوحدي ..
اكد فى سعادة :- اكيد طبعا .. هكلمك ونتفق ..
اومأت فى هدوء وألقت التحية على عجالة ورحلت مخلفة اياه وراءها تتقاذفه الفرحة لان الفرصة واتته ليكون معها و يرافقها في سفرها ..
******************
أقنعت امها اخيرا بموافقتها على السفر الى دلال بقلب الصعيد وما جعلها تطمئن في الاساس هو معرفة امها بان شريف سيكون رفيقها في رحلتها الى حيث ترقد دلال مريضة ..
كانت قد هاتفته لتؤكد له على موعد اجتماعهما للسفر وقد أزف الوقت و هى لاتزل تجمع حاجياتها في عجالة ..
زفرت فى ضيق عندما تناهى لمسامعها طرقات على باب شقتها و هى غير مؤهلة حاليا لأى زوار من شأنهم تعطيلها عن حزم امتعتها ..
اندفعت للباب تفتح في عجالة وما ان رأت الطارق حتى شهقت فى تعجب هاتفة :- نديم !؟..
ابتسم نديم في حرج هامسا :- معلش .. انا عارف انى جيت فجأة ومن غير ما اكلمك بس اعذريني .. اصل ..
هتفت زينب موبخة :- انت بتقول ايه !؟.. ده بيتك وبيت دلال .. انت تيجي ف اي وقت .. اتفضل ..
هتف مضطربا :- انا مش لوحدى .. انا ..
هتفت زينب وهى تتطلع الى حيث يشير وقد وقعت عيناها على ناهد:- طبعا عارفة ..مراتك ..اتفضلوا
دلف نديم وخلفه ناهد على استحياء ليهتف متعجبا :- انتِ عرفتي منين اني اتجوزت !؟.. ده حتى دلال متعرفش ..
اضطربت زينب ولم تعلم كيف توضح له الامر لكنه عاجلها بسؤال اخر اعتقدت انه أنقذها من اجابة الاول فإذا به يورطها اكثر:- هي دلال فين يا زينب !؟.. برن عليها تليفون البيت كتير مش بترد ..
هتفت في مراوغة مرحبة من جديد وهى تشير للصالون :- طب اتفضلوا يا نديم.. هو احنا هنقف نتكلم كده ع الباب !؟..
دخل نديم غرفة الصالون وتبعته ناهد ولم تنطق بحرف واحد.. جلسا فى صمت حتى هتف نديم متسائلا من جديد:- انتِ طبعا بتشوفي دلال يا زينب !؟..
اضطربت زينب و ساد الصمت .. ليهتف نديم في قلق :- ايه !؟.. هو دلال مرجعتش لسه من السفرية اللى راحتها دى ولا ايه !؟..
ساد الصمت من جديد و لم ترد زينب على اي من أسئلته ..
انتفض نديم هاتفا في حدة عندما طال صمتها وبدا واضحا انها تخفي شيئا ما:- في ايه يا زينب !؟.. ما تفهمينى !؟.. دلال جرالها حاجة!؟..
انتفضت زينب على رنين باب الشقة واتخذته ذريعة لتبتعد عن نديم لبرهة متعللة بالذهاب لرؤية الطارق ..
فتحت زينب الباب لتشهق فى تعجب للمرة الثانية في خلال النصف ساعة الماضية فيبدو ان اليوم يوم المفاجآت وهتفت فى دهشة :- حضرة الظابط !؟.. هو مش احنا ..
هتف شريف مقاطعا إياها في مرحه المعتاد :- والله لقيتك اتاخرتى .. قلت أجي أجيبك بنفسي عشان اضمن انك مسافرة فعلا .. صاحبتك محتاجاكِ ومعتقدش انك هتتأخري عليها ..
هتفت زينب في اضطراب :- ايوه .. ايوه اكيد .. مش ممكن أتأخر .. بس ..
كانت زينب تتطلع لباب حجرة الصالون الذي كان مفتوحا و اضطرابها تزداد وتيرته مع كل لحظة خوفا من ان يكشف شريف حقيقة وضع دلال فيسمع نديم و يحدث ما لا يحمد عقباه .. و لأن كل متوقع آت .. هتف شريف :- الدكتورة دلال لو تعرف بس انك رايحة لها .. هتخف من قبل ما توصلي .. دي ..
اندفع نديم من الصالون هاتفا فى ذعر :- دلال عيانة !؟.. مالها !؟.. و انتِ رايحة لها فين يا زينب !؟ حد يفهمني في ايه !؟..
صرخ بجملته الاخيرة فلجم كل من زينب وشريف عن النطق للحظات و اخيرا هتف شريف متعجبا:- طب ممكن قبل ما اجاوب .. اعرف حضرتك مين بالظبط !؟..
وضعت زينب كفها الذى يرتعش تخبئ وجهها فقد انكشف الكثير من المستور وخاصة عندما اندفعت ناهد من داخل الصالون على صراخ نديم مستفهمة ليتطلع اليها شريف مشدوها واخيرا زم ما بين حاجبيه في تعجب هاتفا :- آنسة ناهد النعمانى !؟.. حضرتك بتعملي ايه هنا
رواية زواج بالقوة الفصل الرابع عشر 14 - بقلم زهراء السعيد
دخلت زينب غرفة الصالون حاملة صينية عليها أكواب من الشاي و العصير .. وضعتها امام شريف و نديم وجلست جوار ناهد وامتدت يدها لكوب العصير تعطيها اياه فى محاولة لتهدئتها بعد نوبة البكاء التي انخرطت فيها ما ان ادركت حقيقة ما يجري ..
رفع نديم رأسه من بين كفيه التى كانت تستكين عليهما من ضجيج الافكار الذي يشملها وتطلع لزينب وشريف هاتفا :- انا رايح معاكم..
هتفت زينب في صدمة :- رايح معانا فين !؟..
هتف شريف بدوره :- بصراحة يا نديم بعد اللي عرفته ده معتقدش ان مرواحك النجع وخاصة ف الظروف دي هيكون قرار صحيح..
أنتفض نديم صارخا :- امال اسيب اختي بين أيدين البني ادم ده وأقف اتفرج !؟..
هتفت ناهد بحدة صارخة :- اخويا ميتجالش عليه كِده .. اخويا سيد الرچالة وعارف الأصول ومش ممكن يضر اختك مهما حصل ..
هتف نديم صارخا :- امال ايه اللى حصل لها !؟.. هو ده مش ضرر!؟ .. لما تقع من طولها و متبقاش بتتكلم م الصدمة .. كل ده مش ضرر .. عيزانى أسيبها هناك لحد ما يحصل لها ايه تانى !؟..
هتف شريف فى محاولة لتهدئة الوضع فقد شعر بالذنب لانه سبب إشعال الموقف بهذا الشكل من الاساس :- استهدى بالله كده يا نديم وفعلا والله اللي هقوله ده شهادة حق هتحاسب عليها قدام ربنا…عفيف بيه بيعامل الدكتورة دلال احسن معاملة وعمره ما ضرها .. وكل اللي ف البلد عارفين انها تحت حمايته وف ضيافته .. ده اولا .. ثانيا .. صدمة الدكتورة دلال كانت م الظروف اللي اتعرضت لها هناك لاختلاف الثقافة وانا شخصيا ف اول لقاء معاها حذرتها من الوضع .. بس هى مسمعتنيش للاسف .. دلوقتى ظهورك وهى ف الحالة دي ممكن يخلى حالتها اسوء خاصة انه اكيد هيحصل بينك وبين عفيف بيه ما لا يحمد عقباه .. عشان كده انا بطلب منك تحكم العقل شوية واستنى بس لما نسافر انا و الدكتورة زينب وتتحسن حالتها شوية واكيد لما الدكتورة زينب ترجع من عندها هتقولك على كل حاجة وخبر ظهورك اللي هتقولهولها الدكتورة زينب اكيد هيفرق ف تحسن حالها .. ساعتها يا سيدي ابقى اعمل اللى تشوف ان فيه الصالح للكل .. تمام ..
هتفت زينب مؤيدة :- تمام جدااا .. ده عين العقل يا حضرة الظابط ..
ابتسم شريف في سعادة منتشيا لاستحسانها رأيه وكاد ان يلق بأحد تعليقاته الا انه توقف في اللحظة الاخيرة مدركا حساسية الموقف ..
تنهد نديم ولم يعقب على رأي شريف وكذا ناهد التي ألتزمت الصمت وما جفت دموع عينيها ..
لتستطرد زينب موجهة حديثها لنديم في محاولة لأخذ وعد منه بعدم التهور في اتخاذ القرار :- نديم.. اللي عملته دلال كله كان عشان خاطر تحميك .. متجيش تضيع كل ده بقرار متهور .. ارجوك .. اصبر بس لحد ما ارجع من عندها واقولك الاخبار بنفسي وأوصلك رأيها هى كمان وبعدها قرر ..
تنهد نديم من جديد و همس في نبرة تحمل وجع وانكسارلايستهان بهما :- طيب ..
هتف شريف مبتهجا :- اهو ده الكلام ..
هتفت زينب فى ارتياح :- تمام .. بس انتوا قاعدين فين !؟.. أوعوا تفكروا تروحوا ناحية شقتكم يا نديم!؟..
هتف نديم محرجا :- والله فكرت يا زينب .. اصل مكنش في طريق تاني غير كده ..بس ربنا هدى تفكيري اني اجيلك ..
هتفت زينب معاتبة :- طبعا ده بيتك التاني … هو مش بيت اختك يبقى بيتك ولا ايه !؟..
هتف نديم ممتنا :- و الله ما عارف اقولك ايه يا زينب .. طبعا اختي و انت ودلال ف معزة واحدة وربنا يعلم ..
تنحنح شريف لا يعرف لما شعر بوخز من غيرة لهذه الحميمية و هتف متعجلا إياها :- طب مش ياللاه يا دكتورة .. خلينا نستعجل عشان منوصلش النجع بالليل متأخر..
هتفت زينب :- اكيد يا حضرة الظابط .. حالا .. و انت يا نديم .. باتوا مع ماما انت وناهد النهاردة .. اهوهبقى مطمنة عليها انها معاكم ومش هتبات لوحدها.. هى فى زيارة لواحدة قريبتنا ف اول الشارع وزمانها على وصول .. هبلغها الموضوع وانت عارف هى بتعزك انت ودلال قد ايه .. و باْذن الله من بكرة هخليها تجيب واحدة تنضف الشقة اللى جنبنا وتقعدوا فيها .. ده فعلا آمن مكان ليكم.. لان زي ما انت عارف البيت كله بتناعنا ولا حد هيطلع ولا ينزل الا بمعرفتنا ..
هتف نديم :- كتر خيرك يا زينب .. هنتعبكم معانا..
نهضت زينب متوجهة لخارج الصالون متعجلة و هتفت فى عتاب :- متقلش كده يا نديم .. و باذن الله خير ..
ساد الصمت عندما غادرت زينب الغرفة حتى هتف شريف موجها حديثه لنديم :- تخيل .. انا مفتكرتكش اول ما شفتك .. رغم اني شفتك مرتين كده ف النجع بس من بعيد .. كان وقت ما كنت بتنزل عشان مواعيد الري وكده ..
هز نديم رأسه مؤكدا:- و انا كمان مكنتش اعرف حضرتك قووي .. استنتج شريف هاتفا :- يمكن عشان كل واحد فينا لسه منقول للنجع جديد مبقلهوش كام شهر ومحصلش احتكاك اوتعامل..
اكد نديم:- اه فعلا .. عندك حق .. استطرد شريف مبتسما :- انا كنت بسمع عنك .. بس الشهادة لله سمعت كل خير .. انا مستعجب اني مخدتش بالي من تشابه الاسماء .. انا شكلي بقى وحش قوووي الصراحة .. زمانكم بتقولوا ده طلع ظابط ازاي ده !؟..
اكد نديم مبتسما :- لا العفو يا شريف بيه .. انت كان هايجي على بالك ازاي الحدوتة دي ..
اكد شريف :-الصراحة متجيش على بال حد .. وعفيف بيه بيعامل الدكتورة دلال معاملة محترمة جدااا ومديها صلاحيات كبيرة وعمر ما حد يشك ان فيه عداوة بينهم من اي نوع .. يعني .. بخصوص موضوعك انت والانسة .. اقصد مدام ناهد ..
اصطبغ وجه ناهد بلون احمر قان خجلا ولم يعقب نديم الا ان شريف استطرد مؤكدا :- بس الشهادة لله انت والدكتورة دلال ناس محترمة واخلاقكم عالية ..
هتف نديم :- ربنا يحفظك يا حضرة الظابط ..
هتفت زينب اخيرا قاطعة استرسال حديثهما:- ياللاه يا حضرة الظابط .. مش بتقول اتأخرنا ..!؟..
انتفض شريف مندفعا خارج الصالون لاحقا إياها ليكون اخر من يصدر صوتا هو باب الشقة بعد ان اُغلق خلفهما راحلين تاركي نديم و ناهد يغمرها صمت صاخب ..
*******************
جلس شريف بجوار زينب داخل عربة القطار التى تقلهما للنجع .. ساد الصمت بينهما لفترة لا بأس بها حتى قطعه شريف هامسا :- عجيب قوي اللي بيحصل ده !؟..
همست زينب بدورها دون ان تلتفت اليه متطلعة من النافذة على المشاهد التى تتوالى امام ناظريها والقطار يجري فى اتجاه وجهتهما المنشودة :- ايوه فعلا عجيب ..
همس مازحا :- اول مرة توافقيني على حاجة ..
تنبهت وتطلعت اليه ولم تعقب ليستطرد هو مؤكدا :- لا الصراحة دي تاني مرة .. المرة الاولى لما وافقتي على كلامي وانا بقنع نديم بوجهة نظري ..
همست بتهور :- واضح انك مركز يا حضرة الظابط..
اكد مازحا :- ده انا مركز ع الاخر .. مركز تركيز لو كنت ركزت نصه ف الثانوية العامة كنت طلعت م الأوائل…
كادت تنفجر ضاحكة الا انها كالعادة امسكت ضحكاتها وتوجهت بناظريها باتجاه النافذة من جديد ليهتف هو فى محاولة منه لتبادل أطراف الحديث معها :- بس بجد .. سبحان الله .. بقى نديم يجي م القاهرة يشتغل ف النجع عشان يشوف ناهد اخت عفيف ويحبها و يهرب معاها ويفضلوا كده هربانين من اخوها وخايفين منه وهو ياخد اخته رهن عنده عشان يخليه يظهر وينتقم منهم .. دى حكاية ولا ف الأفلام ..
هتفت زينب :- انا كنت زيك كده اول ما جت دلال وحكت لي .. و حاولت أمنعها انها تروح مع عفيف ده .. بس دلال تعمل اي حاجة ف الدنيا عشان خاطر نديم وكانت شايفة ان وجودها هناك هيخليها قريبة وعارفة ايه اللى بيحصل و اذا كانوا لقيوا اخوها ومراته ولا لأ وساعتها ف اعتقادها كان ممكن تتصرف عشان تخفف من عقاب عفيف ليهم ..
اكد شريف متنهدا :- فعلا الحب بيعمل المعجزات..
اكدت زينب هامسة :- ايوه .. حب دلال لاخوها نديم ممكن يخليها ترمى نفسها ف النار مش مع حد زي عفيف ده وبس ..
هتف شريف متعجبا :- دلال ونديم ايه ..!؟.. انا بتكلم على حب نديم لناهد .. معقول حبها للدرجة اللي خلته يغامر بالشكل ده !؟..
اكدت زينب في تعقل :- انا على الرغم من معزتي لنديم الا انى مش شايفة ان ده حب ده انتحار .. ده جنان رسمي ..
اكد شريف حالما :- وهو الحب ايه الا جنان .. رسمي بقى ولا نظمي ولا فهمي .. المهم انك تتجنن .. احلى حاجة ف الحب جنانه ..
سخرت لتداري وجيب قلبها الذى تضاعف مع كلماته التي تصف الحب بهذا الشكل هاتفة :- واضح انك خبير يا فندم ..
انتفض مستديرا تجاهها يقسم فى صدق :- و الله ما حصل .. اقصد انه حصل .. اقصد انه لسه حاصل..
ثم همس في غيظ :- يا دي النيلة .. اقولها ايه دي..
كانت هى تداري ضحكاتها دافنة وجهها في نافذة القطار تتظاهر باللامبالاة وهى تكاد تموت لكتمانها قهقهاتها على اضطرابه بهذا الشكل واخيرا هتفت فى سخرية متطلعة اليه :- صادق .. صادق ..
زم هو ما بين حاجبيه متصنعا الغضب لتبتسم هى رغما عنها و تعاود النظر من النافذة تحاول استيضاح بعض من معالم الطريق الذي بدأت العتمة في اخفائها شيئا فشيئا ..
*****************
بعد رحيل زينب و شريف ظلا على حالهما جالسين بغرفة الصالون لا ينظر احدهما للأخر .. كان كلاهما يتجنب النظر لصاحبه حرجا ووجعا حتى دخلت عليهما ماجدة ام زينب هاتفة :- ايه يا ولاد هو انتوا هتفضلوا قاعدين عندكم كده !؟.. و توجهت بحديثها لنديم معاتبة :- ايه يا نديم !؟.. طب ناهد ومتعرفناش ولسه متعودتش علينا .. انت بقى ايه حجتك ف القاعدة دي!؟..هو ده مش بيتك ولا ايه يا حبيبي !؟..
انتفض نديم مؤكدا :- اه طبعا يا طنط ..بيتي طبعا وربنا يعلم انا بعتبرك زي امي الله يرحمها ..
هتفت ماجدة فى اسف :- الله يرحمها كانت ونعم الصحبة ..
واستطردت بعد لحظات صمت :- ياللاه قوم انت ومراتك انا جهزت لكم الأوضة جوه .. ادخلوا ارتاحوا لحد ما اجهز لكم العشا ..
انتفضت ناهد عند ذكر الغرفة هاتفة في اضطراب:- انا چاية اساعدك يا طنط .. ممكن !؟..
اكدت ماجدة :- اه طبعا يا حبيبتي .. بس انا كنت عيزاكِ تستريحيلك شوية ..
اكدت ناهد فى محبة :- انا مش تعبانة والله .. اسمحيلى اساعدك..
هزت ماجدة رأسها ايجابا وسارت امامهما لتقف عند باب احدى الحجرات مشيرة :- اوضتكم اهى يا نديم .. خش يا حبيبي ارتاح .. و لما نخلص العشا هناديك ..
هتف نديم :- تسلمي يا طنط .. هنتعبك ..
هتفت ماجدة معاتبة :- تعب ايه !؟.. اوعى تقول كده لازعل بجد ..
ابتسم نديم ودلف للغرفة وهو لايزل يتحاشى النظرالى تلك التي تتجاهله بدورها والتي تبعت ماجدة للمطبخ دون ان تلق بنظرة واحدة تجاهه ..
دخل الى الغرفة يغلي غضبا من رد فعلها .. ماذا كانت تتوقع منه بعد ان علم ما فعله اخوها بأخته التي اضطرت ان تضع نفسها في مهب الريح لانقاذه وهى لا ناقة لها ولا جمل في الامر برمته ..
تمدد على الفراش متنهدا في وجع يشعر ان كل عضلة من عضلات جسده متشنجة تئن في ألم صامت يستشعره ينخر روحه ..
اما ناهد فقد وقفت بذهن غائب تساعد ماجدة التي اخذت فى تبادل الحديث معها على أمل اخراجها من عزلتها التى استشعرتها كأم فحاولت ولكنها لم تفلح فقد كانت اجابات ناهد كلها مقتضبة توحي بحزن دفين يشملها كليا .. تم إعداد العشاء ووضع أطباقه على المائدة فهتفت ماجدة:- روحي بقى يا ناهد نادي جوزك ..
كانت تحاول ان تتحاشى التعامل معه لكن الامور تضطرها دوما لفعل أشياء ليست من اختيارها ..
اومأت في هدوء وتوجهت نحو الغرفة .. فكرت في طرق الباب لكنها تراجعت فماذا ستظن ماجدة اذا ما فعلت .. دلفت للحجرة في سرعة تغض البصر قدر إمكانها و هتفت :- العشا چاهز ..
لم تتلق ردا فرفعت رأسها في حذّر متطلعة للغرفة بنظرة سريعة حتى وقع ناظرها على الفراش الذي يتمدد عليه بملابسه التي لم يخلعها حتى موليا ظهره لها .. توجهت قبالته لتكتشف انه قد استغرق في نوم عميق وقد ارتخت ملامحه المتشنجة منذ علم بموضوع اخته .. هى لا تلمه .. هى تلوم الظروف التي وضعتهما وجها لوجه مع تحدي من الواضح انه اكبر من إمكاناتهما .. تنهدت في يأس وهمست في هدوء :- نديم .. نديم ..
لم يحرك ساكنا فيبدو ان الإنهاك بلغ منه مبلغا كبيرا جعله يغرق في النوم بهذا العمق ..
تحركت خارج الغرفة ومنه لطاولة العشاء هاتفة لماجدة :- الظاهر نديم م التعب نام ..
هتفت ماجدة في إشفاق :- يا حبيبي .. نوم العافية.. خلاص لما يقوم يبقى ياكل على مهله .. تعالي انت بقى كليلك لقمة ونسيني ..
جلست ناهد تتناول عشاءها مع ماجدة .. كان بودها ان تعتذر فهى بدورها لم تكن تشعر برغبة في تناول اي طعام لكنها لم تستطع ان تترك ماجدة تتناول عشاءها وحيدة فجلست على مضض وما ان رأت انه من المناسب الاستئذان الان حتى فعلت وأسرعت الي غرفتهما.. دلفت للغرفة ليطالعها جسده الذي لا يزل على حاله مسجيا بطول الفراش بكامل ملابسه .. تطلعت حولها لا تعلم اين يمكنها النوم ولا يوجد حتى أريكة صغيرة يمكن ان تتمدد عليها حتى الصباح ..
شعرت بالرغبة في البكاء من جديد فاعصابها متوترة وتحس انها على حافة الانهيار فكل ما حدث في الفترة السابقة ظهر فجأة مطلا برأسه كأحد الوحوش المرعبة التي تثير مخاوفها وذعرها مما هو آت..
جلست على المقعد الوحيد الموجود بالغرفة و الذي كان مواجها لموضع نومه وتطلعت نحوه تتساءل كيف لها ان تحبه !؟.. كيف ومتى حدث هذا !؟.. انه زوجها وليس كذلك .. وهو حبيبها وليس من المفترض عليها ذلك .. هما هنا مجتمعان لكنهما ابعد ما يكونا عن بعضهما منذ ان رحلا سويا من نجع النعماني ..
سالت دمعاتها وهتفت لنفسها في ثورة :- فوجي يا ناهد .. فوجي .. محدش عارف اخرت اللى بيحصل ده .. وانتِ تجوليلى حب ومعرفش ايه .. باينك اتچنيتي يا بت النعماني..
هزت رأسها مؤيدة لحديث نفسها و أشاحت بناظريها بعيدا عن منبع وجعها ومصدر شقاء قلبها القابع هناك على الفراش وحيدا دونها ..
*******************
شعر بسعادة غامرة ربما تكون المرة الأولي بحياته التي يستشعر بها هذا الكم من السعادة كل هذه الفترة .. فترة بقاء رأسها الصغير المسند على كتفه بهذه الوداعة ..
غلبها النعاس فقد فاتهما القطار الذي كان من المفترض ان يستقلاه بسبب زيادة نديم وناهد المفاجئة لها.. فأخذا هذا القطار الذي لن يصل بهما الا فى الصباح الباكر .. كان يبدو انها مرهقة بشكل كبير .. فقد غفت رغما عنها وما ان اخذتها سِنة من نوم حتى مال رأسها الصغير الصلب تجاه كتفه في حميمية أسعدته ولم يتحرك قيد انملة خوفا من إيقاظها .. ورغم عضلات كتفيه التي تيبست الا انه كان منتشيا لا لشئ الا لاعتقاده ان شعورها بالامان هو الذي دفعها لتغرق في النوم وهي الى جواره .
حبس انفاسه الان وهو يسمع تنهداتها الرخيمة وبدأت فى تعديل موضع رأسها فى محاولة لإراحة رقبتها التي على ما يبدو بدأت تؤلمها فهو خبير بساعات السفر الطويلة في القطار ويعلم ما تفعل بفقرات الرقبة والظهر ..
تغيير موضع رأسها بهذا الشكل جعل ملامح وجهها الدقيق تحت مجهرعينيه الشغوفة بالمعرفة .. تطلع الى تفاصيل ذاك الوجه المليح الدقيق التفاصيل واستمتع في نشوة بالترحال عبر كل تفصيلة حتى توقفت نظراته على بوابات الثغر الخطرة فتنهد رغما عنه مضطربا مما دفعها لتنتفض مستيقظة يصحبها الذهول لا تدرك اين هى بالضبط .. تصنع النعاس في سرعة ومهارة حتى لا يشعرها بالحرج وخاصة عندما سمع شهقتها المكتومة حين ادركت ان رأسها قد وجد ملجأ له على كتفه .. و سمعها كذلك تهمس فى اطمئنان :- الحمد لله .. طلع نايم ..
كاد ان يبتسم رغما عنه وفكر ان يشاكسها بالرد عليها مؤكدا على استيقاظه التام وانه ظل حارس امين على اميرته الناعسة طوال فترة سباتها الا انه اثر الصمت و التظاهر بالنوم فعلا ..
كان يتطلع اليها الان مثل ذئاب الجبل بنصف عين ليراها تعدل من هندام حجابها امام مرآة صغيرة أخرجتها من حقيبتها .. ابتسم وما عاد قادرًا علي التظاهر بالنوم وهو فى حضرة هذا الجمال ..
تنحنح هامسا مدعيا استيقاظه لتوه :- صباح الخير يا دكتورة ..
همست وهي تحاول ان لا تدع عينيها تسقط على كتفه التى كانت ملاذها منذ دقائق :- صباح النور ..
قرر مشاكستها كالعادة فهمس بلهجة متسائلة تحمل بعض من خبث :- يا ترى نمتي كويس !؟.. ولا الخدمة معجبتش حضرتك ..
اكدت مضطربة :- اه .. اه الحمد لله .. تمام ..
مر العامل المخصص لجلب المشروبات والأطعمة لمسافري القطار ليسألها شريف في أريحية :- نفطر بقى .. لحسن الواحد ميت م الجوع ..
ابتسمت هامسة :- بالهنا والشفا .. انا مبفطرش ..
انتفض معاتبا:- مبتفطريش ايه !؟.. ده غلط على صحتك .. لااا .. لازم تفطري .. وتفطري كويس كمان .
وضعت كفها على فمها تمنع قهقة عالية كانت فى سبيلها للانطلاق بحرية واخيرا هتفت :- مالك قلبت على ماما كده ليه يا سيادة النقيب!؟.. هي عشان وصتك عليا يبقى تحل محلها ..!؟..
قهقه في أريحية مؤكدا :- طبعااااا .. انا بنفذ الأوامر كما انزلت .. انتِ عيزاها تغضب عليا وتزرفني دعوتين يجبوني الارض ... حرام عليكِ يا دكتورة .. ده احنا بنتشعلق ف رضا ربنا ..
كتمت قهقهاتها كالعادة وخاصة انها محاطة بالعديد من البشر منهم من لم يستيقظ بعد داخل القطار في هذه الساعة المبكرة صباحا ..
هتف شريف ينادي العامل طالبا افطار لشخصين وكوبين من الشاي لتعاجله زينب مؤكدة :- خليه نسكافيه عشان بجد عايزة افووق ..
اكد شريف للعامل :- خليهم اتنين نسكافيه ..
مد شريف كفه اليها بكوبها الذي تناولته وبدأت فى ارتشافه ليمتعض هو هامسا متقمصا دور امها :- الفطار الاول يا بنتي.. اقول للعريس اللى هايجي يتجوزك ايه!؟..بتشرب النسكافيه على معدة فاضية !!.. يا دى الفضيحة ام جلاجل يا دى الجرسة ام حناجل ..
كادت ان تغص برشفة النسكافيه التي ابتلعتها في صعوبة ووضعت الكوب جانبا وبدأت في السعال و اخيرا همست و على شفتيها ابتسامة :- لاااا .. انت كفاياك كده دور ماما ده .. و الله لو امي اصلا شافتك و انت بتقلدها كده والله ما تدخلك بيتنا تاني ..
هتف مذعورا :- لا خلاص .. كله الا كده .. ده انا عايش على امل اني ادخل بيتكم .. تاني و تالت و رابع كمان ..
اضطربت وغابت ابتسامتها و أزاحت بناظريها الى النافذة من جديد في محاولة لتجنب نظراته التي تسرق راحة بالها وتدفع بها الي دنيا جديدة ما وطأت عتباتها كما كانت تعتقد يوما ..
******************
طرق باب حجرته التي كانت لاتزل تبيت بها بصحبة الخالة وسيلة .. ما أراد لها العودة لحجرتها بالمندرة حتى لا تستشعر الوحشة هناك وتكون قريبة من حجرة ناهد التي يحتلها اذا ما جد جديد قد يطرأ على حالتها التي لاتزل على وضعها من الشرود والتيه ..
انفرج الباب عن محيا الخالة وسيلة التي كانت تتثاءب معلنة رغبتها في النوم هامسة بنعاس :- خير يا عفيف بيه !؟..
همس عفيف محرجا وهو يغض الطرف عن ذاك الجسد المسجي هناك بغرفته محتلا فراشه :- معلش يا خالة وسيلة جلجتك .. بس في اوراج مهمة ف خزنة الدولاب .. كنت فاكر اني حاططهم ف المكتب طلعوا هنا وانا محتاچهم ضروري عشان هطلع بيهم مشوار من بعد الفچر ..
مد كفه بمفاتيح الخزينة مخرجا إياها من قلب جيب جلبابه مستطردا:- خدي افتحيها وهاتي الظ..
قاطعته الخالة وسيلة هاتفة :- واني ايه دراني بالحاچات دي يا عفيف بيه !؟.. ادخل چيب حاچتك يا ولدي..
هتف متعجبا باضطراب:- ادخل!؟..ادخل فين !؟..
هتفت وسيلة ببساطة :- ادخل اوضتك چيب حاچتك .. و ان كان ع الداكتورة .. أهي نايمة مش دريانة بحاچة ياولداه بعد الأدوية اللي الدكاترة كتبينهالها ..و أديني واچفة اهااا لحد ما تخلص امورك..
تنحنح عفيف وكأن دلال مستيقظة و تسمعه يستأذن للدخول .. فعلها بعفوية وانطلق في اتجاه خزانة ملابسه فتح ضلفتيها وانحني يعبث بأزرار خزينة الاوراق بكف مرتعش حتى فتحها وجذب منها ملفه المطلوب وما ان هم بالاندفاع في طريقه تاركا الغرفة حتى سمع همهماتها فتوقف متسمرا موضعه.. كانت تهزي بأسم اخيها الغائب .. تردده ببطء أوجعه ..ورغم ذلك جاهد حتى لا يرفع ناظريه اليها .. كان مطرقا لا يعرف ما دهاه ولما لا يتحرك راحلا .. تطلع لموضع الخالة وسيلة فوجدها قد غادرت الغرفة فتذكر انه سمع صوت مناع بالأسفل يناديها ويبدو انها ذهبت لتلبية مطلبه .. ما ان وع هذه الحقيقة حتى اضطربت دواخله وهم بالاندفاع خارج الغرفة ... تقدم خطوتين حتى اصبح على أعتابها للخارج لتتسمر قدماه من جديد ما ان تناهى لمسامعه همسها باسمه .. كان اسمه مجردا دون ألقاب كانت تحجب عنه روعته منغما بهذا الشكل من بين شفتيها .. اهتزت اركان روحه وتقوضت دعائم ثباته وما عاد قادرًا على البقاء لحظة وما كان لديه الهمة الكافية ليندفع مبتعدا الا ان وصول الخالة وسيلة جعله يحسم موقفه وهى تسأله :- خدت اوراجك يا ولدي !؟..
هز رأسه في إيجاب يسربله التيه و يشمله الاضطراب وهرب من امامها هابطا الدرج في عجالة وقد اصم أذناه ندائها الاخير باسمه عن ادراك العالم من حوله ..ونقله لعالم اخر..
*******************
وصلا اخيرا لقنا وخرجا من محطة القطار ليكون باستقبالهما احد العساكر بالعربة الميري ما ان لمح شريف قادما حتى انتفض فى اتجاهه مؤديا التحية العسكرية مشيرا لموضع العربة ..
امره شريف بالبقاء بالخلف فى صندوق السيارة مع حقائبهما بينما اتخذ هو موضعه امام عجلة القيادة وجلست هى جواره ..
همس مازحا محاولا تقليد اللهجة الصعيدية :- يا مرحب بكِ ف الصَعيد يا داكتورة.. الصَعيد نور ..
ابتسمت هاتفة :- منور بناسه ..
اتخذا وجهتهما على الطريق فى اتجاه نجع النعماني وقد شملهما الصمت لبعض الوقت الا انه على غير العادة كانت هي المبادرة بالسؤال هاتفة :- هو صحيح الكلام اللي انت قولته عن اللي اسمه عفيف ده يا سيادة النقيب !؟.. ولا كان مجرد كلام بتهدي به نديم !؟.
اكد شريف في ثقة :- صحيح يا دكتورة .. هو فعلا بيعامل الدكتورة دلال معاملة خاصة وبجد مهتم بيها قووى لدرجة اني شكيت انه ..
صمته عند هذه النقطة جعلها تنتبه موجهة نظراتها اليه متسائلة :- انه ايه !؟..
تنهد قليلا ثم هتف فى جدية غير معتادة منه على مسامعها :- بصي .. انا مش عايز أديكِ احكام مسبقة تبني عليها قرارات .. شوفي انتِ بنفسك واحكمي ..
نظرت اليه متطلعة فى اهتمام فهذه من المرات النادرة التي يتحدث فيها اليها بهذه الجدية .. ساد الصمت من جديد حتى وصلا لمشارف النجع فهتف مستعيدا روحه المرحة :- استعدي يا دكتورة .. احنا داخلين ع النجع اهو ..
تنبهت وشعرت بالاضطراب لكنها داخليا عزمت على ان لا تعود الا برفقة صديقتها مهما حدث .. فلابد لأحد ما من تخليصها من بين يدىّ ذاك العفيف وخاصة بعد معرفة مكان نديم ووجوده في امان ببيتها…
انتفضت على صوت زمور العربة الذي اطلقه شريف ما ان وصلا لبوابة السراىّ الحديدية ..تطلع مناع للعربة الميري في تعجب ولكنه لم يجرؤ على فتح ضلفتيّ البوابة الا عندما امره عفيف الذي ظهر على الدرج مندفعا خارج البيت الكبير..
انفرجت البوابة ليدخل شريف صافا العربة جانبا ليترجل منها ويتجه الي باب زينب ليفتحه لتترجل بدورها متطلعة في استطلاع للوضع حولها حتى وقع ناظرها على عفيف الذي كان يتطلع اليها في تعجب بدوره غير مدرك سبب قدم شريف وبصحبته هذه المرأة الا انه هتف بكل ذوق :- حمدالله بالسلامة يا شريف بيه .. و اهلًا بضيوفك .. شرفتونا..
هتف شريف كعادته مازحا :- دي مش ضيفتي يا عفيف بيه .. دي ضيفة سعادتك ..
تطلع اليه عفيف في تعجب لكنه رغم ذلك هتف في لهجة واثقة :- على عينا وراسنا اى غريب يدخل النعمانية .. بيت النعماني الكَبير يبجى بيته يا شريف بيه ..
ابتسم شريف هاتفا :- قد القول يا عفيف بيه .. و انا كنت وعدتك اجيب اللي يخرج الدكتورة دلال من تعبها .. و أديني وفيت بالوعد ..
تطلع اليه عفيف في اهتمام بالغ منتظرا ان يكمل شريف حديثه و الذي استطرد هاتفا :- الدكتورة زينب تبقى صاحبة الدكتورة دلال..
هتفت دلال في صرامة :- انا مش بس صاحبتها انا اختها يا عفيف بيه…
تنحنح عفيف هاتفا في هدوء :- الداكتورة دلال وكل اللي يخصها على روسنا من فوج .. شرفتينا يا داكتورة زينب ..
هتفت زينب بنفس اللهجة الحازمة :- متشكرة .. بس فين دلال .. انا عايزة أشوفها ..
هز عفيف رأسه هاتفا :- معلوم يا داكتورة .. اتفضلي..
واشار بكفه لأحد الاتجاهات صوب الحديقة الخلفية فاتجهت اليه زينب مندفعة باحثة عن صديقة عمرها بينما ظل عفيف يقف متطلعا الى شريف الذي امر العسكري بوضع حقائب الدكتورة زينب جانبا ..
هتف عفيف في غيرة يشوبها شئ من فضول :- انت تعرف صحاب الداكتورة دلال من فين يا حضرة الظابط !؟..
هتف شريف مبتسما :- ما ده الجميل اللي عملته فيا الدكتورة و بحاول أرده يا عفيف بيه ..
هتف عفيف متعجبا :- كيف يعني!؟..
هتف شريف :- الدكتورة زينب هي الدكتورة اللي عالجت امي ف مرضها الاخير والدكتورة دلال كانت هي السبب ف المعرفة لما رشحتها لي عشان تعالج الوالدة و جت الفكرة يا عفيف بيه..
هتف عفيف :- تمام .. تمام ..
وصلت زينب لموضع جلوس دلال لتجدها تجلس ساهمة متطلعة للأفق في تيه اقتربت منها في سعادة هاتفة باسمها :- دلال .. دلال ..
لم تنتبه دلال لها بل ظلت على شرودها مما صدم زينب التي كانت تتوقع انها ستقفز فرحا ما ان ترها.. دمعت عيناها وهي تتطلع الي صديقتها في غضب وقهر واندفعت باتجاه موضع شريف وعفيف وما ان وصلت اليهما حتى صرخت بوجع في اتجاه عفيف :- انت عملت فيها ايه !؟.. دلال اتبدلت .. مش هى دي دلال اللي سبتها تروح معاك من يجي شهر .. و يا ريتني ما سبتها .. انت عملت فيها ايه!؟..
تقبل عفيف انفعالها في صمت مطبق بينما هتف شريف مهدئا :- اهدي يا دكتورة .. اهدي .. احنا جبناكِ هنا عشان تتحسن حالتها ف وجودك .. مش حالتك انتِ اللي تتأخر بسبب وضعها ..
تطلعت زينب في غيظ لعفيف ولم تنبس بحرف واحد واندفعت عائدة لموضع دلال بينما هتف شريف معتذرا بالنيابة عن زينب :- معلش يا عفيف بيه .. هي زعلانة على صاحبتها .. انت اكيد مقدر الموقف..
هز عفيف رأسه في تفهم واخيرا هتف بصوت متحشرج وهو يندفع خارج البوابة مغادرا البيت الكبير :- البيت بيتك يا سيادة النقيب .. معلش عندي مشاغل ولازما امشي دلوجت ..
هز شريف رأسه متفهما بدوره و هو يتجه الى عربته الميري هاتفا :- طبعا يا عفيف بيه اتفضل شوف مشاغلك .. وانا كمان هروح اشوف مشاغلي .. سلام عليكم ..
رحل شريف بعربته الميري وتبعه عفيف خارجا لكنه قبل ان يتجاوز البوابة توقف للحظة متطلعا حيث تقبع مصدر سهاده ووجيعته .. ألقي الي البعد نظرات تشي بالكثير ثم رحل في عجالة ..
رواية زواج بالقوة الفصل الخامس عشر 15 - بقلم زهراء السعيد
تطلعت زينب الى دلال في حزن و هي تراها على هذا الحال الذي ما توقعت ان تراها عليه يوما .. مسدت على ظهرها في محبة هامسة لها :- دلال ..انا زينب يا دلال .. دلال انا هنا ..
تحشرج صوتها واختنق بالعبرات وما عادت قادرة على النطق بحرف.. امسكت كف صديقتها البارد وضمته بين كفيها وهمست ما ان استطاعت النطق من جديد :- دلال .. انا عارفة انك سمعاني .. و عارفة انك مرتاحة ف الوضع اللي انتِ فيه ده .. لكن عايزة اقولك حاجة مهمة .. اكيد هتخليكي تغيري رأيك وترجعي من حالتك دي لدلال اللي انا اعرفها ..
ساد الصمت قليلا وزينب تتطلع حولها في ترقب قبل ان تقترب من دلال هامسة :- نديم و ناهد عندي…
انتظرت زينب اي انفعال يذكر من قبلها ولكن لم يحدث فاستطردت من جديد :- والله العظيم نديم وناهد موجودين عندي فبيتي .. انا مش هقول كده عشان أخرجك من اللي انتِ فيه .. اقسم بالله دي الحقيقة حتى اسألي شريف .. شافهم بنفسه..
لم تحرك دلال ساكنا مما دفع زينب للنهوض غير قادرة على مجابهة ذاك الوضع الذي تري فيه صديقتها وقد شعرت ان الخبر الوحيد الذي كانت تعقد عليه امل كبير في زحزحة هذا الصمت المسيطر عليها كليا قد فقد تأثيره المتوقع .. دمعت عيناها بعد ان شعرت بالخيبة وهمت بالاندفاع مبتعدة الا ان صوت متحشرج قادم من اعماق سحيقة همس في تردد:- احلفي انه بخير ..
عادت زينب مسرعة تجسو بالقرب من ركبتىّ دلال هاتفة في حماسة :- ورحمة ابويا اللي انتِ عارفة و متأكدة غلاوته واني عمري ما بحلف بيها الا ف الشديد القوي نديم بخير .. وجالي امبارح بعد ما أتنقل ف كذا مكان هو وناهد .. وطبعا حذرته انه يرجع شقتكم وسيبتهم بايتين مع ماما وهديله الشقة المقفولة عندنا يقعدوا فيها لحد ما ربنا يسهل ..
تطلعت اليها دلال بنظرات جوفاء هامسة بنفس النبرة المتحشرجة :- يعني هو بخير !؟..
هتفت زينب مؤكدة :- اقسم بالله بخير وزي الفل..
ساد الصمت للحظات قطعها انفجاردلال باكية ما ان اجابتها زينب .. بكاء دامي وكأنما كان هناك سدا منيعا يقف امام عبراتها والان فقط انهار وانهارت معه لامبالاتها.. ضمتها زينب في تعاطف ممزوج بفرحة .. فها قد عادت دلال .. كانت تعلم ان معرفتها بأي اخبار عن نديم من شأنها إعادتها لدلال التي تعرفها والتي تحقق المستحيل من اجل اخيها ..
رفعت دلال رأسها من بين احضان زينب متسائلة من جديد في لوعة :- يعني بجد انتِ شفتيه يا زينب .. و هو بخير !؟.. صحته كويسة يعني!؟.. اصله وحشني قووي ..
دمعت عينا زينب وهتفت تحاول السيطرة على عبراتها وتصنعت المزاح هاتفة :- و الله زي القرد وكان عايز يجي معانا كمان ..
انتفضت دلال موضعها هاتفة فى ذعر :- لااا .. يجي فين !؟.. هو انا جيت هنا عشان ابقى انا الطعم اللي يصطادوه بيه !؟.. لااا .. أوعي تطاوعيه يا زينب عشان خاطري ..
هتف زينب تطمئنها :- وهو انا عبيطة أخليه يبوظ الدنيا .. وعلى فكرة انتِ كمان وحشاه قووي .. و عشان تصدقي هخليه يبعت لك جواب المرة الجاية مع حضرة الظابط ..
هتفت دلال متسائلة :- هو سيادة النقيب عرف الموضوع ولا ايه!؟…
هزت زينب رأسها ايجابا وقصت عليها ما حدث من لقاء شريف بنديم ورؤيته لناهد برفقته مما دفعهم لإخباره الحقيقة كاملة ..
هتفت دلال في هدوء :- حضرة الظابط راجل محترم و ..
هتفت زينب مقاطعة :- ومجنون و عنده كام ربع ضارب ف نفوخه ..
انفجرت دلال ضاحكة على صديقتها وتعليقاتها على شريف و ما ان همت بالدفاع عنه حتى هتف صوت عميق النبرات من خلفهما جذبته ضحكاتها التي اشتاقها كثيرا حد ارضا غاب عنها موسم المطر لعصور مما جعلها تنتفض ما ان طل عليهما بقامته السامقة مستحسنا :- ما شاء الله .. سرك باتع يا داكتورة زينب .. كنتِ فين من زمن!؟..
وتطلع الي دلال محاولا غض بصره هاتفا :- حمدا لله ع السلامة يا داكتورة ..
هزت دلال رأسها فما كان لها القدرة على التطلع اليه اوالحديث في حضرته .. قاطعت زينب خواطرها هاتفة لعفيف في حزم :- طب يا عفيف بيه احنا متشكرين لك حسن الضيافة بس انا بقول ارجع و اخد دلال معايا ..
انتفض عفيف داخليا لمجرد ذكر رحيلها بعيدا لكنه ظل على ثباته الظاهري ولم يعقب بحرف واحد متطلعا الى دلال منتظرا منها الموافقة على ما تقترحه صديقتها او الرفض .. فهمست دلال اخيرا بعد فترة من الصمت :- لااا .. مش هرجع يا زينب.. انا هقعد هنا ..
لا يعرف ما دهاه لحظة ان نطقت بكلماتها تلك فكأنما نطقت ببراءته من حكم جائر بالفراق .. ابتسم رغما عنه واستأذن في عجالة مندفعا يبتعد كى لا يلحظ احدهم سعادته الطاغية تلك والتي على غير العادة لم يستطع مداراتها ما ان أعلنت قرارها بالبقاء .
اما زينب فهتفت فى دلال بحنق :- تاااني .. هتقعدي هنا تاااني يا دلال .. مش كفاية اللي حصل لك !؟.. و كمان أدينا اطمنا على نديم .. ارجعي بقى وارتاحي شوية ..
هتفت دلال مفسرة سبب رغبتها في البقاء :- مينفعش يا زينب .. ده عشان انا اطمنت على نديم بالذات مينفعش أرجع .. لأن لو رجعت عفيف هايبعت حد يبقى ورايا على طوول وده هيخلي احتمالية اكتشاف عفيف لمكان نديم و ناهد كبيرة.. خليني هنا .. خليه فاكر ان نديم هيرجع على هنا اول ما يعرف بوجودي .. خليه لسه معتقد اني لسه الطعم اللي هيصطاد بيه نديم و اخته ..
وتطلعت دلال لزينب هاتفة :- بمناسبة اخته .. شفتيها طبعا يا زينب .. ايه رأيك فيها !؟..
قهقهت زينب هاتفة :- ايه يا دولي احنا هنبدأ شغل الحموات ولا ايه !؟
ابتسمت دلال ولم تعقب لتستطرد زينب مؤكدة :- اطمنى يا ستي الاستاذ نديم وقع واقف البنت زي القمر ..
هتفت دلال :- انا مش بسأل على جمالها يا زينب .. انا ..
قاطعتها زينب مؤكدة :- أطمني .. شكلها بنت حلال وطيبة والله .. دي قضت القاعدة كلها عياط اول ما عرفت ان عفيف جابك على هنا .. شكلها حاسس بالذنب قووي ..
همست دلال :- غلطتهم كبيرة قوي يا زينب .. ازاي نديم يعمل كده!؟.. وازاي طاوعها ولا هى طاوعته ف اللي عملوه ده !؟.. مية سؤال بيدورا ف دماغي ومفيش اجابة واحدة تريحني ..
ما ان همت زينب بالإجابة عليها حتى سمعا جلبة قادمة من ناحية بوابة البيت الكبير .. تطلعا من موضعهما لما يحدث فإذا به عفيف قد دخل البيت وخلفه مناع ساحبا ورائه بهيمة عفية امره عفيف هاتفا فى سعادة :- ادبح يا مناع وفرج ع الغلابة كلهم .. ومدخلش من الدبيحة حاچة للبيت .. كله لله ..
هتف مناع مجيبا :- أوامرك يا عفيف بيه ..
وسحب البهيمة حتى أطراف الحديقة باتجاه الذريبة لينفذ امر سيده بينما اتجه عفيف صوب دلال وزينب وما ان اصبح قبالتهما حتى هتف في سعادة :- دي حلاوة جيامك بالسلامة يا داكتورة ..
همست دلال فى امتنان :- متشكرة يا عفيف بيه .. لولا انها لله كنت قلت لك ملوش لزوم .. بس اهو ربنا خلانا سبب لفرحة الغلابة ..
ابتسم عفيف هاتفا :- ربنا يچعلك دايما سبب للفرحة يا داكتورة ..
شعر بالحرج مع كلماته العفوية تلك والتي خرجت بتلقائية شديدة أربكته هو شخصيا مما دفعه ليتنحنح مستأذنا :- عن اذنكم لما اشوف زحمة الناس اللي ع الباب ..
صاحبته نظرات دلال وهو يستدير راحلا وكذا نظرات زينب التي تطلعت اليه في تعجب وتحولت الي صديقتها ليزداد تعجبها أضعافا وقد شعرت ان شيئا ما يدور هاهنا .. شئ رغم انه خفي عن الاعين لكنه اكثر وضوحا من شمس في كبد سماء صيفية ..
***************
تمطع بعرض الفراش يحاول فك تيبس عضلات ظهره وفجأة تنبه لأمر ما .. لقد استغرق في النوم دون ان يشعر .. انتفض متطلعا حوله باحثا عنها على ذاك الضوء الخافت المنبعث من احد المصابيح الصغيرة الموضوعة على احد جانبى الفراش ..فوجدها تنام متكومة على نفسها على ذاك المقعد الضيق .. شعر بالذنب لوضعها ذاك فنهض في هدوء مقتربا منها و انحنى محاولا حملها في حذّر حتى لا تستيقظ لكنه ما ان وضع كفه اسفل رأسها حتى استيقظت مذعورة منتفضة من موضعها وكادت تسقط ارضا تشعر بالدوار لنهوضها المفاجئ ذاك فما كان منه الا ان لحق بها يحاول مساعدتها على التوازن ..
تطلعت نحوه للحظة كانت كفيلة لجعل قلبه ينتفض بصدره فقد كانت نظرتها تلك تحمل عتابا صامتا مزق قلبه كخرقة بالية ..
استعادت توازنها وتوجهت مبتعدة عنه لطرف الفراش البعيد ليهمس هو بصوت متحشرج :- خدي راحتك ونامي .. انا اسف اني نمت امبارح غصب عني ومسبتش السرير ليكِ .. عن اذنك ..
واندفع خارجا من الغرفة .. تطلعت هي نحو موضع رحيله للحظات في تيه واخيرا تمددت على الفراش ليأخذها النعاس في لحظات الى دنياه بعد ليلة قضتها مؤرقة ..
***************
خرجتا من الباب الخلفي للبيت الكبير منحدرتان التلة المقام عليها في اتجاه قلب النعمانية .. هتفت دلال في سعادة :- هفرجك ع النعمانية كلها بقى .. انا بقالي حوالي شهر هنا وحفظتها من كتر ما رحت وجيت بالكارتة ..
هتفت زينب في تخابث :- واضح انك حبيتي النعمانية قووي .. كنت فاكرة اني هلاقيكي كرهاها ومش مستحملة تفضلي هنا !؟..
ابتسمت دلال هاتفة :- انا مش كارهة المكان يا زينب .. انا كارهة عادات بتشوه جماله .. وافكار للاسف بتدمر بنات ملهاش ذنب غير فقر اهاليهم.. و هم اللي بيدفعوا تمنها من عمرهم .. و براءة مكنتش الا مثل على مليون براءة بتغتالها تقاليد عمية ملهاش قلب واهل طاحنهم العوز ..
تنهدت زينب هامسة :- صدقتي ..
هتفت دلال تخرج من جو الحديث المشحون بالشجن ممسكة بكف زينب مؤكدة :- تعالي بس افرجك على مناظر عمرك ما هتنسيها .. زي ما وريتك النعمانية من سطح المندرة تعالي بقى اوريهالك وانتِ وسط ناسها ..
ابتسمت زينب واندفعت خلفها سارتا معا ما بين الحقول واتجهتا للمعدية .. حاولت دلال ان تقنع زينب بتجربتها الا ان زينب أبت خوفا فعادتا مرة اخرى للطريق الترابي .. صوت مكابح عربة اثار انتباههما .. ترجل شريف من عربته الميري متوجها في حماس باتجاهما هاتفا :- ايه النور ده !!.. وانا اقول النعمانية الفولت زايد فيها اليومين دول ليه !؟..
قهقهت دلال بينما امسكت زينب ضحكاتها بجدية تحاول ادعائها وهى تلكز دلال خفية والتي هتفت في أريحية :- ده نور اهلها يا حضرة الظابط ..
هتف شريف فى نبرة تشتعل هياما:- ازيك يا دكتورة زينب !؟.. يا رب تكوني مرتاحة هنا !؟..
اومأت برأسها ايجابا هامسة :- الحمد لله ..
تنبه جمعهم لصوت كارتة عفيف القادمة من البعد والتي توقفت خلال لحظات بالقرب من موضع وقوفهما وهتف ملقيا السلام دون ان يترجل منها :- السلام عليكم ..
رد الجميع التحية ليتساءل عفيف :- خير يا داكتورة !؟.. ايه اللي موجفكم كِده !؟.. كلكم تمام ..!؟..
اكدت دلال :- كلنا بخير يا عفيف بيه .. انا خرجت أتمشى انا وزينب شوية وأفرجها ع النعمانية .. بس الصراحة تعبت ..
هتف شريف متحينا الفرصة حتى يكون برفقة زينب :- تعالوا أوصلكم..
امتعض عفيف وكاد ان يلق تعليقا لاذعا كعادته الا ان دلال كانت الأسبق لتهتف مؤكدة :- لا .. انا هروح مع عفيف بيه وانتِ يا زينب خلي حضرة الظابط يفرجك ع النعمانية .. انتِ ملحقتيش تتفرجي عليها ..
همت زينب بالرفض وهى تتطلع الي دلال بنظرة لائمة تخالف نظرة الفرحة التى اعترت شريف وهو يجزل الدعاء لدلال على إتاحتها هذه الفرصة ..
اندفعت دلال في اتجاه الكارتة ليمد عفيف يده لاأراديا تجاهها لتقبلها هى بشكل غريزي وتتلاقى الأكف بعد طول اشتياق .. استقرت جواره بالكارتة ليشعر انه لتوه قد اكتمل كمن غاب عنه جزء غال من روحه وهاقد عاد لموضعه الأصلي من جديد ..
لوحت لزينب والكارتة تندفع راحلة ليهتف شريف في نشوة :- اتفضلي يا دكتورة زينب .. ده انا حصل لى البهجة النهاردة ..
صعدت العربة وهى تقسم ان تقتص من دلال على فعلتها بينما سمعت همس ذاك المخبول جوارها :- و الله نيتك صافية يا شرشر وامك داعية لك ..
امسكت ضحكاتها وهتفت فى تعجب :- ايه يا حضرة الظابط !؟.. هو احنا هنقضيها هنا ولا ايه !؟..
هتف متعجبا بدوره :- هاااا .!؟.. انتِ قصدك ايه !؟..
هتفت زينب ساخرة :- حضرتك متحركتش بالعربية .. احنا محلك سر على فكرة ..
تنبه شريف انه ادار محرك العربة لكنه لم يبرح موضعه بالفعل فقهقه هاتفا بلهجة نسائية متقنة :- استري عليا بقى .. اصل انا عندي فكر .. والفكر مبهدلني ..
ابتسمت رغما عنها هاتفة :- لا ألف سلامة .. اتفضل بقى ربنا يجعل لك ف كل خطوة سلامة ..
همس ممتعضا:- سلامة مين !؟.. قولي ربنا يجعلي ف كل خطوة زينب ..
ابتلعت ابتسامتها تخفيها مُشيحة بوجهها في اتجاه نافذة السيارة وهو ينطلق بها اخيرا ..
****************
لا تعلم كم مر عليها وهى على حالها داخل الغرفة وقد طواها النوم تحت جناحيه فلم تشعر الا بأشعة الشمس تتسلل بقوة من بين خصاص النافذة معلنة عن بداية النهار .. انتفضت لا تعلم كم الساعة حتى تنبهت لموضع ساعة حائط بمواجهة الفراش لم تلحظها البارحة كانت عقاربها تشير لما بعد العاشرة بقليل ..
نهضت من موضعها في اتجاه الباب ليتناهى صوته لمسامعها و هو يدلف للشقة من الخارج هاتفا لماجدة ام الدكتورة زينب :- جبت لك شوية فطار يا طنط انما ايه .. هتكلي صوابعك وراه ..
هتفت ماجدة :- يا بني ليه تكلف نفسك م الاكل موجود اهو ..
ظهرت على اعتاب الردهة لتطالعها ماجدة هاتفة في سعادة :- اهلًا بعروستنا .. ياللاه تعالي جوزك جاب فطار سخن .. كلي لك لقمة .. انتِ متعشتيش كويس امبارح ..
وتطلعت لنديم هاتفة بأمر امومي :- وانت كمان يا نديم تلاقيك ميت م الجوع .. انت نايم من غير عشا .. تعالوا كلوا على بال ما أحط الشاي ع النار..
اتجهت ماجدة للمطبخ بينما جلست هى فى هدوء للمائدة تبعها هو واضعا أصناف الطعام امامها هامسا :- يا رب تكوني نمتِ كويس!؟..
هزت رأسها مؤكدة في هدوء دون ان تنطق بحرف واحد ..هم بالحديث من جديد الا ان ماجدة ظهرت على اعتاب الردهة قادمة اليهما .. جلست قبالتها وبدأوا جميعا في تناول افطارهم .. كانت عيناه تحاول ان تتجاهل حضورها الطاغ قبالتهما لكنها لم تستطع الا التطلع اليها خلسة ما بين لحظة واخرى .. اما هى فقد كانت تحاول ان توطد نفسها على تجاهل حضوره الذي يربك مشاعرها ويغمر روحها بوهج من بهجة ما استشعرتها يوما.. كانت تجاهد حتى تتغلب على ذاك الشعور المتنامي تجاهه والذي يتغلب على اي محاولة من قبلها لتعود ناهد القديمة التي ما كانت تقيم لأمور القلب وزنا ولا تعترف بالعشق مذهبا ..
هتفت ماجدة تجذب كلاهما من براثن خواطرهما الدامية :- انا هتفق لكم مع حد يجي ينضف الشقة اللى جنبنا دي عشان تقعدوا فيها براحتكم ..
هتفت ناهد في حماسة :- مفيش داعي يا طنط .. انا هقوم انضفها .. اهو أتسلى بدل جعدتي دي ..
هتف ماجدة في اعتراض :- تنضفيها ده ايه !؟.. ده انت عروسة جديدة والشقة عايزة شغل جامد .. دي مقفولة من فترة طويلة .. هتتعبي يا حبيبتي ..
ابتسمت ناهد مؤكدة :- متجلجيش يا طنط .. مفيش تعب ولا حاچة .. و أوعدك مش هاچى على نفسي و اللي اجدر أعمله النهاردة هعمله و الباجي لبكرة باذن الله ..
ازعنت ماجدة لمطلب ناهد هاتفة :- طيب يا حبيبتي اللي يريحك .. هقوم اجيب لك المفتاح ..
ما ان اختفت ماجدة حتى همس نديم في حنو :- طب كلي كويس .. انتِ مكلتيش حاجة ..
اكدت وهي تنظر لطبقها الذي كان تقريبا على حاله هامسة بدورها :- كلت الحمد لله ..
ظهرت ماجدة بالمفتاح لتتناوله ناهد وتنهض مستأذنة في اتجاه الشقة المقابلة ليهتف نديم بدوره خلفها :- استني انا جاي معاكِ ..
لم تشأ ان تجادله امام ماجدة فأثرت الصمت .. تناول منها المفتاح و سبقها لفتح باب الشقة والذي اخذ يعالج به الباب لفترة وذلك لطول مدة اغلاقه حتي انفرج اخيرا ..
هتف نديم بالبسملة في وجل و استطاع ان يجد وصلات الكهرباء وينيرالردهة قبل ان يتوجه للنوافذ ليفتحها بعد محاولات عدة .. كانت الشقة تحتاج الي مجهود جبار بالفعل حتى تصبح صالحة للمعيشة الآدمية بها ..
هتف متسائلا :- هااا .. هنبدأ منين!؟..
تطلعت اليه للحظة ثم هتفت في تعجب :- هنبدأ !؟.. هو انت هتشتغل معايا !؟..
هتف بدوره متعجبا :- اه .. ليه !؟.. عندك مانع !؟..
أكدت في اصرار :- اه طبعا عندي .. انا عايزة اشتغل لوحدي ..
اشار للشقة في تعجب :- لوحدك ازاي !؟.. الشقة كبيرة وفعلا محتاجة مجهود فوق العادي .. انا هساعد باللي هقدر عليه .. عشان ننجز ونعرف نبات ف الشقة بدل الاوضة ف الشقة الثانية ..
اعترفت انه على حق فلم تجادل و عادت من جديد لشقة ماجدة لتبدل ملابسها بملابس تصلح للتنظيف و جمعت شعرها تحت غطاء محكم للشعر وعادت لتجده قد خلع قميصه ووضعه جانبا وثنى أطراف بنطاله حتى ما دون ركبتيه ..و امسك بعصا المكنسة متكئا عليها هاتفا :- استعنا ع الشقا بالله .. نبدأ منين يا حلاوتهم !؟..
تطلعت اليه هاتفة في زمجرة :- حلاوتهم !؟..
هتف مازحا :- والله ده انا مجاملك .. بشكلك ده اخرك ست ابوها ..
زمجرت من جديد ليهتف مشاكسا :- اهو العرق الصعيدي هيطلع و هدفن هنا ولا من شاف ولا من دري ..
علا صوت قهقهاتها لتجذبه كما الفراشة للهب ليتعلق ناظريه بها في وله .. اخفضت ناظريها حياءً و هتفت في محاولة لقطع استرسال تلك النظرات التي تذهب بثباتها :- هنبدأ ننضف اوضة اوضة ..
هز رأسه متفهما وسار خلفها للحجرة الاولى ليتوجه لفتح نافذتها بينما عادت هى للخارج لتحضر أدوات التنضيف .. حملت دلو المياه باتجاه الغرفة ليعود هو ادراجه باحثا عنها فكاد ان يصطدم بها .. تناول منها الدلو معاتبا :- متشيليش حاجة تقيلة تاني .. ناديني وانا اشيلها ..
كانت ماجدة تقف على باب الشقة الذي تركاه مشرعا حاملة صينية عليها أكواب من الشاي في تلك اللحظة لتهتف في سعادة :- انتِ حامل يا ناهد!؟.. الف مبروك يا ولاد .. يتربى ف عزكم يا رب..
بهت كل من ناهد ونديم ولم يجرؤ احدهما على التفوه بحرف لتكذيب الخبر .. فقد شملتهما الصدمة كليا عن محاولة اصلاح ذاك الاعتقاد الخاطئ لتستطرد في سعادة :- طب بلاش بقى تنضيف .. ده مش هايبقى حلو على صحتك ولا ع البيبي ..
هتف نديم مازحا :- لا متقلقيش يا طنط ما انا هساعدها اهو ..
هتفت ماجدة مازحة :- وانا اللي قلت نديم جدع ورايح يساعد مراته .. اتاريك عارف اللي فيها عشان كده جاي تساعد عشان خايف على ولي العهد .. يا سااااتر عليكم يا رجالة .. محدش فيكم يعمل حاجة لله ابدا !؟..
قهقه نديم و قد أعجبته المزحة فاستمر بها هاتفا في مشاكسة :- لا عملنا لله يا طنط .. ان احنا اتجوزناكم...
قهقهت ماجدة هاتفة :- شايفة يا ناهد جوزك ..
أطرقت ناهد برأسها خجلا ولم تستطع التفوه بحرف فاستنتاج ماجدة بذاك الحمل المزعوم حرك شئ ما كان كامنا بأعماقها .. اضطربت وهي تحاول ان تحيد بناظريها عن محياه تكاد تصرخ غيظا لان كل من عقلها وقلبها و عينيها قد تأمروا جميعا ضدها و اصبحوا لا تشغلهم الا فكرة واحدة للأجابة عن سؤال واحد .. كيف سيكون شكل أطفالها اذا كان هو ابوهم !؟..
ارتجفت داخليا للخاطر اللذيذ الذي أذاب تمنعها وذهب بمحاولتها لتجاهله ادراج الرياح .. واضحى ذاك هاجسها طول فترة ما بعد الظهيرة وهما يعملان جنبا الي جنب فى حماسة ..
*****************
تمايلت العربة تمشي الهوينى على ذاك الطريق الترابي المؤدي لتلة البيت الكبير .. كانت دلال شاردة في الأفق البعيد وهو شاردا فيها .. كان كل منهما مشغول بِما يأسره .. كان السلام والسكينة يعما الأجواء ويسربلا الطريق كانما هو الطريق للجنة .. ذاك الأخضر الذي ينتشر على جانبي الدرب والذي مال لونه للبرتقالي مصبوغاً بأشعة الشمس المائلة للغروب .. و صوت ذاك الناي الذي كان يأتيهما من البعد يطفي على العالم من حولهما سحر معتق ..
توقفت العربة فجأة وانتظرها ان تسأل عن السبب لكنها كانت مأخوذة تماما بذاك الجو الخرافي .. تناهى لمسامعهما صوت احد الفلاحين ينشد بصوت عذب مصاحبا لذاك الناي :-
يا بايعين الصبر .. الصبر فين ألاجيه ..
حبيبي غاب ما عاود .. دلوني فين أراضيه ..
لو يطلب العين ما تغلا .. جلولي كيف أراضيه ..
دِه كل جلب لجي خله .. و انا خلي الروح فيه ..
عاشج يا بووي وما لاجي للعشج مداوي ..
و انا يا خال ما كنت غاوي عشج و لا ناوي ..
وكان مالي انا يا ناس ما كنت ع البر معداوي …
اخذ المنشد في الاسترسال في مواله الشجي حتى تنبهت هى اخيرا لتوقف العربة فتطلعت الي عفيف في تعجب ثم ابتسمت في تفهم عندما ادركت انه أوقفها لاستشعاره رغبتها في الاستمتاع بذاك الشدو المتهادي من ذاك الغيط القريب نوعا ما وبالتحديد من تحت ظل شجرة الجميزالعتيقة تلك ..
تحرك عفيف بالعربة لتتهادى مرة اخرى على الطريق حتى وصلا للبيت الكبير ..
ترجلت منها مسرعة قبل ان يترجل هو ويمد لها كفا لا قبل لها على رفض عطيتها واندفعت مبتعدة عن محياه شاكرة اياه في عجالة ..
وصلت لغرفتها لتدلف اليها فوجدت زينب متمددة على الفراش في انتظارها وما ان طالعتها حتى هتفت في حنق :- كنتِ فين بقى!؟.. هاااا .. و بعدين ده مقلب تعمليه فيا برضو يا دولي !؟
قهقهت دلال هاتفة :- مقلب ايه !؟.. والله الراجل كان هيجراله حاجة لو مكنش وصلك .. قلت اعمل فيه جميل ..
هتفت زينب حانقة :- تعملي جمايل على حسابي.. و بعدين كان هيجراله ايه يعني !؟.. ده منخوليا ع الاخر ..
علت ضحكات دلال من جديد :- متنكريش ان دمه خفيف .. انا راقبتك وشوفتك كذا مرة وانت بتكتمي ضحكك على كلامه .. و بعدين والله شريف غرضه شريف..
هتفت زينب مصدومة :- غرضه شريف ازاي !؟..
اكدت دلال متخابثة :- سألني ان كنتِ مرتبطة اوحد متكلم عليكِ ..
هتفت زينب في شجن :- هااا وانتِ قولتيله ايه !؟..أوعي يا دلال تكوني قولتيله حاجة !؟..
هتفت دلال في شجن مماثل :- هقوله ايه بس يا زينب !؟.. لا طبعا.. دي حاجة تخصك وانتِ بس اللي ليكِ الحق تقوليله ولا لأ ..
ساد الصمت بينهما للحظات و اخيرا هتفت دلال تخرج صديقتها من خضم خواطرها الشجية هاتفة بمرح :- وبعدين هو انتِ هتتجوزي المجنون ده برضو !؟..
هتفت زينب متنهدة بحسرة :- ايوه صح مجنون ودمه خفيف وابن حلال وبيحب امه قووي وامي كمان حبته قووي..بس ياللاه ..
عاجلتها دلال هاتفة في مرح :- ياااه ده احنا عرفنا عنه كل حاجة اهو..!؟.. ع العموم انا قلت له انك مش مرتبطة ولا حد أتكلم عليكِ و انك قربتي تعنسي وهيكسب فيك ثواب لو لحقك قبل ما تروح عليكِ..
انتفضت زينب في غيظ ممسكة بأحدى الوسائد وجذبت دلال تسقطها على الفراش واخذت تضربها بالوسادة ودلال لا تسطيع الدفاع عن نفسها من شدة قهقهاتها التي خرست فجأة ما ان تناهى لمسامعها صوت موسيقى قادم من غرفة مكتبه المجاورة ..
هتفت زينب هامسة :- عفيف بيه!؟..
اكدت دلال بايماءة من رأسها لتستطرد زينب متعجبة :- الراجل ده عجيب قووي .. اول مرة اشوف التركيبة دي .. راجل متعرفيش ان كان قاسي ولا حنين .. دماغه متحجرة ولا متحضر .. عادل ولا ظالم !؟.. تركيبة تحير..
همست دلال في شرود :- هو ده عفيف .. تناقضات عجيبة معجونة ف راجل والعجيب ان كل تناقض له اللي يبرره .. و الأعجب انك تشوفي ده وتصدقيه ..
اكملت زينب في وله :- وتحبيه !؟..
انتفضت دلال كالمصعوقة هاتفة في صدمة :- احب مين !؟.. انتِ بتقولي ايه يا زينب !؟.. احنا أعداء.. بينا مصيبة ممكن تنتهي على مصيبة اكبر .. انا وهو طرفين نقيض .. ماية وزيت مش ممكن حاجة تجمعنا .. انا كل اللي بدعيه دلوقتي ان الموضوع بتاع نديم ده يعدي على خير .. ازاي!؟.. معرفش .. ربنا اللي يدبرها من عنده .. لكن حب .. لاهو بتاع الكلام ده ولا اللي بينا يسمح بده يا زينب ..
ثم استطردت في لهجة حاولت اضفاء بعض المرح المصطنع عليها :- خلينا ف حضرة الضابط شريف اللطيف ابو دم خفيف ..
قهقهت زينب لتعاجلها دلال هاتفة :- ياللاه بينا بقى على تحت نساعد الخالة وسيلة ف تحضير العشا ..
خرجتا من الغرفة في اتجاه الأسفل يصحبها على طول الردهة موسيقاه الشجية ..
رواية زواج بالقوة الفصل السادس عشر 16 - بقلم زهراء السعيد
اصبحت الشقة بالفعل على حال اخر مغاير لما كانت عليه منذ عدة ساعات خلت .. تنهد كل منهما و هو يلقي بجسده المنهك على احد المقاعد غير قادر على التفوه بكلمة .. تطلع نديم حوله للشقة التي اصبحت عروس مزينة بعد ان كانت موضع خرب لا يصلح للعيش .. الفضل في ذلك لها .. تطلع لناهد المنهكة على المقعد المقابل وشعر بشفقة تجاهها فقد كان الحمل الأكبر على عاتقها ..
هتف يستحثها :- قومي بقى خدي دش محترم عشان ترتاحي .. انتِ تعبتي قووي النهاردة ..
ابتسمت في وهن هامسة :- لاااه .. ادخل انت الاول عشان انا لسه هدعك الحمام عشان تبقى اخر حاچة ..
هتف معاتبا :- حمام ايه وبتاع ايه تاني !؟.. كفاياكِ النهاردة .. الدنيا مش هطير .. قومي ياللاه ..
وبلا وعي منه نهض وامسك بكفها جاذبا إياها لتنهض بدورها .. تطلعت لكفه التي تحتضن كفها في أريحية ومن ثم تطلعت اليه .. تنبه هو لفعلته فترك كفها في بطء ساحبا كفه مبتعدا .. وتساءل.. لما اصبح يتباسط معها بهذا الشكل !؟.. لما اضحى تعامله معها وكأنها بالفعل زوجته !؟..
ساد جو مشحون بالتوتر و الاضطراب شمل كلاهما الا انه كان المبادر لتحويل مسار خواطرهما هاتفا وهو يشير الى احدى الحجرات :- انا هاخد الاوضة دي ..
هتفت تشاكسه :- اشمعنى !؟.. لا انا اللي هاخدها..انا بحب اوضتي يبقى فيها بلكونة ..زي اوضتي ف النعمان..
لم تكمل جملتها لكنه وعاها ولم يعقب ... كانت تحن الى اي شئ من شأنه تذكيرها بما خلفته وراءها ورحلت .. انه الحنين الذي يجرفنا في نوبات مده وجزره لنصبح اشبه بقطعة خشب تطفو علي أمواجه تتلاعب بها كيفما ووقتما شاءت ..
تنحنح ونهض في عجالة هاتفا :- انا داخل اخد دش.. ومش هتأخر عليكِ..
اندفع لداخل الحمام بينما نهضت هى تتطلع حولها للشقة تحاول ان تستوعب ان هذه الحجرات ستكون ملاذها من الان فصاعدا .. و سيكون هذا هو بيتها حتى اشعار اخر .. احتضنت الحوائط بناظريها ودمعت عيناها رغما عنها وهى تتذكر النعمانية وكل من فيها .. و الان وفي تلك اللحظة تشتاق لروائح العصاري القادمة من الغيطان البعيدة ورائحة الجبل الشامخ قبالة بيت جدها النعماني .. تشتاق رائحة مخبوزات الخالة وسيلة التي كانت تصنعها خصيصا لأجلها وخاصة الخبر الشمسي التي كانت تعبء التلة المقام عليها البيت بأسرها فتنشر عبق خاص من دفء عجيب.. واكثر ما تشتاقه هو احضان الخالة وسيلة التي تشعرها ان امها الغالية ما رحلت .. لكم تهفو لبوح بين ذراعيها يزيح عنها ثقل ماعادت قادرة على حمله ..
تطلع نديم اليها فقد خرج لتوه من الحمام وتعجل على قدر استطاعته حتي لا يتركها تنتظر طويلا لتنل دورها .. شعر بما يعتريها فتمهل للحظة واخيرا هتف محاولا اخراجها من شرودها الشجي :- انا خلصت .. تقدري تتفضلي ..
انتفضت متطلعة اليه ساهمة لثوان وكأنما تستوعب لبرهة عما يتحدث واخيرا هزت رأسها ايجابا هاتفة :- اه .. هدخل حالا اهو ..
مرت جواره بسرعة واندفعت لداخل الحمام لها هو بنظراته التي اكتشفت انها كانت تبكي في صمت مما اثار داخله نوبة من وجع جعلته يتنهد بدوره في قلة حيلة ..
جلس على الأريكة في انتظارها لتناول الغذاء الذي أحضرته ام زينب لكن يبدو انه غفى رغما عنه من شدة الإرهاق وانتفض متطلعا حوله في ذعر عندما استيقظ على صرخة قوية وانين صادر من جهة الحمام .. استعاد كامل وعيه هاتفا باسمها وهو يندفع مهرولا في اضطراب .. كاد ان يدفع الباب و يدخل الا انه توقف باللحظة الاخيرة يطرق الباب مناديا عليها ولكن صوت الأنين هو كل ما كان يصله للحظة وفجأة انقطع مما جعله يدفع الباب دون تفكير ليجدها ممددة فاقدة الوعي على الارض المبتلة التي خاضها بحذر حتي وصل موضعها لينحني حاملا إياها عائدا للخارج في حرص حتى وصل اقرب غرفة فدفع بابها بقدمه ومددها علي الفراش وما ان ابعد كفه حتى اكتشف ان بها اثر دماء .. شعر بالذعر وهتف بأسمها من جديد .. لكنها لم تجب .. فكر في جلب طبيب على وجه السرعة .. لكن كيف يأتي به وهى على حالها ذاك .. ترتدي هذا القميص الحريري القصير و شعرها الليلي منثور بكل اتجاه .
اندفع لحقيبة ملابسه بالحجرة الاخرى وتناول منها قنينة العطر خاصته وعاد يضع منها بعضا على كفه مقربا إياها من انفها في محاولة لإفاقتها .. لحظات مرت حتى همهمت تستعيد وعيها متأوهة وهى ترفع كفها لرأسها حيث موضع الإصابة ..
هتف بدوره في محاولة لطمأنتها :- متقلقيش انت كويسة الحمد لله .. بسيطة .. بس متتحركيش لحد اما اجيلك ..
اندفع طارقا باب شقة ماجدة و ما ان طالعته هتف في لهفة :- معلش يا طنط عندك قطن ومطهر .. ناهد وقعت ف الحمام ومتعورة ..
شهقت ماجدة هاتفة :- يا خبر ..
واندفعت تحضر ما طلبه ليتناوله من كفها عائدا لشقته وماجدة بأعقابه..
دلف للغرفة متوجها بلهفة لموضعها وقد اعتقد انها فقدت وعيها من جديد جلس بقربها هامسا باسمها في ترقب لتفتح عينيها في وهن ليتنهد في راحة ..
رفع رأسها عن الوسادة التي كان عليها بقعة صغيرة من الدماء وترته فهو لا يحتمل رؤية الدماء لكنه تحامل على نفسه باحثا عن موضع الإصابة بكف مرتعش .. كانت رأسها بأحضانه عندما لمست أصابعه في حذّر جرحها فندت منها أهة جعلته ينتفض موضعه هامسا:- معلش ..خلاص اهو ..
ابعد خصلات شعرها عن الجرح مطهرا اياه في رقة وتأكد انه جرح يحتاج استدعاء طبيب لكنه سيقوم باللازم الان .. وضع ضمادة خفيفة على موضع الإصابة وما ان أعادها موضعها حتى اكتشف انها لاتزل بقميصها الحريري .. غض بصره وهو يزدرد ريقه في اضطراب .. كانت كتلة مجسدة من الفتنة بين ذراعيه..
جذب غطاء الفراش في سرعة ملقيا اياه على جسدها فى نفس اللحظة التي دلفت فيها ماجدة حاملة كوب من الحليب المحلى بالعسل هاتفة:- خد يا بني خليها تشرب ده يعوض لها الدم اللي نزفته ..
تناول من ماجدة الكوب وتقدم من جديد يضع ذراعه اسفل كتفيها محاولا رفع جزعها هامسا بصوت مضطرب :- خدي اشربي يا ناهد..
فتحت عينيها في إعياء هامسة :- انا بردانة يا نديم .. بردانة ..
همست ماجدة في إشفاق :- يا حبيبتي يا بنتي .. انا رايحة اجيب لكم بطاطين من شقتي .. ازاي نسيت اديهالكم !؟..
همست ناهد من جديد بأحرف مرتعشة :- بردااانة .. يااا .. نديم ..
وضع كوب الحليب المحلى جانبا وجذبها الي صدره بلا وعي ضاما إياها بين ذراعيه يحاول ان يبث الدفء بأوصالها هامسا في عشق:- انا هنا يا ناهد .. انا هنا جنبك ..
عادت ماجدة حاملة الاغطية الصوفية ورغم ذلك لم يفلتها من بين ذراعيه وضعتها على طرف الفراش هاتفة :- اهو الغطا يا نديم.. و انا رايحة اسخن لكم الأكل اللي محدش منكم لمسه ده .. لازم مراتك تاكل ..
ما ان خرجت ماجدة من الغرفة حتى جذب نديم احد الاغطية ناشرا إياها مدثرا ناهد بها هامسا بها من جديد وهو يتناول كوب الحليب المحلى :- اشربي يا ناهد عشان خاطري ..
ارتشفت عدة رشفات من يده واخيرا تمنعت .. وما ان تحرك حتى اصطدم بلا قصد بقدمها فتأوهت هاتفة :- اااه .. رچلي ..
كانت قدمها لا يصلها الغطاء و ظهرت متورمة فنهض متوجها للخارج هاتفا لماجدة التي كانت لاتزل بالمطبخ :-انا نازل اجيب دكتور يا طنط .. خليكي جنبها ..وحاولي تساعديها تلبس عباية..
تركت ماجدة ما كانت تصنعه لتعود للبقاء بجانب ناهد حتى عودة نديم بطبيبها ..
*****************
توجهتا الى السيارة التي كانت بانتظار زينب خارج بوابة البيت الكبير وكان عفيف ينتظر قربها يحادث مناع في امر ما حتى ظهرتا متجاوزتان البوابة ليهتف عفيف في مودة :- شرفتينا يا داكتورة .. و مچيتك چات بالخير والداكتورة دلال جامت لنا بالسلامة ..
ابتسمت زينب في دبلوماسية :- تسلم يا عفيف بيه .. دلال دي اختي.. و انا اعمل اي حاجة عشان راحتها ..
ابتسم عفيف هاتفا :- ربنا يديم المعروف ما بينكم يا داكتورة .. و دايما النعمانية مفتوحة لحضرتك تشرفينا ف اي وچت ..
هتفت دلال معاتبة :- كنتِ خليكي يومين تاني يا زينب !؟..
همت زينب بالإجابة الا ان توقف عربة الشرطة المفاجئ جوارهم جعل الجميع يتنبه لها موجها أنظاره تجاه شريف الذي ترجل منها على عجل هاتفا بلهجة مطمئنة مندفعا نحو زينب :- الحمد لله لحقتك .. كنت فاكرك سافرتي..
تنبه انه اندفع متوجها بحديثه لزينب متجاهلا كل من عفيف ودلال فهتف مستدركا :- السلام عليكم اولا ..
ثم توجه بحديثه لعفيف :- انا بستأذنك يا عفيف بيه هسافر بالدكتورة زينب اوصلها بنفسي .. معلش .. والدتها امنتني عليها .. زي ما جت معايا ترجع معايا ..
ابتسم عفيف مؤكدا :- وماله يا حضرة الظابط .. العربية ومناع تحت امرك .. تروح مع الداكتورة وتوصلوها بالسلامة وترجعوا سوا انت ومناع ..
ابتسم شريف منشرحا وهو يشير اليها لتصعد العربة .. استدارت تحتضن دلال في محبة هامسة بالقرب من اذنيها :- لو في اي حاجة ابعتيلي مع البوسطجي ..
امسكت دلال قهقهاتها التي ظهرت علي شكل ابتسامة واسعة وهمست بدورها :- حاااضر .. ابقي طمنينى ع الحبايب .. و سلميلي عليهم قووي ..
اومأت زينب في تفهم واندفعت باتجاه العربة لتجد مناع مندفعا باتجاه مؤخرة السيارة يضع عدد من الصناديق الكرتونية فتسألت زينب في تعجب :- ايه ده يا عفيف بيه !؟..
ابتسم عفيف في وداعة :- دي حاچة بسيطة يا داكتورة هدية للوالدة .. بالهنا والشفا..
ابتسمت زينب ممتنة :- هدية مقبولة يا عفيف بيه .. كلك ذوق ..
صعدت السيارة وصعد شريف على الجانب الاخر وبدأ مناع في التحرك لتلوح دلال بكفها مودعة هاتفة :- سلميلي على طنط يا زينب .. أوعي تنسي ..
اومأت زينب بالإيجاب وابتعدت السيارة .. ظلت دلال موضعها حتى غابت العربة خلف غبار الطريق ليهمس عفيف مشيرا للبيت الكبير :- اتفضلي يا داكتورة ..
هزت رأسها في سكينة ودلفت للداخل ولم تنبس بحرف واحد لكن صمتها ذاك كان ابلغ من اي احرف قد تُنطق .. كان يدرك تماما غربتها..كان يتمني لواضحى قادرًا على اذهاب وحشتها ولكن ما بيده حيلة .. تركها تعود للمندرة وتوقف يتطلع اليها حتى غابت .. وغابت سعادته بالتبعية ..
******************
خرج الطبيب من غرفة ناهد بعد ان وقع الكشف عليها ليعاجله نديم فى لهفة متسائلا :- خير يا دكتور!؟ هى بخير !؟..
هتف الطبيب وهو يدون بعض من ملاحظاته ويخط اسماء اجنبية لادويته :- متقلقش .. الحمد لله هى بخير .. الجرح ف راسها عملت له اللازم بجانب ان رجلها فيها إلتواء لازم ترتاح ومتتحركش ولا تمشي علي رجلها على الاقل اسبوع..
مد نديم كفه للطبيب يتناول وصفته الطبية ويرافقه للباب وهبط الدرج معه حتى يبتاع الدواء وما ان عاد من جديد حتى هلت ام زينب من داخل غرفة ناهد هاتفة :- الحمد لله يا بني انها بخير .. انا هروح اسخن لكم الاكل عشان الدكتور قال لازم تتغذي ..
هتف نديم ممتنا :- هنتعبك يا طنط .
هتفت ام زينب معاتبة :- تعب ايه بس يا نديم !؟.. تعبكم راحة يا حبيبي ..
ثم استدركت في حنق :- يووه .. معلش يا نديم انا دماغي كانت فين!؟.. تصدق مسألتش الدكتور على حمل مراتك !؟.. يا رب الوقعة متكنش اثرت عليه ..
ابتسم نديم مؤكدا :- لا متقلقيش يا طنط هو مفيش حمل من اصله ..احنا لقيناكِ مصدقة قلنا نهزر معاكِ شوية ..
هتفت فى راحة :- طب الحمد لله .. ربنا يديكم يا حبيبي ..
هتف بدوره :- تسلمي يا طنط ..
ما ان غابت ام زينب حتى تنحنح في تأدب ودلف لحجرة ناهد في هدوء هاتفا :- اخبارك ايه دلوقتي!؟.. مش احسن ..!؟..
همست بصوت واهن :- الحمد لله ..
رفع ناظريه تجاهها وقد هزه نبرة الوهن بصوتها فوجد رأسها حوله عصابة محكمة وقدمها تظهر من اسفل غطاء الفراش حولها احد الأربطة الضاغطة .. اقترب حتى اصبح قبالة الفراش ووضع الدواء بالقرب منها هاتفا :- الف سلامة .. الدكتور قال لازم ترتاحي وتتغذي كويس ..
دخلت ام زينب حاملة صينية الطعام ليتقدم نحوها نديم مسرعا متناولا منها الصينية هاتفا :- عنك يا طنط .. تسلم ايدك ..
هتفت ام زينب :- تسلم وتعيش يا حبيبي .. ياللاه اقعد كل واكل مراتك عشان تاخد دواها .. و انا ف شقتي لو احتجتوا حاجة .. ياللاه تصبحوا علي خير والف سلامة يا ناهد يا بنتي ..
هتفت ناهد ممتنة :- تسلمي يا طنط .. ربنا يخليكي ..
عادت ام زينب لشقتها ليعاود نديم النظر اليها هاتفا :- ياللاه بقى عشان تاكلي ..
وحمل صينية الطعام متوجها بها ليضعها على طرف فراشها من الجهة الاخرى لجلوسها لتهمس هى بنبرة مرهقة :- بجد مليش نفس .. انا حاسة اني دايخة قوي وعايزة انام ..
اكد وهو يجلس جوار صينية الطعام :- يا ستي نامي براحتك بس لازم تاكلي الاول عشان تخدي الدوا .. ياللاه ..
هتف بكلمته الاخيرة وهو يمد لها كفا بقطعة صغيرة من صدر الدجاجة التي تتوسط الصينية :- خدي كلي بقى لأني هموت م الجوع بجد ولو مكلتيش و الله ما انا دايقه ..
تنبهت انه اختار القطعة التي تفضلها من الدجاجة.. هل هى مصادفة !؟.. و جاءت الإجابة فى هتافه مؤكدا :- ياللاه كلي ده انا مديكي الحتة اللي بتحبيها اهو ..
تطلعت اليه في تيه .. هل اصبح يدرك ما تحب و ما تكره !؟.. لما!؟..سطع السؤال برأسها وكانت تتهرب من الإجابة .. فلا تحب ان تتعلق بأمل بعيد قد لا يتحقق .. تناولت من يده قطعة الدجاج و بدأت في تناولها في شرود وبدأ هو بدوره في تناول الطعام بشهية كبيرة تدل بالفعل علي تضوره جوعا..
*******************
جلس شريف بجوار مناع وكانت زينب تجلس بالمقعد الخلفي لشريف مباشرة .. مر الوقت لم يقطعه احدهم .. حتى مد شريف كفه محاولا ضبط مرآة العربة التي في اتجاهه حتى يتسنى له رؤيتها من موضعها خلفه الا ان مناع هتف مشيرا الى المرآة :- والنبي اعدل المراية اللي چارك دي يا شريف بيه ..
هتف شريف ممتعضا وقد بدأ لتوه في التمعن بصورتها قبل ان يعم الظلام قريبا ويحرم من مطالعتها :- ما هى معدولة اهى يا مناع .. حلوة حلوة والطريق هادي وزي الفل .. توكل على الله ..
جز مناع على اسنانه غيظا هامسا:- اجوله مشيفش يجولي الطريج زي الفل ..
هتف شريف متسائلا :- بتقول حاجة يا مناع !؟..
هتف مناع مؤكدا :- لاااه مبجوليش يا بيه ..
استطرد مناع وقد استشعر بما لديه من خبرة عاطفية جعلته غارقا في عشق سعدية ان هناك شرارات ما بين زينب وشريف فهتف :- بجولك يا بيه !؟.. افتح لكم مزيكا !؟..
هتف شريف مستحسنا :- الله عليك يا مناع ..سمعنا يا سيدي .. بس اوعى تسمعنا الرعد ف الاخر ..
امسكت زينب ضحكاتها بالخلف بينما انفجر مناع مقهقها بصوت جهوري ليهتف شريف مدعيا الفزع :- اديك سمعتنا اللي ألعن من الرعد .. العربية بتترج .. استر يا رب ..
قهقه مناع من جديد ومد كفه يفتح مشغل الأغاني لتصدح كوكب الشرق مترنمة :-
ياما الحب نده على قلبي ما ردش قلبي جواب..
ياما الشوق حاول يحايلني واقول له روح يا عذاب..
ليهتف شريف مؤكدا كلام الاغنية:- والنعمة صح .. الست دي بتقول احلى كلام ..
لتستطرد ام كلثوم صادحة :-
ياما عيون شاغلوني لكن ولا شغلوني..
إلا عُيونك إنت دول بس اللي خدوني وبحُبك أمروني..
أمروني أحب لقيتني بحب وأدوب فى الحب وصبح وليل على بابه..
تطلع شريف الى عينيها عن طريق مرآة السيارة وتنهد في شوق مسندا عضده على حافة نافذة السيارة وذقنه على باطن كفه ليتيقن مناع ان شريف غارقا في حب تلك الطبيبة التي تجلس بالخلف تحاول ان تتظاهر بالامبالاة فمد كفه ليرفع من صوت الغناء قليلا وكلمات الاغنية تسري عبر اجواء العربة توقظ مشاعر راكبيها مصحوبة بأجواء الغروب التي تصاحبهما على طول الطريق ..
*******************
كان عائدا من احد اجتماعات فض المنازعات التي يترأسها بمقعد الرجال بالقرب من إسطبلات النعماني .. كانت رأسه تعج بالكثير من التفاصيل والمشكلات التي شغلت معظم نهاره والان هو عائد للبيت الكبير لعله ينال بعض الراحة بعد ذاك اليوم المنهك ..
كان يسير الهوينى بعربته لا قبل له للإسراع بها على ذاك الطريق الضيق المترب وكان يريد ان يعب من هواء المغارب النقي لعله يريح بعض من ما يعتريه من ضيق .. لقد أضحت الفترة الاخيرة خانقة بحق بعد كل الاحداث التي شهدتها.. تنهد زافرا في حنق واذ به يجذب لجام الفرس في قوة لتتوقف العربة فجأة .. تطلع الي تلك السائرة هناك وحيدة تحمل حقيبتها وتمشي شاردة حتى انها لم تنتبه لصوت العربة المميز على الطريق و ما ألتفتت نحوه بل استمرت بطريقها ..
اندفع مترجلا من العربة خلفها وما ان اصبح بمحازاتها حتى تنحنح هاتفا :- السلام عليكم يا داكتورة ..
انتفضت من شرودها وردت التحية في اقتضاب :- وعليكم السلام ..
تساءل متعجبا :- ليه ماشية لحالك يا داكتورة مطلبتيش الكارتة ليه !؟
اكدت وهى لاتزل تسير بطريقها غيرعابئة بالتطلع اليه وهى تحدثه :- ملهاش لازمة يا عفيف بيه .. انا حبيت أتمشى شوية ..
كانت تسرع الخطى وكأنها تهرب من امر ما أو ربما شخص ما .. شخص له قدرة على قلب ثباتها رأسا على عقب ..فمنذ محادثتها مع زينب وإنكارها إمكانية الوقوع في حبه وهى لاتنفك تفكر فيه ولا يبرح مخيلتها للحظة مما اثرعلى علاقتها به وباتت تتحاشاه وإذا ما اجتمعا تتعامل معه بشكل عدائي لا تستطيع ضبطه اوالسيطرة عليه ..
هتف معاتبا :- هاتفضلى تجري كِده وانا اچري وراكِ يا داكتورة .. طب حتى اوجفي كلميني زي الناس..
توقفت فجأة تستدير متطلعة اليه هاتفة فى حنق :- خير يا عفيف بيه!؟..
توقف فجأة بدوره قبل ان يرتطم بها متقهقرا خطوتين للخلف و تنحنح هاتفا :- خير طبعا يا داكتورة .. انتِ فيه حاچة مزعلاكِ!؟..
هزت رأسها نفيا في عجالة ليهتف هو مستطردا :-طب انا بجول يعني تتفضلي ع الكارتة بدل مشيك .. المسافة للبيت الكبير لساتها بعيدة و انتِ يعني اكيد تعبانة وعايزة تستريحي .. اتفضلي..
اشار للعربة التي تركاها خلفهما على مسافة لا بأس بها .. كانت بالفعل مرهقة ولا قبل لها لتجادل فيومها كان عصيبا بحق .. تنهدت في استسلام ليبتسم في نشوة المنتصر وهو يعود خلفها مستقلا العربة بعد ان استقرت داخلها بالفعل..
ساد الصمت بينهما وكان الجو مشحونا فمنذ قدوم الدكتورة زينب وامتثالها للشفاء وهى تنأى بنفسها عنه .. كانت بارعة حقا في عقابه بمثل ذاك العقاب الذي لا تعلم كم هو ثقيل على نفسه .. لكن من اين لها ان تعلم !؟..
هز لجام فرسه لتتحرك العربة بهما عائدين وها قد شارف المغرب على الدخول وبدأت جحافل العتمة فى الانتشار .. كان التعب بلغ منها مبلغه بالفعل لم تشعر بذلك الا ما ان استراحت داخل العربة .. كانت تشعر ان كل عضلة من عضلات جسدها متشنجة نظرا للمجهود الذى قامت به النهار بطوله .. لكن كل هذا لا شئ ما ان اتم الله على يديها تلك الولادة التي استدعيت لها بعد رحيل زينب مباشرة مما ساعدها على الالتهاء بعيدا عن حزنها لفراق صديقتها وخاصة وان الام وجنينها بخير مما أشعرها بالسعادة فتنهدت فى ارتياح جذب انتباهه ليتطلع اليها بطرف لحظ يحاول ان يغضه عنها دوما .. لكن كيف له ان يفعل وكل ما فيه يناديها وخاصة بعد طول فترة بعادها بمرضها وكذا وهى بهذا القرب الدامى منه تشاركه أريكة الكارتة التى تهتز بهما فى طريقهما للبيت الكبير على ذاك الدرب الذى بدأت شمسه فى المغيب مخلفه ورائها شفق ذهبى مخلوط بالحمرة اورث الأجواء نوعا من السحر لا يمكن مقاومته ..
انتفض فجأة مطرودا من جحيم خواطره عندما هتفت هى فى تعجب متسائلة :- ايه الصوت ده يا عفيف بيه !؟
تطلع اليها متعجبا فيبدو انها نسيت خصومتها فجأة وتساءل بدوره في اهتمام :- صوت ايه !؟..
ارهفت السمع هامسة :- حاسة انى سامعة صوت غنا او حاجة شبه كده .. ده صحيح و لا بيتهئ لي!؟..
ابتسم فى رزانة مجيبا :- لا صحيح يا داكتورة ..
وادار العربة قليلا لتسلك طريقا فرعيا ضيقا كادت العربة ان تتجاوزه اشرف بهما على سهل منخفض رأت فيه من على البعد بعض من خيام وشادر منصوب .
نظرت دلال لعفيف فى تعجب هامسة :- ايه ده !؟..
رد هامسا بدوره :- دى خيام الحلب..
هتفت مستفسرة :- اه .. قصدك الغجر مش كده !؟
ابتسم مؤكدا :- ايوه يا داكتورة صح .. بجيتى خبيرة اهااا ..
ابتسمت في خجل :- يعنى افتكرت كلام خالة وسيلة عليهم ساعة موضوع خفاجي وبنته ..
بالحديث الا انها تنبهت للغناء الذى بدأ من جديد بالأسفل فنزلت من الكارتة مشدوهة ومأخوذة اليه .. وقفت تتطلع من موضعها فوق تلك التلة المنخفضة على ذاك الصخب الدائر بالأسفل وتناهى لمسامعها أهازيج الغجر ورقص فتياتهم و مشاعلهم المستعرة بأركان المكان بالأسفل تضفى عليه جوا أسطوريا خلب لبها ..
كان عفيف لايزل بالعربة متطلعا اليها فى تيه مأخوذا كليا بصورتها التى تتراقص اللحظة امام ناظريه على انعكاس اللهب القادم من البعد.. كانت قطعة فريدة وضعت فى لوحة فائقة الجمال فزادتها حسنا.. نزل بدوره من الكارتة سائرا في حذّر ليقف جوارها محاولا الا يقطع ذاك السحر الذي شملهما وان لا يخرجها من ذاك الجو الذى أضحت اسيرته تماما ..
تناهى لمسامعهما الغناء الذى علت وتيرته بالأسفل لتصلهما ..
يا حنة .. يا حنة .. يا حنة .. يا جطر الندى ..
يا شباك حبيبي يا عيني .. چلاب الهوى ..
همست دلال مسحورة :- الله .. بحب الاغنية دي قووي ..
نظر اليها مسحورا بها وتنحنح محاولا ان يجلو صوته هامسا بدوره :- أغاني عن حكاوي جديمة..
وحاول ان يجذب نفسه خارج ذاك السحر الذى يشملها يدعوه اليه كنداهة لا يستطيع منها فكاكا فاستطرد هاتفا :- والاغنية دي بالذات .. عن حكاية جديمة جوي وكلها وچع ..
تنبهت لحديثه فتطلعت اليه متسائلة في شغف للمعرفة :- قديمة قوي ازاى !؟.. من امتى يعني !؟.. وليه كلها وجع !؟..
ابتسم عندما علم انه اثار فضولها فهتف :- من ايّام الدولة الطولونية..
هتفت متعجبة :- ياااه .. دي قديمة قوي فعلا .. بس واضح انها حكاية مش عادية عشان تعيش كل ده!؟..
اكد هامسا وهو يومئ برأسه متطلعا لمضارب الغجر :- اكيد .. حكاية لسه عايشة وبتتغنى يبجى لازما تبجى مش عادية .. حكاية عن فرحة وحزن متعشجين ف بعض زي الارابيسك ..
هتفت فى حيرة :- ازاي !؟..
همس يحكى وأهازيج الغجر عن الحكاية تكمل تلك الخلفية الخلابة :- دي حكاية الاميرة جطرالندى بنت خمارويه وحفيدة احمد بن طولون.. كانت شابة ف غاية الچمال وكان ابوها بيحبها چدا .. بس للاسف حبه ده ممنعهوش انه يتاچربيها ..
هتفت دلال في فضول :- ازاي !؟..
اكد عفيف متنهدا :- للاسف كان فى مشاكل وصراعات كبيرة بين ابوها حاكم مصر وبين الخليفة العباسي المعتضد .. وشاف الاتنين ان انسب وسيلة عشان ينهوا الخلاف ده هى چواز جطر الندى من بن الخليفة ..
اكدت دلال :- طب تمام ما هو الخلاف هيخلص اهو .. ولا هى بتحب حد تاني ..!؟..
هتف عفيف :- لا ابدا .. هى كانت سعيدة بالچوازة دي لانها ف مصلحة ابوها .. و فعلا تم تچهيزها بچهاز في قافلة اولها ف العراج و اخرها ف مصر وكان فيها من عچايب الدنيا اللى عمر ما حد شافه..
همست دلال فى فضول :- و بعدين!؟..
ابتسم مستطردا :- بيجولوا ان ابوها بنى لها جصور على طول الطريج من مصر لبغداد كل ما تكون عايزة تستريح تنزل ف جصر منيهم لحد ما وصلت بغداد .. وزي ما بيجولوا برضك تأتى الرياح بما لا تشتهي السفن ..
هتف تتعجله فى فضول :-ليه !؟. ايه اللى حصل يا ترى !؟..
قهقه لحماستها مستطردا :- شافها الخليفة المعتضد فبهرته بچمالها فجال انه هيتچوزها هو بدل ابنه ..
شهقت دلال فى صدمة هاتفة :- يا عينى .. ضاعت فرحتها ..
اكد عفيف في رزانة متطلعا لملامح وجهها المليحة والمتقلبة التعابير كما وجوه الاطفال عند قَص الحكايا :- بالظبط .. بس هى ملهاش انها ترفض للاسف لانه چواز سياسى م الاساس .. عشان كِده جلت لك .. رغم مظاهر البذخ والفشخرة اللى أتعمل بيها الزفاف والأربعين ليلة حنة اللى اتجام فيها الفرح واللي بيتغنوا بيها لحد دلوجت الا انها مكنتش سعيدة ابدا..
همست دلال فى شجن :- اكيد مكنتش سعيدة .. هتبقى سعيدة ازاي وعمرها بدل ما تعيشه مع حد يحبها راح ف صفقة سياسة !؟..
صمت عفيف ولم يعقب متطلعا اليها في وله .. تطلعت هي الي الغناء بالأسفل من جديد وفجأة وكأنها فقدت شغفها استدارت تصعد الكارتة .. تبعها صاعدا الكارتة جوارها وهز لجام الفرس بين كفيه لتتحرك عائدة متخذة الطريق الرئيسى مرة اخرى لتدير دلال رأسها متطلعة خلفها لمضارب الغجر وهم لازالوا على غناءهم يتناهى لمسامعها كلمات اوصلها الريح والعربة تندفع مبتعدة :-
استنى .. واستنى .. لما تفوت على بستانا ..
وتصبح وتمسى .. تطلب مفتاح الچنة ..
وأهديك شال الأفراح .. مليان ورد وتفاح .. والفرحة الكبيرة نقسمها سوا ..
وأتوه بين حبيبى يا عينى والليل و الهوى ..
رواية زواج بالقوة الفصل السابع عشر 17 - بقلم زهراء السعيد
وصلت العربة لبيت زينب ليتوقف مناع حيث اشار له شريف هاتفا :- بس هنا يا مناع .. كتر خيرك ..
ترجلت زينب من السيارة وتبعها شريف هاتفا :- حمدالله بالسلامة يا دكتورة ..نورتي القاهرة وضلمتي النجع ..
ابتسمت زينب هاتفة :- الله يسلمك يا سيادة النقيب ..
واستطردت هاتفة :- هطلع انا بقى لماما ..
هتف مناع :- وانا هحصلك بالزيارة اللي ف شنطة العربية يا داكتورة ..
ابتسمت في مودة :- تسلم يا مناع ..
همس شريف بقربها :- يسلم ايه !؟.. انتِ ناسية الناس اللي عندك !؟..
وضعت كفها على فمها مانعة شهقة قوية ليهتف شريف امرا :- سبهم يا مناع انا هطلعهم ..
اكد مناع :- ودي تيجي يا شريف بيه !؟.. ميصحش برضك ..
همس شريف لزينب :- اطلعي بسرعة نبهي ع اللي فوق ..
اومأت برأسها موافقة شريف واندفعت في اتجاه بوابة البيت المغلقة .. دفعتها ودخلت وشريف يتعقبها بناظريه وما ان هم بالعودة لمناع الذي كان على وشك اخراج رأسه من خلف السيارة التي كان منحنيا داخلها لجلب الصناديق حتى شاهد نديم قادم من مقابلة مع احد أصدقاءه ليوفر له عمل يستطيع به تدبر اموره وخاصة ان طبيب ناهد ودواءها قد أتى تقريبا على ما يملك من أموال.. فاندفع شريف باتجاه مناع يحاول تعطيله عن اخراج رأسه حتى يضمن دخول نديم للبيت..
اخذ شريف في تعطيل مناع قدر استطاعته حتى شعر ان مناع قد اوشك على الخروج عن طوره وقد يرديه قتيلا لتوه .. وما ان تأكد ان نديم دخل بيت زينب حتى اصر على حمل الصناديق الكرتونية بنفسه حتى باب شقة زينب متعللاً بان هناك امر ما قد نسي أخبارها به ..
ابتسم مناع لاعتقاده بان شريف يتحجج لرؤية زينب فيبدو انه افتقدها قبل ان يغادرا من الاساس فتركه يفعل ما يحلو له ..
اندفع شريف بالصناديق حتى اعتاب شقة زينب طارقا بابها لتهتف زينب من الداخل في سرعة :- ايوه ..
وفتحت هاتفة في ذعرومن خلفها كان نديم في ذعر مماثل:- نديم مكنش فالبيت ولسه طالع ورايا ..مناع شافه !؟..
هتف شريف مطمئنا إياها وهو يضع حمله جانبا :- لا الحمد لله ربنا ستر وقدرت ألهي مناع لحد ما نديم طلع على هنا ..
تنهدت زينب في راحة:- يعني مشفهوش!؟.. الحمد لله يا رب ..
هتف نديم بدوره :- الحمد لله ..
هتفت ماجدة لشريف :- تعبناك يا بني ..
اكد شريف مبتسما :- العفو يا طنط مفيش تعب ولا حاجة وبعدين انا بنفذ الأوامر .. سلم واستلم ..
قهقهت ماجدة هاتفة :- قد القول يا حبيبي ..
هتفت زينب في حنق :- ايه سلم واستلم دي.. هو انا ايه !؟.. طرد ..
هتف شريف مشاكسا وهو يندفع ليهبط الدرج في عجالة :- طب اقولكم سلام عليكم بقى بدل ما انا اللي اخد طرد ..
قهقه الجميع لتهتف ماجدة :- مع السلامة يا حبيبي .. ومتنساش تسلم لي على ماما ..
اكد شريف وقد وصل لأخر الدرج مندفعا لخارج البيت :- يوصل يا طنط ..
اغلقت ماجدة الباب لتهتف زينب موجهة حديثها لنديم :- عارفة انت عايز تسأل على ايه !؟.. انا مش هقول ولا حاجة غير ان دلال بقت كويسة جداااا وعشان تصدقني ..
مدت كفها لحقيبة يدها التي كانت بالقرب منها على الطاولة وأخرجت خطابا سلمته لنديم مستطردة :- أدي جواب منها وبخط ايديها يا سيدي .. اقراه وأتأكد بنفسك .. هي حكت لك كل حاجة فيه ..
اختطف نديم الخطاب في لهفة وما ان هم بالخروج تجاه شقته حتى هتفت ماجدة تستوقفه :- استنى يا نديم خد الحاجات دي من الزيارة اللي بعتها اخو مراتك .. اكيد نفسها فيها .. خليها تفرح بيهم ..
اخذها نديم وابتسم في امتنان هاتفا :- تسلمي يا طنط .. كلك ذوق ..
اندفع لشقته حاملا الزيارة والخطاب .. توجه صوب حجرتها يطرق بابها في هدوء ليفتحه ما ان دعته للدخول ..
هتف ما ان طالع محياها الشاحب قليلا على غير عادته :- السلام عليكم ..ايه اخبارك دلوقتى !؟.. مش احسن ..
اومأت ببطء ايجابا ليقترب من الفراش واضعا ما حملته اياه ماجدة هاتفا :- بصي يا ستي طنط ماجدة بعتت لك ايه !؟..
هتفت في وهن هامسة وهى لا تقو على النظر داخل الحقيبة البلاستيكية :- ايه ده !؟
اكد مبتسما :- دي زيادة من بلدكم بعتها عفيف اخوكِ مع زينب ..
صمتت للحظات ثم طلت داخل الحقيبة متطلعة لما بداخلها واخيرا أبعدت ناظريها عنها وأجهشت في البكاء رغما عنها ..
صمت لبرهة بدوره احتراما لوجعها ولكنه هتف في شجن :- انا اسف كنت فاكر ان الحاجات دي هتبسطك ..
ومد كفه لإبعادها لكنها استوقفته هامسة بصوت موجوع النبرات :- هى بسطتني فعلا .. بس ..
لم تستطع ان تستطرد في وصف مشاعرها اكثر لكنه استشعر كل ما كانت تود البوح به فأومأ برأسه متفهما وهمس بدوره :- حاسس بيكِ وعارف انتِ عاوزة تقولي ايه ..
وغير الموضوع بسرعة هاتفا :- بالمناسبة.. انا جالي جواب من دلال .. هقراه وأقولك الاخبار..
هتفت في حياء مترددة :- لو فيه اخبار عن عفيف ..هتبلغني !؟..
اكد في ثقة :- اكيد طبعا .. وهديكِ الجواب تقريه كمان ..
ابتسمت وهي تمسح دمعاتها :- لااه مش للدرچة دي .. طمني عليه كفاية عليا ..
هز رأسه موافقا وتركها وأنصرف لتمد كفها لداخل الحقيبة البلاستيكية مخرجة رغيف من الخبز الشمسي المصنوع بيد الخالة وسيلة والذي تستطيع تمييزه دوما وقربته من انفها تتلمس فيه رائحتها التي تشتاقها وعبق أرضها التي افتقدتها حد الوجع ..
*****************
تمايلت وتمايلت في إغواء ونظرات عينيه التي تضج بالشهوة تتبعها هنا وهناك حتى توقفت عن رقصها اخيرا ما ان استشعرت بحسها المدرب على انها قد استطاعت اسر حواسه كلها فاقتربت منه تسقط بدلال بين ذراعيه ليهتف في صوت نبراته تحمل قدر لا يستهان به من الرغبة :- واااه يا لواحظ .. كنك چنية بترجص ع الدخان ..
أطلقت ضحكة ممجوجة هامسة باغواء :- عچبتك يا سي صفوت !؟.
اكد هاتفا في حماسة :- يوووه .. دِه انتِ تعچبي الباشا ..
همست بالقرب من مسامعه ترغب في المزيد من التأثير عليه حتى يكون طوع بنانها في تنفيذ ما انتوته:- ولسه هعچبك كمان وكمان لما اجولك كيف تخلص من عفيف وتبجى انت سيد النعمانية وكبيرها..
انتفض متطلعا اليها هاتفا في لهفة :- كيف..!؟..
مالت عليه تهمس بأذنيه بما خططت له وبدأ هو في الإيماءة برأسه في موافقة وقد ارتسمت على محياه القبيح ابتسامة صفراء تحمل خبثا ودناءة غير مسبوقة..
****************
اندفعت لداخل البيت الكبير على غير عادتها مهرولة لتخبر الخالة وسيلة بالتوأمين اللذين كان لهما حظا فى القدوم للدنيا على يديها .. توقفت رغما عنها فى صدمة وكلل محياها الخجل عندما اكتشفت ان هناك ضيف بالبيت الكبير يجلس بأريحية في بهو الدار نهض هو فى جرأة متوجها اليها هاتفا :- اهلًا .. ومد كفه محييا ومستطردا :- انا تامر الضمراني شريك عفيف بيه .. اكيد حضرتك اخته !؟..
مدت كفها تتبادل التحية لكنها شعرت بالضيق من جراء ضغطه الموح لكفها فجذبتها في ضيق و همت بالإجابة الا ان عفيف كان الأسبق وهو يهتف مهرولا هابطا الدرج وبكفه بعض الاوراق وما ان وصل اليهما حتى اكد :- الداكتورة دلال المصري.. موچودة لمتابعة الحريم هنا ف النچع .. و توجه بحديثه لدلال هاتفا وهو يشير لباب المطبخ :- الخالة وسيلة كانت بتسأل عنك يا داكتورة ..
اكدت فى سرعة وهى تندفع للمطبخ :- انا رايحة لها حالا ..
هرولت باتجاه المطبخ وما ان دلفته حتى وجدت الخالة وسيلة غارقة بين اوانيها تحضر الغذاء للضيف الغير مريح بالخارج ..
هتفت وسيلة ما ان رأتها :- هااا .. ايه الاخبار!؟.. مرت عوض ولدت بالسلامة !؟..
اكدت دلال و هى شاردة :- اه .. الحمد لله ..
هللت وسيلة متسائلة :- الله اكبر .. وربنا چاب ايه !؟..
اكدت دلال مبتسمة :- جابت توأم ولدين ..
كبرت وسيلة من جديد مهللة :- الله اكبر .. الله اكبر .. دِه عوض هيعمل لك مجام يا داكتورة .. ولدين بعد تلت بنات .. يا فرحتك يا عوض .. تلاجيه ماسك السما بيديه م الفرحة ..
ابتسمت دلال هاتفة :- ربنا يسعد الجميع ..
أمنت وسيلة هاتفة :- اللهم امين يا داكتورة و يچعلك سبب للفرحة دايما يا رب ..
قالتها وسيلة بنبرة ذات مغزى كادت ان تسألها عن مقصدها الا ان عفيف اندفع من باب المطبخ هاتفا فى ضيق :- خبر ايه يا خالة !؟.. فين الغدا !؟.. خلينا نخلصوا م الأخ الثجيل اللي بره دِه ..
هتفت وسيلة متسائلة :- مين دِه يا عفيف بيه!؟.. اول مرة اوعاله ..
هتف عفيف زافرا في ضيق :- دِه واد الضمراني بيه شريكي ف المشروع اللي جلت لك عليه .. ابوه بعته بداله يعاين ارض المشروع .. بلانا بيه .. معرفش مجاش هو ليه بدل العيل الفجري دِه ..!؟..
هتفت وسيلة متسائلة :- هو هيبيت و لا هياخد بعضه ويطرجنا !؟..
اكد عفيف :- سمعته بيحول لأبوه انه هيعاين الارض ويرچع طوالي .. لكن من دجيجتين جالي انه هيبيت وكان بيسأل عن مكان جريب يبيت فيه ..
هتفت وسيلة :- وجلت له ايه !؟..
هتف عفيف متعجبا :- وااه يا خالة ومن ميتا حد بياچي بيت النعماني و يبيت براه !؟..
شهقت وسيلة هاتفة :- هيبيت ف البيت الكبير !؟.. دي محصلتش جبل سابج ..
هتف عفيف بنبرة حازمة :- الداكتورة ف المُندرة يا خالة .. يبجى يجعد هنا ..
اومأت وسيلة متفهمة ولم تعلق بحرف بينما هتف عفيف من جديد و هو يستدير مغادرا المطبخ :- همي يا خالة ان شالله يخليكي .. خلونا نخلصوا م اليوم دِه على خير..
اكدت وسيلة ان الطعام سيكون جاهزا في غضون الربع ساعة وما ان غادر عفيف حتى تطلعت الى دلال التي كانت منزوية بأحد اركان المطبخ ولم تفه بحرف منذ دخول عفيف حتى غادر وهتفت بنبرة متخابثة :- اول مرة ينزل ضيف ف البيت الكَبير .. و كله عشان خاطر عيونك ..
هتفت دلال متعجبة :- عشان خاطر عيوني انا!؟..
قهقهت وسيلة مازحة :- لاااه .. عشان خاطر عيوني اني ..
اضطربت دلال لتلميح الخالة وسيلة الذي جعلها تحمل الاطباق مسرعة لتخرج لتجهز المائدة من اجل اطعام ذاك الضيف الذي جعل عفيف بيه يغير من طقوس مقدسة و ترك احد ضيوفه يقتحم خصوصية بيت النعماني في سابقة هى الاولى من نوعها على الإطلاق ..
****************
دخل من الخارج متوجها للمطبخ يضع بعض الأغراض التي ابتاعها رغبة في إرضائها حتى تتناول بعض من طعام تحبه لأجل دواءها الذى يحتاج لتغذية .. تناهى لمسامعه صوتا يجاهد للوصول لموضع ما ألقى بنظراته تجاه بباها والذي فتح في تلك اللحظة لتظهر هى على أعتابه ووجهها يتصبب عرقا وهى تعافر للوصول للباب بحال قدمها المصاب ورأسها المعصوب ..
انتفض مندفعا اليها هاتفا فى عتاب :- ايه اللى قومك من مكانك بس !؟.. نادي وانا اجيب لك اللي انتِ عوزاه ..
ابتسمت في وهن وهى تتكئ على مصرع الباب هاتفة :- هتچيب لي الحمام ازاي !؟..
ابتسم بدوره هاتفا :- لا صعب ده يتجاب .. واستطرد وعلى وجهه نفس الابتسامة :- بس سهل اننا نروح له ..
اقترب منها يسندها وهو يراها تترنح شاعرة بدوار يكتنف رأسها الموجوع احتضن كفها الذي لم يمانع في البقاء باحضان كفه واسند كتفيها ضاما إياهما بعرض ذراعه .. لكن لم يكن ذلك كافيا فلم يكن باستطاعتها في هذا الوضع التحميل عليه بدلا من قدمها المصابة وبلا وعى منه انحدرت كفه من اعلى كتفها لتستقر على خصرها تضمه بقوة لكى تستطيع الاتكاء عليه حتى تصل للحمام ..
اوصلها اخيرا لداخل الحمام ليتنهد في راحة ما ان خرج مغلقا الباب خلفه .. كان يرتجف .. نعم يرتجف .. اصبح قربها داميا ومهلكا .. كانت كالجمر المستعر وكان هو حطبا جافا قابلا للاشتعال .. ازدرد ريقه الجاف بصعوبة وما كاد ان يستعد رباطة جأشه حتى ظهرت من جديد علي اعتاب الحمام ليهتز ثباته مجددا وما عاد لديه الشجاعة ولا القدرة على اعادة التجربة السابقة من جديد فتناهى لخاطره فكرة قرر تجربتها فورا اتقاء لموجة احتراق جديدة فاندفع لمقعد خشبي و جذبه واضعا اياه امامها هاتفا :- اقعدي..
نظرت الي المقعد متعجبة لكنها أطاعته وجلست في تؤدة وما ان استقرت على المقعد حتى اعاد ظهر المقعد للخلف قليلا حتى اصبح على قوائمه الخلفية فقط ودفع به في اتجاه غرفتها ..
قهقهت هى رغما عنها هاتفة :- دي توصيلة تمام التمام..
هتف بدوره ما ان اوصلها جوار فراشها :- حمد الله ع السلامة ..
قهقهت من جديد ليستطرد هو :- ف يوم دلال انكسرت رجلها وحلفت عليا ما اشيلها .. كانت خايفة على ضهري برغم انها بالنسبة لي كانت خف الريشة بس هى طول عمرها بتخاف عليا م الهوا الطاير ..
تنهد مكملا بنبرة تحمل شجن لا يمكن إغفاله وصل لشغاف قلبها قبل اذنيها فتطلعت اليه والى ملامح وجهه المتقلبة وهى تستند لتجلس على طرف الفراش :- ساعتها .. اخترعت لها حكاية الكرسي دي.. وهى رايحة اوجاية أذقها ع الكرسي ..لدرجة إننا اخدناها لعبة بعد ما خفت ..
قهقه للذكرى حتى انها لمحت لمعان لأدمع عزيزة بمآقيه مما جعله يهتف مسرعا :- عن اذنك .. هروح أحضر العشا ..
واندفع مبتعدا خارج الغرفة تتعقبه نظراتها العاشقة رغما عنها ..
******************
ابتسمت شريفة لولدها ما ان طالعها محياه وهى تفتح باب شقتهما :- شريف .. ايه المفاجأة الحلوة دي!؟..
انحنى شريف مقبلا جبينها هاتفا :- اعمل ايه بس يا حجوج !؟.. مبقتش اقدر ابعد عنك .. يا مدوبة القلوب انت ِ ..
قهقت شريفة هاتفة خلف ولدها الذي اندفع لحجرته يخلع عنه بدلته الميري :- انا برضو .. ولا دكتورة القلوب !؟..
انتفض شريف وقد توقفت كفه عن فك أزرار سترته :- قصدك مين يا ماما !؟..
هتفت شريفة مؤكدة :- هو في غيرها .. الدكتورة زينب طبعا ..
هتف شريف مبتسما في حياء غير معتاد :- هو انا باين عليا قوي كده!؟..
هزت امه رأسها ايجابا هاتفة :- يوووه .. قووووي ..
هتف هو في حنق :- امال هى مش واخدة بالها ليه !؟..
اكدت امه هاتفة :- يا حبيبي دي بنت ناس .. وعمرها ما هتبين انها واخدة بالها طالما انت متقدمتش خطوة لقدام في اتجاه حاجة رسمية ساعتها بس ممكن تعرف هى فعلا عايزاك ولا لأ ..
ساد الصمت لحظات ليهتف شريف بعدها :- طب انا رايح لها ..
تساءلت امه :- ليه بقى !؟.. مش حلو يا بني كل شوية تنط لهم كده ..
اكد شريف :- انا هوديلها جواب من الدكتورة دلال صاحبتها .. و ..
هتفت شريفة في فضول :- و ايه!؟..
ابتسم شريف مؤكدا :- وهاخد خطوة .. و استأذن امها ف إننا نزورهم ..
احتضنته امه هاتفة :- ايوه كده .. فرحني بعيالك قبل ما أموت ..
انتفض شريفا محتضنا إياها :- بعد الشر عنك يا ست الكل .. وربنا يديك الصحة .. و
صمت يتطلع اليها في تخابث لتهتفت تتعجله :- وايه !؟..
هتف مازحا :- وأجوزك وافرح بيكِ انت كمان يا حجوج ..
قهقهت امه فهتف يشاكسها:- سامعك وانتِ بتقولي ياااريت.. علت ضحكاتها من جديد هاتفة :- طب ياللاه اجري روح للدكتورة بتاعتك ..
ارتدى شريف ملابسه على عجالة مندفعا باتجاه بيت زينب يكاد يطير حتى يصل اليها وتأكد ان خطاب دلال بجيب سترته فربت عليه في سعادة منتشيا فمنذ ان اوصلها مع مناع وعاد معه مباشرة للنجع وهو يعد الليالي ليعود مجددا للقاءها .. كان يضع كفه على قلبه عند وصولهم يومها لبيتها مخافة ان يرى مناع نديم .. وهوالذي تطوع للصعود بالصناديق الكرتونية المحملة بما لذ وطاب من خيرات الصعيد حتى يضمن ان يظل مناع بالأسفل داخل العربة تجنبا لأي مصادفة قد تدفعه لرؤية نديم اوناهد وكذلك .. دفعه وجوده للإسراع في المغادرة دون وداعها كما يجب ..وها هو في سبيله اليها..ولن يعود الا بتحديد موعد لسعادة قلبه ..
******************
جلس عفيف يتوسط مجلس النعمانية المنعقد لمناقشة بعض الامور الطارئة الخاصة ببعض الخلافات هنا وهناك الا ان صفوت بلا اي مقدمات نهض هاتفا في غضب :- معدش فيها سكات يا واد عمتي .. خلاص .. المستخبي كله بان ..
رغم ان كلام صفوت زلزل عفيف داخليا الا انه تظاهر بالثبات هاتفا في لامبالاة :- سكات ايه ومستخبي ايه يا صفوت اللي عتتكلم عنِه !؟..
هتف صفوت حانقا :- موضوع طلبي يد اختك يا عفيف بيه .. اعتبره ماكان .. و اني اللي ميشرفنيش نسبكم ..
انتفض عفيف مندفعا باتجاه صفوت ممسكا بتلابيه صارخا في صوت كالرعد هز المكان برمته :- انت واعي لحديتك يا عويل !؟.. عارف ان الكلام اللي بتجوله دِه يضيع فيه رجاب وأولهم رجبتك !؟..
هتف صفوت في غل :- عارف وواعي اني بجول ايه .. وأختك اللي حفيت عشان اتچوزها اني اللي بجولك دلوجت انها متلزمنيش ..
انتفض رجال النعمانية لفك التشابك بين عفيف وصفوت وما ان ترك عفيف صفوت من بين كفيه حتى اخرج سلاحه في غضب هاتفا :- والله يا صفوت ما ليك الا دِه عندي بعد الكلمتين اللي جولتهم دوول ..
هتف صفوت متحاميا في رجال النعمانية هاتفا في صوت هادر بدوره :- لو اني كداب .. جول لرچالة النعمانية اختك فين يا كبيرهم !؟..
هم عفيف بالكلام ليعاجله صفوت صارخا :- ومتجوليش عند بت خالتها ف المنصورة لأني نزلت المنصورة بنفسي وأختك معتبتش هناك من اساسه ومخطتش المنصورة من سنين يا عفيف بيه .. جولهم بجى اختك فين يا زين الرچال!؟..
انتفض عفيف يحاول الوصول لصفوت ليخنقه بكلتا يديه الا ان رجال النعمانية وقفوا حائلا بين عفيف وبين الوصول لصفوت الذي هتف من جديد :- طب اني كداب .. لو انت صادج وهى هناك روح چيبها .. ولو رچعت بيها يبجى احكموا علىّ الحكم اللي تشوفوه .. واني راضي ..
هتف احد الرجال مؤيدا:- صح يا عفيف بيه .. اجطع لسان الكل وروح چيب اختك ..
هتف اخر :- ايوه هو دِه الكلام يا عفيف بيه .. و لو حد غيرك ف المطرح دِه كنت انت نفسيك حكمت عليه بكِده ..
هز عفيف رأسه في ثبات يحسد عليه هاتفا :- هروح اچيبها .. بس لو رچعت بيها يبجى جول على روحك يا صفوت يا رحمن يا رحيم.. خوضك ف عرض النعماني ميمحهوش الا الدم .. و انت اللي اختارت ..
هتف صفوت ساخرا :- وماله يا واد خالي .. اني راضي ..
هز عفيف رأسه مجددا في تأكيد واندفع خارج المجلس مهرولا باتجاه البيت الكبير ..
*******************
استعدت للنوم وهى على يقين من ان النوم لن يزورها مبكرا تلك الليلة فقررت التسلل للمكتبة لإحضار احدى الروايات لتكون رفيقتها بليلها الطويل ..
دلفت لحجرة المكتب ما ان تأكدت ان لا احد بالداخل ضبطت حجابها على رأسها وشدت مئزرها حول جسدها وتقدمت لرف الروايات و بدأت في اختيار احداهن .. لكنها استشعرت حركة بالقرب من باب المكتب فاندفعت تختبئ خلف احد الأعمدة .. لا تعرف ما الذي دفعها لذلك لكن حدسها يؤكد ان القادم ليس بعفيف .. وقد صدق حدسها عندما طالعها ذاك الضيف السمج .. تامر الضمراني وهو يتسلل في خفة للداخل متجها لمكتب عفيف يعبث هنا وهناك ببعض الاوراق والملفات ويحاول فتح بعض الأدراج عنوة ..
استشعرت الخطر وحاولت اخفاء وجودها قدر الإمكان لكن للاسف حركتها البسيطة تلك عند محاولة الاختباء أسقطت احد الكتب مما استرع انتباه تامر لينظر تجاه موضعها ليتعجب اولا قبل ان ينهض من موضعه في اتجاهها مبتسما في سماجة :- اهلًا .. اهلًا .. اختفيتي فين من بعد الغدا يا دكتورة !؟..
خرجت من موضعها لتطالع تامر الذي ابتسم ابتسامة صفراء هاتفا :- ايه يا دكتورة مالك !؟.. انا مجاليش نوم قلت أجي اقرا شوية..
ابتعدت عنه في محاولة للفرار من امامه مندفعة للباب الجانبي للمكتب ومنه لحجرتها الا انه كان الأسبق ليعترض طريقها هامسا بنبرة أرجفتها:- على فين يا دكتورة .. ما تخليكِ معايا شوية وصدقيني مش هاتندمي ..
قال كلماته الاخيرة وهو يقترب منها في صفاقة فاضطرت للتقهقر حتى اصطدم ظهرها بالمكتبة واصبحت محاصرة بينها وبين ذراعيه اللذين وضعهما موازيين لوجهها واقترب بوجهه من وجهها هامسا بصوت كالفحيح :- اسمك دلال .. و انا متأكد اني هشوف الدلال كله ..
دفعته عنها بقوة وهي تحاول الخروج من باب المكتبة المفضي للبيت الكبير هذه المرة الا انه جذبها وحاصرها مرة اخرى فشعرت بيد باردة تعتصر معدتها ورغبة في افراغ ما بداخلها لقربه منها بهذا الشكل ..
كان يأسرها بشكل لم تستطع منه فكاكا ولم تكن تع اين ذهب صوتها الذي حاولت إخراجه عدة مرات لكنه خانها جراء صدمتها لما يحدث وما ان همت بالصراخ اخيرا الا وكان هو الأسبق واضعها كفه على فمها مانعا صوتها من الخروج هامسا بحقارة :- لااا .. ليه كده!؟.. انا قلت انت عاقلة .. هو في عاقلين يفضحوا نفسهم كدا !؟..
لا تعرف كيف منحها الله القوة لتعض كفه التي كانت تطبق على فمها ليطاوعها صوتها صارخا في تضرع باسمه :- عفيييييف ..
كان عفيف في تلك اللحظة يصعد الدرج قادما من الخارج يحمل هم الدنيا على كتفيه بعد مواجهة صفوت امام رجال النعمانية جميعهم ..فمن اين له بناهد!؟.. واين يمكنه ان يجدها ويحضرها الي هنا انقاذا لشرف النعمانية في غضون ساعات !؟...
انتفض عندما وصله ندائها المجرد باسمه بهذا الشكل الذي هز اركان روحه .. ألقى عصاه جانبا وأزاح عنه عباءته واندفع في اتجاه مكتبه حيث كان مصدر الصراخ القادم من اعماق روح تطلب النجاة ..
دفع الباب ليتسمر لحظة موضعه و فجأة ينقض على ذاك الخسيس المدعو تامر جاذبا اياه مبعده عنها و بدأ يكيل له اللكمات المتتابعة بلا توقف .. اندفعت هى تنزوي بأحد الأركان تشهق غير قادرة على البكاء صدمة وكان عفيف مستمرا فى تلقين ذاك الحقير ما يستحق و اخيرا ألقى به جانبا مندفعا اليها و هتف ما ان وصل لموضعها وهو يلتقط انفاسه في تتابع لاهثا :- انتِ بخير يا داكتورة !؟..
رفعت نظراتها اليه وهى لاتزل ترتجف ذعرا واخيرا انفجرت في بكاء دام أوجع روحه المقهورة عليها .. كان يقف ضاما كفيه في غضب وصدره يهبط ويصعد في اضطراب لمرأها بهذا الشكل وهو غير قادر على اتيان ما يهدئ من روعها .. غير قادر على ضمها اليه وبثها الطمأنينة التي تستحق .. زاد اضطرابه بعد خواطره تلك مما دفعه ليعود مرة اخرى لذاك القذر تامر هاتفا به في غيظ :- و الله انت ما تستاهل تعيش بعد اللي عملته دجيجة واحدة ..
شهقت دلال من بين دموعها و انتفض تامر موضعه غير قادر على النهوض محاولا الهرب و عفيف يخرج سلاحه من صدر جلبابه جاذبا أجزاءه موجها اياه لتامر هاتفا :- دِه اللي تستاهله يا نچس عشان تعرف يعني ايه حرمة بيت النعماني ..
اندفعت دلال فى ذعر حقيقي صارخة :- لااا يا عفيف بيه ..بلاش دم ..
لكن عفيف لم يكن بوعيه لحظتها .. فمنظر تامر وهو يمسك بتلابيها و هى غير قادرة على الإفلات منه جعل براكين من الغضب والثورة تستعر بشرايينه فلا يستمع لصوت العقل .. انطلقت الرصاصة من موضعها مصحوبة بصراخ دلال الصادر من أعماق مقهورة ..
*******************
اندفع مناع بذعر لداخل البيت الكبير اثر سماعه لصوت إطلاق النار .. وصل لباب مكتب عفيف صارخا في ذعر :- خبر ايه يا عفيف بيه !؟.. ايه صوت الرصَاص دِه !؟..
كان عفيف يقف بمنتصف الحجرة شاهرا سلاحه وبالقرب منه الدكتورة دلال وعلى الارض يتمدد تامر الضمراني وجهه مخضب بالدماء .. لم يجب عفيف على اسئلة مناع الذي ظل على اعتاب الحجرة لم يحرك ساكنا بينما هتفت دلال في ذعر :- بلاش دم يا عفيف بيه .. مش عايزة حد يروح بسببي .
هتف عفيف صارخا :- دِه ميستاهلش ..
وركله عفيف في غضب قاهر و هو يستعد مرة اخرى لتوجيه سلاحه باتجاه تامر بعد ان طاشت رصاصته الاولى جراء تدخل دلال ممسكة بكفه مبعدة اياه الا انه قرر اعادة الكرة مما دفعها لتهمس بقربه في تضرع :- عشان خاطري يا عفيف بيه .. انا عايزة اخرج م البلد دي بسمعتي .. ارجوك .. كفاية قووى لحد كده ..
نظر عفيف لكفها الموضوع على ظهر كفه الحاملة لسلاحه فأرتجفت روحه .. ولأجل خاطرها الذي حلفته به اخفض كفه الحاملة للسلاح حتى يتخلص من تأثير لمساتها وتوجه بناظريه لمناع امرا :- خد النچس دِه وارميه لأجرب مكان يجدر ياخد منيه حاچة توصله مصر..
وتطلع لتامر الذي جذبه مناع من موضعه ارضا مستطردا :- والله لولا الداكتورة وشفاعتها فيك لكنت مدفون مطرحك يا خسيس ..و ابجى سلملي على ابوك ان مجطعتكش ديابة الچبل جبل ما تروحله وجوله كل اللي ما بينا لاغي.. غووور..
صرخ عفيف بكلمته الاخيرة ليهرول مناع جاذبا تامر خارج المكتب ومنه لخارج البيت الكبير..
استدار عفيف لدلال التي كانت دموعها لاتزل تترقرق بمآقيها فغض الطرف حتى يستطيع ان ينطق بما انتواه وهتف فى حزم :- كفاية جوووى لحد كده .. انتِ صح يا داكتورة .. انتِ صح .. حضري حالك عشان من بعد الفچر مناع هيخدك يرچعك لدنيتك ولحياتك اللي خدناكِ منيها .. عن اذنك ..
هم بالاندفاع مبتعدا الا ان دلال استوقفته هاتفة :- عفيف بيه !؟..
توقف عفيف لكنه لم يستدر لملاقاة نظراتها التي ما عاد له القدرة على التطلع اليها دون ان يشعر بشئ ما يتصدع داخله وهتف في صرامة :- اني محجوج لك يا داكتورة .. واسف اني جبتك لهنا .. واسف اكتر اني مجدرتش احميكِ من حاچات كَتير.. مع السلامة ..
واندفع لخارج المكتب كمن تلاحقه آثامه التي لطالما أنكرها ليتركها موضعها تشعر ان الارض قد خلت من ساكنيها وان روحها قد غادرتها وهي تراه يبتعد عنها موليا بلا رجعة..
******************
دلفت الي حجرتها بعد ان جرت اقدامها جرا من موضعها الذي تسمرت به بعد مغادرته إياها .. وصلت لجوار فراشها وانهار جسدها لتجلس على أطرافه متطلعة الي الفراغ امامها.. لا تعلم كم مر من وقت وهى على حالها ذاك و اخيرا تناهى لمسامعها صوت همهمات بحجرة المكتب جعلتها تنهض من جديد مقتربة من بابه تلتصق به ترهف السمع لمناجاة بصوت اشتاقته قبل ان تغادر صاحبه الذي قرر رحيلها عنه بعد عدة ساعات .. كان يهمهم بتضرع ما جعل فؤادها يترنح كالذبيح .. تضرعه اعاد الدمع لأجفانها من جديد لتسيل سخينة على خديها وصوته يعلو دون وعي منه يؤكد على وجع بحجم الكون وهو يبتهل:-
لبِستُ ثوب الرَّجا والناس قد رقدوا
وَقمِتُّ أشكوا إلى مولاي ما أجدُ
وقُلتُ يا أمَلي في كلِّ نائبة
ومَن عليه لكشف الضُّرِّ أعتمد
أشكو إليك أموراً أنت تعلمها
ما لي على حملها صبرٌ ولا جلدُ
وقد مدَدْتُ يدِي بالذُّلِّ مبتهلاً
اليك يا خير من مُدَّتْ اليه يدُ
فلا ترُدَّنها يا ربِّ خائبةً
فبَحْرُ جودِكَ يروي كل منْ يَرِد
كادت ان ترتفع شهقات بكائها وودت لو تدفع الباب لتزيح بعض من ذاك الهم عن كاهليه لكنها عادت لغرفتها من جديد ومدت كفها لقلم وبعض الاوراق وبدأت تكتب كل ما كان يجول بخاطرها انتهت ووضعت الخطاب داخل احدى الروايات وقد قررت تركه له على مكتبه عند مغادرتها صباحا .. نهضت من موضعها في اتجاه النافذة التي نسيت سحب ستائرها عندما حلت العتمة لتكتشف ان السماء تشاطرها حزنها بماء منهمر من اعين فاضت حين فاض الحزن عن الحد .. كانت ادمع السماء تهطل بغزارة غير مسبوقة ولم تعهدها منذ قدومها للنعمانية .. تنبهت من خلف زجاج النافذة لمناع الذي كان يتجه لداخل البيت الكبير مهرولا مناديا على عفيف بلهفة ونبرة مذعورة لم تكدب خبرا فاندفعت بدورها تستكشف ما يحدث وقد استشعرت بحدسها ان الامر جلل .. هبطت الدرج في عجالة و منه للمطبخ ووقفت خلف بابه المشرع لتفهم سر اندفاع مناع الذي كان يلهث من فرط انفعاله والذي كان يقف مع عفيف مشيرا للخارج في لوعة .. اتم عفيف ضبط عمامته على رأسه واندفع مع مناع لخارج البيت الكبير لم تع حتى اللحظة ما يحدث .. لكنها ادركت من ذعر عفيف الذي ما كان يهتز ولو اهتزت الارض تحت قدميه ان الامر تخطى حدود اللامعقول ..وان الوضع جد خطير ..
رواية زواج بالقوة الفصل الثامن عشر 18 - بقلم زهراء السعيد
طرق على الباب بشكل مستفز مما دفع زينب لتصرخ بالداخل وهى فى سبيلها لفتح الباب :- ايه !؟.. في ايه !؟.. مين اللي بيخبط كده ده !؟..
فتحت الباب بعنف ليطالعها وجهه الذي كان يوما ما محببا الي قلبها اكثر من اهل الارض جميعا ..نظرت اليه في غضب هاتفة:- نعم!؟..
حاول ان يحشر جسده ليدخل هاتفا :- ايه يا بنت عمي !؟.. مش هتقوليلي اتفضل !؟..
دفعت به بعيدا حتى يلزم موضعه هاتفة بحنق :- مينفعش تدخل لان ماما مش هنا .. وحتى لو كانت هنا برضو مش هتدخل .. عايز ايه يا باشمهندس حاتم !؟..
اقترب منها في صفاقة هاتفا :- عايزك يا زوزو .. وعمري ما هاعوز غيرك ..
قهقهت في سخرية :- أنسى .. الموضوع ده خلص ومعدش ينفع خلاص .. وقتك معايا انتهى وزينب اللي كنت تعرفها وعشمتها بمحبتك دي ماتت خلاص .. اللي قدامك دي زينب تانية خااالص ..
همس في فجاجة :- شوفي انا اتجوزت كام مرة بس مفيش واحدة عرفت تاخد مكانك ف قلبي .. برضو اللي ف القلب ف القلب يا زوزو..
اكدت في عزم :- صح اللي ف القلب ف القلب وانا اللي بقى جوايا من ناحيتك يخليني اقتلك و انت واقف دلوقتي .. لان اللي بينا بقي دم .. عارف يعني ايه دم يا حاتم !؟.. وابويا هيفضل ما بينا ليوم الدين..
وامسكت بمصرع الباب تهم بغلقه الا انه وضع كفه مانعا إياها وقد انقلبت نبرته السمجة الي اخرى مهددة اقلقتها وخاصة ان لا امها بالبيت ولا حتى نديم موجود بالشقة المجاورة للزود عنها..
هتف حاتم متوعدا وهو لايزل يحاول دفع الباب للدخول عنوة :- انتِ والبيت ده من حقي .. ويا اخدك يا اخد البيت .. وطالما ابوكِ كتب البيت ده باسم امك القرشانة يبقى انتِ بتاعتي انا..
واستمرفي دفع الباب حتى يدخل وظلت تقاوم هى من الداخل دافعة الباب ف الاتجاه المعاكس محاولة الزود عن نفسها ..
كاد الباب ان ينفرج سامحا له بالدخول الا ان ظهوره المفاجئ صارخا وجاذبا حاتم كان فاصلا للمعركة فقد سقطت زينب على اعتاب البيت لاهثة بينما بدأ شريف في تسديد الضربات واللكمات لحاتم في غضب قاهر واخيرا جذبه شريف من ياقة ملابسه يهزه في عنف :- انت مين !؟.. و ايه اللي جابك هنا !؟..
هتف حاتم لاهثا وهو يمسح خيط من الدم سال من شفته السفلى :- انا بن عمها .. انت بقى اللي مين !؟..
رجه شريف صارخا :- وانت مالك انا ابقى مين!؟..وبعدين بن عمها وتعمل كده !؟.. قال بن عمها .. طب قول كلام يتصدق يا خفيف ..
اكد حاتم صارخا :- اسألها .. انا بن عمها .. حضرتك بقى اللى مين !؟..وجاي هنا ازاى وامها مش موجودة !؟..
وهتف حاتم محاولا قلب الطاولة لصالحه صارخا في زينب التي كانت لاتزل ارضا منكسة الرأس :- مين ده يا هانم ..!؟.. وجاي هنا ليه وامك مش موجودة!؟.. وعاملة لي فيها شريفة عليا انا بس!؟..
استثار كلامه شريف ليصرخ موجها اليه لكمة قوية :- اخرس قطع لسانك .. دي اشرف من اهلك كلهم ..
ودفع بحاتم في اتجاه الدرج هاتفا :- غور ياللاه بدل ما يكون نهايتك النهاردة على أيدي ..وحاول تقرب تاني من البيت ده وانت هتشوف اللي عمرك ما شفته .. واقسم بالله لهنيمك ف التخشيبة وألففك كعب داير لو لقيتك مش بس قريب م البيت لا لو حتى معدي ف الشارع ده تاني والا مبقاش انا النقيب شريف عبدالواحد ..
انتبه حاتم لتهديدات شريف فاندفع مسرعا خارج البيت ليعود شريف يعتلي تلك الدرجات التي نزلها خلف ذاك الأحمق ليجدها على حالها تجلس منهارة امام عتبة الباب ..
انحنى في إشفاق هامسا :- زينب !؟.. انتِ كويسة!؟..
كانت المرة الاولى التي يناديها فيها باسمها مجردا وكم تمنت الا تسمعها منه في موقف كهذا يمثل جم ضعفها فهمسه باسمها جعلها هشة تكاد تلق بنفسها بين ذراعيه رغبة في الأمان الذي افتقدته منذ غادر ابوها دنيانا على اثر شجار بينه وبين عمها والد حاتم والذي كان يدرك تماما ان ابيها مريض بالقلب ولا طاقة له على الشجار والمناقشة العقيمة .. رفعت عيونا دامعة اليه ولم تجب فما كان منه الا انه تنهد في وجع يود لو يحتويها صارفا عنها صنوف الهم التى يراها مجسدة بمقلتيها ..
مد كفا بتلقائية اليها فاستندت على تلك الكف الممدودة حتى نهضت واتجهت في بطء باتجاه اقرب المقاعد للباب وجلست .. ظل هو موضعه لم يتزحزح فما كان له ان يطأ البيت وامها ليست بالداخل وليس لديه القدرة على تركها بهذه الحالة .. وما بين هذا الاحساس وذاك ظل على صراعه ممزقا حتى ظهرت امها خلفه هاتفة في تعجب :- جرى ايه !؟.. فيه ايه يا شريف يا بني واقف كده ليه !؟..
لم يجب هو لكن زينب ما ان طالعت امها بجوار شريف على عتبة الباب حتى اندفعت اليها تحتمي بأحضانها منفجرة فى البكاء بشكل أدمى قلبه وجعل ماجدة تهتف في ذعر :- ايه اللي جرى يا زينب!؟.. ما حد يفهمني فيه ايه !؟..
هتف شريف باقتضاب :- حاتم بن عمها ..
شهقت ماجدة هاتفة :- وده ايه اللي جابه وفكره بينا بعد المدة دي كلها !؟.. مش كفاية اللي حصل لنا من تحت راسه هو وابوه !؟..
هتف شريف بفضول :- معلش يا طنط .. بس انا ممكن افهم ايه الحكاية !؟..ولا ده هيبقى تدخل مني!؟..
اشارت ماجدة لشريف هاتفة :- اتفضل يا بني ادخل.. معلش اتلهيت ف زينب ومقلتلكش اتفضل.. ادخل وانا هفهمك على كل حاجة ..
رفعت زينب رأسها هاتفة في رفض :- مااامااا.
هتفت ماجدة معارضة رفضها :- شريف بقى مننا وعلينا ولازم يعرف .. مفيش حاجة هتستخبى طول العمر ..
جلس شريف في هدوء منتظرا ان تحكي ماجدة ما كان يستشعر ان زينب تخبئه بين طيات قلبها الذي كان دوما يحلم بامتلاكه ..والذي كان دوما بعيد المنال ..
*******************
ما ان اندفع عفيف ومناع للخارج حتى دفعت باب المطبخ لتدخل لصحن البيت الكبير باحثة عن الخالة وسيلة التي لم تكذب خبرا وظهرت مندفعة من حجرتها التي كانت غافية بها لبعض الوقت قبل ان تتجهز لتشاركها غرفتها كالعادة ..
هتفت دلال متعجبة :- في ايه يا خالة !؟.. عفيف بيه خرج ليه مع مناع ف الوقت ده وبالشكل المذعور ده !؟..
هتفت وسيلة في قلق :- و النبي ما اعرف يا بتي .. ربنا يسترها ..ده حتى النطرة النوبة دي غير.. مبطلتش رخ من بدري..
ما ان همت دلال بالكلام حتى اندفع عفيف لداخل البيت الكبير متجها للأعلى استوقفته الخالة وسيلة هاتفة في ذعر :- ايه في يا عفيف بيه !؟.. مش خير برضك!؟.
توقف عفيف على الدرج هاتفا في عجالة :- لاه مش باينه خير يا خالة وسيلة .. النچع هايغرج.. سيل نازل م الچبل وطال البيوت اللي تحتيه ولازما نلحج الناس هناك ..
صرخت الخالة وسيلة في صدمة مصاحبة لشهقة دلال :- سيل !؟..يا رب سلم ونچى م المهالك .. وچالنا منين دِه !؟..
اكد عفيف وهو يندفع للأعلى من جديد:- النچع على مخر للسيول .. ربنا يسترها ..
تابعته دلال بناظريها مدركة ان مشروع رحيلها الذى كان معد سابقا سيبوء بالفشل بعد تلك الاحداث الجديدة .. اندفعت عائدة لحجرتها و منها للشرفة المطلة على مدخل البيت الكبير وتطلعت للجبل الغربي امامها فرأته ثائر كطفل أجبرته السماء على الإزعان لها كأم قررت ان تغسل وجهه المترب بسيل من دمعها العرم .. كان المشهد مهيب جعلها تفغر فاها مشدوهة لكنها تنبهت لبعض الضجيج بالأسفل فتطلعت لمدخل البيت الكبير لتجد عفيف و قد اعتلى صهوة فرسه واندفع في طريقه وقد أغرقته الأمطار كليا فبات منظره وهو يندفع بجواده اسفل الغيث كأحد فرسان العصور الوسطى وهو في طريقه لإنقاذ شعبه كمبعوث للعناية الألهية..
*******************
وضعت ماجدة كوب العصير امام شريف هاتفة :- اتفضل يا بني اشرب ..
مد شريف كفه للكأس وعيناه تتجه رغما عنها لتلك التي تجلس بعيدا في احد الأركان شاردة لا ترفع نظراتها عن الارض .. ارتشف القليل لتهتف ماجدة في شجن :- بص يا بني .. حاتم ده يبقى بن عم زينب .. و كان كمان ..وصمتت قليلا لتستطرد :- وكان جوزها ..
انتفض شريف موضعه هاتفا في صدمة :- جوزها !؟..
اكدت امها بلهجة موجوعة :- اه .. كان جوزها .. كتبوا الكتاب .. وكل حاجة كانت ماشية تمام .. لكن يوم الفرح ..
ساد الصمت قليلا ماجدة تلتقط انفاسها في وجيعة هاتفة:- يوم الفرح جه حاتم وابوه وقالوا لأبو زينب .. يا تتنازل عن البيت ده لينا حالا بيع وشرا.. يا اما بنتك هتتفضح النهاردة ومفيش فرح.. لأن بن عمها سمع عنها اللي يخليه ميفكرش يتم جوازه بيها ..
شهق شريف ولم يعقب ونظر لزينب التي كانت تبكي بوجع في موضعها القصي هناك بدموع صامتة تنساب على خديها ..
اكملت ماجدة هاتفة وطعم الذكري الأليم لا يفارقها:-ابوها كان مريض قلب وما استحملش اللي حصل .. كلمة منه على كلمة من اخوه .. وقع من طوله لما حاتم رمى يمين الطلاق على زينب لما عرف هو وابوه ان البيت اصلا مكتوب باسمي ومش هيطولوا منه حاجة لو اتجوزها ..
ساد الصمت من جديد حتى هتفت ماجدة دامعة العينين :- راح فيها عبدالحكيم .. ومن بعدها كل شوية حاتم ده يروح ويجي يرازي فينا .. بس كان بقاله فترة غايب بعد ما اتجوز جوازته الاخرانية دي .. ايه اللي فكره بينا تاني !؟..الله اعلم ..
ساد الصمت من جديد ليتنحنح شريف في احراج هاتفا :- طب استأذن انا بقى يا طنط .. و شكرًا على العصير ..
توجه في سرعة باتجاه الباب وقبل ان يهم بالخروج تذكر خطاب دلال فأخرجه من جيب سترته ووضعه على الطاولة القريبة منه هامسا بصوت متحشرج :- ده جواب من الدكتورة دلال لنديم .. يا ريت توصلوه ..
قال كلماته واندفع خارجا حتى انه لم يلق نظرة على تلك التي كانت تجلس موضعها كتمثال بلا روح.. رافقته امها للباب هاتفة :- سلم لي على ماما يا شريف .. شرفت يا بني ..
ما ان اغلقت ماجدة الباب حتى انتفضت زينب ترتمي باحضان امها صارخة في لوعة :- خلاص .. مش هايجي تاني يا ماما ....
ربتت ماجدة على كتف ابنتها هامسة :- بصي يا حبيبتي انا كان لازم اقوله كل حاجة عشان ميتعشمش ع الفاضي وعشان يقرر هو عايز ايه ..ولو ربنا كاتب لك رزق معاه .. هاييجي يا بنتي .. و انا حاسة انه هاييجي وابقي شوفي ..
رفعت زينب رأسها تنظر لأمها في شك لتهتف
ماجدة من جديد :- عمر امك قالت لك حاجة وخيبت ..!؟..
هزت زينب رأسها نفيا لتؤكد ماجدة :- يبقى تقولي يا رب ..
همست زينب في تضرع :- يا رب ..
لتهمس ماجدة مشاكسة ابنتها تحاول اخراجها من حالتها :- بس يا بختك يا سيادة النقيب .. مكنتش اعرف ان في ناس بتحبك قوي كده !!..
نكست زينب رأسها خجلا لتهمس ماجدة :- ربنا يجعله من نصيبك يا بنتي .. بصراحة هو جدع وبن حلال .. ياارب ..
تضرع قلب زينب في وجل صارخا :- ياااارب..
*****************
اندفعت دلال لداخل البيت الكبير ما ان رحل عفيف ومناع لإنقاذ ما يمكن انقاذه لتبقى بجوار الخالة وسيلة في انتظار اي جديد وصوت الرعد يجعلهما ينتقضا موضعهما كل دقيقة .. و ما زاد الامر سوءا هو انقطاع التيار الكهربائي فجأة فأصبح ضوء البرق هو ما ينير مكانهما..
همت الخالة وسيلة بالنهوض فتشبثت بها دلال هاتفة في ذعر :- انتِ رايحة فين يا خالة وسيباني!؟..
اكدت وسيلة في هدوء:- هچيب لنض نمرة خمسة عشان ننورالعتمة دي .. هنجعدوا كِده!؟
امسكت بها دلال هاتفة :- طب انا جاية معاكِ .. بس انتوا لسه بتستخدموا اللمض دي يا خالة!؟..
اكدت وسيلة وهى تدلف للمطبخ في يسر كأنها تحفظ الطريق ككف يدها حتى بقلب العتمة:- يا بتي اللنض دي من ايّام النعماني الكبير وعلى طول اني بنضفها وأشيلها لوجت عوزة واهاااا چه وجتها الشمع مينفعش عندينا دِه بيطفي من هبّة ريح ..
أخرجت وسيلة القناديل من موضعها باحد الأدراج هاتفة في سعادة :- اني لسه كنت معمراهم بالچاز .. كن جلبي كان حاسس ..
و بدأت في إشعال فتيل كل قنديل على حدى ..
أضاء المطبخ بنورالقناديل الخمس حتى اصبح وهاجا فهتفت دلال متعجبة:- المطبخ أتحول كأنه بقى الصبح ..
هتفت وسيلة بدورها في فخر :- معلوم .. تعالي نوزعوها على بره ..
امسكت كل منهما بقنديل في كل يد وتركن واحدا بالمطبخ وبدأت كل منهما في وضع قنديل بأحد الأركان حتى عم الضوء المكان طاردا جحافل العتمة التي كانت تحتله منذ لحظات.. همست دلال في وله :- ياااه .. الجو بقى عجيب.. انا حاسة اني رجعت يجي ميت سنة لورا..
قهقهت وسيلة هاتفة:- اني حاسة اني رچعت عيلة صغيرة يدي متبتة فديل چلبية امي اول نوبة ادخل فيها هنا .. بيت النعماني ..
وساد الصمت لحظات لتهتف دلال في قلق :- يا ترى ايه اللي بيحصل بره دلوقتي يا خالة !؟.. المطر كل ما دى ما بيزيد ..
همست وسيلة بقلق مماثل :- ربنا يسترها يا بتي .. عمرها ما حصلت جبل سابج .. اخر مرة شوفت فيها النچع غرجان كان ايّام النعماني الكبير وجت النيل ما كان بيدي الارض خيره ..
هتفت دلال مبهورة :- انتِ قصدك وقت ما فيضان النيل كان بيغرق الارض قبل ما يتبني السد العالي !؟..
اكدت وسيلة :- ايوه يا بتي .. كنه كِده .. كانت النعمانية دي تغرج ما تشوفي ارضها على مدد الشوف كانت المية محوطانا ومكنش بيبجى الا البيت الكبير اللي واجف صالب طوله زي دلوجت..
صمتت دلال ولم تعقب فقد ايقنت انها تعيش فترة من حياتها لن تتكرر وانها ستحتفظ بذكرياتها في النعمانية بمكان عزيزوغال بقلبها .. فقد شعرت هنا بانها اميرة عادت من قلب كتب التاريخ وحكايا الماضي ..
***************
نادت عليه عدة مرات لكن لم يصله نداءها من اساسه فيبدو انه يغط في نوم عميق بعد عودته مرهقا عمله الذي ألتحق به منذ يومين مما جعلها تتحامل على قدمها السليمة حتى تصل للباب .. فتحته لتخرج في تؤدة وتمهل باتجاه الحمام محاولة ان لا تلق بحمل جسدها على قدمها المصابة التى لاتزل تؤلمها ما ان تلامس الارض ..
كانت قد اقتربت من الحمام لينفرج بابه فجأة عن محيا نديم يخرج منه مترنما وهو يغيب رأسه المبتل داخل احدى المناشف بينما يحيط خصره بأخرى .. شهقت في ذعر لمرأه بهذا الشكل وكاد ان يختل توازنها وتسقط ارضا وخاصة بعد ان تعالت تأوهاتها لانها رغما عنها وهى تحاول التماسك ضغطت على قدمها المصاب مما استرع انتباهه على الفور ليجذب المنشفة عن وجهه ليجدها امامه على وشك السقوط ارضا فاندفع اليها ملتقطا إياها بين ذراعيه ..
حملها عائدا بها الى حجرتها هاتفا بها في غضب لا يعلم مصدره :- ايه اللي خلاكِ تقومي من مكانك !؟ .. انا مش قايل لك تناديني لو احتجتي حاجة.!!..
هتفت بصوت مهتز النبرات وهي تلامس صدره بهذا الشكل الحميمي :- انا ناديت والله .. بس انت مسمعتش ..
وضعها علي الفراش برفق يتناقض مع هتافه الغاضب من جديد :- يبقى تستني لما اسمع..
وصل لذروة انفعاله بالفعل.. فذاك الغضب الذي كان يدع انه لا يعرف مصدره هو يعرف بل على يقين انه نابع من قربه منها بهذا الشكل الذي ما عاد قادرًا على السيطرة عليه .. كان قد اخترع موضوع المقعد المدفوع حتى يتحاشى اي تلامس بينهما .. لكن تحركاتها الغير محسوبة تلك يدفع هو ثمنها من أعصابه وقدرته على ضبط النفس ..
هم بالابتعاد عنها مسرعا لكن خفه المنزلي الذي كان لايزل مبللا جعل ساقه تنزلق ليسقط مندفعا تجاهها .. لتصبح في تلك اللحظة اسيرة ذراعيه .. شهقت في صدمة لكن تلك الشهقة الملتاعة الصادرة منها لم تمنعه من الشرود التام بها والتطلع اليها في عشق.. تلاقت عيناهما في صمت راعد وصخب اخرس .. وحوار دار بين كفها الأيمن وباب صدره الذي كان يتوسده طارقا لعل هذا الفؤاد الثائر بالداخل يجيب ذاك الداع ..
اقترب في تيه وشوق .. يدعوه ثغرها الوردي وما عاد قادرًا على تجاهل نداء تمنى تلبيته طويلا ..
لكن وللعجب ظهرت صورة دلال بالأفق لتحول بينهما في لحظة ليسطع خاطره بنور التعقل وقد ادرك مغبة ما كاد ان يقدم عليه .. اخته الغالية بين يديّ شقيقها .. وان لم يتق الله فيها هنا .. فكيف سيكون حال اخته بدورها هناك !؟.. هو يعلم انها زوجه .. حلاله .. لكن شئ ما حاك بصدره جعله ينتفض مبتعدا في ذعر .. نظر الي ناهد في اضطراب واخيرا اندفع مهرولا خارج حجرتها مغلقا بابها خلفه في عنف .. لتنتفض هى بدورها وقد ادركت ان كلاهما لن يعود لسابق عهده مرة اخرى ابدا .. وان الهوى الذي كان ينكر كلاهما المسير في دربه قد جهر باسميهما في قلب ميدان عامر ليُفتضح أمرهما وتتعرى مشاعرهما امام اعين لطالما أنكرتها .. أعينهما..
****************
هتفت ورد داخل خيمتها التي كانت قد نُصبت حديثا منذ ساعات قليلة عند وصول جماعة الحلب لذاك المولد المعروف بتلك البلدة التي كانت تبعد عن النعمانية :- يخيبك يا بت يا لواحظ.. كل ده يطلع منك !؟.. تاريكِ مش هينة يا حزينة !؟..
كانت لواحظ قد حكت لورد صديقتها عما فعلت بصفوت وكيف جعلته كعجين طيع بين كفيها تشكل فكره كيفما شاءت وتوجهه لأفعال تخدم رغباتها في المقام الاول مدعية انها تسدي له الخدمات..
أطلقت لواحظ ضحكة رقيعة ممطوطة هاتفة في دلال ممجوج :- ولسه !؟.. هما شافوا مني حاچة!؟.. اللي ف چراب لواحظ كَتير ..
هتفت ورد صديقتها محذرة إياها :- لواحظ .. انت ناوية على ايه يا بت عم خفاچى !؟..احنا مش كد الناس دول .. انتِ صاحبة عمري و كيف اختي وخايفة عليكِ .. الناس دي لحمها مر وما ليهم عزيز ولاغالي بره بدنتهم ياخية ..
قهقهت لواحظ من جديد هاتفة بلامبالاة :- ولا يهمني .. بكرة لما يبجى ولاد الحلبية اسياد البلد هتعرفي انه كان عندي حج ..
هتفت ورد في ذعر:- ولاد مين !؟.. دوول يدفنوكِ حية انتِ وناسك كلهم .. بلاها اللعبة دي يا حبيبتي .. خلينا ماشيين چنب الحيط ربنا يسترها معانا ..
نظرت لواحظ الى ورد في اشمئزاز هاتفة :- اهو الكلام دِه هو اللي مخلينا محلك سر .. ولو مشيت وراه هعيش وأموت غازية الكل طمعان فيها .. لكن اني هانم .. واتولدت عشان ابجى ست الستات .. هى اي هانم اجل مني ف ايه !؟.
ودارت لواحظ حول نفسها في تيه وخيلاء تستعرض جمالها الفتان القادر على سلب ألباب الرجال مما دفع ورد لتتنهد في إشفاق هاتفة في قلة حيلة :- هجول ايه!؟.. راسك كيف الصوان .. اعملي ما بدالك .. وربنا يسترها ..
تطلعت لواحظ لصديقتها في كبر واندفعت خارج الخيمة تمشى الهوينى حتى الشادر المنصوب لعروضهم الراقصة متجاهلة أنظار الرجال المعلقة بها في كل خطوة ..
*******************
انتفضت شريفة من موضعها في اتجاه الباب عندما شعرت بحركة ما خلفه .. اخيرا وصل شريف وانفرج الباب عن محياه لتهتف ما ان طالعها محيا ولدها:- هااا .. عملت ايه يا شريف!؟.. كلمت مامتها !؟..
هتف شريف محاولا تغيير الموضوع بمزاحه الذي حاول اصطناعه هذه المرة :- ايه ده يا حجوج !؟.. انتِ ازاي لسه صاحية لحد دلوقتي!؟.. اللي ف سنك ناموا من بدري يا جميل ..
هتفت امه مبتسمة :- قول بقى يا شريف .. خدت ميعاد نروح لهم فيه !؟..
همس شريف بلهجة غامضة :- لا يا ام شريف .. الموضوع هيتأجل شوية ..
هتفت شريفة في امتعاض :- ليه بس يا بني !؟.. ده انا ما صدقت قلبك مال لواحدة وقلت خلاص هى دي ..
تنهد شريف مؤكدا وهو يقبل هامة امه :- معلش بقى يا ماما .. عندهم ظروف مخلتنيش اقدر افاتحهم ف الموضوع .. ربنا يسهل يمكن ف الاجازة الجاية .. كله بأمر الله ..
همست شريفة رابتة على كتفه :- ونعم بالله يا حبيبي ..
هم شريف بالتحرك في اتجاه غرفته لتستوقفه هاتفة :- طب احضر لك العشا يا حبيبي !؟..
هز رأسه رافضا :- لا مليش نفس يا ماما .. روحي نامي انت بقى اتاخرتي عن ميعاد نومك النهاردة.. و انا لو جعت هعرف اتعامل.. متقلقيش ..
همست وهى تتجه لغرفتها :- طب تصبح على خير يا حبيبي ..
همس مجيبا :- و انتِ من اهل الخير ..
دلف لغرفته مغلقا بابها خلفه واتجه لفراشه ليتمدد عليه بكامل ملابسه .. وتطلع لسقف الغرفة في تيه .. فمعرفتة بذاك السر الذي كان ينأي بها عنه جعله يهتز داخليا .. لا يعلم بحق ما الذي يعتريه .. هل هى صدمة الحقيقة !؟.. ام ما قد يترتب عليها من احداث قد تغير بعض من توجهاته !؟..وهل سيغير ذلك شيئا من حقيقة مشاعره تجاهها !؟..
هو بالفعل لا يدري .. يشعر بتيه وضياع حقيقي .. ولا يعرف كيف السبيل للراحة ..
***************
اندفع عفيف خلف مناع الذي سبقه على ذاك الجسر للجانب الاخر من النهر الذي يمر بالنعمانية لإنقاذ اهل بيته من الغرق المحتم.. مرعفيف تاركا فرسه عبر الجسر القديم المقام بأول النجع والذي كان يربط ضفتي النهر قديما وكان يستعمل في الأنتقال من والى هناك لكن ساكني الضفة الاخري كان من الاسهل عليهم استخدام المعدية بدلا من قطع تلك المسافة الكبيرة حتى الوصول للجسر .. لكن عفيف فعل مضطرا فما من معدية يمكن استخدامها في مثل ذاك الجو وما ان مر للجانب الاخر حتى حمد ربه فالجسر قديم وبالكاد تحمل ثقله للمرور عليه ..
اندفع في اتجاه البيوت التي بدأت المياه تغمر أعتابها بشكل ينبئ بكارثة وتطلع على قدر استطاعته ليرى بيوتا اخرى اخذها اندفاع المياه في طريقه ..
لمع البرق في السماء ليصبح الليل نهارا وتبعه صوت الرعد الذي كان يصرخ كامرأة مذعورة فوق رؤسهم ..
اخذ يتنقل صارخا في كل من يقابله من اهل النجع :- ع الچسر الجديم .. روحوا ناحية الچسر الجديم ..
كان صوته يحاول هزيمة صوت الرعد الذي كان يأبى الانهزام .. لكن عفيف لم يقف مكتوف الأيدي ظل يصرخ ويصرخ ويعانده الرعد صارخا بدوره حائلا بصرخاته لصوت عفيف من الوصول للناس حتى كاد ان ينقطع وهو يأمر الناس بالتوجه للجسر القديم ..
شعر ان الامر لن يفلح بهذه الطريقة .. فالكثير من الأسر لاتزل محصورة داخل بيوتها خوفا من الخروج .. لا يعلمون ان البقاء يشكل خطر اكبر .. وان بقاءهم قد يعني هلاكهم وذويهم ..
كانت الصرخات المذعورة للنساء والأطفال تأتيه وهناك فيدرك ان عليه التصرف سريعا وإلا فان الامر سيخرج عن السيطرة مع ازدياد سرعة اندفاع المياه واستمرارهطول الأمطار بهذه الغزارة ..
مد كفه نازعا احد العوارض الخشبية واحتمى بجدار يحاول إشعالها .. حاول عدة مرات واخيرا نجح .. اندفع يحاول الخوض في المياه ملوحا بها ليتجه الناس باتجاه الجسر ..
كان يحاول ان يحافظ على الشعلة على قدر استطاعته بعيدا عن سيل المطر فيضع كفه حافظا لها ويبعده ملوحا بها ما ان يستشعر النيران تلهب باطنه .. ظل على هذه الحال عدة مرات حتى تنبه الناس لإشارته فاتجه الجميع باتجاه الجسر الذي كان مناع وأسرته اول المتجهين نحوه ..
هتف عفيف امرا مناع في حزم :- اچمع الرچالة بسرعة ..
نفذ مناع وهو يخوض الماء الذي وصل لمنسوب ركبتيه تقريبا..
اجتمع الرجال في لمح البصر ليهتف عفيف امرا بصوت جهوري ليسمعه الجميع:- كلكم تحت الچسر الجديم ياللاه .. هنا المية يا دوب هتوصل لوسط اجصركم .. هنسندوا الچسر لچل ما تعدي الحريم والعيال الصغيرة .. هموا..
اندفع الرجال في عجالة للتنفيذ وكل منهم بداخله رغبة لإنقاذ أهله للابتعاد من هذا الجانب من النهر والأقرب للجبل والذي تندفع منه المياه بقوة كبيرة تأخذ كل ما تستطيعه بطريقها .. حتى ان بعض البيوت الضعيفة الاساس والمبنية ببعض الطوب اللبن اوالخوص قد جرفها تيار المياه الشديد الاندفاع مهدما إياها ..
نزل عفيف ومن بعده الرجال كل منهما يسند ذاك الجسر العتيق القدم بكتفه في محاولة ليكون المعبرالذي تمر منه النساء والاطفال للطرف الاخر من النهر الصغير الضحل في هذه المنطقة والذي يمر بالنعمانية ..
كان احد الرجال من كبار السن يقف على طرف الجسر الاول مساعدا الاطفال والنساء في المرور ومشجعا إياهن يحاول ان يضبط حمولة المرور حتى لا تتتزاحم النساء ويحدث ما لا يحمد عقباه .. وعلى الجانب الأخر كان رجلا مماثلا يستقبلهن ويحثهن على المضي قدما في اتجاه التلة المقام عليها البيت الكبير ..
كان المطر لايزل يهطل بغزارة وكأن ابواب السماء فُتحت على مصرعيها .. وكان الماء قد وصل لصدور الرجال التي تحفظ توازن الجسر عندما مرت اخر مجموعة من النساء باطفالهن .
امر عفيف الجميع بالصعود في اتجاه الطرف الاخر وكان هو اخر من خرج من الماء مندفعا يمتطي فرسه الذي كان منتظرا بذاك الجانب من الجسر.. انتظر موضعه حتى يتأكد من ابتعاد اخر رجل في اتجاه البيت الكبير واستدار ناظرا مدققا النظر قدراستطاعته ليتأكد ان ما من احد قد خلفه ورائه دون معاونة .. لكن فجأة..
بدأت شرارات عجيبة في التطاير هنا وهناك وكأن السماء ما اكتفت.. كانت تلك الشرارات تضئ كما البرق الذي كان مصاحبا لها في بعض الأحيان ..
لقد كان احد ابراج الكهرباء المقام على الطرف البعيد من ذاك الجسر في اول النجع وقد بدأت أسلاكه في قذف تلك الشرارات جراء البرق الذي يبدو انه ضرب احداها ..لكن يبدو ان الامر كان اكثر سوء مما تخيل البعض فقد اختل توازن برج الكهرباء برمته نتيجة صخرة انهارت معلنة التمرد على ابيها الجبل لتصطدم ببرج الكهرباء ليسقط مندفعا في اتجاه الجسر.
كان المشهد مهولا بل مفزعا والشرارات تزداد تطايرا نتيجة انقطاع باقي اسلاك الكهرباء الرابطة للبرج بالأبراج الاخري ..
سقوط البرج زاد الهرج بين الناجين ليندفعوا مسرعين في ذعر باتجاه التلة وصرخات النساء وعويل الاطفال يثير الاضطراب ..
ألتفت مناع باحثا عن عفيف بين تلك الجموع الهاربة لكنه رأه هناك بين ذاك الزخم الحادث و لم يكن بمقدور مناع الا الصراخ هاتفا في لوعة:- حاسب يا عفيف بيه ..حااااسب ..
وساد الظلام الدامس ارجاء النجع ..
رواية زواج بالقوة الفصل التاسع عشر 19 - بقلم زهراء السعيد
نظرت دلال للخالة وسيلة التي اخذتها سنة من نوم وهى بمجلسها فاشفقت عليها وفكرت في إيقاظها ودفعها للنوم بفراشها حتى يجد جديد فها هى الساعة قد قاربت الخامسة فجرا ولازالت العتمة تخيم على الأجواء والمطرلايزل يهطل رغم انه قل غزارة ولا اية اخبار تذكر عما يحدث بالخارج ..
صعدت للطابق الثاني في وجل واتجهت حيث تلك الشرفة المطلة على بوابة البيت الكبير تستطلع ما يمكنها ادراكه من قلب تلك العتمة التي تشمل المكان كأنه مدينة للأشباح..
مدت ناظريها للبعد لحظات حتى تراقص امامهما ضوء مشعل قادم من اسفل التلة يجاهد للبقاء مشتعلا تحت رذاذ المطر الخفيف الذي هدأت حدته منذ فترة بسيطة .. شهقت في حماسة وقد استشعرت ان القادم هو عفيف .. لم يكذب حدسها فقد ظهر الان ممتطيا فرسه رافعا شعلة من نيران يحاول حماية جذوتها من الانطفاء ومن خلفه يسير اهل النعمانية رجال ونساء مهتدين بدربه وبنور شعلته التي يحملها ويحميها في ذاك الظلام الدامس..
اقترب الجمع من بوابة البيت الكبير ليظهر لها مناع خلف فرسة عفيف حاملا طفلتاه وبجواره زوجه سعدية تضم عفيف الصغير لأحضانها وبجانبها تسير ام مناع تستند على ذراعها في وهن .. كان المنظر مهيبا ..ظلت تتطلع اليه للحظات في وجل واخيرا اندفعت تهبط الدرج في عجالة فبالطبع يوجد من القادمين من يحتاج للمساعدة الطبية ..
هتفت رغما عنها بحماسة عندما وصلت للطابق السفلي في اتجاه باب الدار:- وصلوا يا خالة وسيلة .. وصلوا ..
انتفضت الخالة وسيلة تتلفت حولها في تيه و اخيرا ادركت ما يحدث فاندفعت خلف دلال التي كانت تقف الان على عتبات البيت الكبير في انتظار المنقذ وعشرته ..
وصل عفيف امام الباب ليترجل من فرسه وقد كان الماء يقطر من كل موضع به وجلبابه موحلا .. وضع الشعلة التي كادت تخبو نيرانها جانبا غارسا إياها بأحد التجاويف الموجودة بالحائط بعيد عن الأمطار .. وهتف في البشر المتجمهرين بباحة البيت :- بيتكم ومطرحكم يا رچالة .. الحريم تتفضل على چوه المندرة هما والعيال الصغيرة..
واستدار حيث تقف دلال مبهورة تتعلق نظراتها به هاتفا موقظا إياها من احلام يقظتها بصوت مرهق من كثرة الصراخ :- يا داكتورة .. بستسمحك تفتحي المندرة للحريم عشان يجعدوا فيها ..
اكدت في عجالة :- طبعا يا عفيف بيه ..
واندفعت تلبي في سرعة تفتح باب المندرة الذي تملك مفتاحه لتمر الحريم للداخل كل واحدة منهن تجر قدمها جرا وتحمل أطفالها وهنا على وهن ..
ساعدت من استطاعت منهن واشارت للبقية لتصعدن الي الغرف بالأعلى حتى تحضر لهن ملابس جافة وبعض المشروبات الدافئة ..
توجهت للمطبخ لتجد الخالة وسيلة تعمل على قدم وساق في تحضير الطعام والشاي .. ساعدت قدراستطاعتها .. و خرجت تحمل صينية كبري عليها أطباق الطعام لتتبعها الخالة وسيلة بصينية الشاي ..
هتف عفيف يستدعيها :- يا داكتورة ..
وضعت حملها جانبا ملبية ندائه :- نعم يا عفيف بيه !؟..
هتف مشيرا للرجال :- لو سمحتي شوفي الرچالة .. في منهم اللي يده اتصاب واللي رچله انچرحت .. اعملي اللازم ..
هتفت مؤكدة :- طبعا يا عفيف .. حالا..
واندفع هو للأعلى غاب لبعض الوقت وظهر من جديد ما ان عادت حاملة حقيبتها الطبية وبدأت في مداواة المصابين .. كان يحمل بين كفيه ملابس جافة .. لا تعلم من اين حصل على كل هذا الكم من الملابس .. و خلفه مناع يحمل مثلها ..
دار يوزعها على الرجال وهى تجلس تتابعه قدر استطاعتها ما بين جريح وجريح ..
انتهى من توزيع حمله وكذا مناع الذي هتف في الرجال المتجمعين بصحن الدار :- ادعوا لراغب بيه بالرحمة .. ولعفيف بيه بطولة العمر ..
نهره عفيف بحزم :- خلاص يا مناع ..
تأكدت انه اخرج ملابس من اثر ابيه الراحل وكذا من ملابسه ليكسو أهله .. تطلعت من جديد تجاهه لتنتفض تاركة ما كانت بصدده عندما سمعت هتاف مناع لعفيف في قلق :- چرحك بينزف يا عفيف بيه.. باينه واعر ..
اندفعت دلال في اتجاهه هاتفة :- جرح ايه !؟
اكد عفيف في اضطراب :- متخديش عليه يا داكتورة دِه مخبل.. لا چرح ولا حاچة ..
اكد مناع في قلق :- لاااه انا واعي انه چرح وكَبير كمان .. ولولا ستر ربنا .. وفرسك اللي رمح بعيد وعمود الكهربا بيوجع مكنش حد عارف ايه اللي كان ممكن يچرا ..
اكدت دلال محاولة التظاهر بالهدوء بعد ما سمعته من تفاصيل :- طب ممكن اشوف الجرح ده وانا اللي اقرر ..
اكد عفيف وهو يحيد بناظريه عنها :- هبجى
ابعت للداكتور طارج يشوفه .. الواحد معرفش هو راح فين وسط اللي بيحصل دِه كله !؟..
اكدت دلال في ثقة :- الدكتور طارق ف اجازة ..
نظر اليها في حنق هاتفا :- و انتِ ايه اللي عرفك انه ف اچازة !؟..
زمت ما بين حاجبيها هاتفة :- عشان قابلته امبارح وانا راجعة من ولادة .. وقالي انه نازل اجازة وكان بيسلم عليك ..
تنهد في ضيق ولم يعقب لتهتف هى ما ان استدار محاولا الهرب من حصار نظراتها لتقع نظراتها على موضع جرحه النازف الذي يصنع بقعة كبيرة من الدماء باتساع كتفه والتي لم تلحظها سابقا بسبب اللون الغامق لعباءته والتي خلعها قبل صعوده لجلب الملابس :- يا عفيف بيه .. كتفك كله دم .. لازم اشوف فيه ايه ..
حاول التهرب أمرا :- شوفي انتِ بجية الناس والحريم اخبارهم ايه وانا هبجى تمام..
اكدت هاتفة في حزم :- عفيف بيه .. الناس دي هاتبقى تمام لما انت تبقى تمام مش العكس .. الناس دي معتمدة عليك .. وملهاش غيرك بعد ربنا .. لما تقع .. مين هيسندهم !؟.. لو سمحت.. لازم اشوف الجرح ده ..كل ما اتاخرنا هيبقى فيه خطر لو كان فعلا جرح عايز علاج سريع ..
مرت لحظات صمت تنهدت بعدها في راحة عندما هز رأسه موافقا اخيرا وقد شعر ان الالم الذي كان يحاول ان يتجاهله قد بدأت وتيرته في الازدياد وعليه ان يعترف انه بدأ يستشعر نيران بكتفه المصاب .. توجه للأعلى حيث غرفته لتستأذنه هى لثوان لتحضر أدوات طبية نظيفة من غرفة الكشف ..
احضرت ما استشعرت انها قد تحتاج اليه وعادت لغرفته تطرق بابها المغلق حاملة حقيبتها الطبية .. سمعت امره بالدخول.. فتحت الباب بكف مرتعش وما ان طالعها جالسا موليا ظهره النصف عار للباب حتى كادت ان تعود القهقري .. تسمرت موضعها تحاول غض الطرف عنه .. ليهتف وهولايزل موليا لها ظهره جالسا على احد المقاعد مرتديا بنطالا وقميصا يرتدي ذراعه السليمة ويكشف عن نصف ظهره بكتفه المصاب :- اتفضلي يا داكتورة ..
تحركت خطوات مهزوزة بأرجل من هلام حتى وقفت قباله موضع اصابته .. كان الجرح عميقا بحق وتعجبت من قدرته على احتمال ألمه الذي هى على يقين من شدته ..
تلهت بفتح حقيبتها والعبث بأدواتها وما ان استجمعت حروف أبجديتها حتى هتفت بصوت متحشرج تكاد تقسم انه ليس لها :- الجرح غائر فعلا يا عفيف بيه .. ازاي قدرت تستحمل الالم ده..!؟..
اكد في هدوء :- انا مكنتش حاسس اني اتصبت من اساسه .. لولا مناع .. كان كل همي ارچع بالناس كلها ومفيش حد أضر.. بدأت في تنظيف الجرح ورغم انه لم يصدر صوتا اوحتى همهمة تدلل على تألمه الا ان تصلب عضلات كتفيه كان كفيلا بجعلها تشعر بذاك الالم الذي يكابده دون ان يجهر .. رشت مخدر موضعي على الجرح هاتفة :- الجرح محتاج خياطة ..
همس بصوت متحشرج :- اعملي اللازم يا داكتورة..
بدأت في تقطيب الجرح في مهارة وسرعة .. لحظات من الصمت مرت بينهما لم يقطعها الا صوت أدواتها .. أنهت مهمتها واخيرا وضعت غطاء على الجرح مؤكدة :- كِده تمام يا عفيف بيه .. بالشفا ان شاء الله ..
هز رأسه بلا تعقيب ومد كفه يجذب طرف قميصه الاخر ليستر به جسده فمدت كفها بالمقابل لمساعدته فتنبهت لكفه المحترق فشهقت في صدمة:-ايه اللي حصل لأيدك !؟..
وبدون وعي استدارت وهى ممسكة بكفه بين كفيها فى ذعر هامسة :- ايه اللي حرق ايدك بالشكل ده !؟..
لم يعقب والعجيب ايضا انه لم يجذب كفه المحترق من بين يديها فقد شعر براحة غريبة وكفه قابع هناك وكأن بلسما ما قد وضع مهدئا من نيران حريقه ..
جلست اسفل قدميه ولازال كفه نائما بوداعة على باطن كفها .. مدت يدها تتناول أنبوب دهان ملطف كانت دوما ما تحتفظ به في حقيبتها للطوارئ وبدأت في فرده على باطن كفه الذي كان مفرودا قبالة ناظريها وكأنما هى عرافة تقرأ له طالعه الذي تمنى لو كانت هى جزء منه ..
انتهت من توزيع الدهان على باطن الكف وتغطيتها بغطاء طبي معقم ..
تنهدت في راحة وابتسامة حانية على شفتيها رافعة ناظريها اليه هامسة :- كله تمام ..
تقابلت النظرات .. وساد الصمت وكأنما العالم قد خلا من قاطنيه .. تيه اخرق ومشاعر بكر تعربد بجنبات الروح .. وحشة غابت وانس هل كهلال عيد ما أتى منذ عصور الوثنية .. عيون تتأرجح بمآقيها الدموع وأخرى يهزها الشوق ..أنات انين وحنين مكبوتة بالصدرومؤدة بالفؤاد يحرسها الوجع وتأسرها الوجيعة ..وحديث دار بين المقل لو خُط بكتب العشق لفاضت..
لا علم لأحدهما كم مر من عمر الزمان وهما بهذه الحالة من اللا .. اللاماذا !؟..
عند هذه اللحظة ..انتفض عفيف مذعورا جاذبا نفسه من أتون يستعر بجنباته هاتفا في صوت متحشرج النبرة :- متشكر يا داكتورة .. تعبتك..
طُردت بدورها من جحيمها وكادت ان تهم بالرد عندما عاد لها القدرة على النطق الا انها ظلت موضعها مبهوتة امامه تتطلع اليه.. كم وجه لذاك الرجل !؟.. تراه الان بطوله الفارغ وببنطاله الجينز وذاك القميص الرياضي الذي كان يجاهد لارتدائه منذ لحظات كأنما بدل جلده .. رأته في السابق بتلك الحلة الرسمية التي كانت تليق به وكانما خلقت له والان ذاك الرداء الغير رسمي بالمرة الذي يعكس روحه الشبابية التي لم تنطفئ جذوتها رغما ما يحمل من تبعات ثقال..
تنبهت لشرودها الغير واع فهتفت بدورها:- لا مفيش تعب ولا حاجة .. متحاولش بس تحرك دراعك دي كتير عشان الجرح ميتفتحش ويلم بسرعة ..
هز رأسه بالموافقة وهو ينأي بنظراته عنها لتجمع هى حاجياتها على عجالة لتنهض مندفعة خارج الغرفة .. اغلقت الباب خلفها وزفرت في راحة وهى تضع كفها موضع قلبها الذي كان يطرق باب صدرها في عنف ولم تكن تدري ان احدهم داخل الغرفة يزفر في راحة اكبر وهو يرفع كفه المحترقة امام ناظريه شاعرا ان قلبه كان اولى منها بعلاج الحروق فقد كان بقاءها بالقرب منه اكثر تاثيرا ووجعا من تقطيب جرح بلا مخدر..وقلبه كان اشد اهتراءً من كفه المحترق ذاك..
*******************
دلفت شريفة لغرفة ولدها لتجده قد غفا بملابسه مما دفعها لتوقظه هاتفة في تعجب :- معقولة يا شريف نمت بهدومك !؟.. للدرجة دي كنت تعبان يا حبيبي !؟..
همهم شريف وهو يفرك عينيه هامسا :- اه يا ماما الواحد فعلا كان تعبان ومكنش حاسس ..
هتفت امه بمحبة :- طب قوم يا حبيبي افطر ده انت نمت من غير عشا .. تلاقيك جعان ..
اكد رغم انه يشعر العكس :- اه فعلا يا ماما هموت م الجوع ..
هتفت امه باشفاق :- يا حبيبي .. طب ياللاه الفطار جاهز ع السفرة اهو ..
هتف مؤكدا :- طب اسبقيني يا ست الكل .. هدخل الحمام واحصلك ..
سبقته بالفعل تنتظر خروجه .. لحظات وتبعها بعد ان غير ملابسه بملابس مريحة تناسب المكوث ف المنزل .. مد كفه يفتح التلفاز بطريقه لطاولة الافطار .. جلس وبدأ في تناول طعاما كان كطعم الحنظل بفيه فقد كان يجلس للطعام حتى تتناول امه إفطارها وكى لا يشعرها بأي تغير من شأنه تعريضها للتوتر .. فالعجيب انه منذ دخول زينب حياتهما تحسنت حالة قلب امه بينما ساءت حالة قلبه هو والذي يئن وجعا بتلك اللحظة ..
كان غارقا بأفكاره الا انه انتفض متطلعا لشاشة التلفاز عندما هتفت امه في صدمة :- يا ساتر يا رب.. مش دي البلد اللي انت شغال فيها يا بني!؟..
تنبه شريف وما ان طالعه منظر النعمانية امامه على الشاشة حتى انتفض من موضعه هاتفا في ذعر:- يا ساتر .. ايه اللي حصل هناك ده !؟..
رفع صوت التلفاز حتى تأتيه الاخبار عن تلك الكارثة.. لحظات واندفع لحجرته لتكون امه بأسره هاتفة :- على فين يا شريف !؟..
هتف متعجلا وهو يرتدي بدلته الميري :- ع النعمانية يا ماما ..
شهقت في ذعر :- تروح لهناك برجلك !؟.. انت مش شايف الدنيا عاملة ازاي هناك !؟.. ده انا حمدت ربنا ان اللي شيفينه ده حصل وانت ف إجازتك ومش هناك..
اكد وهو يكمل ارتداء ملابسه :- مينفعش اقعد هنا والدنيا هناك بالشكل ده .. لازم اروح ..
انهى ارتداءه ملابسه وطبع قبلة سريعة على جبينها ورحل سريعا في اتجاه النعمانية لا يعلم هل توجه اليها واجبا ام هربا !؟..
*********************
هتف عفيف مناديا :- يا مناع ..
ظهر مناع كعادته بلمح البصر ملبيا :- أوامرك يا عفيف بيه !؟..
اكد عفيف :- بجولك يا مناع .. الرچالة مرتاحين تمام ف الشونة .. مش ناجصهم حاچة يعني !؟..
اكد مناع بدوره :- لاااه .. كله تمام يا عفيف بيه..
همس عفيف مازحا :- طب وانت منجصاكش حاچة !؟
همس مناع في حياء :- لااه يا عفيف بيه .. الحمد لله .. كفاية عليا سلامة چنابك ..
قهقه عفيف هاتفا :- سلامتي برضك !؟..
واستطرد مؤكدا والابتسامة لم تفارق محياه :- ع العموم .. انا استأذنت الخالة وسيلة ف اوضتها عشان تجعد فيها انت ومرتك ..هى الخالة وسيلة بتنام ف الاساس مع الداكتورة ..
لم يعقب مناع ولكن تلك الابتسامة الواسعة التي ارتسمت على محياه كانت كفيلة لتكون اشد إيضاحا من اي اجابة ..
استطرد عفيف باسما :- والأوضة التانية اللي چنبها دي هتكون لامك والبنات خرچوا اللي فيها ورتبوها يجعدوا فيها.. اهو يوسعوا المكان للحريم هناك ويكونوا چارك ..
هتف مناع مسربلا بامتنان عميق لذاك الذي جمعه بأسرته من جديد :- والله ما عارف اجولك ايه يا عفيف بيه !؟.. ربنا يچمعك بشج روحك وما يفرجكم ابدا يا رب ..
هز دعاء مناع عفيف داخليا وتضرعت روحه في ابتهال بدعاء هز أركانها .. ياااارب ...
همس عفيف بصوت متحشرج :- ياللاه ابعت لمرتك وعيالك من عند الحريم .. وباذن الله اول ما الدنيا تظبط هنرچع نبنوا بيتك والبيوت اللي خدها السيل احسن م الاول .. و ربنا ما يغرب حد عن داره ..
هتف مناع بتضرع :- امين يا عفيف بيه .. امين ويريح جلبك ويرزجك محبة خلجه كمان وكمان..
ربت عفيف على كتف مناع ممتنا واندفع خارج البيت الكبير يحاول جاهدا اصلاح ما يمكن اصلاحه بعد تدخل الحكومة ومحاولة اعادة النعمانية لما كانت عليه قبل السيل الذي طمس معالمها كليا ..
****************
طرق نديم باب شقة زينب لتفتح امها هاتفة :- اتفضل يا نديم يا حبيبي ..
هتف نديم في حياء :- شكرًا يا طنط .. بس هي زينب هنا !؟.. كنت عايزها تغير لناهد ع الجرح ..
اكدت ماجدة بلهجة حاولت ان تغلفها بالثبات:- اه زينب هنا يا حبيبي .. بس رجعت تعبانة قوي من المستشفى ونامت حتى من غير ما تاكل يا حبة عين امها ..اصحيهالك!؟
كانت تهتف بكلماتها الاخيرة بلهجة واهنة فهى تعلم علم اليقين ان ابنتها لن تخرج من عزلتها التي فرضتها على نفسها منذ رحيل شريف ..
هتف نديم رافضا :- لااا.. خليها مستريحة يا طنط.. تسلمى ..
اكدت ماجدة :- طيب يا حبيبي .. لما تصحى هخليها تجيلكم ..
هتف نديم :- طيب تمام .. سلام عليكم ..
هتفت ماجدة :- وعليكم السلام ..
اغلقت بابها وهى تعلم ان ابنتها لن تستطيع الخروج من غرفتها تلك الليلة وربما لليال عدة قادمة.. فهى تعرفها عز المعرفة وتدرك ان ما حدث في وجود شريف لم يكن هينا عليها .. فتلك الحكاية القديمة تنكأ بداخلها جراحا تحاول مداواتها منذ زمن بجانب انها تستشعر كأم تعلق ابنتها بشريف.. والذي يعد الرجل الاول الذي حرك شيئا بداخلها بعد ذاك الحادث الذي اعتقدت ان ابنتها فقدت من بعده ومع رحيل ابيها رغبتها في الحياة ..
مسحت دمع انساب على خديها وهمست بتضرع:- يااارب ..
هم نديم بنزول الدرج هاربا من بقائه مع ناهد بعد اخر موقف بينهما الا انه عاد ليفتح باب شقته ويدلف للداخل من جديد وقد ادرك ان عليه تجاهها واجبا وعليه تحمله مهما كان ذاك الواجب ثقيلا على كاهله.. توجه لغرفة ناهد وطرق بابها في ثبات .. فتح الباب في لامبالاة حاول ادعاءها عندما استمع لصوتها يدعوه للدخول.. كانت عيناه تدور بمحجرها بكل الاتجاهات عدا الوقوع على محياها وهو يهتف مؤكدا بنبرة ثلجية حاول ان يعريها من كل المشاعر :- وقت التغيير على جرح راسك ودهان رجلك ..
همست وهى لا تقل عنه اضطرابا لكنها لم تكن بمهارته لتستطيع مداراته :- مش مهم .. انا بجيت كويسة .. و زينب تبقى تغيرهولي..
اكد هاتفا بنفس النبرة :- زينب نايمة وتعبانة .. جت متأخر من المستشفى .. ومعرفش اذا كان هتقدر تعدى علينا النهاردة و لا لأ ..
اكدت من جديد :- مش مهم .. انا اصلا بجيت احسن .. ومش محتاچاهم ..
تقدم يفتح كيس الأدوية على الطاولة الملاصقة للفراش مؤكدا بنفس النبرة الثلجية :- مش بمزاجك على فكرة .. علاجك هتخديه عشان تقومي وتقدري تعتمدي على نفسك .. محدش بقى فاضي يقعد يخدمك الأربعة وعشرين ساعة كأن موريهوش غيرك ..
تطلعت اليه وعيناها تتأرجح بهما الدموع ولم تعقب بكلمة.. كانت تعلم انه يتحاشاها منذ المرة الاخيرة التي ظهرت فيها مشاعرهما للعلن .. كان يستيقظ صباحا قبلها بساعات ويخرج لا تعرف الي اين .. لكنها كانت تجد إفطارها معدا على صينية مغطاه بالقرب من فراشها ويعود بأخر النهار منهكا يتناول ما تعده ام زينب من طعام بصحبتها لكنه ابدا لم يتطلع اليها ولو لمرة واحدة كأنما يعاقب نفسه ويعاقبها على لحظة ضعف أفشت دواخله واظهرت اكثر مما كان مفترض ..
تناول هو المطهر ودار حول الفراش صاعدا اياه ودنا منها حتى اصبح قبالتها تقريبا .. رفع رأسها المنكس لتواجهه فطالعته نظرات عينيها الدامعة.. انتفض داخليا لمرأها وظل متخشبا لا يقو على اتيان اي رد فعل امام تلك النظرات الموجعة اللائمة .. لكنه اخيرا ادار رأسها حيث اتجاه اصابتها وبدأ في إزالة الغيار القديم وتطهير الجرح ووضع غيار اخر رغم ان الامر يعد شاقا على نفسه لعدم قدرته على تحمل منظر الدم اوالجروح ..
انتهى واستدار حول الفراش من جديد ممسكا بأنبوب الدهان الخاص بقدمها الذي خف تورمه لحد كبير عن زي قبل الا انها همست ما ان رأته يهم بفتح الأنبوب :- متتعبش نفسك .. انا اجدر ادهن لنفسي .. تسلم ..
تناولت منه الدهان وهى لا تقو على رفع نظراتها الى محياه مرة اخرى مما دفعه للخروج من الغرفة على عجل كأنما يهرب من احد الوحوش الذي اصبح يتعقبه كظله بصحوه ومنامه ..
**************
ما ان تهل المغارب حتى يسود الظلام الدامس جميع ارجاء النعمانية بعد سقوط برج الكهرباء الذي كان يساعد في تغذيتها بما يلزمها .. اجتمع الرجال بدورهم امام الشونة التي يبيتون فيها ليلهم حول ركوة من نار داخل قصعة حديدية وضعوها أمامهم كوسيلة للتدفئة ولصنع أكواب وأكواب من الشاي لطرد برد الليل الأحد من السيف ..
تجمعت النسوة بدورهم بشرفة البيت الكبير السفلية والمطلة على ارض شاسعة حول الدار يحكمها سُوَر متوسط الطول ينتهي بتلك البوابة الحديدية القصيرة نسبيا .. جلسن جميعا وبحجرهن أطفالهن الرضع اما الأكبر سنا فلم يعبأوا ببرودة الجو واندفعوا هنا وهناك ينشرون ضوضاءهم وصخبهم الطفولي ..
هتف زيدان والذي كان احد العاملين بأرض النعماني متسائلا :- هنعملوا ايه ف المصيبة اللي حلت علينا دي !؟..
هتف اخر :- يعني هنعملوا ايه !؟.. العمل عمل ربنا ..
هتف زيدان موجوعا :- الدار والزرعة راحوا .. عليه العوض ومنه العوض ..
هتف احد الرجال :- احمد ربك انك وأهل بيتك بخير .. كله يتعوض بعون الله ..
هتف زيدان شاكرا :- الحمد لله .. كله خير..
ليستطرد الرجل الاخرمؤكدا :- وبعدين عفيف بيه جال انه هيعوض الكل من ماله وشونته .. وهايبني البيوت بالطوب للناس كلها بس ع اليمة التانية البعيدة عن الچبل .. ربنا يكرمه يا رب ..
هتف الرجال مؤمنين :- امين ..
ساد الصمت لبرهة ليهتف احد الرجال من جديد موجها حديثه لرجل كبيربالعمر :- ليه ناسينا يا عم متجال .. ما تسمعنا حاچة ربنا يرضى عنِك ..بدل جعدتنا دي..
هتف عبدالمحسن الشهير بمتقال وهو رجل ناهز الستين من عمره يحمل ربابته اينما ذهب :- عناي.. هو انا حيلتي الا الجول ..
هتف رجل اخر :- طب ياللاه .. و لا ربابتك راحت ف السيل يا عم متجال !؟..
هتف عبدالمحسن مؤكدا وهو يحتضن ربابته لصدره كمعشوقته :- لاااه .. أهي .. دِه اني اموت وهى تبجى .. مطلعتش م السيل الا بيها .. ومن جبل سابج .. هى اللي طلعت بيها م الدنيا بعد ما العيال راحت والعيال طفشوا على بره ورا اكل عيشهم .. اهااا ..بتصبرني على حالي ..
هتف احد الرجال مشجعا :- طب ما تصبرنا معاك على حالنا يا راچل يا طيب ..
دارت أكواب الشاي الساخن التي أعدت على نار الركوة مرة اخرى وعدل عبدالمحسن من وضع ربابته واحتضنها في هيام و بدأ عذفه وشدوه لينقل الجميع لعالم اخر وهو يترنم بأبيات السيرة الهلالية هاتفا :-
بعد المديح ف المكمل ..
احمد ابو درب سالك..
احكى ف سيرة واكمل ..
عرب يذكروا جبل ذلك ..
ويا آه .. يا عيني على آه ..
يابا آه .. يا عيني على آه ..
ويا آه .. يا عيني على آه ..
يابا آه .. يا عيني على آه ..
كان الرجال منتشين مرددين خلف عبدالمحسن وكانت دلال تجلس بالقرب من ذاك الحدث على احد المقاعد وسط مجلس النساء تتلحف بشال امها تضمه اليها ليبعث بها الدفء وهى تتطلع لذاك الجو الساحر حولها ..
اخذها الغناء كليا وبدأت تندمج مع الملحمة الملقاة بصوت عبدالمحسن القوي .. وفجأة سقطت عيناها على محياه .. كان يقف بالقرب مستندا على شجرة ضخمة بأحد الأركان يلتحف عباءته السوداء ويضم الى كفيه كوبا من الشاي.. وتساءلت منذ متى كان هنا !؟.. لقد شارك الرجال في مشروبهم منذ البداية وهى التي كانت غافلة عن وجوده .. عادت بمخيلتها للحكاية التي تسرد على مسامعها لكنها حولت ناظريها لموضعه عندما هتف عبدالمحسن في سلطنة :-
سيرة عرب أجدمين ....
كانوا ناس يخشوا الملامة…
رئيسهم بطل سبع ومتين ..
يسمى الهلالي سلامة ..
وجسدته بعين خيالها .. ابوزيد الهلالي ذاك البطل الأسمر الذي قاد قومه بني هلال في تغريبتهم حتى ارض تونس الخضراء بحثا عن ارض تقلهم ومأوى يضمهم وتذكرته وهو يحمل شعلته قائدا أهله يوم السيل الي حيث الأمان في كنف بيت النعماني .. ابتسمت في وله وهى تعقد هذه المقارنة وظلت عيناها معلقة به .. ببطلها .. الذي كانت تعتقد انها ستحمل ذكراه وصور تلك الليالي معها بذاكرتها ما ان ترحل تاركة النعمانية خلفها لكنها ادركت انها كانت مخطئة .. فهناك ذكريات كتلك لا محل لها الا سكن الروح .. وللأبد ..
************
حمد الله انه عاد مسرعا ما ان سمع ما حدث فما ان وصل النعمانية اوبالأدق حدودها حتى بدأت القيادات والصحافة في الوفود للوقوف على اخر اخبار تلك البلدة الصغيرة التي عزلها السيل عما حولها من البلاد ولا طريق لمعرفة ما يجري بالداخل نتيجة لانقطاع الكهرباء والاتصالات بوجه عام .. حتى انه لا اخبار مؤكدة عن وجود ضحايا اوحتى معرفة عددهم ..
كان كل شئ مبهم ولا تقدير حقيقي لحجم التلفيات والخسائر.. كلها تقديرات جذافية فما كان احد بقادرعلى الدخول للبلدة .. الا بعض المروحيات التي حلقت لبعض الوقت فوق النجع لحصر ما يمكن حصره ..
لم ينم لساعة كاملة لمدة يومين كاملين .. فالوضع كان جد خطير.. حتى مبني النقطة الذي كان من طابقين والذي كان مقام على اطراف النجع قد لحق به الاذي وما كان باستطاعته دخول طابقه الاول الذي كانت المياه تصل لما فوق ركبتيه اذا ما فكر ان يدخل من الاساس .. كان يبيت ليله بالصندوق الخلفي لعربة الشرطة حتى اشعار اخر ..
ورغم كل ما يحدث .. و رغم كل ما يعان .. الا انها لم تغب عن باله لحظة واحدة .. كانت تطالعه ابتسامتها النادرة التي ما كانت تظهرها الا في مناسبات خاصة فهو يعلم انها كانت تتصنع الجدية في حضرته .. هى ابدا لم تدفعه لحبها .. بل انه يشهد انها كانت في كثير من الأحيان تدفعه بعيدا عنها .. تقصيه عن دربها لكن هو من أبى الابتعاد .. هو من تبعها كعباد شمس ضوء نهار ..
انه يعترف الان ان لا قبل له على اخراجها من قلبه الذي تشبث بها منذ اللحظة الاولى التي نظر فيها لعينيها ..هو لا ينكر ان ما سمعه من امها من حقائق قد هزه قليلا .. لكنه كان اهتزاز للصدمة ليس اكثروان ما علمه لم يغير من مكانتها بقلبه ابدا .. كل ما كان بحاجة اليه هو خلوة كهذه التي يعيشها قسرا حتى يستطيع ترتيب افكاره واتخاذ قراره وها هو يتخذ قرارا لا رجعة فيه..
قرار صادر من اعماق روح تدرك تماما انها لن تهنأ الا بقربها .. قرار لن يتنازل عن تنفيذه في اقرب فرصة .. و سيفعل المستحيل لجعلها توافق ..
انتفض خارجا من شروده عندما هتف به احد عساكره مؤديا التحية العسكرية :- اشارة يافندم ..
انتشلها شريف من بين يديه هاتفا به :- هات يا اخرة صبري ..
توقف للحظة مدركا امر ما وتطلع للعسكري في صدمة واخيرا همس رافعا كفيه للسماء داعيا لله في تضرع :- بقى دي اخرتها يا رب !؟.. يبقى ده اخرة صبري !؟ و اشار للعسكري الذي كان يقف متعجبا لأفعال ضابطه الذي استطرد هامسا :- لا والنبي يا رب .. انا عايزها هى تبقى اخرة صبري .. وحشتيني يا زينبو .. أمتى الاجازة تيجى بقى..!؟..
اندفع مبتعدا ينفذ أوامر الإشارة والعسكري من خلفه يضرب كفا بكف متعجبا لافعال شريف باشا الذي ما عادت قواه العقلية تنبئ بالخير..
**************
شعرت انها تكاد تختنق من البقاء فى الداخل اكثر من هذا .. اربع ليال كافية لتظل حبيسة مندرة البيت الكبير مع كل هذا العدد من النسوة .. انها تشعر برغبة قوية فى استنشاق الهواء الطلق وان تكون وحيدة لبعض الوقت تسترجع الاحداث و ترتبها فى مخيلتها ..
هبطت الدرج ذي الثلاث درجات واتجهت مبتعدة لا تلو على شئ.. تشعر بخواء عجيب داخلها وإحساس برهبة تتملكها لا تدرك لها سببا ..
لم تع لشرودها انها تخطت حدود البيت الكبير وبدأت فى الهبوط تدريجيا لتتوقف قبل ان تصل لتلك الطرق الضيقة الموحلة بعض الشئ عن تلك التى بأعلى التبة المقام عليها بيت النعماني ..
تطلعت للمشهد الخلاب قبالتها وهى تستند على شجرة سدر ضخمة .. كان الجبل مهيبا يعكس عظمة وشموخ لا يستهان به وبين ذراعيه تقبع النعمانية التى غطاها السيل بذاك الشكل حتى غمرها كليا فطمس معالمها الخضراء وحولها لقطعة منه تحمل نفس لون الثرى الغني والذى اصبح اكثر قتامة بسبب مياه السيول التي اختلطت به وازالت عن كاهليه أتربة عصور مضت ليشع بهاء من جديد ليصير بهذا الحسن الذى ما رأته عليه سابقا ..
تنهدت وما ان همت بالاستدارة لتعود من حيث أتت حتى تناهى لمسامعها صوت خيل قادمة من البعد .. تطلعت الى الطريق تستطلع القادم على الرغم من ان قلبها قد اخبرها كنهه قبل عينيها الا ان عيونها ظلت معلقة بالطريق المتعرج حتى ظهر بالفعل امام ناظريها وما هى الا لحظة حتى كان يشرف عليها من على صهوة فرسه متطلعا اليها فى تعجب ..
كانت تتوقع ان يعاتبها على خروجها من البيت الكبير بعد ان اكد عدة مرات ان السيل قد جرف معه هوام الارض وان الحيات و العقارب خرجت من جحورها وعلى الجميع الحذر فالنعمانية لاتزل على عزلتها وما من سبيل لإنقاذ احدهم اذا ما اصابته لدغة ما ..
لكن ما حدث كان اشد وعورة ولم يقتصر على العتاب .. فلقد اندفع مترجلا من على فرسه وبلا اى مقدمات وجدت نفسها مصطدمة بصدره .. مزروعة بأحضانه .. كف يحيطها ضاما إياها وكف اخر يخرج شئ ما تبينته في التو .. كان سلاحه .. صوبه على شئ ما كان بالقرب من موضع وقوفها السابق قبل ان يجذبها اليه بهذا الشكل الصادم..
انتفضت عندما اطلق النار عدة مرات و تشبثت به كطوق نجاة .. ساد الصمت ..
كاد ان يبعدها عن صدره المتعلقة به كانها غرست جذور كفيها بأرضه .. لكن كيف له ان يفعل وهى ترتجف بهذا الشكل بين احضانه فى ذعر تام ما ان ادركت انه لولا ظهوره وقتله تلك الحية التى كادت تودى بحياتها لكانت في عداد الأموات فى تلك اللحظة !؟.. كيف له ان يرسلها بعيدا وهو المتأمل فى قربها تلك المتشبثة بتلابيب روحه والمسربل فؤاده بهواها !؟ كيف له ان يفعل وهوالذى يود لو يضمها اكثر فاكثر حتى تضحى جزء اوبعضا من روحه لا يمكن لأى من كان ان ينزعها عنه مبعدا حتى الموت!؟..
جاهد جهاد الابطال حتى استطاع اتخاذ قراره الموجع وامسك بكتفيها مبعدها عن صدره الذى بدأ يئن من وجيعة بعادها القسري .. ولم يشعر الا وهو يهزها فى قوة هاتفا فى لهجة عاتبة :- انتِ ايه اللى خرچك م البيت الكبير ونزلك هنا !؟.. كنتِ هتروحى فيها وانى منبه عليكِ من الاساس..
توقف عن هزها بهذا الشكل عندما ادرك انه رغما عنه قد افرغ ذعره لمجرد تخيل فقدها عليها هى التي يوجب عليه ان يبثها الطمأنينة…
ابعد كفيه عنها فكادت ان تسقط.. اندفع يهم باللحاق بها لولا انها استجمعت قوتها واستدعت ثباتها ووقفت متسمرة للحظة لا تدرى ما عليها فعله ..واخيرا رفعت ناظريها اليه ليكاد يشهق فى صدمة عندما رأى دموعها منسابة على صفحة خديها ..
اندفعت باتجاه البيت الكبير ليتنهد هو فى ضيق يتابعها بناظريه تكاد تنهداته تخنقه لولا خروجها بهذا الشكل الذى ينم عن احتراق داخلى مريع حذا حذوها وامسك برسن فرسه واتجه خلفها للبيت الكبير يكاد يموت قهرا على دمعها الذى كان سببا فى هطول زخاته بدلا من ان يكون مانعها ..
**************
دخل بتؤدة لداخل شقته حاملا بعض من الأغراض المنزلية التي تلزمهما وخاصة ما تحب تناوله حتى تستطيع تناول دواءها .. تقدم نحو المطبخ تاركا الأغراض جانبا وما ان مر بحجرتها حتى وجد بابها مواربا .. طرق الباب لعلها بالداخل الا ان الصمت كان المجيب الوحيد .. تطلع لتلك الرسالة بكفه يقلبها في قرف .. هل يقرأها ويلقي بها كما حدث مع مثيلاتها ام ماذا !؟.. ما عاد يعلم ما عليه فعله .. نظر لتلك الكلمات التي تحذره من الظهور بأي شكل اوالاقتراب من النعمانية مهما حدث .. ابتسم بوجع ساخرا من التحذير الذي لم يكن بحاجة اليه دفع بالرسالة سريعا بجيب سترته ثم دفع الباب في رفق وجال ببصره بالغرفة ولم يجدها .. اندفع خارجا مناديا عليها الا انها لم تجب .. تنبه انها بدأت تستعيد قدرتها على السير بشكل سليم فاستنتج انها شعرت بالضجر بمفردها فذهبت لتستأنس بالجلوس مع زينب وامها .. خرج من شقته وطرق باب شقة زينب لتطالعه ما ان فتحت الباب جالسة في احد الأركان ابتسمت زينب مهللة :- اتفضل يا نديم .. اكيد بتدور على ناهد !؟.. أهى مشرفانا يا سيدي لحد ما ترجع ..
ابتسم نديم في دبلوماسية هاتفا :- هى ليها مين غيركم يا زينب معذورة بتقعد النهار بطوله لوحدها .. ما انا ببقى بره بقى ..
هتفت زينب متسائلة :- طبعا دي مشرفانا وبتونس ماما والله وانا غايبة ف المستشفي .. بس هو انت بتشتغل يا نديم !؟..
اكد نديم مضطربا :- اه يا زينب .. اهو حاجة اقدراسد بيها طلباتنا لحد ما اشوف هتصرف ف شغلي ازاي بعد الاجازة الطويلة اللي انا فيها دي ..
هتفت زينب تستفسرمن جديد:- بتشتغل ايه!؟..
تنحنح نديم محرجا :- يعني يا زينب .. مش فارقة .. اهو كله شغل ..
صمتت زينب وقد ايقنت ان نديم يعمل بعمل لا يليق به رغبة في عدم اشعار ناهد بانه غير قادر على تحمل مسؤليتها .. اشفقت عليه.. لكنها احترمته اعتقادا منها ان الحب لا الواجب هو الدافع .. وتذكرت ذاك الذي اختفى ما ان علم بماضيها الموجع .. فدمعت عيناها ونهضت تستأذن في عجالة لتحضير الطعام ..
انتبهت ناهد لحديث نديم مع زينب فنهضت في هوادة متجهة نحوه ليعودا سويا لشقتهما الا ان ماجدة هتفت تستوقفها :- ايه ده !؟.. انتوا رايحين فين !؟.. والله ما انتوا ماشيين الا لما تتغدوا معانا ..
هتف نديم :- و الله يا طنط جبت غدا معايا و انا جاي .. كفاية تعبناك معانا بجد ..
هتفت ماجدة معاتبة :- ده برضو كلام يا نديم .. ده انت ابني .. ان مكنتش اتعب لابنى هتعب لمين !؟..
هتف نديم في امتنان :- تسلمى يا طنط ..بس والله مافيش داعي .. اعفيني .. انا اصلا مش جعان .. انا تعبان فعلا وعايز انام ..
هتفت ماجدة في تفهم :- طب خلاص على راحتك يا حبيبي ..بس هنستاكم ع العشا ..
هتف نديم متوجها للباب تتبعه ناهد :- باْذن الله يا طنط .. سلام عليكم ..
ألقين التحية خلفه وهو يتجه نحو باب شقته
دخل وهى بعده وأغلقت باب شقتهما في هدوء وهى تراه يندفع في اتجاه الحمام هاتفا بنفس اللهجة الثلجية التي اعتمدها لتعامله معاها منذ ايّام :- هاخد دش ولوجعانة .. كلي متستنيش ..
اكدت ناهد في هدوء :- لااه مش چعانة ..
دخل الحمام ولم يعقب وغاب بالداخل يلق وجع يومه اسفل رذاذ الماء الدافئ يحاول ان يخفف من ألام كتفيه وظهره ..
انتهى اخيرا وما ان خرج من المغطس حتى اخذ يسب نفسه سرا .. ألن يكتفى من هذه العادة ابدا !؟.. فدوما ما ينسى احضار ملابسه النضيفة عند دخوله للحمام .. تطلع حوله ولم يجد الا ملابسه المتربة التي خلعها لتوه ومنشفة ..
اضطرآسفا لفتح باب الحمام وإخراج رأسه منه هاتفا باسمها :- يا ناهد ..
اندفعت ملبية ندائه تقف امام باب الحمام في اضطراب منكسة الرأس هامسة :- نعم !؟..
اكد مشيرا لحجرته :- معلش هتعبك هاتيلي هدوم من اوضتي ..
اومأت برأسها ايجابا وظل هو ينتظر خلف الباب حتى عادت هامسة من جديد وهى تناوله ملابس نضيفة :- اتفضل ..
مد ذراعه لتناولها ورفعت ناظريها لتتأكد انه قد امسك بها لتطالع تلك العلامة العجيبة على كتفه .. شهقت في صدمة :- ايه اللي ف كتفك ده !؟..
اضطرب وجذب ملابسه لداخل الحمام واغلق الباب .. دمعت عيناها وجعا على ما يفعل بنفسه رغبة في ارضائها وإشعارها ان الامور على ما يرام ..
انتظرت خروجه واعدت الطعام بالطاولة في الردهة الخارجية .. خرج مندفعا في اتجاه غرفته لتستوقفه هى هاتفة :- نديم .. مش هتاكل !؟..
اكد وقد توقف تلقائيا يرد عليها دون ان تتلاقى نظراتهما :- لا مش جعان ..
هم باستكمال طريقه لغرفته الا انها اعترضت طريقه هامسة :- انا مش هاكل الا لما تاكل..
اكد بلامبالاة :- براحتك ..
هم بالتحرك مرة اخرى لتعترض طريقه من جديد هامسة :- ليه يا نديم !؟.. العلامة اللي ف كتفك دي ليه !؟..
هتف نديم غاضبا وقد خرج عن طوره:- عشان نلاقي ناكل .. عشان نعرف نعيش .. كنت بشيل الطوب والمونة على كتافي عشان نلاقي حق علاجك وعشان اعرف ادخل على الناس اللي اوينا ف بيتهم بحاجة ف أيدي .. عشان محسش اني قليل ف نظر نفسي وانا متكل على فلوس اختي .. عشان ..
قاطعته وهى تربت على كتفه هامسة والدمع ينساب على خديها :- عشان انت راچل .. وسيد الرچالة كمان ..
تطلع اليها ليفقد دفاعاته مرة واحدة وما عاد قادرًا الا على التفكير فى جذبها لأحضانه..
فلو صنفت كلماتها على انها كلمات حب لكانت أعظمها بالنسبة اليه .. لكن بديلا عن ذلك اندفع باتجاه غرفته هربا من تأثيرها المُهلك على أعصابه ..
جلست لبرهة وحيدة بالردهة الا انها عزمت امرها ونهضت في ثبات تدخل خلفه الغرفة وتوقفت امامه هامسة :- لو ليا عندك خاطر..تعال كُل .. اكيد انت چعان بعد التعب طول النهار .. عشان خاطري جوم ياللاه ..
تطلع اليها وكل ما يجول بخاطره هو اخراجها من الغرفة بأي شكل لذا نهض في سرعة خارجا لتتبعه هى جالسة الى الطاولة وذاك التلفاز القديم يبث اخبار أسبوعية مجمعة ..
مد كفه يتناول اول لقيمات منذ طعام الافطار
وما ان هم بابتلاعها حتى نهض مذعورا وهو يصرخ :- مش دي النعمانية !؟..
انتفضت بدورها متطلعة لشاشة التلفاز هاتفة في ذعر مماثل :- ايوه هى .. ايه اللي حصل ده !؟.. و ميتا !؟.. اخوي ..
همس نديم في ذعر باسم اخته :- دلال ..
اندفع يطرق باب شقة زينب في عجالة لتطالعه زينب هاتفة في ذعر :- خير يا نديم..
اكد مضطربا :- النعمانية السيل غرقها وعزلها عن العالم .. مسمعتيش من شريف بيه اي اخبار !؟..
هتفت زينب مصعوقة للخبر :- سيل !؟.. ازاي !؟.. طب ودلال !؟.. وشريف !؟..
تأكد نديم انها لم تسمع اي اخبار قد تفيده فهتف يهم بالعودة لشقته :- انا مسافر للنعمانية حالا ..
هتفت ناهد صارخة بدورها :- خدني معاك ..
هتفت زينب متضرعة :- عشان خاطري استنوا بس لحد ما نشوف ايه اللي بيحصل ..
هتف نديم بعزم :- لا خلاص معدش فيها قعاد يا زينب.. انا سمعت كلامكم وكلام دلال كتير خاصة بعد ما طمنتني عليها ف جوابها الاخير ..لكن دلوقتي انا رايح اطمن على اختي واللي يحصل يحصل ..
واندفع من باب شقتها في اتجاه شقته تتبعه ناهد وهى اكثر تصميما منه على الذهاب للاطمئنان على اخيها .. وليكن ما يكون…
رواية زواج بالقوة الفصل العشرون 20 - بقلم زهراء السعيد
هتفت ورد ببطنها المنتفخ قليلا محاولة اللحاق بصديقتها لواحظ التي كانت تمد الخطى للوصول لشادر العرض :- يا بت يا لواحظ .. استني خدي يا بت ..
انتظرت لواحظ ما ان وصلها نداء ورد هاتفة في نزق :- عايزة ايه !؟.. مش فاضية لك دلوجت ...
هتفت ورد تلهث لحملها هاتفة ما وصلت لموضع انتظارها :- مسمعتيش اللي حصل ف النعمانية !؟..
هتفت لواحظ في لامبالاة :- هيكون حصل ايه يعني ف البلد الفجرية دي !؟..
هتفت ورد مؤكدة :- يا بت حصل سيل غرج الدنيا ومحدش عارف لا يدخل ولا يخرج منيها ..
هتفت لواحظ صارخة :- كيف يعني !؟.. ميتا حصل الموال دِه !؟..
اكدت ورد :- بيجولوا من كام يوم .. ربنا يستر .. شكل جعدتنا مطولة هنا ..
اكدت لواحظ بعزم :- لاااه مطولة ايه .. والله لانزل النعمانية ولو كان فيها موتي ..
هتفت ورد مذعورة :- يا ساتر يا رب .. ليه يعني !؟.. ليكِ ايه ف النعمانية عشان تجولي كِده !؟.. ما تغور بناسها ..
هتفت لواحظ بنبرة ذات مغزى :- ليا فيها كَتير .. وهايبجى ليا فيها اكتر .. وهروح يعني هروح ..
هتف خفاجي ابو لواحظ يستدعيها متعجلا إياها لتصعد لتؤدي رقصتها فاندفعت ملبية تتبعها نظرات ورد وهي تملس على بطنها البارز بعض الشئ هامسة :- والله شكلك ما هتجبيها البر يا لواحظ … چبها چمايل يا رب ..
واستدارت عائدة في هوادة لخيمتها …
*************
كانت الليلة باردة فما استطاعت النساء الخروج من المندرة بصحبة اطفالهن لسماع عبدالمحسن وحكاوي ربابته التي يتناهى لهن نغماتها من الجانب الاخر من البيت الكبير .. جلسن جميعا في دائرة يجتمعن حول ركوة نار وضعت في منتصف الدائرة لجلب الدفء رغم ان كل واحدة منهن تتلفح ببردتها الثقيلة نوعا ما الا دلال التي هبطت لتوها من غرفتها لتنضم إليهن وقد شدت حول كتفيها كالمعتاد شال امها الذي لا يفارقها والذي يجلب لها نوعا خاص من الدفء تفتقده بشدة..
أفسحت النسوة لها المجال معتقدات انها ستجلس بالأعلى على احدى الأرائك المتوزعة هنا وهناك بالقاعة الا انها جلست بينهن مجاورة لسعدية زوج مناع التي كانت تحمل عفيف الصغير تهدهده لينام.. استأذنتها دلال في حمله هامسة :- هاتيه يا سعدية ..
مدت لها سعدية يدها تضع بين ذراعيها عفيف الصغير .. احتضنته دلال في محبة وبدأت تهدهده بدورها لتهتف واحدة من النسوة بتعجب :-عجبال ما تشيلي عوضك يا داكتورة .. بس متأخذنيش ف السؤال يعني .. هو انتِ ليه متچوزتيش لحد دلوجت !؟.. مع انك زي الجمر..
ابتسمت دلال واجابتها في أريحية :- النصيب مجاش .. ربنا لما يريد .. هيحصل ..
هتفت اخرى :- والله الرچالة ف مصر كنهم عميوا.. دِه انتِ تعچبي الباشا ..
قهقهت دلال هاتفة :- مش للدرجة دي .. بس سبكم مني بقى وخلونا فيكم .. انتوا عاملين ايه !؟..
هتفت امرأة بلهجة تحمل وجع لا يمكن مداراته :- يعني هنكونوا عاملين كيه يا داكتورة !؟..اهااا واعية للي احنا فيه .. لا عاد في دار ولا زرعة .. كله راح ..
هتفت دلال مطمئنة :- بس انا سمعت عفيف بيه بيقول انه هيقوم باللازم وهايبني البيوت اللي اتهدت وهيعوضكم عن خسارة الزرع من شونته..
هتفت امرأة اخرى :- والله لولا عفيف بيه ما كنّا عارفين ايه اللي كان چرالنا .. ما انت مشفتيش كيف خلا الرچالة كلها تنزل تسند الچسر الجديم بكتافها لچل ما تعدي الحريم وعيالهم ..وكان ساعتها هيروح فيها لولا ان ربنا ستر ..
هتفت دلال تستوضح الامر :- ازاي !؟.. ايه اللي حصل !؟..
هتفت اخرى مستكملة :- برچ الكهربا وچع وعفيف بيه كان چريب منيه لولا ستر ربنا وفرسه رمح بعيد مكنش حد عارف اللي كان ممكن يچرى .. بس الفرس اضرعت چريت مشيفاش جدامها راح اتسط ف شچرة چرحت كتفه .. ربنا يعافيه ..
تذكرت دلال لحظات علاجها لجرحه فارتجف شيئا ما داخلها ..
هتفت دلال تغير الحوار الذي تمحور فجأة حول عفيف بشكل يشعرها بالاضطراب على نحو عجيب موجهة حديثها لأحدى النساء المتابعات لحملهن :- هااا يا نجية !؟.. اخبارك ايه !؟..
هتفت نجية بابتسامة :- رضا يا داكتورة .. ماشي الحال وكله بيهون ..
هتفت امرأة عجوز مخضرمة :- شكلك شايل بنية يا نچية .. شكل بطنك بيجول كِده ..
ابتسمت دلال هاتفة :- هو بقى بشكل البطن يا خالة يامنة !؟..
اكدت الخالة يامنة التي تخطت السبعين من عمرها:- معلوم يا بتي .. دي حاچات عرفناها من چدود الچدود وعمرها ما خيبت..
هتفت دلال مازحة :- طب ابقي قوليلي عليها يا خالة عشان استغنى عن الجهاز اللي بيعرف نوع الجنين بقى .. بلا تكاليف بلا وجع قلب ..
قهقت النسوة لتهتف نجية في خيبة:- ليه بس كِده يا خالة يامنة !؟.. دي هتبجى البت التانية..
هتفت دلال متعجبة :- ومالهم بس البنات !؟.. نعمة وفضل .. بس ربوهم كويس ومتفرطوش فيهم بدري ..وحافظوا عليهم ..
نكست ام براءة التي كانت تجلس في احد الأركان البعيدة رأسها قهرا وهي تضم بناتها لأحضانها في وجع بينما مصمصت الجدة شفتها في استهزاء لكلمات تلك الطبيبة التي لم يروا من ورائها الا الهم باعتقادها .. لتستطرد دلال مازحة :- وبعدين ما انا اهو بنت .. لو مكنش اهلي علموني وبقيت دكتورة كنتوا عرفتوا تلاقوا ست تعالجكم صح بدل الدكاترة الرجالة اللي مكنتوش بتروحوا لهم..
هتفت امرأة ساخرة :- وانتِ فين وبناتنا فين يا داكتورة !؟ .. اشچاب لچاب ..
هتفت دلال بحماسة :- وليه يعني !؟.. ليه متبقاش واحدة واتنين وعشرة كمان من بناتكم زيي وأحسن مني !؟.. علموا بناتكم .. وعرفوهم دينهم .. ومتخافوش عليهم .. هيكونوا احسن من مية راجل..
هتفت احداهن :- صدجتي يا داكتورة ..
ابتسمت دلال في سعادة لتلتقط آذانها حديثا جانبيا اثار تعجبها فهتفت متسائلة موجهة حديثها لإحدى النساء :- ايه اخبار الدوا اللي كتبتهولك يا سميحة !؟.. ماشية عليه بانتظام!؟..
تلجلجت سميحة ولم تجب لتهتف حماتها في سخرية :- والله ولو ميت علاچ .. ايه تعمل التجاوي بالأرض البور !؟..
امسكت دلال تعليق لاذع كان على وشك الإفلات منها هاتفة متجاهلة سخرية المرأة الأكبر سنا :- مردتيش يا سميحة !؟..
فركت سميحة كفها هامسة في اضطراب :- اصلك بطلته .. ممنوش عازة يا داكتورة .. اني هچرب حاچات تانية و ربنا يسهل ..
هتفت دلال متسائلة :- حاجات تانية زي ايه!؟.. أدوية تانية يعني !؟..
تهامست النساء فيما بينهن لتهتف دلال بتعجب:-مالكم !؟.. ما حد يفهمني سميحة قصدها ايه بالظبط !؟..
هتفت سعدية في تردد :- هى جصدها على حاچات يعني النسوان مچربينها واهاا .. چابت نتيچة معاهم..
اصرت دلال على المعرفة هاتفة :- ايوه يعني زي ايه الحاجات اللي متجربة دي !؟.. عايزة اعرفها ما يمكن نستفيد.. مش عيب ..
ترددت سعدية من جديد متطلعة للنسوة حولها واخيرا هتفت :- يعني فى نسوان بتروح الأجصر .. في اثارات هناك بيجولوا لو دارت حواليها سبع مرات .. المرة من دول تحمل طوالي ..
صمتت دلال وأمسكت لسانها عن التعقيب لتتطوع امرأة اخرى هاتفة :- او تنام تحت جطر عشان تتضرع .. او تتكحرت من فوج حتة عالية ف الچبل.. او تروح..
هتفت دلال تقاطعها فما عادت قادرة على تحمل ما تسمع من ترهات :- وانتوا بقى مصدقين ده كله مش كده !؟..
هتفت سميحة مؤكدة :- يا داكتورة اللي خلاها نفعت مع غيرنا .. ايه اللي هيخليها تخيب معانا!؟.. اهو الغرجان بيتعلج بجشاية ..
اكدت دلال هاتفة في ثقة :- لا ..الغرقان بيتعلق بربنا..
ساد صمت للحظة استطردت دلال بعدها :- فين ربنا من اللي بتقولوه ده !؟.. ربنا هو الوهاب .. انتوا كِده بتشركوا بيه حد تاني ف عطيته ليكم ..
انتفضت النساء مستغفرات لتهتف دلال مؤكدة :-ايوه .. ما لما مرضاش بابتلاء ربنا وأجري ادور على حاجة تخلصني منه بعيد عن ربنا .. يبقى ده اسمه ايه !؟.. ربنا النافع وهو الضار .. وكون الطرق دي نفعت مع حد يا سميحة ده مش معناها انها ممكن تنفع معاكِ او مع غيرك .. اللي حملوا بعد تجربة الطرق دي ربنا ف الاساس كان رايد لهم الحمل ولو كانوا صبروا كان الحمل هيحصل من غيرها عارفين زي ايه !؟.. زي الحرامي اللي راح يسرق لو كان صبر كان ربنا بعت له اللي سرقه ده بس عن طريق الحلال لانه ف الاساس رزقه بس هو استعجل الحرام .. ارجعي خدي دواكِ يا سميحة .. وتوكلي على الله ..
هزت سميحة رأسها بالإيجاب دون ان تتطلع لحملتها التي رمقتها بنظرة نارية لكنها لم تجرؤ على التعقيب ..
هتفت احدي النساء من الجانب الاخر للدائرة متعجبة :- امال خبر ايه !؟.. احنا هنجعدوا الليل بطوله ع اللي خلف واللي مخلفش .. دوجوا لي خلونا نفرحوا شوية .. بكفايانا هم راكبنا..
لم تكذب النساء خبرا لتدفع احداهن باب المطبخ محضرة احدى صواني الشاي وبدأت في الطرق عليها لتتمايل النسوة في سعادة على ترنيمة الخالة يامنة :-
يالي يالي يالي يالي يالي يالى يالي
يا احمد علي يا احمد علي بيع نخلنا العالي
بيع النخل يا احمد علي و لبسنى خلخالي
لبس يالى يالى يالى يالى لبسنى خلخالي
يا احمد علي يا احمد علي النخل راح ضله
بيع النخل يا احمد علي بيع نخلنا كله
بيع يالى يالى يالى بيع نخلنا كله
يا احمد على اسمك على لساني
بيع النخل يا احمد على ولبسنى كرداني
لبس يالى يالى يالى يالى لبسني كرداني
يالى يالى يالى يالى يالى يالى يالى
كان عفيف قد اندفع للمطبخ ليحضر اداة صلبة يحتاجها الرجال بالشونة فتوقف محرجا على اعتاب الباب معتقدا ان النساء قد استشعرن قدومه لكن لم تلحظ أيهن دخوله للمطبخ من خلال الباب الاخر المفتوح والمطل على بهو المندرة الذي تتجمع فيه النسوة يتمايلن في سعادة .. لم يكن يري النساء اللائى كن بقلب الدائرة .. كان كل ما يبصره اللحظة هو محياها وهى تجلس بينهن في أريحية على وجهها ابتسامة وضاءة تعكسها نيران الركوة لتطفي على ملامحها سحرا خلب لبه .. كانت تصفق في نشوة متفاعلة مع النساء حولها مما جعله يبتسم رغما عنه وما ان جذبتها احدى النساء لتتوسط الحلقة لتشاركهن الرقص على أنغام الخالة يامنة حتى انتفض مبتعدا هاربا من المطبخ بأسره فما عاد قادرًا على رؤيتها تتمايل من جديد على أغصانها فمرة واحدة كانت كافية و زيادة لتجعله يفقد ثباته وللأبد .. تجربة ثانية كتلك تعني عدم الخلاص ما حيّا وهو لم يتخلص بعد من اسر التجربة الاولى ..ويالها من تجربة !؟..
**************
هبط نديم ومن خلفه ناهد على الطريق
الترابي المؤدي للنعمانية سار بضع خطوات لكنهما انتفضا لسماعهما مكابح سيارة تقف بمحازاتهما .
اندفع شريف من عربة الشرطة في اتجاههما هاتفا في ذعر :- انتوا ايه اللي جابكم هنا !؟..
هتف نديم مؤكدا :- مكنش ينفع نسمع اللي سمعناه ومنجيش نطمن على اخواتنا ..
هتف شريف موبخا :- انتوا بعقلكم !؟.. تيجوا فين!؟. الدنيا مقلوبة وانتوا بظهوركم هتزيدوا الطين بلة ..
هتفت ناهد في اصرار :- يحصل اللي يحصل يا حضرة الظابط .. انا هدخل اشوف اخويا ولو كان في ايه ..
هتف شريف يحاول إقناعهما بالعدول عن قرارهما:- انتوا عارفين دخولكم النعمانية معناه ايه !؟.. معناه إنكم داخلين ومش خارجين تاني .. انتوا مستوعبين ده ولا لأ !؟..
هتف نديم بعزم :- احنا خلاص تعبنا م الهروب والجري هنا وهناك ..هندخل واللي ليه نصيب ف حاجة هيشوفها يا شريف بيه ..
تنهد شريف في قلة حيلة وقد رأى إصرارهما على الدخول للنعمانية فما كان منه الا هتف مشيرا للسيارة :- طب اركبوا أوصلكم .. على حظكم مش عارف بقى الحلو ولا الوحش .. لسه الطريق مفتوح والدنيا يا دوب اتعدلت شوية ده انا كنت نازل اجازة اخيرا .. بس هستنى اشوف الدنيا هتخلص معاكم على ايه ..
هتف نديم :- مش عايزين نتعبك يا شريف بيه ونأخرك على اجازتك ..
اكد شريف وهو يسبقهما باتجاه السيارة :- مفيش تأخير ولا حاجة لازم اطمن عليكم .. و بعدين مينفعش تدخلوا النعمانية مع بعض كتف بكتف كده .. انا هوصلكم لقرب التلة اللي عليها البيت الكبير .. تنزل انت الاول يا باشمهندس وبعدين تنزل مدام ناهد قدام بوابة البيت على جوه على طول .. تمام ..
هز كل من نديم وناهد رأسيهما في موافقة لتنطلق بهما العربة الي مجهول قد يكون فيه نهايتهما الحتمية لا محالة ..
وقفت العربة اعلى التلة ليهبط منها نديم متطلعا الي ناهد في وجع وهى دامعة العينين ليندفع شريف بالعربة في اتجاه بوابة البيت الكبير ليوقف سيارته لتهبط منها مندفعة لداخل البيت وقد فغر مناع فيه في صدمة لرؤيتها هاتفا باسمها :- ست ناهد !؟..
واندفع خلفها للداخل ليلحق بهما نديم ليظهر ثلاثتهم امام الخالة وسيلة التي ما ان رأتها ناهد حتى اندفعت باتجاهها هاتفة باسمها :- خالة وسيلة ..
شهقت وسيلة في صدمة :- ناهد !؟.. يا بتي ..
وفتحت ذراعيها لاستقبال ناهد التي ألقت بنفسها باحضان الخالة وسيلة التي كانت تشتاقها حد الوجع .. أبعدتها الخالة وسيلة عن صدرها هاتفة ما ان وعت للأمر :- ايه اللي عملتيه ده يا بتي !؟.. و نظرت الي نديم ثم عاودت النظر اليها مستطردة في ذعر :- وايه اللي رچعكم ..انتوا چايين لجضاكم..ايه بس اللي چابكم !؟..
هتفت بكلماتها الاخيرة في وجع حقيقى وذعر على ما قد يحدث اذا ما اكتشف عفيف وجودهما..
لكنه اكتشف بالفعل عندما اندفع من مكتبه وهو بأعلى الدرج هاتفا:- يا خالة وسيلة .. فين ال..
قطع كلماته متطلعا الي اخته ونديم في غضب عاصف ولم يسعه الا ان اخرج سلاحه موجها اياه في اتجاههما ..
**********************
كانت قد قررت وعزمت امرها ونفذت .. اندفعت لداخل النعمانية وخدمها الحظ لتبصر نديم وهو يصعد التلة في اتجاه بيت النعماني وكذا تأكدت ان ناهد قد سبقته للداخل ..
اندفعت في عجالة لبيت صفوت الذي وقفت على أعتابه تؤكد للخدم انها بحاجة لمقابلته بأمر عاجل .. اندفع صفوت اليها في غضب هامسا وهو يجز على اسنانه في غيظ :- ايه اللي چابك هنا !؟.. وانتوا اصلا رچعتوا ميتا !؟..
هتفت في عجالة :- مش وجت حديت فاضي .. هم وشوفلك متوى .. عفيف لو سمع اخته وطالك هيدبحك ..
هتف صفوت صارخا :- اخته !؟.. اخته مين يا مخبلة !؟.. ما احنا عارفين اللي فيها ودفنينه سوى ..
هتفت تتعجله تكاد تلطم خديها :- رچعت .. هى والباشمهندس .. رچعوا ووعيت لهم بعيني وهما داخلين البيت الكَبير..
تطلع صفوت لها في صدمة وظل صامت للحظات واخيرا هتف في راحة لامباليا :- طب وايه اللي فيها !؟.. ما ياجوا .. چم لجضاهم .. هو عفيف لما يوعالهم هيرحب بيهم اياك !؟.. والله ليفرغ طبنچته ف جلوبهم ..
هتفت لواحظ تحاول بث الرعب بقلبه :- طب وايه جولك لو سمعهم !؟.. هااا .. ايه اللي هيحصل ساعتها .. جول !؟..
انتفض مذعورا لمجرد تخيله لرد فعل عفيف واندفع لداخل داره مؤكدا لها :- طب روحي دلوجت واني هحصلك .. روحي ..
ابتسمت في سعادة لاستطاعتها استمالته كالعادة واندفعت مبتعدة حيث تعرف اين يمكنها إيجاده…
********************
كاد ان يضغط عفيف على زناد سلاحه الا ان دلال ظهرت في الوقت المناسب مندفعة من المطبخ لبهو البيت الكبير وقد ادركت الموقف في ثوان لتقف امام نديم الذي كان قد اندفع بدوره يقف امام ناهد يزود عنها والتي كانت تقف متصلبة لم تأت بأي رد فعل..
هتفت دلال صارخة :- لو سمحت يا عفيف بيه .. اسمعهم .. ارجوك ..
اندفع عفيف هابطا الدرج وهو لايزل شاهرا سلاحه هاتفا في صوت كالرعد :- اسمع ايه!؟.. دوول ما يتردش عليهم الا بده ..
ولوح بسلاحه الذي وجهه اليهم من جديد لتتحرك ناهد بعد ان خرجت من خلف جسدىّ نديم ودلال متوجهة اليه تقف امام فوهة سلاحه بثبات هاتفة في وجع حقيقي :- اضرب يا عفيف لو فاكر ان اختك .. تربيتك .. ممكن تعمل حاچة توطي بيها راسك.. ده انا مبعدتش الا عشان احميكِ م الفضايح..
هتف عفيف وهو لايزل موجها سلاحه تجاهها:- تحميني م الفضايح !؟.. لا كتر خيرك يا بت أبوي ..واللي عملتيه ده چاب لي ايه غير الفضايح والعار وانا مش جادر ارد على طلب واد عمتك ليدك عشان حضرتك مش موچودة م الاساس !؟..وأخرة المتمة .. فضحني جصاد النعمانية كلها وجال لي لو راچل روح هات اختك من مطرح ما انت بتجول ..
هتفت بتعجب :- بن عمتي مين !؟.. جصدك صفوت!؟..
اكد عفيف هاتفا في غضب :- ايوه هو ..
هتفت ناهد بتعجب متطلعة لنديم :- ازاي !؟.. ده لولا صفوت كان الناس جطعتنا بسبب اللي حصل !؟..
هتف نديم مؤكدا :- ايوه فعلا ..
صرخ عفيف ثائرا :- وهو ايه اللي حصل م الاساس !؟.
هتفت ناهد منتفضة تحكي لتهدئة ثورته :- ف يوم كنت انت مسافر مصر وانا كنت راچعة من اخر امتحان ليا لجيت الواد زيدان اللي بيشتغل ف ارضنا چاي يچري يجولي ان مهندس الري فاتح المية على الارض وسايبها والأرض هتغرج روحي كلميه لحسن الزرعة اللي ضيعنا عليها الشهور اللي فاتت هتروح ..و فعلا مكدبتش خبر ورحت اخبط عليه ف الاستراحة بتاعته لجيت باب الاستراحة متوارب والباشمهندس نديم واجع ع الارض مغمي عليه .. من غير ما افكر دخلت اشوف فيه ايه .. اول ما دخلت افوجه لجيت رچالة معرفش مين هم داخلين وجعدوا يجولوا بتعملى ايه عند الباشمهندس .. و احنا هنفضحكم .. جعدت ازعق واجولهم انتوا متعرفوش انا مين .. لكن كانوا عارفين وجالوا لي اني هكون سبب في فضيحة اخويا وان انت اللي هتجتلني بيدك لو وصلك الخبر.. ظهر صفوت فچأة من بينهم وجالي انا والباشمهندس اللي كان فاج ساعتها ومكنش عارف ايه اللي بيحصل ملكمش الا حلين .. يا تجعدوا وعفيف هو اللي هيخلص عليكم بيده لما يسمع بالموضوع اللي هيبجى حكاية لأهل النچع كلهم وانك هتتعير بيا العمر كله وممكن تروح السچن فينا كمان .. يا اما يساعدنا نخرچ حلا من النچع ولا من شاف ولا من دري ويبجى انت تتحجج بأي حاچة لو حد سأل عليا ..ان شالله تجول ماتت حتى ..
كان عفيف يقف مشدوها مما يسمع يتطلع الي اصحاب الحكاية وتعبيرات وجهيهما التي تنطق بالصدق مع كل حرف ..
هتف نديم مؤكدا :- ايوه هو ده اللي حصل بالحرف يا عفيف بيه .. و احنا مكناش عارفين نتصرف ازاي.. الوضع اللي كنّا فيه ساعتها والخبطة اللي كنت واخدها على دماغي مكنتش مخلياني ف كامل وعيي .. طلعنا نجري انا و الانسة ناهد بره النجع بمساعدة صفوت اللي ساعدنا بنفسه نركب اول حاجة تبعد بينا ..وأكد لي مرحش بتنا لحد ما يقنعك باللي هو قالهولنا وقال انه هيبلغك انك تنسى اختك وتقول انها ماتت عشان تخلص م العار ده ..ده حتى كان بيبعت لي جوابات وكان عارف كل الأماكن اللي قعدنا فيها ..
ووضع نديم كفه بجيب سترته التي كانت نفسها التي وضع بها جواب صفوت البارحة ليتناوله معطيا اياه لعفيف ..
تناول عفيف الخطاب يقرأه في تيه واخيراهتف في صدمة بعد ان استوعب ما كان يحدث :- يعني كان بيطلبك جدام النعمانية كلها عشان يچرسني واخرتها يوم السيل جال انك مش موچودة مطرح ما انا بجول انك عند بت خالتنا ف المنصورة وهو كان عارف انتِ فين الوجت دِه كله !؟..
بكت ناهد بدموع صامتة عندما اكتشفت المكيدة التي تعرضوا جميعا لها وأومأ نديم برأسه ايجابا وساد الصمت قليلا لهتفت ناهد من بين دموعها :- ده انا حتى مكنتش اعرف موضوع الچوابات اللي كان بيبعتها دي !؟..
اكد نديم :- مكنتش حابب اقلقك .. والجوابات كان بيبعتها مع ناس وبيقولي ان عفيف مقتنعش باللي هو قالهوله وانه ورانا ومش هيسبنا ولازم نختفي لانه حالف انه يقتلنا عشان يغسل عاره وكويس انه كان معايا اخر جواب منه .. لحسن الحظ مرتهوش لانه وصلني يوم ما اكتشفت موضوع السيل ده وقررنا نيجي على هنا ..
صرخ عفيف في قهر كليث جريح دافعا بأحد المزهريات التي كانت بالقرب من موضع وقوفه:- واااه يا واد عمتي .. عرض النعماني بجى رخيص جوي كِده عشان تتاچر فيه !؟.. والله ما يكفيني روحك يا نچس ..
هتف نديم مهدئا عفيف :- اهدى يا عفيف بيه واضح ان كلنا وقعنا ف مصيدة الاستاذ صفوت والله لو كنت موجود ف النجع ساعتها انا مكنتش اضطريت للتصرف بالطريقة دي والهرب بس عدم وجودك والفضيحة اللي كانت هتنتشر لحد ما تيجي مكنتش ممكن تخليك تسكت وكمان جوباته خلتني اقتنع فعلا ان الهرب هو ده حلنا الوحيد وخاصة لما لقيناك جاي ورانا اسكندرية فعلا وان نيتك كان واضح فيها الشر بس للاسف هو كان حاطط الخطة بشكل محكم جدا.. بس على اي حال المهم دلوقت هو ده ..
واخرج نديم من جيب سترته ورقة مطوية منحها عفيف الذي تطلع اليها للحظات متعجبا قبل ان يمسك بها وفضها ليلقي نظرة الي نديم ثم يعاود النظر للورقة مرة اخرى واخيرا همس عفيف بصوت متحشرج :- ايه ده يا باشمهندس!؟..
هتف نديم مضطربا :- دي ورقة جوازي العرفي بأختك يا عفيف بيه .. مكنش ينفع اخرج بيها من قنا وهى مش على زمتي .. مكنش ينفع تفضل معايا الفترة دي كلها وهى مش مراتي ..
هتف عفيف مصدوما :- يعني اتچوزتو !؟..
هتف نديم موضحا طبيعة زواجه بناهد :- ايوه اتجوزنا… بس يعلم ربنا ان طول الفترة دي حافظت عليها أمانة اتردت لك أهي زي ما خدتها .. والورقة دي قطعها ولا كأنها كانت ..
تطلع عفيف الي الورقة مرة اخرى ثم لناهد ليهتف متسائلا وقد تنبه اخيرا :- انتوا چيتوا ازاي !؟.. چيتوا سوى جدام اهل النچع !؟..
اكد نديم مسرعا :- لااا طبعا .. انا جيت ماشي وناهد .. اقصد الانسة ناهد جت راكبة مع سيادة النقيب شريف ..
هتف عفيف مستفسرًا في شك :- وهو حضرة الظابط كان يعرف الحكاية ولا ايه !؟..
هتف بسؤاله وهو يتطلع لدلال التي كانت المرة الاولى التي تتكلم فيها بعد محاولتها اثنائه عن استخدام سلاحه هاتفة مقاطعة نديم الذي كان يهم بالحديث :- محدش يعرف اي حاجة غيرنا احنا الأربعة وطبعا مناع وخالة وسيلة ..
اكد نديم :- احنا مدخلناش النجع مع بعض من اساسه يا عفيف بيه اطمن ..
هتف عفيف متسائلا :- وكنتوا فين طول المدة دي!؟..
اكد نديم بثبات :- كنّا ف إسكندرية ف شقة واحد صاحبي ..
اكد عفيف :- بس انتوا سبتوها .. انا كنت هناك يوم ما روحتوا منِها ..
اكد نديم :- اه ما احنا سبناها ونزلنا القاهرة عند..
وتنبه نديم ان دلال لا ترغب في اقحام شريف وزينب في الامر فاكمل في ثبات :- كنّا عند واحد صاحبي .. قعدنا ف شقته اللي كان مجهزها لجوازه ..
اومأ عفيف برأسه متفهما ثم هتف لمناع امرا:- روح هات لي الواد زيدان م الشونة ..
اندفع مناع ملبيا غاب للحظات ثم عاد لاهثا مؤكدا لعفيف :- الواد زيدان فص ملح وداب.. عم عبدالمحسن بيجول انه توه ما وعي للست ناهد داخلة البيت وكن العفاريت ركبته وطلع يرمح ومحدش عارف هو خفي فين ..
اومأ عفيف برأسه من جديد وقد أيقن انهما كانا على صدق كما نبأه حدسه .. لكن هناك صفوت.. وهو لن يدع الامر يمر مرور الكرام وكأن شيئا لم يكن .. فهذا عرضه .. ولا يمكن له ان يتهاون في امر كهذا ..
هم بالتوجه للخارج الا انه توقف للحظة وتقدم الي اخته التي كانت لاتزل تبكي ليجذبها بين ذراعيه معتصرا إياها لتشهق باكية من جديد متعلقة به .. لحظات مرت لم يُسمع فيها الا شهقات بكاء ناهد والخالة وسيلة التي شطارتها بكائها لتهتف متضرعة لله في قهر:- منك لله يا صفوت .. روح يا بَعيد ياچيكِ ويحط عليك .. دفع عفيف ناهد مبعدا إياها عن صدره مقبلا جبينها واستدار رابتا في فخرعلى كتف نديم واخيرا تقدم الى دلال في تؤدة وهمس هازا رأسه في استحسان:- تسلم تربيتك يا داكتورة ..
واندفع في اتجاه الخارج لتتبعه بعينيها التي كانت الدموع تترقرق بمآقيها وما ان غاب حتى استدارت في اتجاه اخيها لتفتح له ذراعيها تتلقفه في فرحة واشتياق فاق الحد ..
********************
اندفع عفيف لبيت صفوت مقتحما اياه بصحبة مناع شاهرا سلاحه ليقتص منه .. الا ان الخدم جميعهم اكدوا انه سافر الي وجهة لا يعلمها اي منهم .. اكد عفيف على مناع وهو يغادر بيت صفوت استدعاء النعمانية جميعهم في التو واللحظة .. لم تمر الساعة حتى امتلاء مجلس النعمانية برجالها عن بكرة ابيه مؤكدا ان الحدث جلل وان عفيف ما جمعهم اللحظة الا لامر بالغ الأهمية لا يحتمل التأجيل..
كان الهرج والمرج على اشده بين الرجال .. كل منهما يحاول استنتاج سبب اجتماعهم في هذه الساعة لكن ما ان طل عفيف عليهم حتى ساد الصمت في انتظار تصريحه ..
هتف عفيف محييا في البداية واخيرا هتف بصوت جهوري صارم مخرجا سلاحه واضعا اياه امامه على الطاولة :- انا حلفت لكم من جيمة كام يوم اني هروح اچيب اختي من عند خوالها ف المنصورة وصفوت واد عمي كدب وچودها هناك من اساسه .. ناهد اختي فوج ف البيت الكبير وهى اللي چات لحالها لما سمعت باللي حصل .. چت تطمن علىّ وع النعمانية كلها .. انا كنت شارطها على واد عمتي جبالكم وهو وافج .. لو چبت ناهد هتكون روحه جصاد الكلام اللي جاله يوميها وادي ناهد جت وروحه هتكون تمن ..عشان اي حد يعرف بعد كِده لما يتكلم على عرض النعماني يجى عارف هو بيجول ايه ويوزن كلامه بميزان الدهب ..هو دلوجت هربان .. بس هيروح فين !؟.. مسيره راچع وساعتها هتكون نهايته على يدي .. ولا حد منيكم عنديه كلام تاني !؟..
ساد الصمت ولم يجرؤ احد من الرجال على أثنائه عن رغبته او حتى مناقشته فيما عزم امره عليه فكل منهم يعرف ثمن الخوض في الأعراض وصفوت هو من اختار عقابه بيده ..
********************
طرقت الباب في تردد ليقابلها على الجانب الاخر اذنا بالدخول ..دفعت باب الحجرة هاتفة في اضطراب :- ممكن ادخل اجعد معاكِ شوية يا دكتورة !؟..
هتفت دلال لناهد وقد شعرت باضطرابها ورغبتها في البوح بشئ ما يثقل كاهلها :- طبعا يا ناهد اتفضلي .. حد هيتعزم ف بيته !!..
ابتسمت ناهد هامسة وهى تجلس بأقرب مقعد واجهها :- بصراحة يا دكتورة انا مش عارفة اجولك ايه !؟.. بس انا بچد آسفة على كل التعب اللي تعبتيه بسببنا .. بس ..
قاطعتها دلال هاتفة في ابتسامة ودود :- تعب ايه !؟.. اي تعب مهما كان يهون علشان خاطر نديم وسعادته ..
ابتسمت ناهد بحياء هامسة :- بچد يا دكتورة ..ربنا يخليكم لبعض .. انت متعرفيش نديم ..
اجصد الباشمهندس بيحبك كد ايه .. وكان خايف عليك ازاي .. و دايما چايب ف سيرتك ..
ابتسمت دلال هاتفة :- ده انتوا مكنتوش بتتكلموا الا عليا بقى !؟..
ابتسمت ناهد مؤكدة :- تجريبا كده ..
هتفت دلال :- الحمد لله إنكم رجعتم بالسلامة..هو ده المهم يا ناهد ..اي حاجة تاني مقدور عليها ..
هتفت ناهد بود:- المهم ميكنش الجعاد ف النعمانية تعبك يا دكتورة !؟..
ابتسمت دلال في شجن حاولت مداراته هامسة:- لا ابدا .. بالعكس .. النعمانية هاتفضل ذكرياتها عزيزة عليا .. انا مستنية عفيف بيه بس عشان استأذنه ف السفر ..
هتفت ناهد في لوعة :- سفر ايه !؟.. هو احنا لحجنا نجعد معاكِ !؟.. ولا حتى الباشمهندس لحج يشبع منك !؟..
اكدت دلال :- لازم ارجع بقى .. في حاجات كتير وقفت بسبب موضعكم .. والحمد لله انا اهو اطمنت عليكم ..ارجع اشوف حالي ..هروح النهاردة ابات مع نديم ف الاستراحة عشان أتوكل على الله من بكرة بدري ..
تنهدت ناهد هاتفة :- اللي يريحك يا دكتورة .. بس كان نفسنا تشرفينا شوية ..
هتفت دلال :- تسلمي يا ناهد ..
تناهى لمسامعهن صوت موسيقى شجية قادمة من غرفة المكتب فهمست دلال :- عفيف بيه ف المكتب .. عن اذنك هروح استأذنه ..
طرقت الباب ودفعته للدخول عندما اذن لها وهو يغلق الموسيقى .. تطلع اليها محاولا صبر أغوارها وشعر بانقباض عجيب بنفسه كأنما استشعر ان ساعة الفراق قد حانت ..
هتفت دلال في ثبات حاولت ادعائه :- السلام عليكم يا عفيف بيه .. انا بس حابة اشكرك على كرم الضيافة طول الفترة اللي فاتت دي .. وحابة اروح ابات مع اخويا ف الاستراحة بتاعته لحد موعد قطر بكرة اللي طالع على مصر باذن الله ..
لجمته حقيقة الرحيل التي مثلت امامه متجسدة في كلماتها عن النطق بحرف للحظات واخيرا هتف بصوت متحشرج يحاول استجماع احرف بيانه :- وماله يا داكتورة .. حجك .. بس اسمحيلنا نبعت مناع معاكِ يوصلك بالعربية لحد بيتك.. ليه الجطر !؟..
اكدت دلال :- ملوش لزوم يا عفيف بيه .. مش عايزة اتعبكم معايا ..
اكد عفيف معاتبا :- وااه يا داكتورة .. تعب ايه بس !؟.. جولي انتِ ناوية ميتا بالمشيئة وهيكون مناع والعربية تحت امرك ..
هتفت دلال ممتنة :- تسلم يا عفيف بيه .. انا رايحة عند نديم هبات الليلة دي وبكرة الصبح هطلع ع القاهرة .. ومرة تانية بشكرك على كل حاجة ..
ومدت كفها بلاوعي ملقية السلام فمد كفه بالمقابل مودعا لتتلاقى الأكف ربما للمرة الاخيرة في حديث شجي دامع .. فقد كان كلاهما اشجع من أصحابهما وقد باح كل لخله بما يعتمل في جوفه .. ابتعدت الأكف في وداع موجع كل منهما يحاول التشبث .. لكن الفراق كان مقدر لا محالة ..
هتفت دلال في لهجة حاولت ان تضفي عليها رسمية لم تجد تصنعها :- عن اذنك ..
ليهمس هو بنفس اللهجة الرسمية :- اتفضلي ..
خرجت مسرعة باتجاه الباب لتولي بلا رجعة ليظل ناظره معلقا بالباب لعلها تعود ..فهل تفعل!؟..
****************
كان من المفترض ان يذهب لامها يطلب منها موعدا لزيادة رسمية لكنه لم يستطع الا ان يندفع بلا تعقل باتجاه المشفى الذي تعمل به باحثا عنها..
بحث بغرفة الأطباء وبكل الغرف تقريبا بقسم الباطني والقلب واخيرا لمح طيفها فاندفع يقف امامها يلهث في سعادة هاتفا :- دكتورة زينب ..
تطلعت اليه وقد انتفضت داخليا ما ان وصل لمسامعها صوته المميز .. اندفعت اليه تسأله في لهفة :- اخبار نديم وناهد ايه !؟.. حصل لهم حاجة !؟..
اكد شريف وهو يتطلع الي ملامح وجهها التي افتقدها حد العذاب :- لا الحمد لله مفيش حاجة.. اللي عرفته من نديم ان عفيف بيه سامحهم .. واضح ان الموضوع فيه حكاية كبيرة كانوا ضحايا فيها .. بس سيبك من ده كله !؟.. زينب.. تتجوزيني !؟..
طلبها في ابتسامة واسعة اشبه بإعلان لاحد معاجين الاسنان .. شهقت وهى تنظر اليه في صدمة وما ان استعادت اتزانها حتى اندفعت مسرعة مبتعدة عنه الا انه لحق بها هاتفا في اصرار :- ايه !؟.. مسمعتش ردّك!؟..
هتفت مضطربة تحاول الفرار منه :- الحاجات دي متجيش كِده ومتتناقش هنا يا سيادة النقيب ..
اكد وهو يغلق عليها السبيل حتى لا ترحل مبتعدة:- طب قولي لامك احنا جايين النهاردة الساعة ٧ .. لا سبعة متأخر .. الساعة ٣ .. لا ده معاد غدا .. بصي.. قوليلها جايين الساعة ٦ وامري لله ..
اندفعت مبتعدة تدخل غرفة الأطباء التي كانت فارغة لحسن الحظ لتنفجر مقهقهة على افعاله وقد وضعت كفها على قلبها الذي كان يشاطرها قهقهاتها في سعادة .. واخيرا انفجرت باكية رغما عنها .. وقد شعرت ان ذاك الرجل سيكون بلا شك سبيلها الأسرع للجنون وهى تمسح دمعات سالت من عينيها مختلطة بسعادة بلهاء ..
اما هو فقد ظل متسمرا موضعه حتى غابت لداخل الغرفة ليهتف زافرا في حنق :- يا رب صبرني لحد الساعة ٦ .. لا ٦ ايه !؟.. يا رب صبرني ليوم الفرح ..
واندفع في اتجاه شقته وطرق الباب في سرعة لتفتح امه مرحبة ليندفع مقبلا إياها هاتفا في لهفة:- بقولك ايه يا حجوج !؟.. يا تجوزيني يا اما هصورلكم قتيل هنا ..
هتفت شريفة مقهقهة :- ما انا قلت كده من زمان!؟..
هتف شريف معترضا :- زمان ايه بقولك دلوقتى.. انا عايز اتجوز مع سبق الإصرار والترصد ..
قهقهت شريفة من جديد هاتفة :- يخيبك يا شريف وجعت قلبي م الضحك ..
هتف شريف محذرا :- لا قلبك ايه اللي يوجعك دلوقتي يا شوشو !؟... ركزي معايا كله لمصلحتك .. ده انا هجيب لك قسم القلب كله هنا..
هتفت شريفة تشاكسه :- هتجيبهولي انا !؟.. و الله ما حد عايز يتعالج الا انت ..
اكد شريف مقهقها :- طب وانا قلت حاجة غير كده!؟.. ما انا بقولكم اهو عالجوني .. و انا علاجي تجوزوني.. غلطش انا ..!؟..
هتفت شريفة ضاحكة :- لا ..هو انت تغلط ابدا .. الله يكون ف عونك يا بنتي ع المرستان اللي هتعيشي فيه ..
قهقه شريف مؤكدا :- احلى مرستان والنعمة.. ده انا هلاعبها كل الألعاب.. وهتضمن الجنة من وسع..
قهقهت شريفة من جديد ليبادرها شريف مؤكدا:- بقولك يا حجوج !؟.. احنا هنروح لهم نخطبها النهاردة الساعة ٦ باْذن الله ..
هتفت شريفة في دهشة :- النهاردة !؟.. طب ده الواحد مستعدش !؟..
هتف شريف محتجا :- تستعدي ايه !؟.. هو انت فاكرة نفسك العروسة يا حجوج!؟..و بعدين في ايه بقي!؟.. اقولها جوزيني بسرعة !؟.. تقولي مستعدتش .. انا عايز جواز ف الإنجاز ..
ابتسمت شريفة هاتفة :- طب خلاص نروح ونقابل مامتها وربنا يقدم اللي فيه الخير ..
هتف شريف متضرعا :- ياارب ..
لتتسع ابتسامة شريفة في سعادة فهذه هى المرة الأولي التي ترى فيها شريف بهذه السعادة الحقيقية خاصة بعد وفاة والده والذي كان شَديد التعلق به ..فعلى الرغم من كوّن شريف خفيف الظل يميل للمزاح لكنه يخفي داخله وجعا بسبب وفاة والده التي جاءت مفاجئة للجميع .. تمنت ان تدخل الفرحة من جديد لقلبه بدخول زينب لحياته .. تضرعت لحدوث ذلك في خشوع قلب ام لا يأمل الا في سعادة وليدها الوحيد .