تحميل رواية «زواج في الظل» PDF
بقلم ياسمين عطيه
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
جلست ليلى في زاوية الغرفة، ضامة ركبتيها إلى صدرها، وعقلها يدور بأقصى سرعة. عينيها شردت في الحائط، لكن في الحقيقة، لم تكن ترى شيئًا. كانت ترى ماضيها، ترى أمها المنهكة بعد يوم شاق في المصنع، يديها المتشققة وهي تمسح عرقها بحافة طرحتها البالية، وترى أختها التي تزوجت منذ عام وما زالت غارقة في الديون. "إيه يا ليلى، هتفضلي طول عمرك كده؟ بتبيعي مناديل وبتستخبي في بطانية مهلهلة؟" حست بقلبها يدق بسرعة وهي تبلع ريقها بصعوبة، إدراكها بدأ يتغير. المهمة دي خطر، مش مجرد كلام مرعب من عدلي. سنة كاملة وسط أخطر عص...
رواية زواج في الظل الفصل الأول 1 - بقلم ياسمين عطيه
جلست ليلى في زاوية الغرفة، ضامة ركبتيها إلى صدرها، وعقلها يدور بأقصى سرعة. عينيها شردت في الحائط، لكن في الحقيقة، لم تكن ترى شيئًا. كانت ترى ماضيها، ترى أمها المنهكة بعد يوم شاق في المصنع، يديها المتشققة وهي تمسح عرقها بحافة طرحتها البالية، وترى أختها التي تزوجت منذ عام وما زالت غارقة في الديون.
"إيه يا ليلى، هتفضلي طول عمرك كده؟ بتبيعي مناديل وبتستخبي في بطانية مهلهلة؟"
حست بقلبها يدق بسرعة وهي تبلع ريقها بصعوبة، إدراكها بدأ يتغير. المهمة دي خطر، مش مجرد كلام مرعب من عدلي. سنة كاملة وسط أخطر عصابة في البلد ولو اتكشفت ممكن يصفوها. سنة هتختفي فيها عن أهلها وعن حياتها وهترجع وهي مطلقة. سنة هتبقى لوحدها مش هينفع تقول لأي حد أي حاجة. بس لو قبلت… كل حاجة هتتغير.
***
القاعة كانت واسعة، بس فيها برودة غريبة، مش برودة التكييف، لا.. برودة المكان نفسه، كأن الجدران مابتعرفش الرحمة. الكرسي المعدني اللي قاعدة عليه ليلى كان مخلي ضهرها متشنج، وإيديها متشابكة في محاولة تهدئة نفسها، بس عقلها كان شغال بأقصى سرعته. الباب اتفتح بهدوء، عكس التوتر اللي في الجو. راجل في منتصف الأربعينات دخل، نظراته حادة، وهيبته مابتحتاجش تعريف. كان عدلي، المسؤول الكبير هنا.
ليلى بخوف، وهي بتبص حوالين المكان:
"إنتو جايبني هنا ليه يا باشا؟ أنا ما عملتش حاجة، أنا بنت غلبانة ببيع مناديل في الإشارة… لو ده ممنوع، والله ما تشوفوا وشي تاني!"
عدلي وهو بيقعد قدامها:
"طبعًا لازم تسألي نفسك إيه اللي جابك هنا."
ليلى بصوت مهزوز ممزوج ببعض المرح:
"ماظنش إنكم بتلموا الناس الغلابة عشان تسألوا عن أحوالهم."
عدلي بابتسامة خفيفة:
"دمك خفيف.. حلو، لإنه هينفعك."
ليلى وهي بتبلع ريقها:
"يعني إيه؟"
عدلي وهو بيحط ملف قدامه:
"ليلى صلاح.. ٢٢ سنة.. بنت مكافحة.. أمك ست عظيمة، وأختك متجوزة ومزنوقة في ديون. شغالة في كذا حاجة عشان تصرفوا، بس الغُلب مش سايبكم."
ليلى بصوت ضعيف:
"عايز مني إيه؟"
عدلي وهو بيقرب لها:
"عايزينك في مهمة.. خطيرة جدًا."
ليلى وهي بتضحك بسخرية:
"آه طبعًا، أنا جاسوسة كبيرة وأخطر من جيمس بوند."
عدلي وهو بيتجاهل تهكمها:
"فيه عملية كبيرة، والعنصر النسائي اللي يدخل فيها لازم يكون عنده مواصفاتك."
ليلى:
"مواصفاتي؟"
عدلي وهو بيقفل الملف:
"دمك الخفيف.. قدرتك على التعامل مع أي حد.. والأهم إن مافيش أي ملف إجرامي عليك، يعني مش هتشكي فيكي العصابة اللي عايزينك تتجسسي عليهم."
ليلى وهي بتشد نفسها للخلف:
"لا لا لا.. أنتم أكيد بتهزروا! أنا مالي بالكلام ده؟"
عدلي وهو بيرمي ورقة قدامها:
"نص مليون جنيه في حسابك.. بيت ملك.. تأمين لأهلك.. والمهمة مدتها سنة واحدة بس."
الرقم كان صادم.. عقلها دار بسرعة، سنة واحدة؟ مبلغ زي ده؟ أختها تخلص من الديون، أمها تعيش في بيت بدل الإيجار، بس في نفس الوقت، دي مخاطرة بحياتها.
ليلى وهي بتهمس:
"لو رفضت؟"
عدلي وهو بيتراجع في كرسيه:
"محدش بيرفض."
لحظة صمت خيمت على المكان، ليلى خدت نفس عميق، حست إنها في مفترق طرق. بس صوت الباب وهو بيتفتح قطع تفكيرها. كان أركان. طويل، وسيم، جذاب عنده قوة حضوره، عيونه باردة، مابتظهرش أي مشاعر، كأنه مش مهتم بأي حاجة… جسمها انتفض، عيونها اتفتحت على آخرها من هبته، أول مرة تشوف حد بالجاذبية دي.
عملت صوت تصفيرة ببقها غصب عنها وقالت باندهاش:
"ايه الجمال ده كله يا بت يا ليلي دا انا ما كنتش بشوف رجاله قبل كده"
أركان بصوت هز المكان:
"اسكتي! مش عايز أسمع صوتك!"
ليلى بسرعة:
"انت تؤمر يا باشا!"
أركان وهو بيبص لعدلي بحدة:
"إنت قلت لها المفروض تعمل إيه؟"
عدلي بضحكة:
"هي مدياني فرصة يا أركان، دي ما بطلتش رغـي!"
أركان بجدية وهو بيبصلها:
"بصي، عندك فرصة ذهبية، بس لو ضيعتيها، تبقي أغبى من ما باين عليكي."
عدلي بجدية:
"المهمة دي مدتها سنة، هتختفي عن أهلك تمامًا، هتعيشي دور مزيف كزوجة لواحد من رجالتي…"
ليلى بسرعة وهي بتغمز لأركان:
"لو إنت، أنا موافقة!"
أركان بحدة:
"لمي نفسك يا بت."
عدلي بنفاد صبر:
"احنا مش بنهزر، عصابة مخدرات وسلاح، أخطر ناس في البلد، وإنتي وأركان هتدخلوا في وسطهم. دي فرصتك تغيري حياتك وحياة أهلك للأبد!"
ليلى تحت تأثير الصدمة عقلها كان بيحاول يستوعب الكلام اللي سمعته… الموت؟ خطر؟ دي مش لعبة… دي مش شغلانة سهلة، بس… البيت؟ أمها؟ دين أختها؟
ليلى بتوتر:
"واحدة واحدة يا باشا… اللي بتقوله ده… ده أكبر مني بكتير!"
عدلي بقوة:
"بالعكس! انتي بنت ذكية وعندك مهارة التعامل مع الناس، ودي فرصة مش هتتكرر!"
ليلى وهي بتحاول تستوعب:
"طب ولو رفضت؟"
عدلي ببرود:
"هترجعي لحياتك، تبيعي مناديل، تشوفي أمك بتتعب كل يوم، وأختك تسدد في دينها سنين طويلة… انتي اللي بتحددي مصيرك!"
***
ليلى تقرر بشروطها. عينها اتفتحت وهي بتفكر… سنة واحدة، في مقابل حياة جديدة تمامًا؟ بلعت ريقها، حسّت بدقات قلبها بتعلى… وفجأة، أخدت نفس عميق وقالت بحزم:
"موافقة… بس ليّ شرط!"
عدلي:
"شرط؟"
ليلى بثقة وهي تبص لأركان:
"أنا بنت غلبانة، ومهما كان، أمي ليها حق تفرح ببنتها بيوم زي ده… عاوزة فرح حقيقي، الناس كلها تتكلم عنه!"
أركان باندهاش:
"إنتي جاية تحققي أحلامك هنا؟!"
ليلى بضحكة خفيفة:
"أمي الست الغلبانة، تستاهل تفرح بيا يوم واحد قبل ما أختفي سنة والله أعلم هرجع لها عايشة ولا لا!"
عدلي وهو بيبتسم بثقة:
"تمام… عندك 12 ساعة تفكري، الصبح هتكوني قدام المقر وإديني قرارك الأخير اللي انا عارف هو ايه. كل حاجة واضحة قدامك يا تقبلي المهمة، يا.."
ليلى قاطعته بسرعة وخوف:
"يا إما إيه؟ هتقتلوني؟"
أركان وهو بيرمقها بنظرة جانبية:
"لا.. بس هتكملي حياتك في زنزانة، مع اتهام ممكن يخليكي ما تشوفيش الشمس تاني."
ليلى حست بقلبها بيدق بسرعة، الموقف كان أكبر منها، بس الحلول كانت محدودة جدًا. أخذت نفسًا عميقًا، وبصوت منخفض:
"هو انتم كده المفروض مديني حرية الاختيار ولا هاجي ولا هروح بكره يا باشا وزي ما انت قلت كل حاجه واضحه انا هعمل كل اللي انتم هتطلبوا مني وفي المقابل لازم تجبروا بخاطر امي بكره تيجي حضرتك وابنك وتطلبوني من مامتي اكنها جوازه طبيعيه طبعا انا هحاول افهمها ان احنا مستعجلين عشان انت مسافر بسبب ظروف شغلك واني هسافر معاك بشنطه هدومي بس لان المكان اللي انت بتشتغل فيه مديينك شقه فيها كل حاجه وجاهزه من مجاميعه عشان ما تقوليش ايه الجوازه البيعه والشروه دي امي وانا عارفاها هتحس ان الموضوع مش طبيعي والجوازه دي وراها حاجه ثانيه يا رب يدخل عليها الموضوع وصح تبقى قل لامي ان انت شفتني في اشاره المرور من فتره واعجبت بيا بس انت كنت مستني ظروف شغلك تستقر."
عدلي بتأكيد وحسم:
"برافو عليك، دماغك شغالة صح تمام. استنينا بكره الساعة 5:00 وعايزك تقولي لمامتك ان الفرح هيبقى بعده بكرة بالكتير."
ليلى بحزن وبتريقة:
"مش كتير قوي يومين."
عدلي:
"ما فيش وقت، احنا كده متأخرين. انا لو اعرف ادخلكم بكرة في المهمة انا هعمل كده."
***
(في مكتب عدلي بعد مغادرة ليلى)
أركان وهو بيقف قدام عدلي وإيديه في جيوبه:
"مافيش غيري؟"
عدلي وهو بيزفر ببطء:
"مافيش غيرك ينفع للمهمة دي، وأنت أكتر واحد كفء ليها."
أركان بصوت بارد:
"وأنت عارف إنك بتعطل حياتي الشخصية؟"
عدلي وهو بيحاول يخفف التوتر:
"عارف إنك بتحب يارا بنت عمك، وعارف إن الخطوة دي هتبقى صعبة عليك، بس هحاول أتكلم معاها وأفهمها إن الجواز ده مجرد شغل.. على الورق بس."
أركان:
"مافيش حاجة اسمها على الورق.. في الآخر كل حاجة بتسيب أثر."
عدلي وهو بيحاول يبرر:
"شوفها من ناحية تانية.. سنة وهتخلص، وهترجع لحياتك، وهتبقى الأفضل."
أركان وهو بيمسح وشه بإيده:
"أتمنى الكلام ده يكون صح."
***
في فيلا فخمة لعائلة أركان، قاعة استقبال أنيقة. الجو مشحون بتوتر واضح، وفريدة واقفة بثبات، لكن عينيها مليانة غضب وقلق.
فريدة بصوت حاد وهي تبص لعدلي بحدة:
"إنت بتستهبل يا عدلي؟ إنت عايز ابني الوحيد يتجوز واحدة من الشارع عشان مهمة؟!"
عدلي بنبرة هادية لكن حازمة:
"أنتِ عارفة إن دي مش جوازة حقيقية، ده تمويه عشان نقدر نوصل للعصابة دي!"
فريدة بصوت متحشرج من الغضب:
"تمويه! بتهزر؟! أربيه وأكبره وأحافظ عليه، وفي الآخر أكتشف إنك واخده في لعبة قذرة زي دي؟!"
أركان بحزم:
"ماما، اسمعيني… دي مش لعبة، دي شغلي، وأنا مش هتهرب منه!"
فريدة بصدمة وهي تبص له:
"يعني إنت موافق على الجنون ده؟!"
أركان بتنهد وهو بيحاول يسيطر على غضبه:
"ماما، الموضوع أكبر من مجرد زواج شكلي، دي قضية أمن قومي، وحياتي كلها شغل زي ده، مش جديد عليكي!"
فريدة بانفعال وهي تتوجه ناحية عدلي:
"أنتَ استغليت إخلاصه ليك، وعارف إنه مش هيرفضلك طلب! لكن إنت عارف كمان إن ليه خطيبة… حبيبة عمره! كده بتخرب بيته بيدك!"
عدلي وهو بيحاول يوضح بهدوء:
"أنا مقدر ده، بس يارا لازم تفهم إن أركان مش راجل عادي… هو ظابط في جهاز حساس، حياته مش زي حياة أي شخص تاني."
فريدة بصوت مرتعش، لأول مرة تظهر ضعفها:
"أنا ربيت ابني على الشرف والمسؤولية، بس مش على حساب حياته! دي مخاطرة مش مضمونة، ولو حصل له حاجة…؟!"
عدلي بنبرة جادة:
"أنا بوعدك إنه هيرجع لك سالم، لكن البلد محتاجاه في المهمة دي!"
فريدة وهي تحاول تسيطر على مشاعرها:
"وإيه المقابل؟ تبعده عن خطيبته؟ تحطه في وسط ناس مجرمين؟ وتطلب منه يمثل الحب والزواج؟!"
أركان بجدية:
"ماما، أنا مش بحب غير يارا، وده مش هيتغير، دي مجرد ورقة وقضية هخلصها وارجع."
فريدة بعد لحظة صمت وهي تبص في عينه:
"وإنت ضامن؟ ضامن إنك مش هتتعلق بالحياة اللي هتعيشها؟ بالبنت اللي هتبقى معاك في كل لحظة؟ ولا هي مجرد ورقة على الورق، ولما تيجي لحظة الحقيقة هتلاقي نفسك مش قادر تمشي؟"
أركان بتوتر وهو يحاول يهرب من نظرتها:
"أنا عارف نفسي!"
فريدة بمرارة:
"أنا مش موافقة… ولو يارا عرفت، مش هتسامحك!"
عدلي وهو يحاول يخفف من حدة التوتر:
"خدي وقتك، بس في الآخر، القرار مش بتاع حد غير أركان!"
فريدة بصوت ضعيف لكنه مليان حزن:
"ربنا يكون في عونك يا ابني، بس لما ترجع… هتكون نفس الشخص؟ ولا هتكون حد تاني؟!"
المشهد ينتهي بصمت ثقيل، وأركان واقف بين نظرات أمه القلقة، وصوت عدلي العقلاني، وقلبه اللي بدأ يحس بثقل المهمة أكتر من أي وقت فات…
***
في كافيه هادئ، إضاءة خافتة، وزحمة خفيفة حوالين الترابيزات. أركان قاعد في ركن بعيد، عينه على الباب وهو مستني يارا توصل. قلبه مش مرتاح، لأول مرة يحس إنه هيدخل في حرب مش متأكد إنه هيخرج منها بنفسه.
يارا بتدخل بخطوات سريعة، ملامحها جميلة لكن فيها لمحة توتر:
"أركان، مالك؟ صوتك في التليفون ما كانش مطمّن خالص!"
أركان وهو بياخد نفس عميق، وعينه ثابتة عليها:
"يارا، أنا عايزك تسمعيني للآخر، مهما كان اللي هقوله صعب."
يارا بتتراجع بخوف، نبرة صوته مش طبيعية:
"إيه في إيه؟ متخوفنيش، قول بسرعة!"
أركان وهو بيشاور للنادل يجيب لها حاجة تشربها، كأنه بيحاول يطول الوقت:
"الموضوع حساس… وعايزك تبقي هادية."
يارا بقلق:
"أركان، اتكلم! إنت بترعبني!"
أركان بعد لحظة صمت:
"في مهمه جديدة… ولازم أبقى متجوز عشان أدخل فيها."
يارا بتضحك بصدمة، كأنها سمعت حاجة مستحيلة:
"إيه؟ متجوز؟ قصدك إيه يا أركان؟!"
أركان بصوت هادي لكن حاسم:
"يا يارا، دي مهمة سرية… لازم أظهر كراجل متجوز… وهيكون جواز على الورق بس."
يارا بصوت عالي وهي بتسحب إيدها بعيد عنه:
"جواز على الورق؟! إنت بتهزر؟ دي حياتي! أنا خطيبتك! إزاي تفكر في حاجة زي كده؟!"
أركان بحزن، وهو ماسك أعصابه:
"يارا، دي مش بإيدي، ده شغلي، وأنا عمري ما اخترت حياتي زي أي حد تاني."
يارا وهي بتحاول تستوعب:
"وهي مين البنت دي؟!"
أركان وهو بيبلع ريقه:
"بنت… من الشارع، عشان المهمة."
يارا بعينين مليانة دموع وصدمة:
"يعني مش بس هتتجوز، دي كمان بنت من الشارع؟!"
أركان بيحاول يهديها:
"يارا، أنا بحبك إنتي، ودي مجرد خطة، بعد سنة كل حاجة هترجع زي ما هي."
يارا وهي تهز رأسها بعدم تصديق:
"زي ما هي؟ يعني إنت متخيل إني هستنى سنة، وأنت متجوز على الورق من بنت غيري؟ وهي هتعيش معاك؟!"
أركان بصوت متحشرج لأول مرة يحس إنه مش قادر يلاقي رد مقنع:
"يارا، أنا مضطر، ومش عايز أخسرك."
يارا بضحكة فيها مرارة:
"مش عايز تخسرني؟ خلاص يا أركان، أنا هساعدك… هريحك من القرار ده وأقولك أنا مش موجودة في حياتك بعد النهارده!"
أركان وهو بيقف بسرعة ويمسك إيدها يحاول يهديها:
"يارا، استني، أنا بحبك، وكل ده مؤقت!"
يارا بعينين مغرقة بالدموع وهي بتسحب إيدها بعنف:
"مؤقت بالنسبة لك، بس بالنسبة لي… ده انهيار لكل حاجة بنيتها معاك! مع السلامة يا أركان!"
يارا بتطلع بسرعة من الكافيه، ودموعها بتجري على خدها، وأركان واقف مكانه، عارف إنه خسر جزء كبير من حياته، بس في نفس الوقت… ما كانش عنده اختيار!
***
في فيلا عائلة يارا، غرفة المعيشة. الساعة تجاوزت منتصف الليل، والبيت في هدوء غريب. باب الفيلا اتفتح بعنف، ويارا دخلت وهي مكحولة الدموع، عيونها حمرا ووشها شاحب، بتاخد أنفاس متقطعة من كتر البكاء.
غادة (شهقت بخوف وهي بتجري عليها):
"يارا! مالك يا بنتي؟ إيه اللي حصل؟!"
يارا (بصوت مخنوق، وهي بترمي نفسها في حضن أمها وبتنهار في بكاء هستيري):
"ماما.. مش قادرة.. مش قادرة أصدق!"
غادة (بتحاول تهديها، لكن قلبها مقبوض من شكلها):
"في إيه؟ حد ضايقك؟ أركان عملك حاجة؟"
يارا (رفعت راسها بحدة وهي بتصرخ):
"أركان خلاص.. مش ليا يا ماما!"
غادة (اتسعت عيونها بعدم استيعاب):
"إيه؟! بتتكلمي عن إيه؟"
قبل ما يارا ترد، صوت رجولي هادي لكنه قاطع جه من عند السلم.
عماد (بهدوء وحزم وهو بيتقدم ناحيتهم):
"يارا، اهدي شوية.. وخلينا نتكلم بعقل."
غادة (بغضب وهي بتبص له بشك):
"إنت عارف حاجة؟!"
يارا (نظرت له بعيون مليانة ألم واتهام):
"بابا.. انت كنت عارف، مش كده؟! عارف إنه هيسيبني عشان المهمة دي، وعارف إنه هيجوز بنت تانية؟"
غادة (شهقت بدهشة وهي بتبص لجوزها باستنكار):
"جواز؟! أركان هيتجوز؟!"
يارا (بمرارة وهي تمسح دموعها بعنف):
"آه يا ماما.. وهيفضل سنة كاملة بعيد عني، مع واحدة تانية!"
غادة (بصوت مليان غضب ورفض):
"إنت مستحيل تكون وافقت على حاجة زي دي، مش كده؟!"
عماد (تنهد بثقل، وحاول يفضل هادي وهو يقعد على الكنبة قدامهم):
"اسمعيني الأول، وبعدين احكموا."
غادة (بصوت عالي وانفعال واضح):
"تحكم في إيه؟ دي بنتك وده ابن اخوك، والمفروض يبقى جوازه عن حب، مش عشان شغل!"
يارا (بصوت متهدج، وهي بتحاول تستوعب الموضوع):
"ليه ما اخترتونيش أنا؟ أنا كنت هدخل المهمة معاه، كنت هعمل أي حاجة، بس ماكنتش هسيبه!"
عماد (هز راسه بأسف):
"المهمة دي مش مجرد تمثيلية، دي خطر حقيقي. الناس اللي هيروح لهم مجرمين، وأي غلطة هتبقى حياتكم تمنها. انتي بنتي، ومستحيل أوافق تدخلي في حاجة زي دي."
غادة (بعصبية وهي تهز راسها):
"ولاد الناس تدخل؟! البنت دي أهلها راضيين؟!"
عماد (بهدوء لكنه صارم):
"ليلى ما عندهاش حد يمنعها، وما عندهاش حاجة تخسرها.. وده اللي بيخليها المرشح المثالي. المهمة دي محتاجة حد يكون مش ملفت للنظر، حد محدش يشك فيه، حد يقدر يندمج وسط العصابة من غير ما يثير أي ريبة.. وده ما كانش هيحصل لو يارا دخلت، لأن العصابة دي هتكتشف بسهولة إنك مختلفة بنت غنية متربية على الراحة والأمان."
يارا (بهمس مليان وجع):
"بس أنا بحبه، وأنا وهو مخططين لحياتنا مع بعض!"
عماد (تنهد وحط إيده على كتفها بحنان):
"وده اللي أركان أكيد حاسس بيه أكتر منك. بس للأسف، فيه حاجات أكبر مننا، أكبر من مشاعرنا.. المهمة دي لازم تتم، ودي الطريقة الوحيدة اللي نقدر نوصل بيها للعصابة دي."
غادة (بغضب وهي تبعد يده عنها):
"أنا مش موافقة، مش هقبل إنو يتجوز واحدة تانية غير بنتي حتى لو كان تمثيل!"
يارا (همست بصوت مكسور وهي تبص في الأرض):
"ولا أنا.. بس شكلي ماليش رأي في الموضوع، صح؟"
عماد (بهدوء لكنه جاد):
"عندكِ 12 شهر تفكري.. وبعدها، لو لسه عايزة تبقي في حياته، محدش هيمنعك. بس دلوقتي، لازم تسيبيه يعمل شغله."
يارا قعدت على الكنبة، حاسة إن روحها بتتسحب منها. أما غادة، فبصت لجوزها بنظرة مليانة رفض، وخرجت من الأوضة وهي بتتمتم بغضب. أما عماد، ففضل قاعد، عارف إن الأيام اللي جاية هتكون أصعب، مش بس على أركان.. لكن على يارا كمان.
***
(حياة أركان)
أركان كان غير عادي في كل حاجة. وسيم بشكل مش طبيعي، جذاب لدرجة إن أي مكان يدخل فيه يبقى مركز الانتباه. وجهه زي تمثال منحوت بعناية، عيونه مش عادية، فيها سحر غريب بيخلي أي حد يتوه فيها، شعره الأسود المرتب على طول كان بيزيده وسامة، وحركاته في كل مكان كانت أنيقة، بسيطة، لكنها مليانة ثقة. جسمه رياضي، مفتول العضلات، وكأن الحياة ما بخلت عليه بحاجة. لكن أكتر حاجة تميزته كانت شخصيته القوية، هو مش مجرد جمال شكلي، لا، هو شخص عنده حضور بيخلي الناس تنظرله بإعجاب، وأحيانا حتى بخوف. أما عن عيلته، فهي من أقدم وأغنى العائلات في مصر، جده كان وزير، بس هو مش من النوع اللي يعتمد على اسم عيلته، هو بدأ من الصفر، وعرف يثبت نفسه في جهاز الأمن الوطني بجدارة وخد مكانة كبيرة. أركان مفيش حاجة تخليه يتنازل عن قيمه. النجاح بالنسبة له مش رفاهية، ده فرض. كان معتمد على نفسه. درس بره، اشتغل على نفسه كويس، ماكنش عايش حياة مدللة، كان دايمًا عنده حاجة يثبتها، وده اللي خلاه متميز. بس ليلى؟ دي حاجة مختلفة تمامًا عن عالمه.
(حياة ليلى)
• ليلى كانت بنت بسيطة، دمها خفيف، ورغم كل اللي عانته في حياتها، كانت دايمًا بتضحك. ضحكتها كانت تخفي وجع السنين، لأنها اتربت في بيئة صعبة. أمها كانت شقيانة وأختها متجوزة على الضيق، وهي كانت المسؤولة عنهم. ما كانش عندها رفاهية الرفض، والفلوس اللي ممكن تغير حياتها من الظلام للنور كانت مغرية، لكن الثمن؟ كان أغلى بكتير مما تخيلت. جمالها مش واضح من أول نظرة. شعرها الطويل كان زي خيوط العسل، لكن مع الحجاب، ما كانش يبان منها غير عيونها اللي كانوا بيشعوا مع كل ضحكة، حتى لو كانت خفيفة، مش قادرة تغطي همومها. ملامحها عادية، مش حاجة تميزها لو شفتها في الشارع، لكن لو شفتها في بيتها، هتحس إن فيها حاجة مختلفة، سحر مش قادر تفسره.
(أصدقاء أركان)
وسط كل ده، فيه ناس دايمًا حواليه، منهم عمر، صديقه المقرب، اللي كان عارف عنه كل حاجة لانه صاحب طفولته شبابه ورافيقه في شغله الاثنين شغالين في امن الدوله.
عمر وهو بيضحك وبيغمز:
"يعني هتتجوز على الورق بس؟ متأكد؟ مش خايف تبقى القصة كلها مجرد إجراء رسمي؟"
أركان:
"عمر، ده مش وقت الهزار."
عمر وهو بينزل إيده باستسلام:
"خلاص، خلاص، طب هتعمل إيه مع يارا؟"
أركان وهو بيتمالك نفسه:
"الموضوع مش زي ما أنت فاكر. حتى لو الجواز “على ورق”، يارا مش هتتقبل ده بسهولة."
عمر وهو بيعبس:
"يعني إيه؟ كنت متوقع إنها هتقتنع؟ انا عارف إن يارا مش زي كل البنات."
أركان وهو بيأخذ نفس عميق:
"مش عايز أقول إنها صعبة، بس يارا مش واحدة بتقبل أي حاجة بسهولة. الموضوع بالنسبة لها مش سهل زي ما هو بالنسبة لي."
عمر وهو بيرتفع حاجبه:
"طيب، لو مش قادر تقنعها بالكلام، هتعمل إيه؟ هتكمل في الجواز ده كده؟"
أركان وهو بيهز رأسه:
"انت عارف يا عمر ما فيش وقت وانا مش قادر أقنعها دلوقتي ويارا محتاجه شويه وقت اسيبها تهدى انا متاكد ان هي تتفهم الوضع بس دلوقتي لازم نركز في الحاجة الأكبر، الموضوع ده أكبر من مجرد “توقيع ورق”."
كل واحد داخل على المعركة بتاعته، ليلى مع خطر أكبر من اللي متوقعة، وأركان مع صراع بين شغله وحبيبته، واللي جاي؟ أخطر بكتير مما حد يتخيل.
رواية زواج في الظل الفصل الثاني 2 - بقلم ياسمين عطيه
في بيت بسيط مكون من أوضتين وصالة وحمام ومطبخ، رجعت ليلى وهي جواها صراع رهيب. أفكار متضاربة شغلت دماغها، مش عارفة القرار اللي خدته ده صح ولا غلط.
ليلى لنفسها (بتنهيدة): أكيد صح... أنا عملت كده عشان ماما، وعشان أميرة. حتى لو مش صح، أنا معنديش حاجة أخسرها. دي فرصة مش هتتكرر تاني في عمري. لو اتجوزت زي أي بنت، حياتي هتبقى زي حياة أميرة... متجوزة مين؟ أكيد واحد زيي، بيبيع مناديل في الإشارة! وبعد السنة؟ هفضل زي ما أنا، لكن لو نفذت المهمة دي، حياتي كلها هتتغير، هضمن مستقبلي ومستقبل أهلي.
صوت جواها همس بسخرية: "غبية! بتضيعي منك فرصة إنك تبقي عروسة، وزي كل البنات، تبقي زوجة وتنامي مطمنة في حضن راجل بيحبك. بتضيعي فرصة إنك تكوني أم في يوم من الأيام."
ليلى (بعناد لنفسها): اللي اتجوزوا خدوا إيه؟ ما أنا هتجوز وهلبس فستان وهيتعمل لي فرح!
الصوت الداخلي ضحك بسخرية: "بتكدبي على نفسك! ده كله شكلي قدام أمك، لكن في الحقيقة مفيش حاجة من ده هتحصل. وبعدين إيه ضمانك إنهم هيعملوا لك فرح أصلًا؟"
ليلى (بسرحان وخوف): ممكن يكونوا بيكدبوا عليا؟ لا... أكيد لا.
قاطع تفكيرها صوت باب أوضتها بيتفتح. دخلت فوزية أمها، وهي بتبص لها بقلق.
فوزية (بتضحك بخفة): مالك يا بنتي؟ اتجننتي ولا إيه؟ بتكلمي نفسك؟
ليلى (بارتباك وكسوف): لا أبدًا، يا ماما... كان في موضوع في دماغي بس قلت أسيبه لبكرة. افتكرتِك نمتي.
فوزية (بتنهيدة وهي بتفرك عينيها): لا، ما نمتش، كنت بخلص شغل على إيدي.
ليلى (بضيق): مش قلت لك يا ماما بلاش شغل بالليل؟ عينيك بقت تعباكي.
فوزية (بحزن): هنعمل إيه يا بنتي؟ أكل العيش مر. المهم، إيه الموضوع اللي كنتِ عايزة تكلميني فيه؟
ليلى (بتحاول تخفي توترها وبتبتسم): بصراحة... في واحد بشوفه كتير، كل فترة والتانية. دايمًا بيبص لي، والنهاردة كلمني وقال لي إنه عايز يتقدّم.
فوزية (بتربط على رجلها بقلق): مين ده؟ استني نسأل عليه الأول. هو أي حد تشوفيه في الإشارة تقولي هتجوزّه؟
ليلى (بتحاول تقنعها بحماس): لا يا ماما، أنا سألت عليه، وهو ابن ناس ومحترم، شغال عند ناس أكابر جدًا، ومبسوطين بيه لدرجة إنهم هيدوله شقة جاهزة للجواز.
فوزية (باندهاش): الدنيا دي مخبّية كتير! بس أنتِ متأكدة من الكلام ده؟ وهو ساكن فين؟ يمكن كل ده كدب وياخدك يبهدلك؟ أنا ما عنديش غيرك أنتِ وأختك، وعايزة أشوفكم مبسوطين. كفاية اللي شافته أميرة في جوازها، مش هشيل همّك أنتِ كمان.
ليلى (بتحاول تهديها وهي بتبتسم): لا يا ماما، ما تقلقيش. إن شاء الله خير.
ليلى (بصوت هادئ وهي تفرك يديها ببعض) بخوف: في حاجة كمان يا ماما هو الصراحة مستعجل على الجوازة، وعايزنا ندخل الخميس الجاي.
أم ليلى (بصدمه وقلق): "الخميس الجاي؟ اللي هو بعد يومين؟ ده، لا، أنا قلبي مش مرتاح. استني يا بنتي، لما نروح نسأل عليه في المكان اللي هو شغال فيه، وأطمن الأول. إحنا هنشتري سمك في ميه؟ وبعدين، ما فيش ضمان إن الشغلانة دي حقيقية."
ليلى (بخوف وهي بتتكلم مع نفسها): "أمال لو عرفت إنه هياخدني ويسافر على طول ومش هتعرفي تشوفيني، هتقولي إيه؟"
أم ليلى (بصوت حاد): "أنتِ فين؟ أنا بكلمك يا بنتي!"
ليلى (بابتسامة مطمئنة): "أنا هنا يا حبيبتي، ما رحتش في حته، ما تقلقيش. لو شفتيه، والله نفسك فيه هترتاحي ليه جدًا، ده جميل قوي، بقولك قمر."
فوزية (بقلق): "طب اوزنيها بعقلك. أنتِ بتقولي عليه قمر، وده يعتبر ظروفه أحسن من ظروفنا. ما تزعليش مني يا بنتي، ما أنتيش قليلة ولا بقلل منك، بس هو هيبص لك ليه؟ ليه، إشمعنا أنتِ؟ ما هو ده اللي قالقني ومخلي الفار يلعب في عبّي."
ليلى (بتضحك عشان تخفف التوتر): ما تقلقيش يا ماما، كل حاجة هتبقى كويسة. يمكن ده عوض من ربنا على اللي إحنا شفناه.
فوزية (بتتنهد): مش مهم أنا ارتاح، المهم أنتِ تبقي مرتاحة. هم هيجوا إمتى؟
ليلى: بكرة الساعة خمسة.
فوزية: تمام، أكون خلصت شغلي، وأختك كمان هتكون خارجة معايا. تحبّي أقول لجوز أختك ييجي في القعدة؟
ليلى (بسرعة): لا، بلاش نعطّله عن شغله. هو هييجي يتكلم معاكي، وهتتفقوا على كل حاجة.
فوزية: تمام يا حبيبتي، تصبحي على خير.
ليلى: وأنتِ من أهل الخير، يا ماما.
فوزية: مش هتتعشي؟
ليلى: لا، كلت حتة قرصة وشبعت. روحي نامي وما تتعبيش نفسك.
ليلى (لنفسها وهي بتحاول تطمّن روحها): أكيد أنا أخدت القرار الصح.
—
في فيلا واسعة، الفخامة فيها بتنطق في كل ركن. عكس الجو البسيط اللي كانت فيه ليلى، هنا المكان كله بينطق بالثراء، بس رغم كده، مفيش راحة! في أوضة أنيقة، قعد أركان على كرسي مكتبه، واضع رأسه بين يديه وهو بيحاول يستوعب اللي بيحصل. الإضاءة الخافتة في الأوضة زادت من جو التوتر، وكان واضح إنه مش في مزاج.
عدلي (بهدوء بس نبرته حاسمة): أنا عارف إنك مش راضي عن المهمة دي، بس مفيش اختيار تاني، يا أركان.
أركان (بيتنفس بعمق وهو بيحاول يسيطر على غضبه): مفيش اختيار؟ إزاي يعني؟ أنت بتطلب مني أدفن نفسي حي، أعيش حياة مش حياتي، وأبقى واحد تاني!
عدلي (بعينين ثابتة): بالظبط، لأن ده المطلوب منك دلوقتي. مش عايز أحلف لك إن نجاح المهمة دي هيكون نقطة تحول كبيرة ليك.
أركان (بيضحك بسخرية): نقطة تحول؟ أنت بتكلّمني كأني لسه في أول الطريق، وأنا خلاص أثبتت نفسي.
عدلي (بنبرة جدية أكتر): أثبتت نفسك، ما اختلفناش... بس دي مش مهمة عادية، دي عملية تحت الطاولة، ولو نجحنا فيها، هتبقى اسمك في مكان تاني خالص.
أركان (وهو بيحرك رقبته بتوتر): أنا فاهم أهمية المهمة، بس الزواج؟ ليه لازم يبقى بالشكل ده؟
عدلي (بيتنهد، بيحاول يشرح لحد عنيد): عشان لازم تكون جزء من المكان، جزء من حياتهم، متغلغل جواهم. العصابة دي مش هتثق في حد جاي من برّه، لازم تبقى واحد منهم، تبقى شبههم، تعيش وسطهم.
أركان (بيتكلم بحدة): وأنت شايف إن جواز مزيف لمدة سنة هو الحل؟
عدلي (بحزم): الحل الوحيد، مش مجرد حل.
أركان (بيسند ضهره للكرسي وبيغمض عينه بإرهاق): وأنت واثق إنها مش هتعمل مشكلة؟
عدلي (بحزم وهو بيبص لأركان): دي أنسب واحدة للمهمة دي، وأنا مش بقول كده من فراغ. أنا مراقبها من فترة طويلة، عارف تحركاتها، طريقتها في الكلام، تعاملها مع الناس... البنت دي من الطبقة دي فعلًا، بتتكلم لغتهم، وبتفكر زيهم، وده بالظبط اللي إحنا محتاجينه عشان المهمة تنجح.
أركان (بشك وهو بيضيق عينه): وأنت متأكد؟ يعني مش هتكون عبء؟
عدلي (بثقة وهو بيميل لقدام): بالعكس، هتكون عنصر قوة، وهتسهل عليك تندمج وسطهم من غير ما تثير أي شكوك. أنت فاكر العملية دي مجرد تمثيل؟ لا، دي لازم تكون واقعية 100%، وأي غلطة ممكن تكشفنا.
أركان (بيتنهد وهو بيعدّل جلسته): تمام... بس أنا مش مسؤول لو حصل أي حاجة غير متوقعة.
عدلي (بابتسامة جانبية وهو بيحاول يطمنه): ما تقلقش، أنا واثق فيك، وواثق إنها.
المهم... الخميس الجاي هيبقى كل شيء جاهز. فكر في ده كويس، لأن بعد ما تبدأ، مفيش رجوع.
أركان (وهو بيتمتم بصوت واطي): مفيش رجوع من الأول أصلًا.
عدلي (بنبرة جادة): الفرح هيتم يا أركان، ولازم يكون فيه صور، مش مجرد قسيمة جواز.
أركان (بيرفع عينه ببرود وهو مستند على كرسيه): وإيه لازمة المسرحية دي؟ الجواز على الورق كفاية.
عدلي (وهو بيرمي الملف قدامه على المكتب): لا، مش كفاية. أنتوا داخلين وسط ناس مش سهلة، ومفروض إنكم متجوزين بقالكم سنة بس، يعني لسه عرسان جداد، طبيعي أي حد يقابلكم يسأل عن صور الفرح، عن تفاصيل اليوم ده، عن أي حاجة تثبت إن جوازكم مش مجرد ورقة في السجلات.
أركان (بهدوء، لكنه بيركّز في كلامه): أنا فاهم احتياجات المهمة، بس أنا عندي حدودي، ومش ناوي أتجاوزها.
عدلي (بنبرة هادية لكن حازمة): حدودك دي لو هتضر العملية، يبقى لازم تعيد حساباتك.
أركان (بيتأمل الملف للحظات، قبل ما يتكلم ببرود واضح): ويارا؟
عدلي (عارف هو بيسأل ليه، فبيجاوبه مباشرة): يارا محتاجة وقت، لكن في النهاية، هي مش هتسيبك.
أركان (بهدوء، لكن في نبرة وراها حاجات كتير): أنا مش عايز أعمل حاجة زي دي.
عدلي (وهو بيتنهد): مش مطلوب منك تعمل حاجة مش محترمة، ولا حاجة خارج شغلك... بس الفرح ده جزء من التغطية بتاعتك، وأي تفصيلة ناقصة ممكن تكشفك، وأنت أكتر واحد عارف ده.
أركان (بيرمي القلم اللي كان بيلعب بيه على المكتب، وبيقوم واقف وهو بيحط إيديه في جيوبه، نبرته تقيلة وباردة كعادته): تمام... بس ما تتوقعش إني هتصنع مشاعر مش موجودة.
عدلي (بابتسامة خفيفة وهو بيحس إنه أقنعه): محدش طالب منك حاجة أكتر من إنك تلعب الدور صح.
أركان (بهدوء وهو بيبعد عن المكتب): هتصرف.
في المساء في بيت ليلى
في صالة صغيرة بس منظمة، وفيها لمسات بسيطة تدل على تعب السنين. فوزية قاعدة على الكنبة، وشها متجهم وعيونها كلها قلق، بتبص ناحية الباب كل شوية. ليلى قاعدة جنبها، بتحاول تظهر هدوء، بس جواها زلزال مشاعر متلخبط.
فوزية (بصوت قلق وهي بتتكلم مع بنتها): مش مرتاحة للموضوع ده، يا ليلى. إحنا ناس على قدنا، والناس اللي في المستويات دي ما بيجوش يتجوزوا بنات زينا.
ليلى (بتحاول تطمنها): ماما، هو أركان راجل كويس، مش زيه زي الباقيين، وبعدين هو مش جاي لوحده، أبوه معاه، ودي حاجة تطمن.
فوزية (بتكتم التوتر وهي بتظبط طرحتها): نشوف، ربنا يستر بس.
بعد دقائق، بييجي عدلي وأركان...
عدلي وأركان ماشيين في الحارة بهدوء، لبسهم بسيط، كأنهم ناس مستواهم عادي، أركان لابس قميص غامق وبنطلون عادي، عدلي لابس بدلة بس شكلها مش ملفت.
الحارة هادية، والعيال الصغيرة بتلعب عند مدخل البيت.
فوزية بتفتح الباب بحذر، نظرتها كلها تفحص وترقب.
عدلي بيتكلم بهدوء وابتسامة بسيطة وهو بيحاول يكسب ثقتها.
عدلي (بهدوء محترم وهو بيحط إيده على صدره تحية): مساء الخير.
فوزية (بصوت متحفظ): أهلًا، اتفضلوا.
أركان بيدخل وراه، نبرته هادية، مش ودودة بزيادة، لكنه واضح إنه شخص متزن. بيقعد قدام فوزية وهو بيبص لها مباشرة، مش بيتجنب نظرتها.
عدلي (بهدوء وهو بيبدأ الكلام): إحنا ناس لا بنلعب ولا بنلف وندور، جايين نتكلم في الحلال، وأركان شاف ليلى وعجبته، وعايز يتجوزها.
فوزية (بشك وريبة وهي بتبص لهم): وماله؟ شاب وسيم وأهله أكيد ناس مستريحين... ليه بنتي بالذات؟
أركان (ببرود لكنه واضح): عشان مختلفة، مش زي أي حد.
فوزية (بنبرة مش مقتنعة): مختلفة في إيه يعني؟
عدلي (بابتسامة بسيطة): عندها شخصية وبنت محترمة وعندها أخلاق، عارفة حدودها، ومكافحة ودي حاجة مش سهلة تلاقيها دلوقتي.
فوزية بتسكت لحظة وهي بتبص لبنتها، بتحاول تفهم المشهد أكتر. ليلى بتاخد نفس وتحاول تبان متماسكة، بس قلبها بيدق بسرعة.
فوزية (بصوت أخف حدة): والجواز إمتى؟
عدلي (بنبرة هادية لكنها حازمة): الخميس الجاي، لازم يتم بسرعة.
فوزية (بصدمة): الخميس؟! ليه الاستعجال؟
عدلي (بحسم وهو بيبصلها بثقة): مفيش حاجة تستدعي التأجيل، وأركان مسافر شغل بعد الجواز بفترة قصيرة، فمش عايز يسيب ليلى قبل ما يكون في بينهم صلة رسمية.
فوزية (بتبص لليلى بتردد): أنتِ موافقة، يا بنتي؟
ليلى (بهدوء، لكن في عينها خوف داخلي): أيوه، ماما.
فوزية بتاخد نفس طويل، مش مقتنعة تمامًا، لكن كلام عدلي وأركان منطقي، والأهم إنها مش عايزة تكسر بنتها لو هي راضية. بعد تفكير بتقول:
فوزية (بنبرة مترددة): خلاص... بس على بركة الله.
بعد ما مشيوا وفي أوضة ليلى، أميرة قاعدة على السرير، وهي بتقشر تفاحة وبترفع حاجبها وهي بتبص لأختها بريبة.
أميرة (بتتريق): يعني إنتِ عايزاني أصدق إن جالك عريس بالسرعة دي؟ وهو يا عيني كان مستني اللحظة اللي يشوفك فيها ويطلبك فوري؟
ليلى (بتحاول تمسك أعصابها): أميرة، هو نصيب، متحاوليش تعملي فيها محققة.
أميرة (وهي بتغمز بعنيها): نصيب إيه بس، يا بنتي؟ إنتِ بتخبي حاجة، وأنا مش هسيبك غير لما أعرف القصة الحقيقية.
ليلى (بتتنهد وهي بتحاول تهرب من الموضوع): مفيش حاجة، بلاش تفكير مالوش لازمة.
أميرة (بتغمز بضحكة خبيثة): هنشوف... بس أنا هراقب الوضع، ولو لقيت حاجة غلط، هبقى أول واحدة أعرف.
ليلى بتبتسم بس جواها توتر، لأنها عارفة إن أميرة مش سهل تضحك عليها، وإنها ممكن تحس بأي حاجة غريبة.
فريدة كانت قاعدة في الصالون، وعينيها مليانة حزن، مش قادرة تستوعب اللي بيحصل. لما شافت عدلي ومنصور داخلين باللبس اللي مش لائق بمكانتهم، ارتسمت على وجهها ملامح من القلق والتوتر.
فريدة (بتنهد وبصوت منخفض): إزاي ده يحصل؟ ده مش المفروض، مش ده مستوى ابني. ليه تلبسوا كده؟ ليه تحطوا نفسكم في الموقف ده؟
كانت كلماتها مليانة ألم، مش سخرية. فريدة كانت بتحس بقلق على أركان، ودايمًا خايفة عليه. عشان هي ما كانتش شايفة الجواز ده مناسب له، حتى لو كانت عارفة إن ده جزء من المهمة اللي مش قادرين يهربوا منها.
فريدة (بتكمل بحزن): ابني مش مفروض يكون في موقف زي ده، ماينفعش يكون كده. أنا مش قادرة أتخيل إزاي هيعيش معايا في حياته بعد ما يتجوز واحدة زي دي. ده مش مكانه، مش دي اللي تستحقه.
أركان حس بالألم في صوتها، بس حاول يهدئها.
أركان (بصوت هادئ، لكن حازم): أنا فاهم قلقك يا ماما، بس ده جزء من المهمة، ومفيش بديل.
دخل جد أركان، الوزير، ووقف في المنتصف.
الوزير (بصوت حاسم): فريدة، كفاية كده! خلي الموضوع ده يخلص بسلام. دي مهمة قومية، والمهم إنها تتحقق. مفيش وقت نضيع فيه في سخافات زي دي.
فريدة حاولت ترد لكن عماد، والد يارا، تدخل هو كمان.
عماد (بهدوء، لكن بنبرة حازمة): أنتِ حقك تكوني متوترة، فريدة، بس ده مش وقت تتكلمي في الحاجات دي. يارا كانت وستظل جزء من العيلة. أنا موافق على الجواز ده، ولقيت إنه هيفيدنا في المهمة اللي بنخطط ليها من سنين. لو الموضوع ده مش عاجبك، فالمهمة أهم.
كان الجو متوتر، وكل واحد فيهم كان يحاول فرض رؤيته، لكن في النهاية، كانوا متفقين على الشيء الأهم: المهمة.
وجينا للحظة الحسم وبداية قصتنا في فرح شعبي في الشارع كان مليان بالأضواء، الموسيقى عالية، وضحكات الناس بتملأ المكان. كان فرحًا بسيطًا بس عامل ضجة، لأنه مش مفهوم. ناس بتهمس، وناس بتبص باستغراب، وناس بتتريق من ورا الضهر. كل واحد عنده حكاية عن العريس والعروسة، وكل العيون عليهم.
أركان... العريس اللي سرق الأنظار، واقف بطوله وهيبته، البدلة السودا الكلاسيك زادته جاذبية، واللون الأبيض اللي في قميصه كان بيبرز ملامحه الوسيمة. شعره مسرح بدقة، ولحيته المشذبة كانت بتديه طابع القوة والوقار. عيونه كانت ساكنة، باردة زي العادة، مفيهاش أي لمعة فرح، وكأنه واقف على خشبة مسرح بيمثل دور العريس اللي مش عايز يكون هنا. كان ممكن يتصور في مكان مختلف، مع شخص مختلف، في لحظة حقيقية، مش جزء من خطة مرسومة.
ليلى... العروس اللي انقلبت حياتها في لحظة، بفستانها الأبيض البسيط اللي كان مناسب لقوامها، كانت أجمل مما تخيلت وملامحها الناعمة، والميكب الرقيق زادها نور. كانت جميلة... بس مش سعيدة. جواها خوف، قلق، إحساس إن الليلة دي مش البداية اللي كانت بتحلم بيها، بل بداية لشيء مجهول. عيونها بتدور في الفرح، بتشوف نظرات الناس، بتسمع الهمسات، بتحس بالسخرية في بعض العيون، والغيرة في عيون تانية.
فوزية... الأم اللي قلبها مش مطمن، كانت واقفة في ركن، نظراتها بتتنقل بين بنتها وبين العريس اللي مش فاهمة إزاي جه يتجوزها. من قلقها كانت واقفة قلقانة، مش قادرة تصدق إن بنتها في اللحظة دي، مش مستوعبة إنها هتسيبها وتروح لبيت راجل مش عارفة عنه حاجة. ليلى بنتها الصغيرة، البنت اللي عمرها ما كانت تتخيلها في فرح بالشكل ده، وسط ناس غريبة، من غير أهل العريس، من غير أي مشاعر بين الطرفين.
أميرة... الأخت اللي مش مقتنعة، وقفت جنب ليلى، كانت بتحاول تبين إنها مبسوطة، بس الدموع فضحتها. كانت حاسة إن أختها بتتسحب من حياتها لحاجة مش مفهومة، وده مش عادي. ليلى كانت دايمًا جنبها، وفجأة، هتروح لشخص مش عارفين عنه غير إنه غامض جدًا.
الناس... الهمسات اللي مش بتسكت:
"العريس ده جابته منين؟ ده أكيد مش من هنا."
"العريس ده مش مصري، ده أكيد من برا وجاي ياخدها ويسافر."
"أكيد الفلوس لعبت لعبها، البنت دي أكيد مسكت عليه حاجة!"
"وقعت عليه فين؟ ده..."
"يا أختي تلقاه جواز بيع وشروة."
كل كلمة، كل همسة، كل نظرة كانت بتقطع في ليلى، وبتزيد البرود في ملامح أركان. هو عارف إن الليلة دي تمثيلية، لكن ليلى... ليلى جواها كان حاجة تانية.
الرقصة الرومانسية... تمثيلية ولكن!
الموسيقى الهادئة بدأت تعلو في الفرح، وكعادة أي فرح، لحظة الرقصة الأولى للعروسين كانت لازم تحصل. الناس كلها منتظرة اللحظة دي، مستنيين يشوفوا العريس والعروسة وهما بيرقصوا سوا.
ليلى وقفت قدام أركان، قلبها بيدق بسرعة، مش عارفة تتعامل مع اللحظة دي إزاي. هي حتى مش عارفة تحط إيديها فين. لكن أركان، كعادته، كان هادي، بارد، ثابت. مد إيده ليها، نظرة صامتة منها، وبعدها حطت إيدها بتردد في إيده الكبيرة.
أركان (بصوت واطي وهو بيشدها ناحيته): امشي معايا، متتوترتيش.
حط إيده التانية على وسطها، خلى المسافة بينهم مش كبيرة أوي، بس مش قريبة كفاية عشان تبقى لحظة حقيقية. لكن ليلى، في اللحظة اللي حست فيها بلمسته على ضهرها، حست بشيء غريب. حاجة مش مفهومة، مش راحة، مش خوف، حاجة وسط بين الاتنين.
اتحركوا مع بعض على أنغام الموسيقى، مشهد قدام الناس يوحي إنهم في حالة رومانسية، لكن في الحقيقة، كل واحد فيهم كان في دوامة أفكاره.
ليلى (بصوت واطي وهي مش قادرة ترفع عينيها فيه): إحنا بجد في اللحظة دي؟
أركان (ببرود وهو بيبص بعيد): دي لحظة ولازم نعديها.
لكن اللي ماخدوش بالهم منه، إن وسط الرقصة، ولحظة ما ليلى اتلخبطت في خطواتها، أركان مسكها بسرعة، شدها ناحيته، خلاها أقرب مما المفروض يكون.
ليلى (بأنفاس متسارعة، وهي حاسة بقربه المفاجئ): أنا... آسفة...
أركان (بهدوء، لكن نبرته كان فيها شيء مختلف): أنتِ مش متعودة على الحاجات دي، عادي.
لكن عادي دي ماكنتش عادية. عينيه اللي كانت ثابتة ببرود طول الوقت، للحظة بقت مختلفة. كأنه شاف حاجة، كأنه حس بحاجة، لكن بسرعة رجع الماسك اللي دايمًا بيخليه متحكم في كل حاجة.
الجمهور كان بيصفق، الناس كلها شايفة إن الرقصة دي فيها رومانسية، فيها حب. لكن الحقيقة... كانت فيها توتر، فيها صراع بين قلبين مش فاهمين هم فين بالضبط.
بعد الرقصة، المصور جه يطلب من العروسين ياخدوا صور للذكرى.
أركان كان واقف بثبات، مبتسم ابتسامة محسوبة، وليلى جنبه، مش عارفة تتعامل مع اللحظة دي إزاي.
المصور (بحماس): "يلا صورة بوسة على الجبين كده للعروسة، عشان الذكرى!"
ليلى اتجمدت مكانها، فتحت بوقها تحاول تعترض، لكن قبل ما تتكلم، أركان قرب منها، وفي ثانية، حط إيده على خدها، لمسها لمسة خفيفة، وانحنى ناحيتها.
بوسة خفيفة على جبينها... لكنها كانت كافية إنها تحسسها إنها مش قادرة تاخد نفس.
ليلى (في سرها وهي مغلقة عينيها): "إيه اللي بيحصل؟ ليه إحساسي مختلف؟"
الناس سقفت، الصور اتاخدت، لكن اللي ما كانوش يعرفوه إن كل صورة كانت بتاخد حاجة من قلب ليلى، وتسيب وراها علامة استفهام كبيرة.
أما أركان، فكان ساكت... لكن في عقله، كان فيه سؤال مش قادر يهرب منه. "ليه الموضوع ده مش مجرد تمثيل زي ما كنت متخيل؟"
الختام... بداية المهمة
الزفة بدأت، والمهمة بقت رسمية. هي وهو... تحت سقف واحد، في طريق واحد، بس ولا واحد فيهم عارف نهايته هتبقى إيه.
لحظة وداع ليلى لوالدتها فوزية بعد الفرح
الفرح خلص، والناس بدأت تمشي. ليلى كانت واقفة جنب أمها، ماسكة إيدها بقوة، مش قادرة تسيبها. فوزية عينيها كانت مغرقة دموع، بتحاول تخبي قلقها بس مش قادرة.
فوزية (بصوت مرتعش وهي تمسك وش بنتها بإيدها): "خدي بالك من نفسك يا بنتي... أنا قلبي مش مطمن."
ليلى (وهي بتحاول تبتسم عشان تطمنها): "هكون كويسة يا أمي، هكلمك كل يوم، وأول ما يبقى في فرصة هاجي لك."
فوزية بصت ناحية أركان، اللي كان واقف بعيد شوية، ملامحه جامدة، مش باين عليه أي إحساس. رجعت تبص لبنتها تاني، وهمست بصوت خفيف:
فوزية: "لو حسيتي بأي حاجة مش مرتاحة ليها، ارجعي لي يا ليلى. ما تخليش أي حاجة تجبرك على حاجة أنتِ مش عايزاها."
قبل ما ليلى ترد، عدلي قرب منهم، وكان واضح إنه مستعجل.
عدلي (بهدوء لكن بحسم): "يا حاجة فوزية، الطريق للصعيد طويل، ولو جيتي معانا دلوقتي، مش هتقدري ترجعي بسهولة. هنمشي على الشغل على طول، وما فيش حد هيقدر يرجعك للقاهرة في نفس اليوم."
فوزية اتشدت أكتر، قلبها واجعها، كانت عايزة تروح معاهم، تطمن إن بنتها وصلت، تشوف مكانها الجديد، بس كلام عدلي كان منطقي.
فوزية (بتنهيدة تقيلة): "خلاص... طالما هتكلميني كل يوم، يبقى هرتاح شوية."
ليلى (بسرعة وهي بتضغط على إيد أمها): "طبعًا، هبقى أكلمك أول ما نوصل."
فوزية سحبتها في حضنها، ضمتها بقوة، وكأنها خايفة تسيبها. ليلى حست إن دي أصعب لحظة في الليلة كلها، أصعب حتى من لحظة كتب الكتاب.
أركان قرب منهم، وقال بصوت هادي لكنه واضح:
أركان: "لازم نمشي دلوقتي."
ليلى سابت إيد أمها ببطء، وخدت خطوة للخلف. فوزية بصت لها بحزن، ثم بصت لأركان نظرة طويلة، كأنها بتقرأه، بتحاول تفهم إيه اللي مستني بنتها معاه.
فوزية (بصوت مهزوز لكنها بتحاول تبتسم): "ربنا يسعدك يا بنتي... ويوفقك."
ليلى حست بغصة، لكنها اكتفت بابتسامة حزينة، ثم لفت ناحيته ومشت معاه. كانت بتبعد عن حياتها اللي تعرفها، وعن أمان أمها... ورايحة على حياة ما تعرفش عنها حاجة.
وقبل ما ليلى تركب العربية جنب أركان، فوزية سابت بنتها وأخدت خطوتين ناحيته. أركان وقف مكانه، ملامحه زي ما هي، هدوءه المعتاد، لكنه رفع عينه وبص لها باهتمام لما شاف نظرتها.
فوزية (بصوت مليان مشاعر، وهي بتبص له بثبات): "أركان... أنا اديتك بنتي، كبدي وقلبي، اللي ربتها إيدي دي... مش عايزة منك حاجة غير إنك تحافظ عليها. هي مالهاش غيري، وأنت بقيت راجلها النهاردة."
أركان ما ردش على طول، فضل ساكت لحظة، كأنه مستني يسمع باقي الكلام. فوزية كملت بصوت أهدى، لكنه مليان إحساس:
فوزية: "أنا ما أعرفش عنك حاجة، وما أعرفش ليه ربنا كتب لها الجوازة دي، بس اللي أعرفه إن الست وصية في رقبة الراجل، وخصوصًا لو كانت غريبة عن أهله، ومالهاش حد يحامي عنها."
ليلى بصت لأمها بعيون مليانة دموع، مش قادرة تنطق. أركان عدل وقفته، وحس للحظة إنه واقف قدام اختبار مختلف عن كل اللي عدى عليه قبل كده.
فوزية (بصوت أخف، لكنها بتتكلم من قلبها): "أنا مش هقولك خليك طيب معاها، ولا هطلب منك تحبها... بس أوصيك عليها، زي ما القرآن قال: فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بإحسان، لو كان ليها نصيب معاك، خليك راجلها، ولو ما كانش ليها نصيب، رجعها لي بكرامتها."
أركان سكت لحظة، وبعدها قال بصوت هادي لكنه حاسم:
أركان: "ليلى في أمان."
كانت جملة قصيرة، لكنها خرجت بثقة، بنبرة حقيقية. فوزية بصت له نظرة طويلة، كأنها بتحاول تكتشف إن كان كلامه ده وعد حقيقي ولا مجرد كلام. بعد لحظة، تنهدت ومسحت دموعها، ثم بصت لبنتها وهمست:
فوزية: "روحي يا بنتي... وربنا يكون معاكي."
ليلى ما قدرتش تمسك نفسها أكتر من كده، حضنت أمها بقوة، كأنها مش قادرة تسيبها. فوزية شدتها لحضنها، ثم أخدت خطوة وفتحت لها باب العربية بنفسها، كأنها بتقول لها: "روحي... وكوني قوية."
أركان وقف، راقب المشهد بصمت، لكنه حس لأول مرة بثقل المسؤولية اللي اتحطت على كاهله. يمكن دي مهمة... لكن ليلى مش مجرد "مهمة".
لحظة الوصول إلى فيلا عائلة أركان
وصلت السيارة قدام الفيلا الضخمة، بابها الحديدي الأسود اتفتح بهدوء قدامهم، وكأنهم داخلين عالم تاني. ليلى حست إنها بقت في مكان مش بتاعها، مش شبهها، حتى الهوا اللي هنا مختلف.
فريده (بوجه متجمد وصوت هادي، لكنه بيلسع): "وأخيرًا... العروسة وصلت."
عينيها كانت بتجري على ليلى، من فوق لتحت، بتمسحها بنظرات كلها رفض، كلها غضب مكبوت، وكلها استنكار. ابنها... أركان، الضابط اللي شافته عمره ما يتنازل، واقف جنب بنت... كانت بالنسبة لها ولا حاجة.
ليلى (بصوت متوتر، وهي بتاخد نفس عميق): "مساء الخير."
فريده ما ردتش، بس بصت لعدلي، ثم أركان، وقالت بحدة: يارب تكونوا مبسوطين ثم سابتهم.
الجزء الثاني من البارت الثاني
زواج في الظل
مشهد ليلى وأركان في غرفة النوم بعد الفرح
ليلى دخلت الأوضة بخطوات مترددة، الفستان الأبيض الطويل كان لسه عليها، تحس بثقله وكأنها لابسة حاجة مش بتاعتها، حاجة مش شبهها. كانت حاسة بتوتر غريب، مش لأنها لسه متجوزة، لكن لأنها متجوزة بالشكل ده، بالجواز ده، بالمهمة دي.
أركان دخل وراها، قفل الباب ووقف عنده لثواني، حط إيده في جيوبه واتكأ على الباب، كان هادي بس عنيه بتراقب كل حركة فيها.
أركان (بهدوء): "مش ناوية تغيري ولا إيه؟"
ليلى (بحرج خفيف وهي بتشد الفستان): "أصله... السوستة مش راضية تفتح."
رفعت إيدها لظهرها تحاول تفتحها بنفسها، لكن ما عرفتش، لفت بنظرات قلق ناحية أركان.
ليلى (بصوت واطي جدًا، كأنها مش قادرة تقولها بصوت عالي): "ممكن... تساعدني؟"
أركان ساب الباب وقرب منها، كانت بتحاول ما تبصش له، لكنه كان شايف ارتباكها واضح جدًا، ضحك بخفة وهو بيقف وراها.
أركان (بنبرة مستفزة خفيفة): "أكيد متأكدة إنك عايزاني أساعدك؟"
ليلى (بغضب مرتبك وهي مش قادرة تلف عليه): "هتفتحها ولا لأ؟!"
قرب أكتر، إيده لمست الفستان عند ضهرها، كان ملمس القماش ناعم جدًا، لكن إيديه كانت ثابتة وهو بيسحب السوستة ببطء.
أركان (بصوت هادي فيه نبرة ساخرة): "على فكرة... دي لحظة خاصة جدًا، بتبقى في الأفلام لحظة رومانسية..."
ليلى (بعصبية وهي لسه مش قادرة تتحرك): "ده مش فيلم، يلا خلص!"
أركان سحب السوستة ببطء، كان حاسس بارتجاف خفيف في أنفاسها، ولما السوستة فتحت، وقف لثواني، قرب أكتر وهمس عند أذنها.
أركان (بصوت هادي جدًا): "خلاص... بقى سهل عليكِ تخلعيه."
ليلى حست برجفة غريبة في قلبها، مش عارفة ده خوف ولا ارتباك ولا حاجة تانية مش قادرة تسميها، لكن بدون ما ترد، سحبت نفسها بسرعة ودخلت الحمام، قفلت الباب وراها وهي بتحاول تسيطر على ضربات قلبها.
أركان وقف مكانه، ابتسم بخفة وهو بيرجع يقعد على السرير، مال برأسه على المخدة وهو بيقول لنفسه بهمس ساخر.
أركان: "شكلها هتبقى أيام ممتعة جدًا..."
بعد دقايق
أركان وقف عند باب الحمام، خبط عليها بخفة وقال بصوته البارد المعتاد:
أركان: "يلا يا ليلى، غيري بسرعة... مستنينا تحت."
ليلى: "حاضر طالعة أهو بسرعة."
راح ناحية الدولاب، سحب الجلابية والعمة اللي عدلي جابها، بص لهم بملل قبل ما يغير هدومه بسرعة.
بعد دقائق، خرجت ليلى من الحمام، كانت لابسة الجلابية الواسعة، باين على ملامحها الضيق من اللبس، رفعت عينيها وبصت لأركان، لقيته هو كمان لابس الجلابية، بس رغم إنه واضح عليه إنه مش مرتاح، إلا إنه كان واقف بثبات، ملامحه ما فيهاش أي تأثر.
أركان (ببرود): "يلا، ننزل."
ليلى سحبت نفس عميق، مشيت وراه، وهي مش قادرة تصدق إن حياتها من اللحظة دي، هتبدأ تتحول لحاجة غريبة جدًا...
لقوا عدلي واقف قدام أوضة جانبية، فتح الباب بإشارة من إيده وقال:
عدلي (بصوت منخفض لكن مسموع بوضوح): "ادخلوا."
دخلوا الأوضة، كانت إضاءتها خافتة، على المكتب الصغير قدامه كان فيه ظرف بني، أول ما قعدوا، سحب الظرف وطلع منه بطاقتين شخصية، قسيمة جواز، وملف تاني.
عدلي: "من اللحظة دي، أركان الجارحي مات... ليلى ماتت... أنتم بقيتوا سعيد عبد الحميد ومراته هنية حسن."
سعيد البواب الجديد، ابن الست أمينة اللي كانت في بيت منصور من سنين، وهنية بنت عمه اللي جت تخدم معاه بعد ما ماتت أمه.
ليلى لمست البطاقة بحذر، بصت في الصورة بتاعتها، حست للمرة المليون إن دي أكبر من مجرد مهمة، دي حياة تانية بالكامل. أركان خد بطاقته، لكنه ما قالش حاجة، عينه كانت ثابتة على عدلي، مستني يسمع باقي الكلام.
عدلي: "أنتوا ولاد ست اسمها أمينة كانت شغالة عند منصور بس، ماتت من كام سنة، كان ليها ابن ومحدش كان يعرف غير اسمه عشان هو المفروض اتربى في مصر مع جدة أبوه فما حدش شافه قبل كده ودا مبرر للهجتكم المصرية اطمنوا وأصلًا سعيد مات من قريب فمحدش هيكشفكم ولا حد هيعرف أي حاجة ولو دوروا مش هيلاقوا حاجة، وأنتم هتدخلوا البيت عشان تشتغلوا فيه بدلها… واضح؟"
أركان أومأ برأسه، وليلى بلعت ريقها بصعوبة وهي بتاخد نفس عميق. عدلي كمل، نبرته بقت أخطر:
عدلي: "محدش هناك يعرف أنت ابن مين، ولا اتربيت فين، ولا شفت إيه في حياتك… سعيد عبد الحميد، بواب غلبان، شاف الشقاء، وبيحمد ربنا على لقمة عيشه… تحت أي ظرف، ما ينفعش تطلع عن الدور ده، فاهم؟"
أركان (بهدوء قاتل): "فاهم."
عدلي لف نظره ناحية ليلى، اللي كانت متوترة، لكنها مستعدة تسمع.
عدلي: "وأنتِ، من النهاردة، هنية، الشغالة اللي بتشتغل عند الناس دي، غلبانة، متعودة على الأوامر، وكل حاجة عندها (حاضر يا هانم، حاضر يا باشا)… أي كلمة زيادة أو نظرة غلط ممكن توديكِ في داهية، مفهوم؟"
ليلى (بصوت خافت لكنها حازمة): "مفهوم."
عدلي راقبهم لحظة، بعدها مال بجسمه لقدام، واتكلم بصوت أوطى لكنه أخطر:
عدلي: "أنتوا داخلين عش الدبابير… الهدف مش بس تعرفوا هما بيعملوا إيه، لكن الأهم إنكم تعرفوا فين المخدرات؟ فين السلاح؟ ومين الشركاء داخل البلد وبره؟ كل معلومة صغيرة ممكن تنهي المهمة بنجاح أو تنهي حياتكم للأبد… فاهمين؟"
ليلى قفلت إيديها على بعضهم، بينما أركان كان هادي، ملامحه زي ما هي، لكنه كان مستوعب الكلام. عدلي سكت لحظة، وبعدين رمى القسيمة المزورة قدامهم.
عدلي: "وأهم حاجة… أنتم متجوزين عن حب… محدش هناك يشك ولو للحظة إن الجوازة دي ورق، لازم تتعاملوا كأنكم عرسان جداد، بحب واحترام قدام الكل، وإلا هتشكوا في نفسكم قبل ما حد يشك فيكم."
أركان مسك القسيمة، نظر ليها لحظة قبل ما يحطها في جيبه، ليلى اتنهدت بخفة وهي بتحاول تهضم اللي سمعته، لكنها عرفت إن الحياة اللي كانت عايشاها خلصت خلاص، والمهمة بدأت رسميًا.
عدلي سحب شنطتين سودا كبار من جنب المكتب، رماهم قدامهم على الأرض وقال بصوته الحازم:
عدلي: "افتحوا الشنط دي، من اللحظة دي، لبسكم لازم يكون مناسب لدوركم."
أركان فتح شنطته، لقى جلابية رمادي غامقة وعِمة بيضاء، جنبهم كان فيه شبشب جلدي قديم الطراز، كأنهم طالعين من فيلم قديم. عينه رفت للحظة قبل ما يرفع حاجبه ويبص لعدلي، لكن ما قالش حاجة.
أركان (ببرود): "إيه الحلاوة دي؟"
عدلي رمقه بنظرة حادة، فرد أركان بابتسامة جانبية لكنه بدأ يلمس القماش ويفهم إن ده واقع لازم يتعايش معاه.
أما ليلى، ففتحت شنطتها بتردد، عينيها اتسعت وهي بتلمس الأقمشة، كان فيها عبايات سوداء وجلاليب طويلة، طرح سادة، وسبحة خشب صغيرة محطوطة جنبهم، كأنهم بيأكدوا على الشكل التقليدي. لكنها، وهي بتقلب في الهدوم، فجأة شدت حاجة خلت جسمها يتشنج.
ليلى (بعصبية وهي تسحب قميص نوم حرير فاتح اللون): "إيه ده؟!"
رفعت عينيها لعدلي بصدمة، خدودها احمرت من الغضب والإحراج في نفس الوقت. بصت ناحية أركان اللي كان بيتفرج على المشهد ببرود، لكنه رفع حاجبه بشوية استغراب.
ليلى (بحدة وهي تبعد القميص عنها): "أنا مش فاهمة… ليه الحاجات دي موجودة هنا؟"
عدلي تنهد، وبهدوء رد عليها:
عدلي: "قلت لكم قبل كده، محدش ينفع يشك فيكم لحظة واحدة. يعني إيه واحدة متجوزة ولسه عروسة وما عندهاش الحاجات دي؟ ده لو حد دخل الأوضة ولقى شنطتك فاضية غير من هدوم الشغل، هتكون مصيبة! لازم كل التفاصيل تبقى طبيعية، فاهمة؟"
ليلى شهقت باستنكار، لكنها ما قدرتش تلاقي رد، بصت ناحية أركان مستنية يشوف المصيبة اللي هي فيها، لكنه كان واقف ببروده المعتاد، عينيه ثابتة عليها لكنه ما نطقش ولا كلمة.
أركان (بهدوء وهو بيطالعها): "ما هو عنده حق."
ليلى لفت عليه بغيظ، لكن عدلي قاطعهم بصوته الحازم:
عدلي: "أنا ما عنديش وقت للدراما دي، خدي الحاجة زي ما هي ومتعمليش أي تصرف غبي يخلّي حد يشك في الجوازة دي، فاهمة؟"
ليلى أخدت نفس غاضب، سابت القميص بسرعة وكأنها خايفة تلمسه تاني، وبعد لحظة ترددت، لكنها قفلت الشنطة وهي بتعض شفايفها بضيق.
أما أركان، فكان بيبص لها بنظرة جانبية، حس أنها مخنوقة من اللي بيحصل، لكنه ما قالش حاجة، لأنه عارف إن مهما قال، مش هيغير حاجة من الواقع اللي هما داخلين فيه.
عدلي (بصوت جاد): "ما ينفعش حد يشك ولو لحظة في دوركم… إنتِ خدامة، يعني لبسك لازم يكون بسيط وملتزم، وأنت، أركان، بواب… يعني ما ينفعش تبان عليك أي علامة من علامات المستوى اللي كنت عايش فيه."
أركان لف الجلابية في إيده، حسها غريبة عليه، لكن عقله كان مبرمج إنه يقدر يلبس أي قناع طالما المهمة تتطلب كده. ليلى، على الجانب الآخر، هي أصلًا متعودة على لبس العبايات والطرح دي حياتها ما فرقتش شكل العباية إذا كانت فلاحي ولا مصري أهم حاجة لبس يستر.
عدلي سحب ظرف صغير، فتحه، وطلع منه خاتمين دهب، رماهم لأركان وقال:
عدلي: "دول دبل الجواز، لبسوهم فورًا… الجوازة دي قدام الكل جوازة شرعية، محدش يشك لحظة إنكم مش متجوزين بجد."
أركان مسك الدبل، قلبهم بين صوابعه، ثم رفع عينه وبص لليلى اللي كانت متوترة جدًا. قرب منها، وبهدوء مد إيده بدبلتها وقال بصوت هادي لكنه قاطع:
أركان: "البسيها."
ليلى بصت في عينيه، كان هادي جدًا، بارد كالعادة، لكنها مدت إيدها، لبست الدبلة بإحساس غريب، كأنها فعلًا دخلت حياة جديدة مش عارفة هتخرج منها إمتى.
أما أركان، فلبس دبلته بدون تردد، لكنه حس إن الحمل بقى أتقل على كاهله.
عدلي وقف، رفع حاجبه، وقال بآخر تحذير ليهم:
عدلي: "غلطة واحدة… غلطة واحدة بس، ممكن تخلص عليكم… مستعدين؟"
أركان رد بنفس هدوءه القاتل: "جاهز."
وليلى رغم خوفها، رفعت رأسها وقالت بصوت أقوى من قبل كده: "أنا كمان."
عدلي أومأ برأسه، ثم قال بحزم: "يلا، نتحرك."
عدلي بص لهم برضا، ثم أشار على الباب وقال بآخر تحذير:
عدلي: "يلا، خدوا نفسكم العميق الأخير قبل ما تبدأوا حياة جديدة… المهمة بدأت رسميًا."
بخطوات واثقة، خرج أركان من الأوضة، بينما ليلى بلعت ريقها قبل ما تلحقه، وهي عارفة إن اللحظة دي هتغير كل حاجة في حياتها للأبد.
عدلي: "فيه نقطة أخيرة… هتسافروا مواصلات زي أي حد من طبقتكم الجديدة، مفيش عربيات، مفيش رفاهية، هتركبوا القطر وبعدين ميكروباص لحد المكان المطلوب. ده جزء أساسي من المهمة، إنكم تبانوا طبيعيين تمامًا وسط الناس."
ليلى بسخرية: "متعودة يا باشا."
أركان بص لها ببرود قبل ما يعدل العِمة اللي كان ماسكها بإيده، وقال بهدوء ساخر:
أركان: "تجربة جديدة، هعيش معاناة الشعب لأول مرة."
عدلي تجاهل سخريتهم وكمل بصرامته المعتادة:
عدلي: "أول ما توصلوا، هتلاقوا مستنيكم هناك واحدة اسمها بطة أنتم مجرد ناس غلابة جاية تدور على لقمة العيش، يعني تتكلموا على قدكم، وتفتكروا كويس أن أي كلمة غلط ممكن تكشفكم."
ليلى أخدت نفس عميق وهي بتحاول تستوعب الوضع، أما أركان فكان متماسك، عينه باردة وكأنه خلاص استعد للدور اللي هيلعبه.
وبعد مرور كام ساعة وصلوا البلد واقفين قدام فيلا كبيرة مش زي ما كانوا متخيلين. مكان مراقب حواليه حراسة واقفين بسلاح بعد كل خطوة تمشيها دخلوا من بوابة حديدية، وكان في استقبالهم ست كبيرة في السن، لابسة طرحة قديمة وملابس منزلية. كان شكلها رحبت بيهم.
بطة: "اتفضلوا… ده بيتكم دلوقتي… هشرح لكم كل حاجة."
دخلوا للفيلا، وبعد ما فتحت بطة الباب الكبير، دخلوا لقوا المكان عبارة عن أوضة صغيرة، وفيها سرير صغير ودولاب وحمام صغير، وفي الزاوية كانت المطبخ الصغير اللي مافيش فيه غير بوتاجاز وحلتين وطبقين ومعلقتين بس.
"بطة" قاعدة على كرسي خشب قديم في الأوضة بتفتكر الماضي: "على فكرة أمك كانت صاحبتي الروح بالروح الله يرحمها، كانت ست أمينة بمعنى الكلمة… مش بس اسمها، لا، دي كانت أمانة بجد، وكانت غالية عند الحاج منصور، قد إيه كان بيثق فيها! كانت مميزة عن أي حد، يمكن علشان كانت تعرف أسراره، يمكن علشان كانت بتخدمه بإخلاص، بس اللي متأكدة منه إنها لو كانت لسه عايشة، كانت هتبقى في مكانة كبيرة عنده." وكملت كلامها وهي تهز رأسها ببطء:
بطة: "علشان كده، أول ما الحاج منصور سمع إنك عايز تشتغل عنده، وافق من غير ما يفكر! بس اسمعني كويس… اللي بيدخل بيت الراجل ده لازم يكون قد المسؤولية، مش أي حد يقدر يستحمل!"
الحاج منصور مش أي حد… ده الراس الكبيرة هنا، الكلمة كلمته، والإشارة من إيده ممكن تقلب حياة بني آدم، عنده ولاد زي الأسود، "خليل" و"فؤاد"، دول مش بني آدمين، دول وحوش!
وكل واحد فيهم عنده مراته اللي دماغهم زي السم، "نوال" مرات خليل، و"صباح" مرات فؤاد... دول يا ابني ما يعرفوش الرحمة، الستات دول ممكن يجيبوا أجلك لو لعبت معاهم غلط.
قربت منه وهمست بحدة:
بطة: "اسمعني يا سعيد، لو عايز تكمل هنا وتفضل عايش، خليك زي أمك... أمين، ومميز، وخليك دايمًا تحت عين الحاج منصور، لأنه لو حبك، حياتك هتبقى نعيم، ولو غضب عليك... يبقى الله يرحمك من دلوقتي!"
كملت وهي بتتكلم بصوت هادي لكنه مليان تحذير، كأنها بتحكي عن شياطين مش عن بشر.
بطة: "بص بقى يا سعيد... عيلة الحاج منصور دي مش أي عيلة، دول ناس لهم حسابات خاصة، وكل واحد فيهم ليه طبع يفرق عن التاني، بس في الآخر كلهم شياطين في صورة بني آدمين!"
بطة: "خليل، الكبير، عنده ولدين وبنت... "طاهر"، "سليم"، و"صفية"... طاهر ده أكبر واحد، وده عقرب سام، وشهمته مابتظهرش غير لما يكون عايز حاجة، داهية بجد، وعارف إزاي يوقع اللي قدامه في شر أعماله من غير ما حد يحس! سليم... ده العكس تمامًا، شخصيته غامضة وساكت على طول، بس لما بيتكلم كلمته بتوجع، ولو اتحرك، يبقى وراه مصيبة!"
وقفت، وقربت من سعيد، بصت له كأنها بتحاول تتأكد إنه مستوعب اللي بتقوله.
بطة: "أما فؤاد، عنده ولدين وبنتين... "مروان"، "عادل"، "رغدة"، و"نسرين"... بس اسمعني كويس، أخطر واحد فيهم هو مروان! الولد ده عينه زايغة، بيلعب بالبنات لعب، وكل ما يشوف واحدة جديدة، لازم يحاول يوقعها في شباكه، ودي مصيبة لازم تاخد بالك منه زيادة عن اللزوم! مش بعيد يلف حوالين مراتك من أول يوم، فخلي بالك كويس، وما تسيبهاش قدامه لوحدها أبدًا!"
شدت طرحتها بحركة عصبية، وأكملت بصوت أخفض شوية:
بطة: "أما عادل، فده نسخة من أبوه، دماغه ناشفة وما يحبش الهزار، طول الوقت متحفظ وما حدش يقدر يعرف هو بيفكر في إيه، بس في اللحظة اللي يغضب فيها... يبقى موتك على إيده. البنات؟ رغدة ونسرين... الاتنين مدلّعين قوي، عايشين في برج عاجي، شايفين نفسهم أحسن من أي حد، ولو واحدة فيهم حطتك في دماغها... الله يكون في عونك!"
سكتت لحظة، وبعدها بصت له بحدة، وقالت بتحذير أخير:
بطة: "الناس دي لو حبوك، حياتك هتمشي زي الفل، ولو كرهوك، مش هتشوف الشمس تاني... فخد بالك يا سعيد، وخلي دايمًا ودنك معايا، لأني الوحيدة اللي هتعرف تقول لك إمتى تتكلم وإمتى تسكت، وإمتى تهرب لو لزم الأمر!"
بطة: "يلا تصبحوا على خير بكرة إن شاء الله نكمل الكلام وهعلمكم الشغل كله، وهعرفكم على الحاج منصور وهل البيت كله وخلوا بالكم من الحاج منصور... الراجل ده له احترامه، وكلامه مابيتردش، فخلي بالكم وإنتوا بتتكلموا معاه، وكل كلمة تطلع من بقكم تكون بحساب!"
بصت لسعيد نظرة تحذير، وبعدها التفتت ناحية هنية وكملت:
بطة: "والستات هنا لازم يكونوا مؤدبين، لا ترفعي عينك في حد، ولا تفتحي بقك بكلمة مالهاش لازمة... شغلك في المطبخ وخدمة الستات، وكل واحدة فيهم طباعها تختلف عن التانية، بس كلهم زي العقارب، فخلي بالك!"
اتنهدت وقالت:
بطة: "المهم... نكمل كلامنا بكرة، ولو في أي حاجة عايزين تعرفوها، أو أي سؤال جاي في بالكم، ابقوا قولوا لي... أنا هنا أعرف كل صغيرة وكبيرة، ومفيش حاجة بتحصل في الفيلا دي إلا وعيني عليها!"
بصت لهم آخر بصة، وبعدها مشيت، وسابتهم لوحدهم، وسط تفكيرهم في اللي جاي!
بعد ما خرجت بطة، ساد الصمت في الأوضة، كأنها سابت وراها طاقة سلبية تقيلة، ليلى كانت واقفة في نص الأوضة، دراعها متكتف، وبتبص لأركان بنظرة مليانة ضيق وقلق.
ليلى: "أنا مش مرتاحة للست دي... عينها مش بتبطل تلف، وكلامها كله تحذيرات... حسيت إننا داخلين على سجن مش بيت!"
أركان كان واقف جنب الحيطة، بيعدل كم الجلابية اللي كان لابسها، ووشه مافهوش أي تعبير. رفع عينه وبص لها ببرود.
أركان: "ومفروض كنتِ متوقعة إيه؟ إنهم هيستقبلونا بالورد مثلًا؟"
ليلى: "مش قصدي كده... بس الطريقة اللي كانت بتتكلم بيها... بتحسسني إن أي غلطة صغيرة هتكون نهايتنا!"
أركان مشى ناحيتها بخطوات بطيئة، قرب منها شوية، خلى المسافة بينهم أقل، بص في عيونها مباشرة وقال بصوت واطي لكنه حاسم:
أركان: "وأي غلطة صغيرة فعلًا هتكون نهايتنا... دي مش حفلة تنكرية، إحنا في مهمة لو فشلنا فيها، محدش فينا هيخرج منها سليم!"
ابتلعت ريقها، حست برعشة خفيفة، لكنها رفعت راسها بتحدي، مش هتظهر قدامه إنها خايفة.
ليلى: "ما تخافش... مش ناوية أغلط!"
أركان ابتسم ابتسامة جانبية خفيفة جدًا، وكأنه بيتحدى كلامها، وبعدين لف وراح ناحية الباب.
أركان: "هنشوف!"
ليلى كانت واقفة وسط الأوضة، بتبص للسرير الصغير اللي شكله حتى لو نامت لوحدها عليه مش هتبقى مرتاحة، رفعت عينها لأركان اللي كان واقف عند الباب، صامت ومش مهتم، كأنه مستنيها تلاقي حل لوحدها.
ليلى (بتحاول تداري ارتباكها): "إحنا هنعمل إيه وهنام إزاي؟! ممكن... يعني لو عندك فكرة تانية، يبقى كويس... لأن مستحيل السرير ده يكفينا."
أركان رفع حاجبه، بص للسرير اللي واضح إنه بالكاد يستحمل حد واحد، لكنه رد بنبرة هادية وواضحة:
أركان: "ما عنديش مشكلة أنام على الأرض بس خلي بالك... بكرة الصبح لو حد دخل علينا وشفنا هنعمل إيه، المفروض نبقى متجوزين وده حال وهيطول فلازم نتعود ننام جنب بعض."
ليلى سكتت للحظة، عارفة إن عنده حق، وفي نفس الوقت مش مستعدة تفتح نقاش ملوش لازمة. راح ناحية السرير، سحب المخدة الصغيرة ورماها عليه وقال:
أركان: "نامي، وأنا هنام على الطرف."
ليلى (بتحاول تسيطر على توترها): "مهو الطرف أصلا مش مكفيك، لو وقعت بالليل أنا ماليش دعوة."
أركان تجاهل كلامها، تمدد على السرير، وغمض عينه، كأنه بينهي النقاش. ليلى سحبت الغطاء، واستلقت بحذر على الجهة التانية، حاسة إن المسافة بينهم تكاد تكون معدومة، لكن مفيش حل تاني.
مرت الدقايق، المكان هادي جدًا، مفيش غير صوت أنفاسهم. ليلى حاولت تفضل في مكانها، لكن مع التعب واليوم اللي كان طويل جداً عليهم، جسمها استرخى تدريجيًا، وبحركة تلقائية وهي نايمة، قربت منه، رأسها استندت على صدره، وإيديها انسابت لا إراديًا فوق ضلوعه.
أركان حس بالحركة، فتح عينه بضيق، وعقد حواجبه.
رفع إيده وزحزح رأسها بهدوء، لكنه كان حازم، ما ينفعش تفضل قريبة منه بالشكل ده.
رجع حط راسه على المخدة، وغمض عينه تاني، محاولًا ينام.
بعد شوية...
حركة خفيفة تانية، جسمها قرب أكتر، وبدون أي مقدمات، رجعت حطت رأسها على صدره، أنفاسها الدافية بتلامس رقبته.
أركان فتح عينه بضيق للمرة التانية... لكن المرة دي، ما زحزحهاش.
فضل ثابت في مكانه، بص لتفاصيل وشها الهادي وهي نايمة، كأنها مش حاسة بالدنيا.
تنهد بهدوء، وساب نفسه يستسلم للحظة...
"خلاص، هي نايمة... ومش هتستوعب حاجة دلوقتي."
غمض عينه، ورغم إنه كان عارف إن الموقف غريب، إلا إنه ما تحركش... سابها، وكمل نومه.
ليلى كانت مغمضة عينيها، لكن حاسة بحاجة مش طبيعية... فيه دفء غير مألوف، أول ما فتحت عنيها، استوعبت إنها مش بس نايمة على السرير الضيق ده، لا... هي ن.
رواية زواج في الظل الفصل الثالث 3 - بقلم ياسمين عطيه
أركان خرج من الحمام، ووقف قدام ليلى اللي كانت واقفة قصاده، وبتفرك إيديها الاتنين في بعض وكأنها بتحاول تلم كل أفكارها قبل ما تتكلم.
فجأة، راحت ناحيته بخطوات سريعة، وابتسمت ابتسامة صغيرة رغم التوتر اللي كان ظاهر في عينيها.
ليلى: "ممكن أسألك سؤال؟"
أركان كان بيبص لها بطرف عينه وهو مش مهتم، وقال بهدوء: "اتفضلي."
ليلى: "طالما إحنا هنا… جايين بقسيمة جواز مزورة… ليه اتجوزنا رسمي باسمينا الحقيقية."
أركان: "تفتكري إن إحنا ما فكرناش في حاجة زي كده؟ إحنا عملنا حسابها من الأول. بس لو كنا جينا وقلنا لك إنك مطلوبة في مهمة، تقعدي معايا سنة كاملة، وتنامي معايا على نفس السرير زي ما حصل امبارح، وإنت مش مراتي… كنت هتوافقي؟ عشان مجرد فلوس؟"
ليلى: "لا، طبعاً."
إجابتها كانت حاسمة وواضحة. ووجهها كان فيه ملامح استغراب واضح على رد فعله، لكنها ما كانتش هتسمح لنفسها تكون أكتر ضعفًا أمامه.
أركان: "عشان كده الفكرة دي فشلت، رغم إن ده كان المفروض يحصل. بس كانت في حاجات كتير منعت إننا نغصب عليكي حاجة زي كده، خصوصًا إنه حرام."
أركان وقف لحظة قبل ما يكمل، ونظرة متفهمة عينيه كانت كافية عشان تفهمه.
أركان: "ما هو مش إنتوا بس اللي تعرفوا ربنا."
ليلى حسّت بشوية راحة رغم الكلام الثقيل ده.
أخذت نفس عميق، وشكرت في نفسها وحمدت ربنا إنوا مش بس مجرد شخص متربي، لأ ده كمان عنده أخلاق ودين. في عيونها، احترامها له زاد وعلا في نظرها أوي وحسّت إنها في أمان.
ليلى بتبص لأركان بتردد وهي بتقول بصوت هادي: "أركان… ممكن أكلم ماما؟"
أركان كان بيشوف حاجة في الموبايل القديم اللي معاه، رفع عينه ليها بسرعة وقال: "آه طبعًا، خدي كلميها." ومد إيده بالموبايل الصغير اللي شكله قديم، شكله كان غريب وسط التكنولوجيا اللي هما متعودين عليها، بس ده كان مقصود عشان ما يثيرش الشكوك.
ليلى أخدت الموبايل بحذر وابتدت تدوس على الأرقام بيد مرتعشة، قلبها كان بيدق بسرعة وهي مستنية الصوت اللي وحشها من أول يوم.
في نفس الوقت، أركان كان بيرن على بيته، وقبل ما يردوا، عينه راحت على ليلى اللي وشها كان متوتر، بتحاول تمسك نفسها، أول ما صوت أمها طلع من الموبايل، صوتها كان مليان شوق ولهفة.
فوزية بصوت متلهف: "ليلى؟ حبيبتي، إنتي عاملة إيه؟ وحشتيني يا بنتي، طمنيني عليكي!"
ليلى بصوت متردد لكنه فرحان: "وحشتيني يا ماما… أنا كويسة والله، كله تمام."
فوزية بقلق: "طب احكيلي، إنتي مرتاحة؟ أركان عامل معاكي إيه؟ أهله كويسين معاكي؟"
ليلى سرحت لحظة وهي بتفتكر نظرات أم أركان لما شافتها أول مرة، نظرات كانت كلها أشبه بالرفض، لكن بسرعة هزت دماغها وابتسمت وهي بتكذب لأول مرة على أمها: "كويسين يا ماما، فرحانين بيا… دا حتى مامت أركان بتعتذر منك وبتقول لك ما عرفتش تيجي الفرح عشان كانت تعبانة قوي."
فوزية خدت نفس طويل وقالت: "طب والحاجة التانية…" صوتها بقى أهدى وكأنها مش عايزة تحرجها: "كل حاجة كويسة، صح؟"
ليلى حسّت بالخجل، حرارتها زادت وهي مش عارفة ترد، ضغطت على الموبايل في إيدها وقالت بصوت متقطع: "آه… الحمد لله، كله تمام."
فوزية حسّت بالتردد في صوت بنتها، فسألت بحذر: "بجد يا ليلى؟ أنا أمك، لو في أي حاجة قوليلي."
ليلى بسرعة ردت عشان تقطع الشكوك: "بجد يا ماما، كله تمام، متقلقيش."
فوزية رغم إنها ما اقتنعتش تمامًا، لكنها قررت ما تضغطش عليها أكتر وقالت بابتسامة دافية: "طيب حبيبتي، أنا بس كنت عايزة أطمن عليكي… أهم حاجة تكوني مرتاحة وسعيدة، إنتي بنتي وروحي، لو احتجتي أي حاجة، أنا موجودة."
ليلى دمعت عينيها بس بسرعة مسحتهم وقالت بصوت متماسك: "عارفة يا ماما… بحبك قوي."
فوزية بحنان: "وأنا كمان، ربنا يسعدك يا بنتي."
على الجانب الآخر، مكالمة أركان مع أهله.
عدلي بصوت هادي وحازم: "إنت كويس؟"
أركان باختصار: "أنا تمام، كله تحت السيطرة."
فريدة بصوت قلق: "متأكد يا حبيبي؟ الأكل هناك عامل إيه؟ حد مضايقك؟"
أركان ابتسم نص ابتسامة وقال: "أنا بخير يا أمي، متقلقيش."
عدلي بصوت حاسم: "خليك مركز، متخليش حاجة تشغلك، المهمة أهم حاجة."
أركان بهدوء: "عارف."
فريدة حاولت تخفي قلقها وقالت: "خلي بالك من نفسك، ومن… مراتك."
أركان سكت لحظة قبل ما يرد: "حاضر، سلموا لي على الكل."
عدلي أنهى المكالمة بجملة قصيرة: "خليك حذر."
أركان قفل الموبايل، بص لليلى اللي كانت لسه متعلقة بمكالمة أمها، شاف الابتسامة اللي على وشها رغم عينيها اللي كان فيها لمعة غريبة.
وبعد دقائق سمعوا صوت خبطات على الباب وطبعًا هم عارفين هي مين.
بصتلهم بنظرة سريعة، وقعدت على الكنبة وهي بتقول بنبرة فيها جدية واضحة:
بطة: "اسمعوا بقى، الأكل متوفر في الفيلا، الفطار والغدا والعشا، اللي عايز ياكل ياكل، واللي مش عايز براحته. بس لو حبيتي تشتري حاجات وتطبخي في بيتك، ده موضوعك يا هنية، محدش هيتدخل فيه."
أركان بص لليلى اللي كانت بتسمع كلام بطة باهتمام. رغم إنها كانت مرعوبة من المهمة، لكنها كانت بتحاول تبين هدوء مصطنع.
بطة كملت: "سعيد، إنت هتشتغل مع البواب الكبير، اسمه عم علي، راجل محترم وكان على المعاش، بس حب يرجع يشتغل شوية. هيعلمك شغلك، هتعرف مين بيدخل ومين بيخرج، تسقي الزرع، وتاخد بالك من كل حركة في المكان. الراجل هيكون معاك، وهتبدلوا ورديات، ومهمتك إنك تبقى صاحي لكل تفصيلة بتحصل."
أركان (سعيد) هز راسه بإيماءة بسيطة، وهو بيحاول يظهر دور البواب الجديد باحتراف.
بطة التفتت ناحية ليلى وقالت: "وأنتِ، تعالي معايا، هتعرفي على الناس اللي جوه، هتكوني واحدة منهم، وانت كمان تعالى سعيد اعرفك على البيه كبير."
***
الصالون الكبير في الفيلا كان مليان بهدوء ثقيل، الجو العام فيه لمسة من الرسمية، كل شيء فيه منظم بدقة، الأثاث الفخم، الأضواء الهادية، ورائحة البخور الفاخر اللي كانت مالية المكان. مجموعة من أفراد العيلة قاعدين، بعضهم بيتكلموا بهدوء، والبعض الآخر مشغول في هواتفهم. لما دخلت بطة ومعاها سعيد (أركان) وهنية (ليلى)، العيون اتلفتت ليهم.
نسرين كانت قاعدة على الكنبة بإهمال، رجل على رجل، وبمجرد ما دخل سعيد، نظرتها تغيرت. في البداية، كانت نظرة تقييم، بعدها اتحولت لحاجة أشبه بالانبهار المخفي. بصت له من فوق لتحت، تفاصيله الرجولية شدت انتباهها، لدرجة إنها لا إرادياً عضت طرف شفايفها وهي بتعدل جلستها، كأنها بتحاول تبان أكتر اهتمامًا من اللازم.
على العكس، مروان كان ليه رد فعل مختلف، أول ما شاف هنية، عنيه ضاقت وشفته ارتسمت عليها ابتسامة ماكرة، النوع اللي يخليك تعرف إن دماغه مش بريئة. بص ليها بطريقة واضحة جدًا، عيونه مليانة شهوانية وهو بيقول في نفسه: "حلو الصنف الجديد ده، أموت أنا في الملبن ده هيبقى ممتع جدًا." ابتسامة خفيفة ظهرت على وشه، وكأنه بيسرح في أفكاره الخاصة.
هنية حسّت بالنظرات، حسّت بشيء من التوتر، لكنها رفعت راسها بثقة مصطنعة. أركان كان ملاحظ نظرات مروان، بس ما علّقش، كان بيتابع من بعيد، مستني يشوف هنية هتتصرف إزاي.
أما باقي العيلة، فمعظمهم مجرد رمقوهم بنظرات جانبية، زي اللي بيشوف ناس جديدة ويكمل في حاله، ما كانش عندهم اهتمام حقيقي، باستثناء واحد بس…
الحاج صلاح، كبير العيلة، كان راجل في الستينات، ملامحه قوية، نظراته حادة متفحصة، وطريقته في الكلام دايماً مباشرة ومحددة. قعد يتأمل سعيد للحظة، وبعدها اتكلم بصوت تقيل مليان سيطرة:
الحاج صلاح: "أنت ابن أمينة، مش كده؟"
أركان (سعيد) وقف بثبات ورد باحترام: "أيوه يا حاج، الله يرحمها."
الحاج صلاح شدد على كلماته وهو بيبص له: "أمينة كانت ست شريفة ومحترمة، وظن هتبقى زيها وربت عيالها بالحلال… عشان كده أنا وافقت عليك، بس متفتكرش إن ده معناه إنك واخد الوضع هنا بالواسطة."
سكت لحظة، وبعدها كمل: "هتشتغل وتثبت إنك تستحق المكان، مشيت عدل وكسبت ثقتي، هتفضل هنا، وإلا، الباب مفتوح."
أركان (سعيد) أومأ برأسه وقال بثقة هادية: "مش هتندم يا حاج."
الحاج صلاح بص لهنية للحظة، لكنه ما قالش حاجة، مجرد نظرة عابرة، كأنه شايفها أقل أهمية من إنه يوجّه لها كلام، وبعدها التفت لبطة وقال: "عرفيهم شغلهم، وأنا مش عايز مشاكل."
بطة أومأت سريعًا، وقالت لهم بصوت واطي وهما بيخرجوا: اديكوا شفتوا وسمعتوا كل حاجة بودانكم مش عايزة ولا غلطة.
خرجت هنية (ليلى) مع بطة من الصالون، وهي لسه حاسة بنظرات مروان اللي كانت بتلاحقها، لكنها طنشته ومشت ورا بطة وهي بتحاول تحافظ على ملامحها متماسكة.
مشوا في طرقة طويلة، الأرضية الرخام بتلمع تحت رجليهم، لحد ما وصلوا لباب جانبي، فتحته بطة ودخلت، وهتفت بصوتها القوي: "يا جماعة… تعالوا هنا شوية."
بعد لحظات، بدأوا الخدم يظهروا واحد ورا التاني، كل واحد فيهم كان شكله مميز، ملامحهم مختلفة، لكن كان واضح إن كلهم عندهم خبرة بالشغل هنا.
بطة بصت لـ هنية وقالت وهي بتشير لهم واحد واحد: "دول زمايلك، اللي هتشتغلي معاهم هنا، ولازم تعرفي كل واحد فيهم كويس."
أول حد اتقدم كان ست كبيرة في السن، ملامحها طيبة وعينيها مليانة حنية، اسمها "أم سعاد"، دي كانت مسؤولة عن ترتيب غرف الفيلا، وبطريقتها اللطيفة قالت: "أهلا وسهلا يا بنتي، أي حاجة تعوزيها، قوليلي."
جنبها كان واقف راجل تخين شوية، بشرته سمراء، وابتسامته واسعة، اسمه "صابر"، وده كان الطباخ الرئيسي. بص لهنية وقال بابتسامة وهو بيعدل مريوله: "يا رب تكوني بتحبي الأكل الصعيدي، هنا مفيش أكل نص نص، كله على أعلى مستوى."
بعده كان شاب نحيف، شكله أصغر من الباقيين، اسمه "محروس"، شغال كعامل نظافة ومساعد أم سعاد. ابتسم بتوتر وهو بيقول: "أنا محروس… لو احتجتي أي حاجة، قوليلي."
في الآخر كان واقف راجل ضخم، ملامحه جامدة، اسمه "عبد الحق"، وده كان مسؤول عن الأمن الداخلي للفيلا. ما تكلمش، اكتفى بهزة بسيطة من راسه وهو بيبصلها بنظرة تقييم.
بطة حركت رأسها وقالت لهنية: "دول فريقك، اتعاملي كويس، وهتلاقيهم سند ليكي."
هنية بصتلهم وهي بتحاول تحفر أساميهم في دماغها، كانت عارفة إن النجاح في المهمة دي مش هييجي بسهولة، وإن كل تفصيلة ليها أهمية.
ليلى كانت قاعدة مع بطه في المطبخ، بتحاول تلم نفسها من التوتر اللي مش سايبها، خصوصًا بعد نظرات مروان اللي كانت كأنها بتسلخها من فوق لتحت.
بطة كانت واقفة بتجهز حاجة على الرخامة، لما فجأة ليلى قالت بصوت هادي وفيه لمحة من التردد: "هو أنا ينفع أشتغل مع أم سعاد بدل ما أساعد في الطبخ؟ أنا ماليش في الحاجات دي خالص." قالتها وهي بتضحك ضحكة خفيفة عشان ما تبانش متوترة.
بطة رفعت عينيها ليها، كانت ست فاهِمة، لمحت حاجة في صوتها بس ما علقتش، بالعكس، ابتسمت وقالت: "يعني إنتي شايفة الشغل مع أم سعاد أهون؟"
ليلى بسرعة قالت: "أه طبعًا، التنضيف أسهل بكتير، وأنا شاطرة فيه."
بطة حطت إيدها على وسطها وقالت بنبرة فيها تحذير: "بصي يا بنتي، الشغل هنا مش لعب عيال، وكل واحد ليه دوره، بس لو أم سعاد وافقت، يبقى خلاص، مفيش مشكلة."
ليلى فرحت بسرعة، لكنها أخفت فرحتها، كانت عارفة إن الشغل مع أم سعاد هيخليها أقرب للأحداث، وهيساعدها تراقب اللي بيحصل، وتسمع أسرار الفيلا، وده كان هدفها من الأساس.
ليلى قامت من مكانها، وحاولت تخفي القلق اللي كان في عيونها وراء ابتسامة عريضة، وحاولت تغير الموضوع بسرعة. قالت لبطه بحماس: "بس بجد، عايزة أبدأ مع أم سعاد عشان أكسب ثقتها وأعرف كل حاجة هنا."
بطة نظرت ليها شوية كأنها مش فاهمة هي جادة ولا بتتكلم بس عشان تخلص، لكن بعد ما شافت إصرارها في عينيها، قالت بابتسامة صغيرة: "تمام، لو ده اللي أنتي شايفاه صح، بس خلي بالك من الناس اللي حوالينا، خصوصًا مروان."
ليلى كتمت نفسها وهي تسمع اسم مروان، شعرت بنبض قلبها بيتسارع، ورفعت راسها لتواجه بطه وقالت بنبرة هادئة: "مروان؟ مش هتشوفني قدامه أكتر من اللازم، أنا مش عايزة أكون في دائرة اهتمامه."
بطة نظرت ليها، ورفعت حاجبها وقالت ببساطة: "على حسب… بس خلي بالك، كل واحد هنا ليه طريقته."
ليلى أخذت نفس عميق وحاولت تتماسك، ثم قالت بحزم: "أنا هعمل اللي عليا، بس مش هأسيب فرصة لمروان ولا لحد تاني إنه يقرب مني."
بطة ردت بهدوء: "لو قدرتي تلتزمي بكلامك ده، هتبقي تمام، بس خلي بالك، الجو هنا مش سهل."
ليلى ابتسمت وقررت تخرج من المطبخ قبل ما تخلي أي لحظة تبين ضعفها. كانت هتبدأ شغلها مع أم سعاد، وده كان أفضل حل عشان تقدر تعرف أكتر عن الفيلا.
في إحدى غرف الفيلا.
دخلت ليلى الغرفة وهي تشعر بارتباك بسيط، لكنها كانت مصممة على تنفيذ الخطة. أم سعاد، الست الكبيرة اللي كانت شغالة في ترتيب الغرف، كانت مشغولة بتنظيف الغرفة. كان واضح إنها تعبت من الحمل، وعينيها كانت بتعكس تعب السنين. كانت ليلى بتشوفها وبتحاول تستجمع شجاعتها.
ليلى: (بتتردد شوية ثم قالت بابتسامة دافئة) "مساء الخير يا أم سعاد، في حاجة أنا ممكن أساعدك فيها؟"
أم سعاد: (بتلفت لها بابتسامة شكر، وبتريح نفسها على الكرسي) "أهلا يا بنتي، الله يخليك. أنا ومحروس بنعمل كل حاجة هنا مع بعض، لكن والله الحمل ثقيل علينا، على الأقل لو في حد يقدر يساعدنا."
ليلى: (بتبتسم وتوضع يدها على قلبها وكأنها بتتأثر) "أنا ممكن أساعدك في كل حاجة، ده الشرف ليا. لو تكرمتِ، أنا ممكن أشتغل معاكي وأقسم معاكِ الغرف. أنا طلبت من بطة وهي قالت لي لو أم سعاد وافقت خلاص أبدأ."
أم سعاد: (بتحس بالراحة من العرض وابتسمت) "يا ريت والله، ده هيكون ليا شرف كبير. هنعمل تقسيم للأوض. هاخد أوضة الحاج منصور ومروان، يعني هو في نفس الدور ده.، وانتِ هتخدي أوضة نسرين، ورغدة، وصفية، وفؤاد وخليل."
ليلى: (بتنزل رأسها شوية بحزن في قلبها لأنها كانت عايزة تاخد أوضة منصور، لكن مش هتقدر دلوقتي) "حاضر يا أم سعاد، أنا موافقة على أي تقسيم. بس لو في حاجة تانية أقدر أساعد فيها برضو، قولولي."
أم سعاد: (بتبتسم وبتحط إيدها على قلبها) "يا حبيبي، أنتم زي ولادي. لو قدرتوا تساعدونا في أي حاجة، أنا مش هقدر أنسى معروفكم ده. أنا هقترح إن محروس يشتغل في الدور اللي تحت في المكاتب مع بعض، علشان نقدر نغطي الشغل كله. وهكذا نقدر نتقسم الشغل وما نتعبش زيادة."
ليلى: (بتوافق بسرور وتبتسم لها) "تمام، تمام، يا ريت لو اتقسمنا كده، هنبقى مرتاحين أكتر كلنا. أنا جاهزة في أي وقت، يا أم سعاد، علشان نكمل الشغل مع بعض."
أم سعاد: (بتبتسم وتشد على إيدها كأنها بتشكرها) "ربنا يكرمك يا بنتي، والله أنتِ طيبة، وان شاء الله هنبقى في الخير مع بعض."
ليلى: (بتبتسم بخفة وهي عارفة إن ده أفضل حل عشان تقدر تراقب كل شيء في الفيلا) "إن شاء الله، كله تمام."
المشهد ينتهي هنا مع ابتسامة ليلى، بينما أم سعاد كانت بتريح نفسها شوية بعدما لقت مساعدة في شغلها.
***
في غرفة نسرين الواسعة، كانت نسرين قاعدة على الكنبة المخملية، رجل على رجل، وبتلعب في خصلة من شعرها الذهبي، وعينيها فيها لمعة خبث. قدامها كانت رغدة أختها، مستلقية على الكنبة التانية بتقلب في موبايلها، جنبهم صفية بنت عمهم، اللي كانت ماسكة كوب عصير وبتشربه ببطء وهي بتسمع.
نسرين رفعت حاجبها وقالت بنبرة مستفزة: "مش مستغربين ازاي سعيد ده؟ يعني بالله عليكم… واحد بواب، شغال في الفيلا، المفروض واحد زيه يبقى غلبان، شكله عادي، شعره منكوش وهدومه رخيصة… مش واحد بالجمال ده!"
رغدة من غير ما تبص لها، ردت ببرود: "عادي يا نسرين، في ناس حلوين حتى لو فقرا."
نسرين ضربت كفها في الكنبة بضيق: "لا مش عادي! ده لو قالولي ده موديل عالمي مش هكذب! يعني عيونه، طريقته، مشيته… الولد ده مش طبيعي!"
صفية ضحكت ضحكة خفيفة وقالت: "على أساس إنك وقعتيله من أول نظرة؟"
نسرين رفعت عينيها بحدة: "وقعتله إيه بس؟ بس مستغربة! واحد زيه يتجوز واحدة زي دي؟ يعني بصوا لها… عادية، ملهاش أي حاجة مميزة، طرحة وعباية مهلهلة، لبسها أي كلام، حتى طريقتها في الكلام ملهاش ثقة! إزاي سعيد يبص لواحدة كده؟"
رغدة أخيرًا رفعت عينيها من الموبايل وقالت وهي بتبتسم بسخرية: "ومين قال إنه بص لها؟ مش يمكن هو متجوزها لغرض معين؟"
نسرين فكرت شوية، وبعدها ابتسمت بخبث وهي بتقول: "ممكن… وده اللي هيخلي الموضوع ممتع أكتر، لازم نعرف الحكاية، وأكيد هعرف هو مين بالضبط!"
صفية اتكأت لقدام وهي مبتسمة: "وإيه خطتك؟"
نسرين رفعت كوب العصير بتاعها ورشفت منه بهدوء، عيونها فيها لمعة تحدي: "استنوا وشوفوا!"
رغدة رفعت حاجبها وهي بتبص لنسرين بسخرية: "نسرين، انتي ناوية تعملي إيه بالضبط؟ هتجري وراه؟"
نسرين ضحكت وهي بتمط شفافيها: "أنا أجري ورا بواب؟! لا حبيبتي، بس لازم أفهم هو إيه حكايته… أي الجمال ده كله، وكمان الجواز إزاي اتجوز واحدة زي دي! حاجات كتير مش راكبة على بعضها."
رغدة هزت راسها وقالت: "نسرين، يمكن انتي بتفكري زيادة في الموضوع؟"
نسرين رفعت كوباية العصير بتاعتها وهي بتبص فيها، وبعدين همست بابتسامة خفيفة: "وإيه يعني لو فكرت؟ لما حاجة تشدني، لازم أعرف كل حاجة عنها… وسعيد شدني، أو يمكن… مش سعيد اللي شدني، لكن فكرته."
صفية ضيقت عيونها وهي بتقول بدهاء: "قصدي إنك مش هتسبيه في حاله؟"
نسرين ابتسمت بثقة وقالت: "وهو مين قال إنه عايش في حاله أصلاً؟ يا بنات، الدنيا لعبة، وأنا بحب ألاعب!"
رغدة زفرت بسخرية وهي بترجع للموبايل بتاعها: "يا ساتر، سعيد الله يكون في عونه!"
نسرين لمعت عيونها وهي بتقرب من رغدة وصفية وهمست بحماس: "وإنتوا هتشوفوا، حاجات كتير لسه هتحصل."
***
في ركن هادئ عند البوابة الرئيسية حيث جلس سعيد مع عبد الحق بعيدًا عن الأنظار. عبد الحق رجل قوي، يظهر عليه الحكمة والمراس من سنين طويلة في العمل داخل هذه الفيلا. سعيد، وهو بيحاول يدخل نفسه في اللعبة ما هو مش جاي عشان يبقى مجرد بواب قرر أن يفتح معه الموضوع.
سعيد: "لو سمحت، ياعبد الحق… أنا مش عايز أكون مجرد بواب. عايز أكون أكتر من كده… عايز أأمن مستقبلي أنا ومراتي… عايز أكون جزء من شغل أكبر في الفيلا دي."
عبد الحق يلتفت إليه، عينيه مليئة بالخبرة والمكر. يعكس وجهه الثقة والرؤية العميقة عن كل ما يحدث حوله في الفيلا.
عبد الحق: "أنت ولد ذكي يا سعيد… بس عايز أقولك حاجة… لو عايز توصل لأبعد من كده، لازم تعرف كويس الناس اللي حواليك هنا. خليل وفؤاد، ولاد منصور، دي ناس مش ساهلة. مش بس لأنهم أولاد صاحب المكان… لكن لأنهم بيحاولوا دايمًا يظهروا أنهم مش محتاجين لحد تاني. وده عشان يثبتوا إنهم هم اللي لازم يديروا كل حاجة هنا."
سعيد بحذر: "يعني هم مش هيقبلوا حد يتدخل في شغلهم؟"
عبد الحق: "هم مش هيسكتوا بسهولة… وخصوصًا لو شافوك بتتحرك بسرعة. بس في نفس الوقت، لو قدرت تكسب ثقة منصور، هتكون ذراع منصور اليمين. هتبقى في قلب اللعبة دي، وتقدر تضمن مستقبلك ومستقبل عيالك. هو دايمًا بيحب الناس الذكية اللي دماغها شغالة. لو لاحظ إنك عندك عقلية فريدة ودماغ حلوة ونظيفة، هتكون عنده في الصدارة."
سعيد: "وأنا أعمل إيه عشان أكسب ثقته؟"
عبد الحق: "خلي بالك… منصور مش بس بيعتمد على أولاده وأحفاده… هو بيعتبرهم ذراعه اليمين، بس دايمًا في حاجة بتسحب الزمام منهم. هو أسراره تكمل مع اللي يقدروا يحافظوا عليها… لو عرفوا إنك فاهم اللعبة دي، هتكون أكتر من مجرد خادم عنده. هتكون زي النجوم اللي بتلمع… وهتبدأ تبقى جزء من اللعبة الحقيقية."
سعيد: بنبرة حاسمة "أنا هثبت له إني أستاهل ثقته. هكون ذراعه اليمين، ومش هسيب الفرصة تفوت."
عبد الحق يبتسم بخبث، عينيه تكشفان عن إعجابه بذكاء سعيد، لكنه كان حذرًا.
عبد الحق: "خليك ذكي في خطواتك. مش أي حركة هتعدي هنا. وكن جاهز دايمًا، لأنه مش كل حاجة هتكون تحت إيدك… لكن لو لقيت نفسك في مكانة أعلى، هتكون مفيش حاجة توقفك."
سعيد: بحذر "عبد الحق… أنا عايز أعرف إزاي أقدر أكسب ثقة منصور. مش عايز أكون بس واحد في الخلفية، أنا عايز أكون جزء من اللعبة دي. إزاي أقدر أخليه يثق فيّ؟"
عبد الحق ينظر إليه بتمعن، ثم يتنهد ببطء، عينيه تبدو كأنها تقرأ في أعماق سعيد.
عبد الحق: "أول حاجة يا سعيد… منصور مش زي أي شخص تاني. هو مش بيحب الحركات الزايدة أو التظاهر. هو بيحب الناس اللي عندهم عقل شغال ويفهموا اللعبة من جوه. مش عايزك تبين له إنك بتجري وراء منصب أو شغل، هو هيشوف ده كأنه طمع، وهيبعد عنك. لكن لو أثبتله إنك جاي عشان تحافظ على مكانك وتبني ثقة، ده اللي هينجح."
سعيد: "يعني، عايزني أكون هادي وما أظهرش حاجات قدامه؟"
عبد الحق: "بالضبط. لكن ده مش معناه إنك تكون ضعيف. منصور بيحب الناس اللي بيدوروا وبيشتغلوا في الخفاء، بس عارفين إزاي يطلعوا في الوقت المناسب. خليهم يلاحظوك وإنت بتعمل شغلك بإتقان، وإنك ما بتحاولش تبين إنك عايز حاجة أكتر. ده اللي هيخليه يحترمك."
عبد الحق يتوقف للحظة، يلاحظ تعبير وجه سعيد ويكمل حديثه بنبرة أكثر جدية.
عبد الحق: "وبعدين، منصور عنده شيء واحد بيقدره أكتر من أي شيء تاني… الولاء. لو كنت مخلص في شغلك، وعرفت تحافظ على سمعته، وتحمي أسراره، هتلاقيه بيراعي لك كل شيء. بس مش هيوثق فيك بسهولة، لازم تثبت له إنه يستاهل يديك الفرصة."
سعيد: بحماس "أنا مستعد، عبد الحق. هثبت له إني مخلص وهأخذ كل فرصة أقدر عليها. إزاي أبدأ؟"
عبد الحق: مبتسم ابتسامة نصفية "أنت بالفعل بدأت… بس خليك دايمًا في الخلفية لحد ما تلاقي الفرصة المناسبة. خلي منصور يلاحظ إنك شخص بيفهم ويعرف يعمل كل حاجة بكفاءة. وفي الوقت المناسب، هتكون ذراعه اليمين. وده لو قدرت تحافظ على ده، هتلاقي نفسك مش مجرد موظف عنده، هتكون جزء من قوته."
سعيد يبتسم بتصميم، عينيه تتوقدان عزمًا. فهم أن الطريق طويل، لكنه مستعد للخطوات القادمة.
سعيد: "أنا هشتغل على كده. مش هخلي الفرصة تفوتني."
عبد الحق يربت على كتفه، بينما ينظر إلى الأفق وكأن رؤيته المستقبلية تتسع لأبعاد أكبر.
عبد الحق: "إذا قدرت تكسب ثقته، مش بس هتبني مستقبلك… هتقدر تسيطر على كل حاجة حواليك."
سعيد ينظر إلى عبد الحق بتصميم، ويبدأ في التفكير في الخطوات التالية التي يجب أن يتخذها ليكسب مكانه داخل هذا العالم المعقد.
***
في الصالون.
نسرين كانت جالسة على الكنبة، وبجانبها رغدة و صفيه. كانوا بيضحكوا مع بعض، وعينيهم على هنيه اللي كانت بتعدي قدامهم. فجأة، نسرين نظرت ليها باستخفاف وسخرية وقالت بصوت متعالي: "أنا مش مستغربة، والله. الحاجة الوحيدة اللي مش قادر أفهمها هي ازاي واحد زي القمر يتجوز واحدة زيك؟ احكيلي كده."
تلتفت نسرين إلى رغدة وصفيه، وتضحك بطريقة غير مباشرة، وكأنها بتستفز هنيه. ثم تنظر لها مرة تانية، وتكمل بنبرة ساخرة.
نسرين: "احكي لنا كده… إزاي اتجوزتي سعيد؟ إزاي الجواز حصل؟"
ليلى، رغم السخرية في كلمات نسرين، تبتسم وتظل مبتعدة عن الانفعال وتبقى هادئة وترد بابتسامة خفيفة، وعيونها مليئة بالمرح.
ليلى: بابتسامة مرحة وهادئة حاولت تبان طبيعية وقالت مبتسمة: "والله سعيد ده كل البنات هتموت عليه. أنا ذات نفسي كنت بقول كده زي ما انت بتقولي اتجوزني أنا على خيبة إيه بس عشان الأصول والتقاليد ما انت عارفه بقى الواد لبنت عمه."
نسرين: بدهشة ورافعة حاجبها "إيه ده؟! هو سعيد ابن عمك؟!"
هنيه أومأت برأسها بحركة عفوية وهي مبتسمة.
هنيه: بمرح وعفوية "أيوه، ابن عمي … لسه متجوزين من قريب، ما بقى لناش سنة… يعتبر عرسان جداد لو تحبوا أوريكم ألبوم الصور بتاعي."
نسرين باستعلاء: "في وقت تاني دلوقتي روحي كملي شغلك اللي كنت بتعمليه." كانها قصدت تبين لهنيه انها مجرد خدامة.
رغم كده ليلى بكل مهنية واحترام أتقول "حاضر" وتمشي.
ليلى لنفسها: شكل الأيام اللي جايه مش هتبقى سهلة خالص مش عارفة هلاقيها من مروان ده واللي من دول هما كمان.
رواية زواج في الظل الفصل الرابع 4 - بقلم ياسمين عطيه
بعد يوم طويل، فضلت ليلى شغالة في التنظيف، بتلمع الأرض وتمسح التراب، وتحاول تبان على طبيعتها قدام باقي الخدم.
في حين إن أركان كان مشغول بفتح الباب وقفله كل شوية، عمال يراقب الناس اللي داخلة و خارجة، بيدرس كل حركة، ويفكر هيزرع نفسه وسطهم إزاي عشان يعرف كل كبيرة وصغيرة عن العصابة.
في أوضة النوم البسيطة اللي مخصصينها لهم، ليلى كانت قاعدة على السرير بتتكلم بحماس، بتحكي لأركان اللي حصل طول اليوم، عن الست اللي كانت بتزعق لها عشان سابت بقعة مية على الأرض، وعن الراجل اللي سألها عن أكل النهاردة كأنها شغالة عنده بقالها سنين.
ليلى وهي بتتكلم كانت متحمسة، بس أركان كان قاعد ساكت، إيده متشابكة، وعينه متعلقة بالسقف، سامعها بس مش مركز، مستني أي كلمة ممكن تكون مفيدة للمهمة، لكن من وجهة نظره كل اللي بتقوله مالوش أي قيمة.
وفجأة، وهو بيمسح إيده على وشه، لمح ظل حد واقف عند الشباك، ملامحه ما كانتش واضحة بسبب العتمة، بس الحركة كانت واضحة جدًا. بسرعة شاور لليلى على بُقه بمعنى تسكت. ليلى سكتت فورًا، قلبها دق بسرعة، عيونها اتسعت بخوف.
أركان رفع إيده وفتح الشباك فجأة، ولقي نسرين واقفة بتبص عليهم بعيون مليانة فضول، اتلبخت لما شافته، لكنها بسرعة رسمت ابتسامة مصطنعة وقالت بصوت ناعم:
نسرين: “كنت بسأل لو محتاجين حاجة!”
أركان رفع حواجبه، وقرب منها شوية وهو بيحاول يخفي نبرة السخرية:
أركان: “وأنتِ بقالك قد إيه بتسألي؟”
نسرين ابتسمت ابتسامة مغلولة وهي بتعدل طرحتها:
نسرين: “يا راجل ده أنا لسه واقفة حالًا!”
أركان ابتسم ببرود وهو بيقفل الشباك بهدوء، ثم بص ليلى وقال بصوت منخفض:
أركان: “شكلنا مش لوحدنا هنا أبدًا، خلي بالك وإحنا بنتكلم.”
ليلى بلعت ريقها وهزت رأسها بالموافقة، لكنها كانت متأكدة إن نسرين ما وقفتش عند الشباك دي بالصدفة.
لفه نسرين وخبطت على الباب.
أركان فتح الباب بهدوء بص لنسرين بنظرة حادة، لكنها بسرعة رسمت ابتسامة واسعة كأنها مش عاملة حاجة غلط.
نسرين: “أنا كنت بس جاية أسأل لو محتاجين حاجة… وبالمرة كنت عايزة أشوف ألبوم فرحك يا هنية، أكيد عندك صور حلوة، مش كده؟”
ليلى بصت لأركان كأنها بتستنجد بيه، لكنه فضل ساكت، عارف إنهم لازم يفضلوا في الدور وما يثيروش أي شكوك.
ليلى بابتسامة متوترة: “آه طبعًا… بس هو بسيط يعني، مش حاجة واو.”
نسرين ضحكت ضحكة خفيفة وقالت: “ولا يهمك، تعالي معايا أنا ورغدة وصفية، نقعد مع بعض شوية.”
أركان رفع حاجبه، كان عارف إن الموضوع مش مجرد فضول بريء، بس اضطر يوافق بإيماءة بسيطة لليلى، اللي وقفت بتردد ومسحت إيدها في هدومها بتوتر.
لما دخلت ليلى الأوضة الفخمة اللي كانوا قاعدين فيها، أول ما شافتها رغدة وصفيه بدأوا يرمقوها بنظرات متعالية.
رغدة بابتسامة صفراء: “ياه… العروسة وصلت! بصراحة يا هنية، أول مرة أشوف خدامة تعمل فرح، كان عامل إزاي بقى؟ فين المكان؟ فوق السطوح ولا في حوش البيت؟”
ضحكوا كلهم بصوت عالي، وليلى حسّت بإهانة شديدة، بس حاولت تتمالك نفسها.
صفية بتريقة: “وأكيد الفستان كان من سوق الجمعة، ولا لبستي اللي كنتي بتخدمي بيه وزودتي طرحة؟”
نسرين بضحكة جانبية: “لا يا بنتي، أكيد فستانها كان مميز، يمكن كان فيه تطريز كده من اللي بنشوفه على المفارش!”
ضحكوا تاني، وليلى حسّت عينيها بتدمع، لكنها بلعت غصتها، مش هتبين ضعفها قدامهم.
وفجأة الباب اتفتح بعنف، وصوت ست غاضب ملأ المكان:
“إنتوا إزاي قاعدين مع خدامة؟! دي مش من مستواكم!”
كانت صباح، والدة رغدة، كانت واقفة وعينيها مليانة استحقار وهي بتبص لليلى، ونوال، والدة صفية، كانت جنبها بنفس النظرة.
ليلى حسّت إنها مش قادرة تتنفس للحظة، قلبها كان بيدق بسرعة، لكنها قررت تفضل ثابتة… مهما حصل، هي مش هتضعف قدامهم!
صباح واقفة قدام ليلى، باستعلاء واضح في نبرة صوتها، قالت:
” انزلي يا بنت شوفي وراكي إيه تحت.”
ليلى، في قلبها خايفة، حست بقشعريرة، لكن حاولت تسيطر على نفسها. ابتسمت بس ابتسامة متوترة، نزلت ببطء، شايلة ألبوم الصور في حضنها، وكل خطوة كانت بتزيد من وزن الهم اللي على قلبها. الدمعة كانت قريبة، بس قبل ما تنزل، مسحت دموعها بسرعة.
ما كانتش عايزة تبين لأي حد إنها متأثرة، خصوصًا قدامهم.
لما وصلت لتحت، شافت أركان واقف، كان واقف زي ما هو دايمًا، بارد، لكن النهاردة كان فيه حاجة في عينيه خلتها تحس إنه لاحظ حاجة. بس نظراته كانت مليانة تساؤل، يمكن حس إن في حاجة مش مظبوطة، بس ما قالش حاجة.
في اللحظة دي، ليلى كانت مش قادرة تتحكم في دموعها، بس حاولت تبين إني هي مش مهتمة بكل ده، ومش هتسمح لأحد يشوف ضعفها. قررت تواصل المشي، دخلت الأوضة ونامت على السرير، اتنهدت بعمق عشان تحاول تهدى.
اثناء ليلي وهي ماشية في الجنينة، مروان شفها من بعيد بيقول بنبرة مليانة وقاحة:
“أفضلك بس يا قمر، ومش هحلك.”
طاهر لاحظ مروان بيبص لحد، فسأله وهو بيرفع حاجبه بشك:
“مين دي؟”
مروان غمز بطريقته المعروفة وقال بابتسامة متعجرفة:
“البت الخدامة الجديدة.”
سليم ضحك بصوت واضح وقال وهو بيهز راسه:
“يا ابني حرام عليك، انت طفشتهم كلهم، ارحم نفسك وارحمنا.”
مروان كان قاعد بمزاج رايق، شارد بعينيه كأنه بيستمتع بفكرته، وقال وهو بيتنهد وكأنه بيتكلم عن شيء مقدس:
“الستات دي كيف زي الهوا كده، انت تقدر تعيش من غير هوا؟”
سليم ضحك أكتر وهز راسه:
“لا طبعًا، ازاي!”
مروان ضحك بخبث، وبعدها رجع لطبعه المستهتر وهو بيقول:
“نفس المبدا بالظبط جبت الستات في الشقة يا عادل.”
عادل، قال رسول بشهوه وهو بيعدل وضعه:
“جاهزين، أربع ستات فورتيك على الفرازة.”
مروان قعد يضحك ضحكته المستفزة وقال وهو بيبص لعادل بنظرة كلها استمتاع:
“أحبك وانت مدلعني يلا بينا ”
ــــــــــــــــــــــــــ
في الطابق العلوي، وقفت صفية عند الشباك، عينيها مليانة غضب وهي بتراقب المشهد اللي تحت. مروان كان ماشي قدامها بثقة، وبيركب العربيه هو والشباب كلها.
صوتها كان عالي وهي بتزعق:
“شوفي ابنك الصايع يا مرات عمي! واخدهم أهودي، وتلاقيهم رايحين على الشقة بتاعته اللي بيعمل فيها كل حاجة وحشه وكر لكل البلاوي! أنا مش فاهمة إزاي جدي ساكت لهم!”
صباح كانت قاعدة على الكرسي الهزاز، رجل على رجل، وبضحكة خفيفة كلها لا مبالاة، ردت وهي بتشرب قهوتها:
“شباب يا بنتي، وبيعشوا لهم يومين.”
صفية اتنفضت، حركت إيديها بتوتر، ملامحها كانت متشنجة وهي بتقول بحدة:
“يومين إيه يا مرات عمي؟ ده قرف وحرام! أنا مش عارفة إزاي ما عندهمش دم، ولا حتى اللي المفروض هتجوزوا، مهما أقول ومهما أمنعه، بيعمل اللي في دماغه بردو ولا ولا كاني فارقه معه!”
نوال كانت قاعدة جنب صباح، عدلت الإيشارب بتاعها بهدوء وقالت بصوت بارد:
“يا بنتي الرجالة دي أكتر صنف عندي، أي حاجة تقولي له عليها لا، هيروح يعملها. كبّري دماغك، ده يومين وهيبطل. أول ما هيتجوزك، ربنا هيهديه.”
صفية شهقت بصدمة، حركت إيديها بعصبية، وصرخت وهي تبص لهم وكأنهم مخلوقات غريبة:
“أنا مش فاهمة إزاي بتفكروا بالسلبية دي!”
بصت ناحية رغدة ونسرين، عينيها مليانة رجاء:
“ما تتكلموا! ما تقولوا حاجة! ولا أنتم راضيين عن الوضع؟”
نسرين هزت كتفها بلا مبالاة، وعملت حركة بشفايفها كأنها بتقول “وأنا مالي؟”. كانت قاعدة على الكنبة بتلعب في موبايلها، كأن الكلام ده مش يخصها.
أما رغدة فكانت غارقة في التفكير، صوتها طلع أخيرًا، لكنه كان محمل بخيبة الأمل:
“أنا وجعت قلبي كتير مع أخوكي، وهو ماشي مع أخويا البايظ ومبوظه.”
صباح فجأة صوتها علي وهي بتزعق:
“بس يا بنت! ما تقوليش على أخوكي كده!”
رغدة زفرت بضيق، عينيها فيها مرارة:
“أهو دلعك ده هو اللي مبوظ ومخليه يعمل اللي بيعمله ده!”
صباح رفعت حاجبها، ضربت رغدة بكف إيديها على كتفها بخفة، لكنها كانت نظرة تهديد:
“ما تعليش صوتك عليا، وبعدين إحنا مش في قعدة وعظ. الرجالة كده، بمزاجك وغصب عنك انت هتتجوزي سليم وصفيه هتتجوز عادل وطاهر هيتجوز نسرين ومروان نبقى نشوف له عروسه بنت ناس برده.”
نسرين كانت قاعدة على الكنبة بإهمال، رجل فوق رجل، وعينيها فيها تحدي واضح، مسكت كوب العصير اللي قدامها ورجته ببطء، قبل ما ترفع حاجبها بسخرية وهي بتقول:
“أنا قلت مية مرة… أنا مش هتجوز طاهر طب رغده بتحب سليم وصفية بتحب عادل انا مش بحب طاهر”.
صباح كانت قاعدة على الكرسي الهزاز، إيدها متشابكة قدامها، نظرتها كانت ثابتة على نسرين وكأنها بتفكر إزاي تسيطر عليها، صوتها طلع هادي لكنه كان محمل بحدة واضحة:
“بس طاهر بيحبك! مش مهم انتِ بتحبيه ولا لأ.”
نسرين ضحكت بسخرية، رمت الكوباية على الترابيزة بحدة، ومالت بجسمها لقدام وهي بتبصلها بتحدي، صوتها كان مليان عناد وهي بترد:
“وده اسمه إيه بقى؟ جواز بالإجبار؟”
نوال كانت قاعدة جنب صباح عينيها كانت كلها جبروت، رفعت كف إيدها بإشارة تحذير وهي بتتكلم بصوت منخفض لكنه كان قاطع:
“اللي جدكم هيقول عليه هو اللي هيحصل… مفيش حاجة بمزاجكم، انتوا مش مخيرين!”
نسرين بصتلهم بعدم اهتمام، سحبت نفس عميق ونفخته بكسل، قبل ما تقوم من مكانها وتعدل هدومها:
“أنا مش عيلة عشان حد يفرض عليَّ حاجة، واللي في دماغي هو اللي هيحصل.”
صباح وقفت فجأة، الكرسي الهزاز اتحرك وراه بقوة مع حركتها، عينيها كانت بتلمع بغضب وهي بتوجه كلامها لنسرين:
“أوعي تكوني فاكرة إنك أقوى مني! اللي هيحصل، هيحصل، سواء برضاك أو غصب عنك.”
نسرين بصتلها نظرة كلها برود، قبل ما ترفع حاجبها تاني، وضحكة خفيفة تلعب على شفايفها:
“هنشوف مين اللي هيكسب في الآخر.”
وسابتهم وخرجت، وهي عارفة إنها أشعلت نار مش هتنطفي بسهولة.
ــــــــــــــــــــــ
في الغرفة اركان وليلى اللي نورها خافت، كان أركان بس فجأة حس بحركة خفيفة جنبه.
ليلى بهدوء، زحفت ناحية أركان، كأنها بشكل لا واعي بتدور على أي أمان وسط دوامة التعب والوجع اللي جواها. راسها استندت على كتفه برفق، نفسها كان منتظم لكنه تقيل، كأنها كانت بتقاوم البكاء طول الليل، وجسمها كان واضح عليه الإرهاق.
أركان حس بيها، عينيه فتحت ببطء، مش باندهاش، لأنه تقريبًا بقى متوقع ده، بص ليها بطرف عينه، ملامحها في النور الخافت كانت باينة عليها الإنهاك، والوجع اللي مكانش محتاج كلام عشان يتقال.
عادته دايمًا إنه لو حس بحركة بيصحى، ينبه نفسه، يبقى في حالة استعداد، بس المرة دي سابها.
مكنش رومانسي، مكنش حتى تعاطف صريح، كان مجرد لحظة فهم، لحظة إدراك إنه مش لازم يقول حاجة أو يعمل حاجة، يكفي بس إنه ميتحركش، ميسحبش نفسه بعيد، ميسيبهاش تحس إنها لوحدها أكتر ما هي حاسة.
غمض عينيه تاني، نفس عميق خرج منه، وقرر إنه لو ده هيديها إحساس بالأمان ولو للحظة، فهو مش هياخده منها.
ــــــــــــــــــــــ
صباح يوم جديد على الجميع.
ليلى فتحت عينيها ببطء، دماغها لسه تقيلة من النوم، بس فجأة استوعبت الوضعية اللي هي فيها… نفس المكان، نفس الوضع، نفس القرب اللي كان المفروض ميحصلش تاني، بس حصل.
عينيها اتسعت بسرعة، وقلبها دق بقوة وهي بتبعد نفسها بسرعة، تحاول تلم نفسها كأنها كانت عاملة كارثة. أركان كان لسه مغمض عينيه، بس واضح إنه حاسس بالحركة، نفس عميق خرج منه وهو بيفتح عينه ببطء، نظرة واحدة ليها كانت كفاية عشان يفهم إنها في قمة الإحراج.
ليلى بارتباك، وهي بتشد الغطا على نفسها كأنها بتحاول تخفي نفسها فيه:
“والله غصب عني… السرير ضيق وتقريبًا دي حركات تلقائية فيَّا، أنا أصلًا حتى لو كنت في بيتنا كنت بحضن المخدة، بس زي ما انت شايف… ما فيش مخدة عشان أحضنها.”
حاولت تضحك ضحكة متوترة وهي بتحاول تبرر، بس صوتها كان مهزوز، مش قادرة تبص في عينه حتى.
أركان قعد على السرير بكسل وهو بيعدل وضعه، نظرته كانت هادية وفيها لمعة خفيفة، ابتسامة جانبية ظهرت على شفايفه وهو بيقول بمرح:
“فبتحضنيني أنا بدل المخدة يعني؟”
ليلى شهقت وهي بتحمر، بسرعة نطت من على السرير وهي بتلخبط في كلامها:
“لااااا! مش قصدي كده… أنا… أنا كنت نايمة وخلاص… مش بإيدي والله!”
أركان ضحك ضحكة خفيفة وهو بيهز راسه:
“عارف… بس شكلك لسه متعودة على الوضع ده، يا ترى إمتى بقى هتبطلي العادة دي؟”
ليلى وقفت عند الباب وهي بتحاول تلاقي رد مناسب، بس عقلها كان متوقف تمامًا، ملامحها مشحونة بالخجل، وفي الآخر قالت بسرعة:
“أنا… أنا هروح أشوف ورايا إيه.”
وطلعت بسرعة وهي بتداري وشها، سابت أركان وراه بيهز راسه بابتسامة خفيفة، شافها خجولة للمرة الأولى بالشكل ده، ودا شيء غريب… بس مش سيئ.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
كانت السفرة مليانة بأصناف الأكل، ورغم الدفء الظاهري في الجو، كان فيه توتر واضح. صباح وهي بترمي نظرة جانبية لنسرين، كانت بتقصد تضايقها، ابتسامة خفيفة على طرف شفايفها وهي بتتكلم بصوت ناعم لكنه يحمل خبث:
“بقولك إيه يا بابا… إحنا عايزين نفرح بقى، أنا شايفة إن ده الوقت المناسب… عايزة أشيل أحفادي، مش كفاية اللي استنينا!”
صلاح وهو بيهز رأسه ببطء، صوته كان تقيل وكأنه بيصدر قرار:
“فكرة مناسبة… ولا إيه رأيكم يا شباب؟”
كل الأصوات جاوبت في وقت واحد، كأنهم حفظوا الرد:
“اللي تشوفيه يا جدو.”
كلهم… إلا نسرين.
نسرين كانت قاعدة بملامح متوترة، دقات قلبها عليت، وإيدها شالت المعلقة من الطبق ببطء. خدت نفس عميق، بس قررت تقولها:
“لا… أنا مش موافقة.”
المكان كله سكت… الكل بص لها كأنها عملت كارثة.
مخلد جدها رفع عينه ليها، ووشه اتقلب في لحظة، عروقه نبضت على جبينه، ومع أول رعشة غضب في صوته، المكان كله اتكهرب:
“إنتِ إزاي تقدري تردي عليا؟! إزاي صوتك يطلع قدامي؟!”
صوته انفجر في المكان زي الرعد، قلب السفرة بالكامل، الأكواب اهتزت، وحتى الملاعق سكتت وسط الأطباق. كل اللي قاعدين بقوا في حالة ذهول، محدش نطق.
نسرين خدت خطوة للخلف لا إرادياً، وشها بقى شاحب، بس نظرتها فضلت ثابتة رغم أنفاسها المرتبكة.
مخلد ضرب بكفه على الطاولة بقوة، الطبق اللي قدامه اتحرك، وصوته نزل زي المطرقة:
“اعتراض إيه؟! القرار اتاخد… والفرح الخميس الجاي!”
سكت لحظة وهو بيحدق فيها بنظرة تخلي الدم يتجمد في العروق:
“واسمع صوتك تاني… بس مش اعتراض!”
كل اللي قاعدين حسوا بالقشعريرة، نسرين ابتلعت ريقها بصعوبة، بس كان واضح إنها مش قادرة ترد… مش قادرة حتى تتنفس.
وبعد ما مشي الجد.
نسرين سابت السفرة ودموعها على خدها، قلبها كان بيدق بسرعة وهي بتجري على أوضتها، مش قادرة تستوعب اللي حصل، مش قادرة تصدق إن حياتها بتتحدد في لحظة بدون ما يكون ليها أي رأي.
طاهر كان متابعها بنظرة مكسورة، إيده اللي كانت مسنودة على الطاولة قبضت عليها بقوة، كان زعلان… زعلان عليها، وزعلان على نفسه، لأنه رغم كل حاجة، بيحبها… وهي ما بتبادلهش أي مشاعر.
بعد ما الجد مشي، فضل الصمت لحظة تقيلة، قبل ما صفية تبص لمراة عمها بعتاب، صوتها كان هادي بس فيه نبرة اعتراض واضحة:
“ليه كده يعني؟”
صباح رفعت حاجبها باستخفاف وهي بتاخد رشفة من كوب الشاي اللي قدامها، نبرتها باردة:
“هو أنا اللي كنت قلت لها تعترض على قرار جدها؟!”
رغدة حطت إيدها على الطاولة وهي بتبص لصباح بعدم رضا:
“أنتِ قصدك تستفزيها عشان هي اعترضت امبارح… كنتِ تستني فترة وبعدين تفتحي الموضوع، مش على الحامي كده!”
نوال ضحكت ضحكة قصيرة وهي بتحط معلقتها بهدوء، نظرتها فيها خبث واضح:
“حلاوتها وهي على الحامي! وبعدين كفاية كده… ده الوقت المناسب عشان تتجوزوا، هو أنتوا هتقعدوا لما توصلوا للتلاتينات؟!”
صمت لحظة… قبل ما تضيف بنبرة واثقة وهي بتقلب عينيها على البنات:
“اللي في دماغ جدكم هو اللي هيحصل، وكل واحدة فيكم تعرف مكانها كويس، مش مستني رأي من حد!”
الجو كان خانق، كله ساكت… بس الصمت كان بيتكلم أكتر من الكلام نفسه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في المطبخ.
المطبخ كان مليان حركة… الأطباق بتتوضب، الشاي بيتصب، والخدم قاعدين على طبلية صغيرة في ركن المطبخ، بيحاولوا يفطروا بسرعة قبل ما حد ينادي عليهم. الجو كان عادي… لحد ما فجأة صوت الجد هز المكان، صوته كان عالي بشكل مرعب، وكأن البيت نفسه اهتز من العصبية اللي فيه.
ليلى كانت لسه بتحاول تبلع لقمة العيش اللي في بقها، لكن أول ما سمعت الصوت انتفضت، اللقمة وقفت في زورها، قلبها دق بسرعة، وبصت حواليها بخوف واستغراب.
ليلى (بتوتر وهي تبص للي حواليها): إيه اللي بيحصل بره؟!
بطه وهي بتقوم من على الاكل: دا شكلها القيامة قامت… حد عصّبه ولا إيه؟
أم سعاد (وهي تمسح إيديها في مريولها وتهز راسها بيأس): محتاج حد يعصّبه؟! هو من غير حاجة عصبي!
محروس (وهو يبلع ريقه بخوف، ويبص للباب وكأنه متوقع أي حد يدخل ويزعق فيهم): ربنا يستر… العصبية دي غالبًا هتنزل علينا إحنا في الآخر!
صابر (بمرح وهو يرفع الحلة الصغيرة اللي قدامه ويغمز لليلى): أهو اديك شفتي بعينك، عشان بعد كده تبقي تفكري ألف مرة قبل ما تزعليه!
ليلى (بترمش مرتين، ولسه مش مستوعبة الفوضى اللي برا): دا شكله مرعب أوي… الناس هنا بتستحمل العصبية دي إزاي؟
محروس (وهو يضحك بسخرية): محدش بيستحمل… إحنا بنتعايش!
بطه رفعت رأسها، ونظرت لهم نظرة حادة. كانت بتوجه الكلام، ومفيش مكان لأي تهاون أو تقصير.
بطخ (بصوت حاد): النهاردة كل واحد يخلي باله من شغله كويس قوي، مش عايزة أي غلطة، لو في الأيام العادية بتخلوا بالكم من شغلكم وتلتزموا بكل حاجة بنسبة 100%، النهاردة التزموا بنسبة 110%. مش عايزة ولا غلطة عشان ما يحطوش غلبهم فينا.
كل اللي حواليها كانوا مستمعين بتركيز، عارفين إن أي خطأ صغير ممكن يكلفهم كتير.
بطه (تكمل بجدية): كل واحد على شغله، مش عايزة كسل النهاردة خالص، لازم يكون الكل في قمة الانتباه والتركيز. فاهمين؟
الكل كده، اللي بيمسح، اللي بيطبخ، اللي بترتب، عارفين إن أي تقصير مش هيتحمل في اليوم ده. فكل واحد فيهم بدأ يحس بمسؤولية أكتر، وفي نفس الوقت كان في توتر في الجو.
بعد ما خلصت كلامها، الكل بدأ يروح كل واحد لشغله، ولكن كان واضح إن الجو في المكان كان مليان بالقلق والتركيز الشديد على التفاصيل.
ــــــــــــــــــــــ
في أوضة نسرين.
كانت الأوضة شبه مقلوبة… الكرسي واقع، المخدة مترمية على الأرض، والتسريحة مبهدلة، وكأن إعصار عدى منها. نسرين كانت واقفة قدام الشباك، كتافها مرفوعة، نفسها سريع، ودموعها بتنزل وهي مش قادرة تمسحها… كانت بتغلي، حرفيًا هتولع من الغضب.
دخلت صفيه ورغدة بسرعة، قفلوا الباب وراهُم، نظراتهم كانت مليانة توتر، عارفين إن الليلة سودا.
نسرين (بعصبية وانفعال، وهي بتلف فجأة عليهم): أنا مش فاهمة إزاي دي تبقى أمي بجد!! دي عاملة رباطية عليّ! أنا خلاص مش قادرة أستحمل، هي ومرات عمي نفس العقلية… اتفقوا عليّ من ورايا… ولا كأن ليّا رأي في حياتي!
صفيه (بحدة، وهي بتتمسك بأطراف الفستان بقهر): ولا أمّي الاثنين بيكملوا بعض، متفاهمين في كل حاجة… بس علينا إحنا بس!
رغدة (بحاجب مرفوع وبسخرية مُرة، وهي ترجع خطوة لورا): ما هو عشان أخوات، هيختلفوا إزاي يعني؟! عايزاهم يضربوا بعض عشان نرتاح؟!
نسرين (وهي تعدل وقفتها وتهز راسها بغيظ): بس أنا مش هسكت!
صفيه (بتنهيدة ثقيلة ونبرة مليانة إحباط): وسّعتي الموضوع أوي يا نسرين، إحنا أصلا ولا على الخريطة، لا أبويا ولا أمك بيفكروا في رأينا!
رغدة (وهي ترفع إيدها بعجز): ولو فكّروا… برضو مش هنعرف نعمل حاجة! إحنا مجرد كراسي في بيت العيلة… يقعدونا في المكان اللي هم عايزينه، ويقومونا وقت ما يحبّوا!
نسرين (بغضب مكتوم، وهي تعصر أصابعها): بس أنا مش كرسى! ومش هخلي حد يتحكم فيّ!
صفيه ورغدة بصوا لبعض، كأنهم بيقولوا بصوت صامت: “هي هتعمل إيه؟”
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
في مكتب صلاح.
كان المساء قد حلّ، وليلى كانت تكمل آخر خطوة في تنظيف المكتب، لكن فجأة سمعت أصوات داخل المكتب. ترددت لحظة، ثم قررت تستخبى في الحمام اللي في المكتب. قلبها كان بيدق بسرعة، مش فاهمة إيه اللي بيحصل برا.
وأثناء ما هي جوا الحمام، حاولت تراقب الوضع بصمت. سمعت صوت الجد صلاح، قاعد على المكتب، وكأن بيمرر تعليماته. كان عينيه بتتجول على الوجوه أمامه بحذر، وحسيت نبرات صوته بتعكس ثقل الكلام. صوت أولاده وأحفاده كان واضح في الخلفية.
صلاح (بصوت حازم): احنا هنقوم بالمهمة يوم الفرح، الخميس الجاي.
فؤاد رفع حاجب، مستغربًا من التوقيت.
فؤاد (بصوت غير متأكد): بس احنا يا بابا، هنبقى ملخومين في الفرح، مش هنعرف نركز في المهمة زي ما احنا عايزين.
خليل (بيضحك معترضًا): فعلاً يا بابا، دا حتى وقت الفرح ممكن يشتت كل التركيز.
صلاح (بتنهدة، وهو بيركز فيهم): هتفضلوا طول عمركم أغبيه، ما هو ده التمويه، ما تفتكرش يا فؤاد، الخطة سهلة مش زي ما أنت فاكر.
مروان كان قاعد ساكت، لكن نظراته كانت مليانة ذكاء.
مروان (بابتسامة هادئة): مية على مية يا جدي، دماغ شغالة طول عمرك.
طاهر مؤيد لكلام مروان: اكيد عندك خطه محكمه ومتخطط ليها من بدري يا جدي.
الحاج صلاح بنظره بعيده المدى: طبعا وجه وقتها على المناسبين.
ما كانت ليلى جوا الحمام تستمع لكل كلمة بترتفع في الغرفة، بدأت التفاصيل تتكشف تدريجيًا. الخطط كانت متقنة، ولا مجال للخطأ. كانت صلاح بيتكلم بحذر، وكأن كل كلمة كان حريص عليها، وهو بيقول لأولاده وأحفاده التفاصيل الدقيقة عن المهمة المرتقبة.
صلاح (بجدية وحزم): الخطة هي كالتالي، الخميس الجاي هنكون في الفرح، زي ما اتفقنا. بس المهمة هتكون في الفرح نفسه.
سليم (مستغربًا): ازاي.
صلاح (بيتنهد): في مكان مش بعيد ومش قريب عن الفرح انا عيني بنفسي هتبقي علي الرجاله وكل الناس هتكون مشغولة بالاحتفالات، ده التمويه اللي هيساعدنا.
عادل (بغموض وحذر): يعني، ماحدش مننا هيبقى موجود في المهمة؟
صلاح (بصوت هادئ ومركز): لا، إحنا هنبقى زي الظل، محدش هيظهر بشكل واضح في المهمة. أنا هحرك كل حاجة من مكاني، إنتو ارقصوا واستمتعوا مع عرايسكم.
سليم (بقلق وحذر): طب مين هيكون موجود في التسليم؟ يعني لازم حد يستلم البضاعة في اللحظة دي.
صلاح (مباشرًا وبثقة): أنا هبعت عبد الحق ورجالته، وهم هيتعاملوا مع التسليم. أنا هكون عيني عليهم من بعيد، وهشوف كل خطوة بيعملوها. الموضوع كله مش هيحتاج أكتر من خمس دقائق، سلم واستلم وبس.
طاهر: يعني لو كل حاجة مشت تمام، هيكون الموضوع خلص في لحظات.
صلاح (بحزم): بالضبط. لازم كل شيء يكون مضبوط، من البداية للنهاية، عشان نخرج من الموضوع ده من غير ما نلاقي أي مشاكل. والخطة واضحة للجميع.
عادل (بتأكيد): واضح، وده اللي هيخلي المهمة تمشي بدون ما حد يلاحظ.
مروان (مستمتع بخطة جده): الخطة دي هتنجح من قبل ما تبتدي.
الكل: إن شاء الله.
في لحظة من التوتر، كانت ليلى جالسة في الحمام، مختبئة وراء الباب المغلق، أنفاسها متسارعة وقلبها يدق بسرعة. كان كل شيء حولها مظلم وهادئ، لكن الصوت الذي وصلها من الخارج جعل الدماء تتجمد في عروقها.
مروان قام فجأة من مكانه، ورفع صوته ليعلن ما كان يفكر فيه، وهو يتحرك نحو الباب.
مروان (بصوت عادي، لكنه بدا عليه نوع من التأكيد): أنا داخل الحمام.
ليلى تراجعت في مكانها، عينيها مليانة رعب، وهي بتحاول تتحكم في نفسها علشان ما تكشفش نفسها. كانت تتمنى في هذه اللحظه ان تتشق الارض وتبتلعها، كل شيء حولها أصبح مقلق. رائحة الخوف كانت تملأ الجو، وهي مش قادرة حتى تتنفس بشكل طبيعي.
صوت خطوات مروان بدأ يقترب من الحمام، خطواته الثقيلة وضعت كل شيء في حالة تأهب. ليلى كانت بتحاول تبقى هادئة، لكن قلبها كان بيدق بشدة، وكل جزء فيها كان بيصرخ.
هي حاولت تحبس أنفاسها، وتخلي نفسها غير مرئية، كان عندها شعور إن في أي لحظة ممكن الباب يفتح وتنكشف. فماذا لو عرفوا إنها جوا؟ ماذا لو كانت نهاية اللعبة هنا؟
صوت الخطوات كان أقرب، وكل خطوة كانت بتمزق قلبها. كانت عينيها ملتصقة بالباب، ومافيش مكان للاختباء غير المكان اللي هي فيه.
في اللحظة دي، الصوت بقى أقرب لدرجة إنها سمعت صوت التنفس.
ليلى فكرت في كل الخيارات، لكن كان الوقت متأخر، وماكانش فيه مجال للهروب أو الاختباء بشكل أفضل.
وفجاه…
رواية زواج في الظل الفصل الخامس 5 - بقلم ياسمين عطيه
في أوضة أركان.
كان أركان واقف عند الشباك، إيده في جيبه وعينيه معلقة في الظلام برا. الوقت عدى أكتر من اللازم، وهي لسه مرجعتش. في الأول كان متجاهل، بعدين بدأ يلاحظ، ودلوقتي الفكرة اللي خطرت في باله مش مريحاه نهائي.
أركان (بيغمغم): هي ممكن تكون هربت؟
فكرة مجنونة، بس مش مستبعدة. ممكن تكون زهقت وقررت تهرب بعيد عن كل ده؟ عن المهمة؟ عنه؟ العقلانية بتاعته بتقول إن مفيش فرصة، بس الجزء اللي مش مطمئن مش قادر يستبعد الاحتمال.
قرب من المكتب وسحب الموبايل، شاف الوقت، وبعدها رماه تاني. مش هيبقى غبي ويسأل حد عنها، ويبوظ كل الخطه. ممكن تكون لسه بتعمل حاجة في الفيلا ومشغولة.
أركان (وهو بيتمتم بضيق): طب ما تيجي تعرفني بقى بدل ما عقلي يلف في السيناريوهات دي؟
لف بسرعة ناحية الباب، وكأنه قرر يتحرك بدل ما يفضل واقف مكانه. حتى لو الفكرة مستفزة، هو مش هيسيب الاحتمالات تلعب في دماغه أكتر من كده، خصوصاً الساعة بقت 1 بالليل.
كان أركان خلاص ناوي يفتح الباب، لكن فجأة، الباب اتفتح بعنف وليلى دخلت بسرعة، وهي مبلولة من فوق لتحت، وشها كان أحمر. هدومها كانت ملزقة فيها، ووشها معجون بالخوف والاضطراب.
وقف مصدوم، عينه اتسعت وهو بيبصلها بتركيز. شكلها كان كارثة.
أركان (ببرود مصطنع، رغم إن الصدمة كانت باينة في نبرته): إنتي كنتي بتلعبي ماتش تحت المطر ولا إيه؟
ليلى حاولت تتكلم، بس نفسها كان مقطوع، وملامحها بتقول إنها مش قادرة تستوعب أي حاجة غير إنها في الأوضة أخيرًا، وفي أمان.
أركان (بهدوء غريب، وهو بيقفل الباب وبيبص لها بتركيز): كنتي فين؟ وليه داخلة عليا بالشكل ده؟
ليلى: كنت هتكشف! كنت هتكشف يا أخويا، وكل حاجة كانت هتبوظ! كنا هنروح في أبو بلاش!
كانت ليلى واقفة قدام أركان، لسه أنفاسها متلاحقة من اللي عاشته، وإيدها بتترعش وهي بتحاول تفك الطرحة اللي كانت لاففاها حوالين راسها. التوتر والعرق بلل القماش، وحسّت إنه بقى خانق عليها، فرفعت إيديها بسرعة وبدأت تفكه.
أركان كان واقف قصادها، عينه مسلطة عليها، شايف كل حركة بتعملها. أول ما الطرحة انسحبت من على راسها، كان كأنه الزمن وقف للحظة.
خصلاتها الطويلة انسابت براحة على ضهرها وكتافها، لونها الذهبي انعكس مع إضاءة الأوضة، كأنها شعاع نور مفاجئ وسط العتمة. بعض الخصل كانت لسه ملتصقة بجبهتها من العرق، لكنها رفعت إيديها وسرحتها ببطء، كأنها مش واعية إنه لأول مرة بتكشف شعرها قدامه.
أركان ما اتحركش، لكنه حسّ بحاجة غريبة، نظراته ثبتت على تفاصيل شعرها، على طريقته وهو بيتحرك مع كل نفس بتاخده. ملامحه كانت جامدة كالعادة، لكن عينه نطقت بحاجات كتير متتقالش بالكلام.
ليلى (بتنهيدة وهي بتمسح العرق عن جبينها): الطرحة كانت خنقاني… حسيت إني هتخنق بيها والله!
حاولت تجمع شعرها بسرعة وتلفه تاني، لكن لحظتها كان عدّى. لحظة صغيرة، بس سابت أثر واضح في الجو اللي حواليهم.
ليلى (بسرعة ولهفة): بس إيه… عرفت لك شوية معلومات لوز العنب! مش عارفة من غيري كنت هتعمل إيه. أنا لازم تزودوا لي فلوسي بعد اللي شوفته النهارده، ده أنا قلبي كان هيقف!
أركان كان واقف قدامها، ملامحه جامدة بس عينه كانت بتراقب كل حركة فيها، كل رعشة في صوتها، وكل نفس متقطع بتاخده.
ليلى (بتحاول تهدي نفسها، بس صوتها لسه بيترعش): وقعدت أسمعهم، كلهم، سمعت اللي بيقولوه في المكتب…
أركان (بتركيز شديد، وصوته تقيل): كمّلي اللي حصل.
ليلى (بتاخد نفس، وبتحط إيدها على قلبها): استنى، باخد نفسي من الرعب اللي أنا عيشته…
عينها سرحت، وهي بتسترجع المشهد في عقلها، ولسه الإحساس مسيطر عليها. أما أركان، فكان واقف، ملامحه متجمدة، بس عينيه كانت مليانة أسئلة… والأهم، قلق ما كانش قادر يخفيه.
فلاش باك – داخل الحمام في مكتب الجد صلاح.
ليلى كانت حابسة نفسها، حرفيًا. أنفاسها كانت متقطعة، وكل خلية في جسمها مشدودة على الآخر، وهي سامعة الكلام اللي بيتقال برا. عقلها كان بيحاول يستوعب حجم المصيبة اللي سمعتها، بس فجأة…
مروان (وهو بيقوم): أنا داخل الحمام.
ليلى حسّت إن قلبها وقع في رجليها. جملة واحدة، لكنها كانت كفيلة تخلي الدنيا تظلم في عينيها. مشاعر متلخبطة بين الرعب والتوتر والخوف سيطرت عليها، وهي سامعة صوت خطواته بتقرب من الحمام، الأرض تحتها كانت كأنها بتتهز، ونبضاتها كانت بتدق كأنها هتنفجر.
ليلى (في عقلها، وهي بتضغط على بؤها عشان ما تطلعش صوت): يا نهار إسود ومنيل… أنا كده خلاص هتكشف!
الإيد على المقبض، اللحظة الحاسمة قربت، ومفيش مفر. عينها جابت كل زوايا الحمام في جزء من الثانية، بتدور على أي مهرب، أي حاجة ممكن تخليها تفلت من الكارثة اللي على وشك تحصل.
لكن، قبل ما الباب يتفتح…
عادل (بحركة سريعة، وهو بيحط إيده على كتف مروان): يلا بينا يا أسطى، أنا عايز أودع العزوبية الأيام الجاية، مش ناقص غير قنبلة الغم والهم اللي هتتحط عليَّ.
ضحكوا كلهم، والموقف اتحول لتهريج. مروان رفع إيده عن المقبض، واتراجع بخطواته مع الباقيين، وصوتهم بيتلاشى تدريجيًا وهم خارجين من المكتب.
ليلى فضلت متسمرة مكانها، مش مصدقة إن اللحظة عدّت… وإنها نجت بأعجوبة. أخدت نفس عميق، بس حسّت إن قلبها مش ناوي يهدى بسهولة.
نهاية الفلاش باك.
ليلى (وهي بتتنفس بصعوبة، وبتمسك دراع أركان): أنا كان قلبي هيقف! حرفيًا كنت هتكشف، وكل حاجة كانت هتبوظ! كنا هنروح في أبو بلاش! كنت حاسة إن دي نهايتي، لو كنت اتقفشت… يا نهار أسود، كنتوا هتودوني في داهية.
أركان كان ساكت وهو بيراقبها. مش عارف هو مستغرب من إيه أكتر… شكلها وهي متوترة، ولا صوتها اللي كان بيرتعش وهي بتحكي، ولا فكرة إنها كانت على بعد لحظة واحدة من إنها تتكشف. حس بحاجة غريبة جواه، إحساس جديد عليه، مش خوف عليها بالمعنى الحرفي، بس كان فيه حاجة تخليه مش قادر يتجاهل اللي حصل.
هي قصاده بقالها تلات أيام، وده أول موقف يخليه يحس بوجودها بالشكل ده. بس ليه؟ مش المفروض ده يحصل أصلاً. مش دي البنت اللي أجبرته الظروف إنه يكون معاها؟ مش المفروض إنه شايفها مجرد جزء من المهمة وبس؟ طب ليه دلوقتي ملامحها وهي مذعورة مش قادرة تخرج من دماغه؟
هز راسه بخفة كأنه بيطرد الأفكار اللي بدأت تتسلل لعقله، وبعدها اتكلم بصوته الهادي المعتاد، وكأن مفيش حاجة غريبة بتحصل جواه.
أركان (بهدوء، لكن بنظرة مركزة عليها): إهدي شوية، وركزي معايا… اللي قلتيه ده كله مهم، بس التفاصيل اللي جايه أهم. جدهم قال بالظبط إيه عن التسليم؟
ليلى (بتحاول تهدى، لكنها لسه مرتبكة): قال إن عبد الحق ورجالته هيبقوا في المكان اللي مش بعيد ومش قريب من الفرح… والتسليم هيتم في خمس دقايق بس، سلم واستلم، من غير ما حد يحس بحاجة.
أركان (بيهز راسه وهو بيستوعب المعلومة): خمس دقايق بس… ده معناه إن العملية كلها هتتم بسرعة، ودي مخاطرة كبيرة.
ليلى (بقلق): بالظبط! وكمان الجد صلاح قال إنه هيتابع كل حاجة من بعيد، يعني أكيد عنده ناس تراقب الوضع، ولو حصلت غلطة صغيرة، هنكشف إحنا كمان.
أركان (بعينين ضيقة، وكأنه بيرسم خطة في دماغه): ده اللي كنت عايز أوصله… لازم نعرف المكان اللي هيتم فيه التسليم بالضبط، قبل أي حد فيهم.
ليلى (بتحاول تستوعب كلامه، لكنها لسه تحت تأثير الرعب): بس إحنا هنعرف إزاي؟ أنا سمعت جزء كبير، بس ما ذكروش مكان التسليم بالتحديد.
أركان (بهدوء خطير): يبقى لازم نلاقي الطريقة اللي تخليهم ينطقوا بالمكان… من غير ما يحسوا.
سمعوا صوت طرقات هادية لكن تقيلة على الباب. أركان رفع عينه ناحية الباب بسرعة، إحساس داخلي بيقوله إنه عارف مين ورا الباب وفتح الباب بحذر.
وقف قدامه عبد الحق بملامحه الجامدة، عينه فيها لمعة، ابتسامة بالكاد ظاهرة على طرف شفايفه.
عبد الحق وهو بيبص له نظرة تقيلة: "عايزك في كلمتين."
أركان ما ردش، بس حس إن اللي جاي مش عادي. خرج وقف قدامه، وقفل الباب وراه وهو بيعدل وضعه، عينه بتترصد عبد الحق اللي كان باين عليه إنه مبسوط بحاجة.
عبد الحق بابتسامة خفيفة، لكن صوته مليان جدية: "جات لك الفرصة اللي كنت مستنيها… ومستنيها بجد، الفرصة اللي تثبت بيها نفسك، وتبقى جوه الدايرة الكبيرة."
أركان ثبت نظراته عليه، ملامحه ما تغيرتش، لكن عقله كان بيفكر في كل السيناريوهات اللي ممكن تحصل.
عبد الحق وهو بيقرب: "بكره في مهمة، وأنا محتاجك معايا. لو أثبت نفسك فيها، هتكون واحد مننا رسمي، وهتبقى موجود في كل حاجة بعد كده… فاهمني؟ المستقبل كله مفتوح قدامك، ومستقبل مراتك كمان."
عبد الحق بحزم: "بكره هاجي لك أقول لك كل التفاصيل، وعايز رد واضح وصريح. الفرصة دي مش بتتكرر، فكر كويس."
رماه بنظرة طويلة قبل ما يسيبه ويمشي، وأركان فضل واقف مكانه، عينه متركزة على الفراغ قدامه، لكن دماغه كانت بتلف بسرعة.
رجع للأوضة، قفل الباب بهدوء، لكن عقله كان عاصفة. لو وافق، هيبقى قريب منهم أكتر، لكن لو رفض، هيفقد فرصته الوحيدة للوصول لقلب العصابة.
مسك الموبايل، قرر إنه مش هياخد القرار لوحده. ضغط على رقم والده، واستنى الرنات اللي كانت بطيئة بشكل مستفز، لحد ما سمع صوت عدلي من الناحية التانية.
عدلي بصوت هادي لكنه حازم: "خير يا أركان؟"
أركان بلهجة جدية، لكنها: "حصلت حاجة، ولازم تعرفها."
بدأ يحكي له عن المهمة، عن إن عبد الحق عايزه يدخل وسطهم رسمي، عن إنه هيبقى قريب من الشبكة أكتر من أي وقت فات.
كان أركان واقف في نص الأوضة، الموبايل في إيده، وإيده التانية متشابكة ورا رقبته وهو بيحاول يستوعب الموقف. صوت عدلي كان هادي كعادته، لكنه تقيل، مليان بمعاني أركان فهمها كويس.
عدلي ببرود مدروس: "المهمة دي هتمشي وتعدي زي ما هم عايزين، مش هنوقفها ولا هنتدخل."
أركان شدد مسكته للموبايل، حس بنبضات قلبه بتزيد، مش لأنه متفاجئ، هو كان متوقع الرد ده، لكنه كان مستني يسمعه بنفسه.
أركان بصوت ثابت، لكنه متسائل: "إحنا هنسيبهم ينفذوها؟ هنسيب الصفقة تعدي؟"
عدلي بحزم: "بالظبط. إحنا مش هدفنا المهمة دي، إحنا هدفنا الرأس الكبيرة، مش شوية عيال بينفذوا أوامر. لو وقفنا دي، مش هنكسب حاجة، بالعكس، هنخسر الفرصة اللي لسه جايه قدامنا."
أركان سكت، عقلُه بيحسب كل خطوة، هو فاهم الكلام، وفاهم المغزى، لكن ده معناه إنه هيشارك في حاجة هو عارف إنها غلط… ولو فكر في الأمر بمنطق الضابط، هو حرفيًا بيشارك في جريمة.
عدلي بصوت أخفض، لكنه قاطع كل أفكار أركان: "أنت عايز توقعهم كلهم مرة واحدة؟ يبقى لازم تمشي مع الموجة لحد ما تيجي اللحظة الصح. لو كنت مكانهم، كنت هتشُك في حد لسه داخل معاهم وبدأ يوقف شغلهم؟"
أركان بلع ريقه، حرك إيده في شعره وهو بيتنفس بعمق. هو عارف إن كلام والده منطقي، لكن الإحساس الداخلي بالمسؤولية كان تقيل على صدره.
أركان أخيرًا رد، بصوت هادي لكن حاسم: "فهمت. يعني دلوقتي كل المطلوب إني أنفذ من غير ما أسيب أي شكوك ورايا."
عدلي بلهجة حاسمة: "بالظبط. خلي بالك من كل خطوة، وحافظ على غطاك. المهمة دي مجرد خطوة، مش النهاية. والمهمة دي هتخليك تكسب ثقة منصور، خطوة منك تبقى ذراعه اليمين في يوم."
أركان شدد مسكته للموبايل أكتر، عينيه كانت مسلطة في الفراغ قدامه وهو بيستوعب الكلام. الجملة الأخيرة دي كان لها وزن تقيل، معناها إنه مش بس داخل وسطهم… لا، ده داخل عشان يبقى واحد منهم، لازم يقنعهم إنه معاهم بجد، لازم يكسب ثقتهم للدرجة اللي تخليهم يعتمدوا عليه.
بلع ريقه وهو بيرد بصوت أخفض: "وأنا لو وصلت للمرحلة دي، تبقى دي نهايتهم."
عدلي بابتسامة خفيفة لكنها خالية من أي تساهل: "بالظبط. بس تفضل محافظ على نفسك، ما تنجرفش يا أركان… فاهمني؟"
أركان أخد نفس عميق، وهو بيرد بجملة واحدة حاسمة: "فاهمك."
أركان قفل المكالمة بعد ما استوعب كل كلمة. المهمة هتمشي، واللعبة لسه في أولها… والرهان دلوقتي بقى أعلى من أي وقت فات.
بعد ما أنهى أركان مكالمته مع والده، أخد نفس عميق ومسح كفه على وشه، كأن الحركة دي هتشيل من عليه جزء من التوتر اللي حصله النهاردة. المهمة اللي جايه مش سهلة، وكل خطوة فيها محسوبة بدقة، بس مفيش مجال للغلط.
بص ناحية السرير، ليلى كانت غارقة في نوم عميق، ملامحها هادية بشكل غريب عن طبيعتها العفريتية اللي طول الوقت بتسبب له صداع. كان اليوم طويل ومتعب، وهي واضح إنها استنفدت كل طاقتها.
اتحرك بهدوء، قفل النور، وراح نام جنبها. وقبل حتى ما يحاول ياخد راحته في النوم، حس بيها بتتحرك، وكأنها لا إراديًا بتدور على مكانها المعتاد. وبعد لحظات، زي كل مرة، لقاها بتقرب، وفي حركة طبيعية تمامًا، راحت لحضنه، كأنها خلاص اتعودت على وجوده، وكأن ده مكانها الطبيعي.
أركان شدد شفايفه، عينه فضلت ساهرة لدقايق، مش مستوعب إزاي حاجة زي دي بقت عادية… بس هو كان مرهق، واليوم فعلاً كان طويل. فكر للحظة إنه يقوم، لكنه في الآخر اختار إنه يسيبها، يسحب نفس عميق، ويغمض عينه… بكرة يوم جديد، ومحدش عارف اللي جاي مخبي إيه.
أركان فتح عينه بصعوبة مع أول خيوط الصبح اللي دخلت من الشباك، حاسس بجسم دافي قريب منه كالعادة. ما أخدش وقت عشان يستوعب إنها ليلى، لكن… المرة دي كان في حاجة مختلفة.
عينيه نزلت تلقائيًا لشعرها اللي كان مفروش على ضهرها بالكامل، الطرحة اللي دايمًا مغطيه كل حاجة واضح إنها كان ليها رأي تاني أثناء النوم، وانفكت بهدوء، مخلياه يشوفها بشكل مختلف لأول مرة. الخصلات الطويلة، اللي فيها لمعة دهبية خفيفة مع نور الصبح، كانت مفرودة كأنها مرسومة بعناية، والملمس الناعم واضح حتى من بعيد.
نظرته اتسمرت عليها، كأنه لأول مرة ياخد باله إن ليلى… بنت، مش بس مصدر إزعاج متحرك زي ما كان شايفها دايمًا. لحظة إدراك غريبة خبطت في عقله، هو إيه اللي بيحصل؟ اللي يشوف المشهد دا يقول مشهد لعشاق، مش مجرد اتنين في مهمة؟
شد نفس عميق ومسح على وشه بإيده، لازم يفوق، دي ليلى… مش أي حد. وقبل ما يسيب نفسه للأفكار اللي بدأت تتسلل لعقله، قرر ينهي الموقف بالطريقة اللي متعود عليها… "يا بنتي قومي من حضني بقى، هو إيه؟ مفيش يوم هصحى ألاقيك نايمة مطرحك الطبيعي؟"
ليلى تحركت بكسل، لسه بين النوم والصحيان، وغمغمت بصوت مبحوح: "ممم… خمس دقايق كمان، الدنيا برد."
أركان عقد حواجبه وهو يبص لها، وهي مش بس مستريحة، دي كمان بتتحجج عشان تفضل في حضنه!
شد نفسه لتحت شوية وهو يقول بنبرة أخف لكنها فيها تحذير: "ليلى، فوقي بقى. مش ناقص أصحى ألاقيكي مستوطنة في حضني رسمي!"
فتحت عنيها نص فتحة، ولسه بتستوعب الوضع، بس أول ما حست بجسمه جنبها وقربها منه، كأن صدمة كهربائية ضربتها! قفزت في مكانها بسرعة، وشها احمر وهي ترفع الطرحة بسرعة وترجعها على راسها، صوتها طالع متلخبط: "إيه ده! لا لا، أنا كنت نايمة بعيد! إنت اللي أكيد جيت ناحيتي، صح؟"
أركان بص لها بسخرية، مدي إيده جنب السرير وقال بهدوء مستفز: "أها… طبعًا، أنا اللي بقوم وأنايم نفسي هنا، مش إنتي اللي كل يوم بتسيبي مطرحك وتجيلي!"
ليلى ضغطت شفايفها ببعض بإحراج، وهي بتحاول تلاقي أي رد مقنع، لكن في الآخر اكتفت إنها تعدل الطرحة وترفع راسها بفخر مصطنع: "ما علينا، المهم إننا لازم نبدأ يومنا، عندنا حاجات أهم من النقاش الفاضي ده!"
أركان ضحك بخفة، وهو يهز راسه: "أحسن، عشان بصراحة… مش هخلص منك، واضح إنك ناوية تدخلي في روتيني الصباحي بالعافية."
نهض من السرير، وهو بيزفر بهدوء عشان يطرد أي تفكير مش لازم، ولسه بيحاول يفهم اللي حصل، بس الحاجة اللي كان متأكد منها دلوقتي… إن ليلى بقت مشكلة مش سهلة في حياته، ومش بسبب المهمة بس.
***
مرت تلات أيام بنفس الروتين، ليلى مشغولة من الفجر لحد نص الليل في تجهيزات الفرح، بتنظف، بتجهّز القاعة، بتساعد في ترتيب أوض العرايس اللي هيقعدوا فيها، وشغلها ما كانش بيخلص. كانت بتتحرك في الفيلا كأنها ترس صغير في ماكينة كبيرة، كل الناس فوق دماغها، وكل حد ليه طلبات.
أما أركان، فكان هادي، متابع من بعيد، منتظر اللحظة اللي كل حاجة فيها هتتغير، اللحظة اللي هيدخل فيها في لعبته الجديدة مع عبد الحق. لكن في وسط كل ده، كان في حاجة تانية غريبة.. حاجة بقت شبه الروتين عنده. كان عارف إن النهارده برضه، مهما حصل، مهما كانت ليلى مرهقة، هتصحى تلاقي نفسها في نفس المكان.. في حضنه. يمكن لأول مرة، أركان حس إن العادة دي مش غلطة، لأ.. بقت جزء من حياتهم، حتى لو ما حدش فيهم عايز يعترف بده.
بس بقت عادة.. مش مجرد غلطة بتحصل مرة واتنين، لا، حاجة ثابتة، جزء من يومها من غير ما تفكر حتى. أول ما تنام، تلاقي نفسها هناك، في حضنه. مهما حاولت تقاوم، مهما فكرت إنها هتاخد بالها، برضه بتصحى تلاقي نفسها في نفس المكان.
أركان ما بقاش بيقول حاجة، في الأول كان بيبعدها، كان بيحاول يفوقها، بس مع الوقت.. مع كل مرة كان بيصحى يلاقيها كده، ما بقاش يندهش حتى، بس خلاص اتعود. بقت بالنسباله حاجة عادية، كأنه عارف إن مفيش فايدة، وإنها مهما حاولت، برضه هتلاقي نفسها هناك في الآخر.
أما ليلى، فمكنتش فاهمة ليه ده بيحصل، ليه كل يوم بتلاقي نفسها في نفس الوضع، بس في التلات أيام اللي فاتوا.. كانت تعبانة، مرهقة لدرجة إن مكنش عندها طاقة تفكر أو حتى تحاول تمنع نفسها. كانت بتشتغل ليل نهار، رجليها بتوجعها، جسمها منهك، ومع كل ليلة كانت بتلاقي نفسها غرقانة في حضنه، ومش بس غصب عنها.. لا، كانت بتحس إنه علاج، اللحظة اللي بتصحى فيها وتلاقي نفسها هناك، وكأن جسمها كان عارف إنها محتاجة ده، محتاجة حاجة تطمنها وسط التعب ده كله.
وهي عارفة، عارفة إنها بكرة هتصحى تلاقي نفسها في نفس المكان، مهما حصل.. ما فيش فايدة.
***
وأخيرًا، جه اليوم المنتظر.. الخميس، اللي الكل مستنيه، مش بس العيلة، لأ.. البلد كلها. أربع ولاد، أربع بنات، فرح واحد، وكأن الدنيا كلها بتحتفل.
كانت الأصوات مالية المكان، مفيش ناحية إلا وفيها دوشة، زغاريط، ضحك، أصوات بتنادي على بعض، واللي بيجهزوا حاجة، واللي بيطلبوا حاجة تانية. حتى البهايم كان ليها نصيب في الهرجلة دي، صوت العجول اللي بتدبح، عشر عجول كاملة، كأنها إعلان إن النهارده يوم مش عادي.
ليلى كانت في وسط المطبخ، مش لاحقة تاخد نفسها، عمالة تلف من هنا لهنا، حد بينده عليها من ناحية، وحد تاني بيناديها من الناحية التانية، وهما أصلاً مش عارفين اسمها الحقيقي، بس ده مكنش فارق، المهم تخلص اللي وراها. إيديها بتتحرك بسرعة، عقلها بقى مبرمج على الاستجابة لأي حد يقول “يا بت”.
أما أركان، فكان هادي، متابع من بعيد، منتظر اللحظة اللي كل حاجة فيها هتتغير، اللحظة اللي هيدخل فيها في لعبته الجديدة مع عبد الحق. لكن في وسط كل ده، كان في حاجة تانية غريبة.. حاجة بقت شبه الروتين عنده. كان عارف إن النهارده برضه، مهما حصل، مهما كانت ليلى مرهقة، هتصحى تلاقي نفسها في نفس المكان.. في حضنه. يمكن لأول مرة، أركان حس إن العادة دي مش غلطة، لأ.. بقت جزء من حياتهم، حتى لو ما حدش فيهم عايز يعترف بده.
في مطبخ الفيلا.
ليلى كانت واقفة جنب الطاولة، بتاكل بسرعة وهي ملخبطة ما بين التفكير والتعب. الشغل في الفيلا مكركبها، وكل شوية حد ينادي عليها بحاجة. الجو في المطبخ كان سخن من كتر الطبيخ، وصوت الحلة اللي بتغلي كان عامل دوشة خفيفة مع أصوات باقي الخدامين اللي رايحين جايين.
دخلت بطه وهي شايلة صينية الأكل، وقفت جنبها وقالت بسرعة:
خدي يا هنية، ودي الأكل لجوزك والرجالة اللي معاه عند البوابة.
ليلى رفعت عينيها بتلقائية، فكرت ترد وتقول إنها مش فاضية، لكن سكتت.. دي حاجة روتينية خلاص، زي إنها بتصحى تلاقي نفسها في حضنه كل يوم. تنهدت وهي بتقوم تاخد الصينية، وقالت بنبرة عادية:
حاضر، هوديها.
خرجت من المطبخ، ماشية بخطوات سريعة، متعودة على الحركات دي. لما وصلت عند البوابة، كان أركان واقف مع الرجالة، بيتكلموا بهدوء عن حاجة ما. بصوا كلهم عليها للحظة، لكن نظراتهم كانت عابرة.. إلا واحد، نظرة أركان كانت مختلفة شوية، مش اندهاش ولا اهتمام، لكن كأن المشهد ده متكرر وبقى عادي.
مدت له الصينية وقالت بسرعة وهي مش باصة عليه:
الأكل.
أركان أخدها من غير تعليق، قال بهدوء:
تمام.
لحظة سريعة عدت بينهم.. لا رومانسية، لا توتر، بس شيء بقى شبه العادة. ليلى ما استنتش، لفت بسرعة ورجعت تمشي، عارفة إنها لو فضلت واقفة ثواني زيادة، ممكن تلاقي نفسها بتفكر في حاجات مالهاش لازمة.
أركان كان ماسك الصينية، بس في اللحظة اللي ليلى لفت فيها عشان تمشي، عينه فضلت عليها لحظة زيادة. المرة دي، مش مجرد نظرة عابرة.. لا، كان بيراقبها بجد.
من ثلاث أيام وهو شايف، شايف كل حاجة.. شايف هي بتشتغل إزاي، إزاي بتتحمل التعب، إزاي وهي بتنهار بس لسه واقفة على رجليها، إزاي كل مرة بتوصل فيها لحدودها بتاخد نفس وتكمل.
كان عارف إنها بنت شقيانة في حياتها، بس مش بالشكل ده.. مش بالشكل اللي يخلي حد يشيل فوق طاقته بالشكل ده، ويتحمل، ويضحك، ويكمل كأنه عادي.
في اللحظة دي بس، فهم حاجة كان بيتجاهلها.. فهم ليه أبوه مصمم عليها بالذات، ليه كان شايفها مختلفة عن أي بنت تانية، ليه كان مقتنع إنها هي اللي المفروض تكون معاه.
ما قالش حاجة، بس عينيه فضلت عليها لحد ما اختفت وسط الزحمة.
عند البوابة – وسط الرجالة.
أركان كان لسه ماسك الصينية، عينه لسه متتبعة ليلى وهي ماشية بعيد، من غير ما يحس إن نظراته كانت واضحة للرجالة اللي حواليه.
أحد الرجال (بضحكة جانبية وهو بيخبطه بكوعه): "إيه يا عم، محسسني إنك أول مرة تشوفها؟ مش أنت وهي مع بعض ليل نهار؟"
رجل آخر (بضحكة ساخرة): "يا عم ده عريس جديد، لسه متجوز ما بقالوش سنة.. تعالى شوفني أنا ومراتي، ما بطيقش أبص في وشها!"
ضحكوا الرجالة، وأركان فاق للحظة، شد ملامحه ورجع لطبيعته بسرعة، مسك الصينية بإحكام وقال بمرح مجاريهم: "كل واحد ونصيبه بقى."
ضحكوا الرجالة تاني، لكن هو كان لسه ذهنه مشغول.. يمكن فعلاً لأول مرة بدأ يشوفها بشكل مختلف، ويمكن لأول مرة حس إنه فاهم ليه أبوه كان مصر عليها بالشكل ده.
في المكان نفسه – بعيد عن الأنظار.
نسرين كانت واقفة على بُعد، بتشوف كل حاجة من بعيد. عيونها كانت مشغولة بالمشهد قدامها، وهي بتتأمل ليلى وأركان. في قلبها كان في خليط من المشاعر؛ غيرة، كره، حقد.
وهي واقفة، سرحت في اللحظة اللي كانت بتتمنى فيها لو كان أركان هو اللي ابن عمها، لو كان هو اللي هيتجوزها النهارده بدل طاهر. لكن في نفس الوقت، كان في إحساس تاني داخلها؛ إحساس بالفقد. ليه مش هي؟ ليه هو مش معاها؟
في الأيام الثلاثة الأخيرة، كانت بتعيش حالة من العدم، كأنها كانت بتنتقل بين الحياة والموت. ما كان عندهاش استعداد تتجوز طاهر، ومع ذلك كانت عاجزة عن الاعتراض. شافت النتيجة مرة لما حاولت تعترض على حاجة، وعرفت إن كلامها ما هيغيرش حاجة.
لكن لحد دلوقتي، كانت مش قادرة تتقبل فكرة الزواج، حتى لو كان ده مصيرها اللي حطته ليها العيلة. كانت متشبثة بشعور داخلي يرفض الفكرة، رغم إن يوم الفرح وصل.
فجأة لفت عينها سيارة كانت جاهزة للانطلاق، والعربيات اللي كانت خارجة من المكان كانت فرصة لا تفوت.
فكرت في فكرة مجنونة، بس كانت في لحظة يأس من كل شيء. خلاص ما عندهاش حاجة تخسرها. من غير ما تعطي لنفسها وقت للتفكير، جريت بسرعة واختبأت في العربية وسط الزحمة، وكان قلبها بيدق بسرعة.
العربية بدأت تتحرك، والأصوات في الفرح كانت بتعلو بعيد عنها، بس في داخلها كان في صوت تاني، صوت من الخوف والحيرة، هل ده كان القرار الصح؟ لكن كان الوضع كله خارج عن إرادتها، وكان الهروب هو الحل الوحيد قدامها.
العربية تحركت وابتعدت عن المكان، وهي لسه مش مصدقة اللي عملته، بس كانت عارفة إنها مش هترجع تاني لورا.
رواية زواج في الظل الفصل السادس 6 - بقلم ياسمين عطيه
في غرفة البنات، كان الجو مشحونًا.
صباح كانت في قمة توترها وعصبيتها، مش قادرة تفهم إزاي مش قادرين يعرفوا مكان نسرين. الأفكار بتدور في دماغها بسرعة.
صباح (بغضب شديد): “يعني إيه مش عارفين هي فين؟ الفرح بعد كم ساعه هنتفضح قدام الكل وسيرتنا هتبقى على كل لسان!”
نوال (بتكلم صفية، وهي شديدة القلق): “صفية، أنا عارفة إنك ما بتكدبيش، قوليلي بس هي هربت على فين؟ قبل ما جدك يقتلنا كلنا.”
صفية (بعيون مليانة خوف): “والله يا ماما، ما نعرف هي فين. هي فجأة اختفت، وما شفناهاش بعد كده. قلنا يمكن عايزة تهدى شوية بعيد عن ضغط الفرح.”
رغدة (وهي بتمسح دموعها): “دي المرة الأولى اللى نسرين تختفي فيها من غير ما تقول.”
نوال (بصوت حازم، وهي بتبص لصباح): “لازم نلاقيها بسرعة. لو ما لقيناهاش، خلاص، أنتم عارفين جدكم هيعمل فينا إيه… هيقتلنا كلنا!”
فجأة، سمعوا صوت ماكانوش يتمنوا يسمعوه في تلك اللحظة. صوت عصبى وقوي، مثل زئير عاصف يخترق صمت الجو المشحون. كان الصوت هو صوت الحاج صلاح، وصوته كان مليئًا بالغضب والعصبية لدرجة أن الأرض اهتزت تحت تأثيره.
الحاج صلاح (بغضب شديد، وهو بيصرخ): “دي مين دي اللي مش لاقينها؟! أنا فعلاً هقتلكم كلكم! بنتك فين يا صباح؟!”
صباح (بخوف شديدة، بصت لتحت وكأنها طفلة ارتكبت جريمة): “والله يا بابا مش عارفة، أنا بدور عليها ومش لاقياها.”
الحاج صلاح (بصوت عالي، مع تقطيب جبينه): “يعني إيه مش لاقياها؟! هي عيلة صغيرة! بنتك هربت يا استاذ، قسمًا بالله العلي العظيم، أنا هربيكم من أول وجديد وبنتك عشان دي ما تربتش ! لازم تلاقوها بس وكلكم هتتحاسبوا! إزاي تغيبي عينك عن بنتك؟!”
فؤاد (في صدمة، مش قادر يصدق اللي بيحصل): “نسرين بنتي؟ مستحيل! دي مش ممكن تكون هي اللي هربت!”
الحاج صلاح (وهو بيجمع الناس كلها قدامه، بيصرخ بغضب أكبر): “جمّعوا لي البهايم، ولادكم كلهم قدامي دلوقتي! في خلال ساعة واحدة، الحيوانة دي لازم تبقى قصادي، وأنا مش هسكت لحد ما ألقى البنت دي!”
حالة من الهرج والمرج كانت مليانة المكان، والمكان كله تحول لفوضى بسبب اختفاء نسرين المفاجئ، وكأن الفرح كله توقف في لحظة. العربيات كلها بدأت تمشي ورا بعض، وكل واحد فيهم بيبحث عنها في كل مكان. كان منهم أركان، اللي مش قادر يسيطر على نفسه من التعب والضغط، وهو بيقول: “كانت ناقصاها دي كمان النهارده!”
أما طاهر، العريس، كان زعلان جدًا لدرجة إن كل شيء كان بيحرق قلبه. هو لنفسه، وبيحاول يحلل الموقف، وهو في حالة من الانهيار الداخلي: “للدرجة دي مش عايزاني؟ لدرجة إنها تهرب من فرحها وتتحدى جدها؟! اللى مجرد ما اعترضت كان هيموتها! هي مستعدة تموت عشان ما تبقاش معايا؟”
في اللحظة دي، مروان كان معاه، وحاول يطمنه وهو بيقوله: “ما تقلقش، إن شاء الله هنلاقيها. وصدقني، نسرين اختي مجنونة ، بس صدقني ومع الوقت هتحبك.”
طاهر (بيضحك بشكل استهزائي): “مش واضح خالص.”
الوقت كان بيخلص، والمهلة اللي مديها لهم الجد صلاح قربت تنتهي، والاتصالات كانت بتروح وتيجي بين العيلة كلها، وفيه ضغط رهيب بيحسوا بيه. الوقت ما بقىش فيه غير ربع ساعة، ولسه ما فيش حد لاقى نسرين، وكل دقيقة بتزيد التوتر. الجو كان متوتر جدًا في كل مكان، الكل بيحاول يلاقيها بأي وسيلة.
وأثناء ما الجد صلاح كان واقف في جنينة الفيلا، وسط الحيرة والقلق، لفت نظره عربية أركان (اللي في نظره هو “سعيد”) اللي وقفت قدامه، وفتح الباب فجأة. وعين الجد صلاح ركزت على أركان وهو بينزل من العربية، في مشهد مفاجئ.
أركان (سعيد) فتح الباب وطلع نسرين.
وبالموق دا كان في حاجة جديدة. لمَّا عينيه التقت بعين أركان، كان في نظرة إعجاب. صلاح، اللي كان في البداية مش شايف أركان بشكل مميز، دلوقتي بدأ يحس إن فيه شيء مختلف عنه. في عقله كان في لحظة تقييم، زي ما يكون حط أركان في مكان مختلف عن باقي الرجالة اللي حواليه، وده خلّى أركان يكسب نقطة مهمة. كان واضح من نظرة الجد صلاح إنه مش بس لقى نسرين، ولكن كمان حصل شيء غير مباشر، أركان أصبح في نظره أكثر أهمية، وحتى لو كان لسه فيه تحديات قدامه، ده خلى الجد صلاح يقرب منه خطوة جديدة.
صباح كانت واقفة في الصالون، نظراتها مليانة خوف وقلق. أول ما شافت نسرين نازلة من العربية، قلبها كاد يوقف من شدة الارتباك. كان عندها شعور بالفشل، مش قادرة تستوعب اللي حصل. كانت بتحاول تظهر هدوء قدام الناس، لكن من جواها كانت عارفة إنه مفيش وقت تضيعه، ولازم تسيطر على الوضع قبل ما الأمور تتفاقم أكتر.
نوال كانت بتشوف الموقف من زاوية مختلفة. هي كانت متوترة مش بس علشان نسرين اختفت، لكن كمان علشان الموقف ممكن يأثر على سمعة العيلة. كانت عارفة إن الجد صلاح مش هيسكت لو الموضوع خرج عن السيطرة. كانت تحاول تظل هادئة قدام الجميع، لكنها كان بيها مشاعر متناقضة بين القلق والتوتر.
رغدة كانت بتشعر بالصدمة. كانت متفاجئة من الموقف، حتى لو كانت متوقعه إن نسرين هربت لأسباب خاصة بيها. قلبها كان مليان مشاعر متضاربة. هي بتحب أختها، لكن كان في قلق حقيقي من رد فعل الجد صلاح، وده خلاها مش عارفة تتصرف.
صفية كانت في حالة من الدهشة. ما كانتش متوقعه إن نسرين هتهرب في اللحظة دي. مشاعرها كانت مختلطة بين الفضول والقلق، وكانت شايفة إن نسرين كانت بتحاول تبعد عن الموقف الجاد اللي فُرض عليها.
العربيات كلها جت قدام الفيلا، وكل واحد فيهم كان مشغول بالتفكير في اللي هيحصل. سليم، طاهر، مروان وعادل وصلوا.
سليم نظر لطاهر :“مين اللي لقاها؟”
خليل :“سعيد، هو اللي لقاها”
عادل بستغراب لانه اول مره يسمع اسمه :“مين سعيد ده”
طاهر: “البواب الجديد”
مروان بصدمه:“طب ازاي لقاها دا احنا قلبنا عليها الدنيا وفي الاخر البواب اللي يلاقيها مش احنا؟”
فوائد: “يوضع سره في اضعف خلقه”
الكل كان في حالة صمت للحظة، عيونهم اتنقلت من بعضهم البعض في تساؤل، مش قادرين يصدقوا إن الشخص اللي كان بالنسبة لهم مجرد بواب هو اللي قدر يلاقي نسرين في الوقت ده.
عادل وهو بيبص لاخته اللي كانت في حضن رغده اختها نسرين “احكي لنا إيه اللي حصل.”
نسرين بدموع وهي بتفتكر:
“وأنا كنت خارجة من الفيلا، لقيت العربية اللي هربت فيها وقفت في مكان جنب الزرع. نزلت بسرعة، وفضلت أمشي وسط الزرع مش عارفة رايحة فين ولا هعمل إيه. وكنت في حالة تشتت… وفجأة، لقيت شابين قاعدين بيشربوا ، وقربوا مني.”
نسرين كملت، وهي مسترجعة اللحظة بخوف:
“واحد منهم : الحق يلا القمر اللي قصادنا دي، النداهة ولا إيه؟’
التاني رد عليه وقال: ‘لا يا ابني دي حقيقية، بت شوف شعرها حلو ازاي’، وقام يغمز لي وقال: ‘ما تيجي يا عسل.'”
نسرين كانت مرعوبة، وكأن قلبها كان هيقف،
واحد منهم:”الجميلة رايحة على فين؟”
نسرين خافت جدا و على طول جرت بأقصى سرعتها.
في الاثناء دي شفها اركان ركن العربيه بسرعه ونزل منه.
نسرين اول ما شافته حست انها شافت نجدتها جريت عليه ورمت نفسها في حضنه بس طبعا ما حكيتش لهم ده.
اركان بعدها عنه وقال لها روحي اركبي العربيه وما تنزليش منها.
واحد منهم حاول يتحدى، وقال:“إمشي يلا من هنا، ده مش شغلك. سيبها بدل ما نغزغزك ونموتك. إحنا اثنين وأنت لوحدك.”
لكن أركان كان ثابت، بيبص في عيونهم نظرة حادة، وقال لهم بكل برود:“طب ارمي اللعبة اللي في إيدك دي وامشي أحسن لك لو مش حابب أكسر عضمك دلوقتي.”
الشابين ضحكوا، وحاولوا يهجموا بالمطوه على اركان بس اركان مسك دراع الشاب اللي كان ماسك المطوه ولفوا لورا لدرجه خلى المطوه تقع من ايديه وأعطاه لكمة قوية في وجهه. الآخر حاول التدخل، لكن أركان كان أسرع. امسك به من رقبته، ووجه له ضربة أخرى، وجعلهم يقعوا على الأرض.
وقاموا يجروا على طول يهربوا.
واركان مشي ناحية العربيه وانطلق.
نسرين بهيام وهي ما كانتش بتفكر في حاجه غير حضنه وجمال حضنه ريحته كانت جميله جدا وحضنه كان دافئ هو ده اللي كان شغال بالها بس: “شكرا جدا ليك مش عارفه من غيرك كنت عملت ايه”
اركان بجديه وهو بيبص في الطريق: “تاني مره ما تهربيش من البيت اهلك عارفين مصلحتك”
نسرين ما ردتش وفضلت طول الطريق تبص له.
نهايه الفلاش باك.
طاهر بعصبيه :“مين الشباب دي انا هخفيهم من على وش الدنيا ازاي يتجراوا يقربوا لك تعرفي هم مين”
نسرين هزت راسها بدموع بمعنى لا.
مروان: “يمكن سعيد ده يعرفهم”
سليم :“اكيد لا دا لسه جاي جديد في البلد كلها مش الشغل بس”
دموعها تسيل على وجهها، وهي تحاول أن تبرر موقفها أمام الجميع. عينيها مليئة بالخوف والأسف، وكأنها تدرك حجم ما فعله، ولكنها كانت في نفس الوقت تملأها مشاعر التوتر والخوف من ردة فعل الجميع عليها.
نسرين: (وهي تبكي) “أنا آسفة… حقكم عليا، والله ما كانش قصدي أخوفكم. أنا بس… بس ما بحبش حد يغصب عليا حاجة، ولا أحب حد يتحكم فيا.”
كانت تتنفس بصعوبة، تشعر بالذنب الشديد. حاولت تهدئة نفسها، لكن الدموع لم تتوقف عن الانهمار، وكأنها تعبير عن مشاعر متضاربة داخلها. عيونها كانت تبحث عن نظرة تعاطف أو تفهم، ولكنها لم تجد سوى العيون الغاضبة والمشحونة بالتوتر.
الجد صلاح، الذي سمع كل الحديث وعرف ان اركان مش بس وجد حفيدته ده انقذها النقطه دي بتزود رصيد اركان عنده ،وجه الكلام لحفيدته اللي بتترجه يسامحها.
الحاج صلاح: (بعصبية) “حسابك بعد الفرح لكن دلوقتي كل واحد يقوم يجهز.”
كانت الكلمات كالسياط على نسرين، جعلتها تشعر بأنها قد ارتكبت أكبر خطأ في حياتها. نظرت في عيون الجد صلاح، وتمنت لو كانت تستطيع أن تعيد الزمن للوراء، ولكن لم يكن هناك وقت للندم.
الجميع بدأ يتحركون لتجهيز الفرح، ولكن نسرين شعرت وكأنها لا تنتمي إلى المكان. أجواء الفرح كانت لا تناسب مشاعرها، وكانت لا تعرف كيف ستواجه الجميع بعد ما حدث.
القاعة مليانة أضواء، موسيقى الفرح شغالة، والكل منتظر اللحظة الكبيرة… دخول العرسان الأربعة مع بعض في موكب واحد. كان المشهد مزيج بين الرومانسية، القلق، والعبثية المطلقة، خاصة لما يكون في واحده مجنون وسطهم!
لحظة دخول العرايس:
الأبواب اتفتحت، وبدأت كل واحدة تمشي جنب عريسها… بس مش بنفس الحماس!
نسرين وطاهر:
نسرين كانت ماشية جنب طاهر وهي حاسة إنها داخلة على ساحة إعدام، مش فرح! فستانها الأبيض ما غطاش علامات الضيق اللي على وشها، وعنيها بتبص في كل اتجاه إلا في وش طاهر. أما طاهر، فكان بيبص لها بنظرة كلها حب، كأنه مش شايف أي حاجة غيرها، وبيقرب منها شوية بشوية. فجأة، نسرين اتحركت خطوة بعيدة عنه، كأنها بتزود المسافة بينهم بالعافية.
رغدة وسليم:
على العكس تمامًا، رغدة كانت مبسوطة جدًا وماشية جنب سليم وهي بتبتسم بخجل. أما سليم، فكان بيحاول يكون هادي ورزين، لكن نظراته ليها كانت بتفضحه تمامًا… شايفها أحلى واحدة في الدنيا. رغدة قربت منه وهمست:
– “بدلتك حلوة عليك.”
سليم ضحك وقال:
– “وأنتِ أحلى”
صفية وعادل:
صفية كانت عينيها مليانة حب، قلبها بيدق بسرعة وهي ماشية جنب عادل اللي كان بيبص لها بنفس الإعجاب. ده كان الفرح اللي حلمت بيه، والرجل اللي قلبها اختاره. عادل لاحظ ارتباكها، فمال عليها وقال بهزار:
– “خففي السرعة يا عروسة، إحنا مش في سباق.”
ضحكت بخجل، وسرقت منه نظرة سريعة.
مروان وأسماء (المصيبة الكبرى):
أما هنا، فالحالة كانت كارثية! أسماء، اللي بتوصف نفسها رسميًا على إنها “مجنونة”، دخلت القاعة وهي بترقص على أنغام الزفة، مشيها مش مشي عروسة خجولة، بل مشي حد داخل حفلة تنكرية ومبسوط بالدوشة! مروان كان ماشي جنبها وكأنه متقدم على حبل مشنقة، وشه شاحب وعنيه بتدور على أي مخرج من المصيبة دي وبيقول لنفسه ما لقوش غير المجنونه دي يجوزها لي.
لحظه الرقصه الرومانسيه العرسان وقفوا جنب بعض، وبدأوا يبصوا لبعض لأول مرة المشاعر كانت متضاربة تمامًا!
نسرين بصت لطاهر… وطاهر بص لها بحب، وهي بصت له بنفس النظرة اللي الواحد بيديها للواجبات اللي مش عايز يحلها!
رغدة وسليم كانوا غرقانين في بعض بنظرات كلها حب وارتباك.
صفية وعادل كانوا في عالمهم الخاص، كأنهم بس هما اللي في القاعة.
أما مروان، فكان مصدوم… أول ما شاف أسماء بفستان الفرح الأبيض اللي مليان تطريزات لامعة وحركات، بص لها بذهول وقال بصوت واطي:
– “هو ده فستان عروسة ولا بدلة سوبر هيرو؟!”
أسماء ضحكت وقالت:
– “عجبتك؟ جبتها مخصوص عشانتنبهر بيا طول حياتك.”
مروان تنهد وقال:
– “هو أنا محتاج انبهر اكثر من كده؟ كفاية اللي أنا فيه!”
القاعة انفجرت بالتصفيق، وكل واحد فيهم كان بيواجه مصيره… بعضهم بسعادة، وبعضهم بندم، وبعضهم بتسليم تام!
وسط الدوشة والصخب، كان الفرح ماشي زي الحلم.. أصوات الزغاريط، الأغاني، الناس اللي بتضحك وبتسلم على بعض، الصواريخ اللي بتنفجر في السما وتلونها بألوان زاهية، والعيون كلها مرفوعة لفوق.. محدش واخد باله من اللي بيحصل تحت رجليه.
لكن أركان كان شايف، شايف بعينه اللي غيره مش شايفه. الفرح ده كان غطاء لعملية أكبر بكتير، صفقة مخدرات معمولة بتخطيط محكم، خطة مستحيل حد يكشفها، ولو حاول يكشفها مش هيلاقي حاجة تثبتها. الحاج صلاح، دماغه سم زي ما بيقولوا، عامل كل حساباته، مغفل الحكومة بمكان تاني خالص، مبدل رجالة، مأمن كل حاجة، ومستحيل أي عين متركزة فوق تشوف اللي بيحصل تحت.
أركان، أو سعيد زي ما بيتقال عليه هنا، كان مركز، مستني اللحظة اللي يعرف فيها أكتر، واللحظة دي جت لما قرر يعمل حركة.. حركة بسيطة، بس كانت كفيلة تلفت انتباه صلاح ليه. عين صلاح وقعت عليه، راقب تصرفه، وابتسم ابتسامة صغيرة كأنه لقى حاجة كان بيدور عليها.
بعد الفرح، وأركان كان بيجهز يخرج من المكان، لقى واحد من رجالة صلاح بيشاور له:
• الحاج عايزك.
دخل، لقى صلاح مستنيه، قاعد بهدوء، عنيه تقيس كل حركة بيعملها:
• إنت دماغك حلوة يا سعيد.. عجبتني.
• خير يا حاج؟ قالها أركان بصوته التقيل المعتاد.
• عايزك معايا بعد كده.. شايف إن ليك فرصة حلوة معانا.
الكلام كان واضح.. صلاح شاف فيه حاجة مميزة، شاف إنه مش مجرد حد شغال عندهم، لأ، دماغه بتشتغل، وده يخليه يستحق فرصة أكبر وبكده اركان حط رجله على بدايه الطريق اللي هو عايزه.
ليلى كانت واقفة في ركن بعيد، ماسكة صينية فيها عصاير، بتتحرك وسط المعازيم كأنها جزء من الديكور، مش واحدة المفروض إنها “زوجة” برضه!
عنها كانت بتلمع وهي بتبص للعرسان، فساتينهم البيضاء، نظرات الفرح والترقب اللي بينهم… وغمضت عينيها لحظة، تخيلت نفسها مكانهم، تخيلت نفسها بفستان فرح، وأركان واقف قدامها… بس قبل ما تكمل الخيال، صوت حد بيناديها صحاها:
– “يا خدامة! العصير يا بنتي، انتي واقفة تحلمي!”
فتحت عينيها بسرعة، وأجبرت نفسها تبتسم وهي بتقدم الصينية… لكن قلبها كان تقيل، ونظرتها – غصب عنها – راحت على أركان.
كان واقف بعيد، لابس جلبيه سودة فخمة، شكله هادي زي العادة، نظرته باردة، وكأنه مفيش أي حاجة بتحركه، حتى الفرح اللي حواليه مش مقصر فيه. بس لما عنيه جات على ليلى… وقف لحظة، حاجبه اتحرك بخفة، كأنه بيقول لها شيلي عينك من عليا.
ليلى نفسها كانت بتلعن اللحظة اللي بصت له فيها، قلبها اتشد، فركت صوابعها في طرف المريلة اللي لابساها، وحاولت تهرب بنظرتها… بس أركان كان أسرع.
مشيت بسرعة وسط الناس، دخلت المطبخ، وحطت الصينية بعنف، وحطت إيديها على قلبها اللي كان بيخونها… “إيه ده؟ أنا في مهمة، مش في فرح بجد! إيه الغباء ده؟”
بس الحقيقة كانت واضحة… أي بنت، مهما كانت، لو لقت نفسها في يوم شبه اليوم ده، وهي عارفة إن اللي المفروض يبقى جوزها واقف هناك، مش معاها… هتحس بوجع مش طبيعي.
أما أركان، فبعد ما اختفت من قدامه، شال عينه عن المكان، رجع لنفس بروده المعتاد… وكأن المشهد اللي حصله من شوية مجرد حاجة مالهاش لازمة، أو يمكن… مش عايز يعترف إنها أثرت فيه فعلاً.
أربع غرف، أربع حكايات.
الغرفة الأولى: نسرين وطاهر.
نسرين دخلت الأوضة وهي متوترة، قلبها بيخبط بسرعة، وطاهر وراها، قفل الباب بهدوء وبص لها بنظرة مش سهلة… نظرة حب مش مخفية، بس كان فيها خوف، خوف من رد فعلها، من رفضها، من الحاجز اللي بينه وبينها.
هي وقفت بعيد، حطت إيديها في بعض، وشها متشنج، مش قادرة تبص له، مش قادرة تتقبل فكرة إنها بقت مراته بجد.
طاهر بابتسامة خفيفة: “مش عايزك تخافي مني، أنا عارف إن الجوازة دي مش بمزاجك، بس أنا مستعد أستنى… لحد ما قلبك يلين لي.”
نسرين بلعت ريقها، رفعت عينها له أخيرًا، كان واقف بعيد، بس قريب بشكل يخليها تحس إنه فعلًا صادق…
بعد لحظات صغيره.
نسرين كانت قاعدة قدام المرآة في أوضتها، شعرها سايب على ضهرها، وعينيها ثابتة على انعكاسها، بتفكر… بتحسبها… أي نعم كانت مكسورة، وأي نعم حياتها مش بإيدها، بس هي لسه تقدر تتحكم في حاجات، حاجات هتخليها تتحرر أكتر. كانت فكرت في كل السيناريوهات، ودي كانت الطريقة الوحيدة اللي هتديها القوة اللي ناقصاها… الطريقة الوحيدة اللي هتخليها مش تخاف من أي حاجة بعد كده.
لما طاهر خرج من الحمام، كانت جاهزة…
“طاهر…” صوتها طلع ناعم، فيه حاجة مختلفة خلت قلبه يدق أسرع.
قامت من مكانها ببطء، قربت منه، وكل خطوة كانت محسوبة. نظرتها مكنش فيها رهبة، مكنش فيها تردد، بالعكس… كانت واثقة. حطت إيديها على كتفه، حست بتشنجه، بلع ريقه، وملامحه اتغيرت، متفاجئ، مبهور، مش قادر يصدق إن المسافات بينه وبينه بقت شبه معدومة.
هو كان مستني لحظة زي دي، كان عايزها، كان بيتمنى إنها تيجي له بإرادتها، مش مجبره عليه… دلوقتي؟ هي اللي بتقرب؟ هو كان عايز يصدق إن ده حقيقي.
“نسرين…”
سكتت، بصت في عينيه، وقربت أكتر، همست بصوت هادي:
“مش ده الطبيعي؟ انت جوزي، مش كده؟”
طاهر مقدرش يرد… هو مبسوط، مغيب عن أي شك، عن أي تفكير منطقي. هي دلوقتي مش مجرد العروسة الهاربة… دي بقت مراته، وهو خلاص… أخيرًا… بقى ليه حق عليها.
بعد دقايق عقله سرح في اللي حصل… كان كل حاجة ماشية تمام، بس فيه حاجة مش مريحة، حاجة كأنها ناقصة… تصرفات نسرين بعد اللي حصل، كانت باردة، عادية، لا فيها حب ولا ندم… كأنها بس خلصت مهمة.
أدرك… ببطء شديد… إن كل اللي حصل مكانش سببه إنها حبته، ولا إنها استسلمت ليه… لا… نسرين كانت بتلعب لعبة أكبر منه، لعبة هو لسه مش عارف قوانينها… بس أكيد هيفهمها قريب جدًا.
الغرفة الثانية: رغدة وسليم.
على عكس نسرين، رغدة كانت طايرة من الفرحة، أول ما دخلوا الأوضة ضحكت بمرح: “وأخيرًا لوحدنا يا بيه!”
سليم بابتسامة: “فرحان”
رغدة ضحكت وهي بتقرب، حطت إيديها على صدره بخفة: “هطير من الفرح كنت مستنية اللحظة دي من زمان…”
سليم مسك إيديها، قرب وشه منها وهمس: “وأنا كمان.”
وقبل ما تكمل أي كلمة، كانت بين إيديه، بتضحك وهي بتحس إن الليلة دي أجمل ليلة في حياتها.
الغرفة الثالثة: صفية وعادل.
صفية كانت قاعدة على طرف السرير، متوترة شوية بس مش خايفة… بس عادل كان هادي كالعادة، فضل واقف عند الدولاب، بيخلع الجاكت، وبيبص لها من المراية.
“إنتِ متوترة ليه؟ مش كنا متفقين إن إحنا نبدأ حياتنا براحة ومن غير أي ضغط؟”
صفية هزت راسها بسرعة: “عارفة، بس… الموضوع غريب شوية، يعني… إحنا متجوزين بجد دلوقتي.”
عادل لف لها، قرب منها وبص في عينيها: “وبجد هتبقي مراتي وحياتي… ومستعد أستنى لحد ما تتعودي عليا.”
صفية ابتسمت بخفة، قلبها بدأ يهدى، عارفة إن معاه مفيش حاجة تخوف… هو سندها، وده كفاية.
الغرفة الرابعة: مروان وأسماء.
أما هنا، فالحكاية مختلفة تمامًا.
أسماء (بتتكئ على السرير وبتبص لمروان بعيون ضيقة): “بصي بقى يا بتاع البنات، انت؟ لا تكتفي بيا لااااا… بالبنات بتاعتك!”
مروان (بيرفع حاجبه بسخرية وهو بيفك أول زرار في قميصه): “البنات بتاعتي”
أسماء (بتشد المنديل اللي في إيدها وبتبص له ): “حلو أوي… عايزاك بقى لما أمي تيجي بكرة تسأل حصل إيه، تورّيها دم إيدك الحلوة دي على المنديل ده!”
مروان (بخبث وهو بيقرب منها): “لا، هقول لها بنتك رفضت تديني حقوقي الشرعية!”
أسماء (بتشهق وهي بتحط إيدها على صدرها): “ااه؟ يا كذاب! مش انت اللي لسه مختار؟ مش أنا خيرتك؟ وفي الآخر يسألوا البني آدم مسير ولا مخير!”
مروان (بصوت هادي بس عنيه فيها لمعة شهوه وهو بيرمي الجاكيت على الكنبة): “وأنا اخترت…”
أسماء (بترجع لورا وهي بتبلع ريقها): “يا مروان، يا عسل، يا جميل، لا انا بطيقك ولا انت بطقني، ما انت فاهم الجوازة دي مش راضي عنها غير أبوك وأمي عشان إخوات… عارف أبويا اللي هو خالك؟ أقسم بالله رزعني علقة موت عشان الجنازة دي!”
مروان (وهو بيقرب أكتر ببطء): “ومين قال لك إني مش بطّقك؟ بعدين ده مالوش علاقة إنك من الصنف الناعم، صح؟”
أسماء (بتفتح عينيها بخوف وهي بترجع لورا): “بلا صنف ناعم بلا صنف خشن، روح نام يا عسل!”
مروان (بخبث وهو بيهجم عليها): “مافيش نوم للصبح!”
أسماء ( وهي بتقع على السرير): “يا نهار أسود، إنت بتتكلم بجد؟!”
مروان (يعتليها وهو بيهمس بشهوه): “اديكي هتشوفي بعينك محدش هيقول لك”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لأول مرة، نسرين تختفي فيها من غير ما تقول.
نوال (بصوت حازم، وهي بتبص لصباح): “لازم نلاقيها بسرعة. لو ما لقيناهاش، خلاص، أنتم عارفين جدكم هيعمل فينا إيه… هيقتلنا كلنا!”
فجأة، سمعوا صوت ماكانوش يتمنوا يسمعوه في تلك اللحظة. صوت عصبى وقوي، مثل زئير عاصف يخترق صمت الجو المشحون. كان الصوت هو صوت الحاج صلاح، وصوته كان مليئًا بالغضب والعصبية لدرجة أن الأرض اهتزت تحت تأثيره.
الحاج صلاح (بغضب شديد، وهو بيصرخ): “دي مين دي اللي مش لاقينها؟! أنا فعلاً هقتلكم كلكم! بنتك فين يا صباح؟!”
صباح (بخوف شديدة، بصت لتحت وكأنها طفلة ارتكبت جريمة): “والله يا بابا مش عارفة، أنا بدور عليها ومش لاقياها.”
الحاج صلاح (بصوت عالي، مع تقطيب جبينه): “يعني إيه مش لاقياها؟! هي عيلة صغيرة! بنتك هربت يا استاذ، قسمًا بالله العلي العظيم، أنا هربيكم من أول وجديد وبنتك عشان دي ما تربتش ! لازم تلاقوها بس وكلكم هتتحاسبوا! إزاي تغيبي عينك عن بنتك؟!”
فؤاد (في صدمة، مش قادر يصدق اللي بيحصل): “نسرين بنتي؟ مستحيل! دي مش ممكن تكون هي اللي هربت!”
الحاج صلاح (وهو بيجمع الناس كلها قدامه، بيصرخ بغضب أكبر): “جمّعوا لي البهايم، ولادكم كلهم قدامي دلوقتي! في خلال ساعة واحدة، الحيوانة دي لازم تبقى قصادي، وأنا مش هسكت لحد ما ألقى البنت دي!”
حالة من الهرج والمرج كانت مليانة المكان، والمكان كله تحول لفوضى بسبب اختفاء نسرين المفاجئ، وكأن الفرح كله توقف في لحظة. العربيات كلها بدأت تمشي ورا بعض، وكل واحد فيهم بيبحث عنها في كل مكان. كان منهم أركان، اللي مش قادر يسيطر على نفسه من التعب والضغط، وهو بيقول: “كانت ناقصاها دي كمان النهارده!”
أما طاهر، العريس، كان زعلان جدًا لدرجة إن كل شيء كان بيحرق قلبه. هو لنفسه، وبيحاول يحلل الموقف، وهو في حالة من الانهيار الداخلي: “للدرجة دي مش عايزاني؟ لدرجة إنها تهرب من فرحها وتتحدى جدها؟! اللى مجرد ما اعترضت كان هيموتها! هي مستعدة تموت عشان ما تبقاش معايا؟”
في اللحظة دي، مروان كان معاه، وحاول يطمنه وهو بيقوله: “ما تقلقش، إن شاء الله هنلاقيها. وصدقني، نسرين اختي مجنونة ، بس صدقني ومع الوقت هتحبك.”
طاهر (بيضحك بشكل استهزائي): “مش واضح خالص.”
الوقت كان بيخلص، والمهلة اللي مديها لهم الجد صلاح قربت تنتهي، والاتصالات كانت بتروح وتيجي بين العيلة كلها، وفيه ضغط رهيب بيحسوا بيه. الوقت ما بقىش فيه غير ربع ساعة، ولسه ما فيش حد لاقى نسرين، وكل دقيقة بتزيد التوتر. الجو كان متوتر جدًا في كل مكان، الكل بيحاول يلاقيها بأي وسيلة.
وأثناء ما الجد صلاح كان واقف في جنينة الفيلا، وسط الحيرة والقلق، لفت نظره عربية أركان (اللي في نظره هو “سعيد”) اللي وقفت قدامه، وفتح الباب فجأة. وعين الجد صلاح ركزت على أركان وهو بينزل من العربية، في مشهد مفاجئ.
أركان (سعيد) فتح الباب وطلع نسرين.
وبالموق دا كان في حاجة جديدة. لمَّا عينيه التقت بعين أركان، كان في نظرة إعجاب. صلاح، اللي كان في البداية مش شايف أركان بشكل مميز، دلوقتي بدأ يحس إن فيه شيء مختلف عنه. في عقله كان في لحظة تقييم، زي ما يكون حط أركان في مكان مختلف عن باقي الرجالة اللي حواليه، وده خلّى أركان يكسب نقطة مهمة. كان واضح من نظرة الجد صلاح إنه مش بس لقى نسرين، ولكن كمان حصل شيء غير مباشر، أركان أصبح في نظره أكثر أهمية، وحتى لو كان لسه فيه تحديات قدامه، ده خلى الجد صلاح يقرب منه خطوة جديدة.
صباح كانت واقفة في الصالون، نظراتها مليانة خوف وقلق. أول ما شافت نسرين نازلة من العربية، قلبها كاد يوقف من شدة الارتباك. كان عندها شعور بالفشل، مش قادرة تستوعب اللي حصل. كانت بتحاول تظهر هدوء قدام الناس، لكن من جواها كانت عارفة إنه مفيش وقت تضيعه، ولازم تسيطر على الوضع قبل ما الأمور تتفاقم أكتر.
نوال كانت بتشوف الموقف من زاوية مختلفة. هي كانت متوترة مش بس علشان نسرين اختفت، لكن كمان علشان الموقف ممكن يأثر على سمعة العيلة. كانت عارفة إن الجد صلاح مش هيسكت لو الموضوع خرج عن السيطرة. كانت تحاول تظل هادئة قدام الجميع، لكنها كان بيها مشاعر متناقضة بين القلق والتوتر.
رغدة كانت بتشعر بالصدمة. كانت متفاجئة من الموقف، حتى لو كانت متوقعه إن نسرين هربت لأسباب خاصة بيها. قلبها كان مليان مشاعر متضاربة. هي بتحب أختها، لكن كان في قلق حقيقي من رد فعل الجد صلاح، وده خلاها مش عارفة تتصرف.
صفية كانت في حالة من الدهشة. ما كانتش متوقعه إن نسرين هتهرب في اللحظة دي. مشاعرها كانت مختلطة بين الفضول والقلق، وكانت شايفة إن نسرين كانت بتحاول تبعد عن الموقف الجاد اللي فُرض عليها.
العربيات كلها جت قدام الفيلا، وكل واحد فيهم كان مشغول بالتفكير في اللي هيحصل. سليم، طاهر، مروان وعادل وصلوا.
سليم نظر لطاهر :“مين اللي لقاها؟”
خليل :“سعيد، هو اللي لقاها”
عادل بستغراب لانه اول مره يسمع اسمه :“مين سعيد ده”
طاهر: “البواب الجديد”
مروان بصدمه:“طب ازاي لقاها دا احنا قلبنا عليها الدنيا وفي الاخر البواب اللي يلاقيها مش احنا؟”
فوائد: “يوضع سره في اضعف خلقه”
الكل كان في حالة صمت للحظة، عيونهم اتنقلت من بعضهم البعض في تساؤل، مش قادرين يصدقوا إن الشخص اللي كان بالنسبة لهم مجرد بواب هو اللي قدر يلاقي نسرين في الوقت ده.
عادل وهو بيبص لاخته اللي كانت في حضن رغده اختها نسرين “احكي لنا إيه اللي حصل.”
نسرين بدموع وهي بتفتكر:
“وأنا كنت خارجة من الفيلا، لقيت العربية اللي هربت فيها وقفت في مكان جنب الزرع. نزلت بسرعة، وفضلت أمشي وسط الزرع مش عارفة رايحة فين ولا هعمل إيه. وكنت في حالة تشتت… وفجأة، لقيت شابين قاعدين بيشربوا ، وقربوا مني.”
نسرين كملت، وهي مسترجعة اللحظة بخوف:
“واحد منهم : الحق يلا القمر اللي قصادنا دي، النداهة ولا إيه؟’
التاني رد عليه وقال: ‘لا يا ابني دي حقيقية، بت شوف شعرها حلو ازاي’، وقام يغمز لي وقال: ‘ما تيجي يا عسل.'”
نسرين كانت مرعوبة، وكأن قلبها كان هيقف،
واحد منهم:”الجميلة رايحة على فين؟”
نسرين خافت جدا و على طول جرت بأقصى سرعتها.
في الاثناء دي شفها اركان ركن العربيه بسرعه ونزل منه.
نسرين اول ما شافته حست انها شافت نجدتها جريت عليه ورمت نفسها في حضنه بس طبعا ما حكيتش لهم ده.
اركان بعدها عنه وقال لها روحي اركبي العربيه وما تنزليش منها.
واحد منهم حاول يتحدى، وقال:“إمشي يلا من هنا، ده مش شغلك. سيبها بدل ما نغزغزك ونموتك. إحنا اثنين وأنت لوحدك.”
لكن أركان كان ثابت، بيبص في عيونهم نظرة حادة، وقال لهم بكل برود:“طب ارمي اللعبة اللي في إيدك دي وامشي أحسن لك لو مش حابب أكسر عضمك دلوقتي.”
الشابين ضحكوا، وحاولوا يهجموا بالمطوه على اركان بس اركان مسك دراع الشاب اللي كان ماسك المطوه ولفوا لورا لدرجه خلى المطوه تقع من ايديه وأعطاه لكمة قوية في وجهه. الآخر حاول التدخل، لكن أركان كان أسرع. امسك به من رقبته، ووجه له ضربة أخرى، وجعلهم يقعوا على الأرض.
وقاموا يجروا على طول يهربوا.
واركان مشي ناحية العربيه وانطلق.
نسرين بهيام وهي ما كانتش بتفكر في حاجه غير حضنه وجمال حضنه ريحته كانت جميله جدا وحضنه كان دافئ هو ده اللي كان شغال بالها بس: “شكرا جدا ليك مش عارفه من غيرك كنت عملت ايه”
اركان بجديه وهو بيبص في الطريق: “تاني مره ما تهربيش من البيت اهلك عارفين مصلحتك”
نسرين ما ردتش وفضلت طول الطريق تبص له.
نهايه الفلاش باك.
طاهر بعصبيه :“مين الشباب دي انا هخفيهم من على وش الدنيا ازاي يتجراوا يقربوا لك تعرفي هم مين”
نسرين هزت راسها بدموع بمعنى لا.
مروان: “يمكن سعيد ده يعرفهم”
سليم :“اكيد لا دا لسه جاي جديد في البلد كلها مش الشغل بس”
دموعها تسيل على وجهها، وهي تحاول أن تبرر موقفها أمام الجميع. عينيها مليئة بالخوف والأسف، وكأنها تدرك حجم ما فعله، ولكنها كانت في نفس الوقت تملأها مشاعر التوتر والخوف من ردة فعل الجميع عليها.
نسرين: (وهي تبكي) “أنا آسفة… حقكم عليا، والله ما كانش قصدي أخوفكم. أنا بس… بس ما بحبش حد يغصب عليا حاجة، ولا أحب حد يتحكم فيا.”
كانت تتنفس بصعوبة، تشعر بالذنب الشديد. حاولت تهدئة نفسها، لكن الدموع لم تتوقف عن الانهمار، وكأنها تعبير عن مشاعر متضاربة داخلها. عيونها كانت تبحث عن نظرة تعاطف أو تفهم، ولكنها لم تجد سوى العيون الغاضبة والمشحونة بالتوتر.
الجد صلاح، الذي سمع كل الحديث وعرف ان اركان مش بس وجد حفيدته ده انقذها النقطه دي بتزود رصيد اركان عنده ،وجه الكلام لحفيدته اللي بتترجه يسامحها.
الحاج صلاح: (بعصبية) “حسابك بعد الفرح لكن دلوقتي كل واحد يقوم يجهز.”
كانت الكلمات كالسياط على نسرين، جعلتها تشعر بأنها قد ارتكبت أكبر خطأ في حياتها. نظرت في عيون الجد صلاح، وتمنت لو كانت تستطيع أن تعيد الزمن للوراء، ولكن لم يكن هناك وقت للندم.
الجميع بدأ يتحركون لتجهيز الفرح، ولكن نسرين شعرت وكأنها لا تنتمي إلى المكان. أجواء الفرح كانت لا تناسب مشاعرها، وكانت لا تعرف كيف ستواجه الجميع بعد ما حدث.
القاعة مليانة أضواء، موسيقى الفرح شغالة، والكل منتظر اللحظة الكبيرة… دخول العرسان الأربعة مع بعض في موكب واحد. كان المشهد مزيج بين الرومانسية، القلق، والعبثية المطلقة، خاصة لما يكون في واحده مجنون وسطهم!
لحظة دخول العرايس:
الأبواب اتفتحت، وبدأت كل واحدة تمشي جنب عريسها… بس مش بنفس الحماس!
نسرين وطاهر:
نسرين كانت ماشية جنب طاهر وهي حاسة إنها داخلة على ساحة إعدام، مش فرح! فستانها الأبيض ما غطاش علامات الضيق اللي على وشها، وعنيها بتبص في كل اتجاه إلا في وش طاهر. أما طاهر، فكان بيبص لها بنظرة كلها حب، كأنه مش شايف أي حاجة غيرها، وبيقرب منها شوية بشوية. فجأة، نسرين اتحركت خطوة بعيدة عنه، كأنها بتزود المسافة بينهم بالعافية.
رغدة وسليم:
على العكس تمامًا، رغدة كانت مبسوطة جدًا وماشية جنب سليم وهي بتبتسم بخجل. أما سليم، فكان بيحاول يكون هادي ورزين، لكن نظراته ليها كانت بتفضحه تمامًا… شايفها أحلى واحدة في الدنيا. رغدة قربت منه وهمست:
– “بدلتك حلوة عليك.”
سليم ضحك وقال:
– “وأنتِ أحلى”
صفية وعادل:
صفية كانت عينيها مليانة حب، قلبها بيدق بسرعة وهي ماشية جنب عادل اللي كان بيبص لها بنفس الإعجاب. ده كان الفرح اللي حلمت بيه، والرجل اللي قلبها اختاره. عادل لاحظ ارتباكها، فمال عليها وقال بهزار:
– “خففي السرعة يا عروسة، إحنا مش في سباق.”
ضحكت بخجل، وسرقت منه نظرة سريعة.
مروان وأسماء (المصيبة الكبرى):
أما هنا، فالحالة كانت كارثية! أسماء، اللي بتوصف نفسها رسميًا على إنها “مجنونة”، دخلت القاعة وهي بترقص على أنغام الزفة، مشيها مش مشي عروسة خجولة، بل مشي حد داخل حفلة تنكرية ومبسوط بالدوشة! مروان كان ماشي جنبها وكأنه متقدم على حبل مشنقة، وشه شاحب وعنيه بتدور على أي مخرج من المصيبة دي وبيقول لنفسه ما لقوش غير المجنونه دي يجوزها لي.
لحظه الرقصه الرومانسيه العرسان وقفوا جنب بعض، وبدأوا يبصوا لبعض لأول مرة المشاعر كانت متضاربة تمامًا!
نسرين بصت لطاهر… وطاهر بص لها بحب، وهي بصت له بنفس النظرة اللي الواحد بيديها للواجبات اللي مش عايز يحلها!
رغدة وسليم كانوا غرقانين في بعض بنظرات كلها حب وارتباك.
صفية وعادل كانوا في عالمهم الخاص، كأنهم بس هما اللي في القاعة.
أما مروان، فكان مصدوم… أول ما شاف أسماء بفستان الفرح الأبيض اللي مليان تطريزات لامعة وحركات، بص لها بذهول وقال بصوت واطي:
– “هو ده فستان عروسة ولا بدلة سوبر هيرو؟!”
أسماء ضحكت وقالت:
– “عجبتك؟ جبتها مخصوص عشانتنبهر بيا طول حياتك.”
مروان تنهد وقال:
– “هو أنا محتاج انبهر اكثر من كده؟ كفاية اللي أنا فيه!”
القاعة انفجرت بالتصفيق، وكل واحد فيهم كان بيواجه مصيره… بعضهم بسعادة، وبعضهم بندم، وبعضهم بتسليم تام!
وسط الدوشة والصخب، كان الفرح ماشي زي الحلم.. أصوات الزغاريط، الأغاني، الناس اللي بتضحك وبتسلم على بعض، الصواريخ اللي بتنفجر في السما وتلونها بألوان زاهية، والعيون كلها مرفوعة لفوق.. محدش واخد باله من اللي بيحصل تحت رجليه.
لكن أركان كان شايف، شايف بعينه اللي غيره مش شايفه. الفرح ده كان غطاء لعملية أكبر بكتير، صفقة مخدرات معمولة بتخطيط محكم، خطة مستحيل حد يكشفها، ولو حاول يكشفها مش هيلاقي حاجة تثبتها. الحاج صلاح، دماغه سم زي ما بيقولوا، عامل كل حساباته، مغفل الحكومة بمكان تاني خالص، مبدل رجالة، مأمن كل حاجة، ومستحيل أي عين متركزة فوق تشوف اللي بيحصل تحت.
أركان، أو سعيد زي ما بيتقال عليه هنا، كان مركز، مستني اللحظة اللي يعرف فيها أكتر، واللحظة دي جت لما قرر يعمل حركة.. حركة بسيطة، بس كانت كفيلة تلفت انتباه صلاح ليه. عين صلاح وقعت عليه، راقب تصرفه، وابتسم ابتسامة صغيرة كأنه لقى حاجة كان بيدور عليها.
بعد الفرح، وأركان كان بيجهز يخرج من المكان، لقى واحد من رجالة صلاح بيشاور له:
• الحاج عايزك.
دخل، لقى صلاح مستنيه، قاعد بهدوء، عنيه تقيس كل حركة بيعملها:
• إنت دماغك حلوة يا سعيد.. عجبتني.
• خير يا حاج؟ قالها أركان بصوته التقيل المعتاد.
• عايزك معايا بعد كده.. شايف إن ليك فرصة حلوة معانا.
الكلام كان واضح.. صلاح شاف فيه حاجة مميزة، شاف إنه مش مجرد حد شغال عندهم، لأ، دماغه بتشتغل، وده يخليه يستحق فرصة أكبر وبكده اركان حط رجله على بدايه الطريق اللي هو عايزه.
ليلى كانت واقفة في ركن بعيد، ماسكة صينية فيها عصاير، بتتحرك وسط المعازيم كأنها جزء من الديكور، مش واحدة المفروض إنها “زوجة” برضه!
عنها كانت بتلمع وهي بتبص للعرسان، فساتينهم البيضاء، نظرات الفرح والترقب اللي بينهم… وغمضت عينيها لحظة، تخيلت نفسها مكانهم، تخيلت نفسها بفستان فرح، وأركان واقف قدامها… بس قبل ما تكمل الخيال، صوت حد بيناديها صحاها:
– “يا خدامة! العصير يا بنتي، انتي واقفة تحلمي!”
فتحت عينيها بسرعة، وأجبرت نفسها تبتسم وهي بتقدم الصينية… لكن قلبها كان تقيل، ونظرتها – غصب عنها – راحت على أركان.
كان واقف بعيد، لابس جلبيه سودة فخمة، شكله هادي زي العادة، نظرته باردة، وكأنه مفيش أي حاجة بتحركه، حتى الفرح اللي حواليه مش مقصر فيه. بس لما عنيه جات على ليلى… وقف لحظة، حاجبه اتحرك بخفة، كأنه بيقول لها شيلي عينك من عليا.
ليلى نفسها كانت بتلعن اللحظة اللي بصت له فيها، قلبها اتشد، فركت صوابعها في طرف المريلة اللي لابساها، وحاولت تهرب بنظرتها… بس أركان كان أسرع.
مشيت بسرعة وسط الناس، دخلت المطبخ، وحطت الصينية بعنف، وحطت إيديها على قلبها اللي كان بيخونها… “إيه ده؟ أنا في مهمة، مش في فرح بجد! إيه الغباء ده؟”
بس الحقيقة كانت واضحة… أي بنت، مهما كانت، لو لقت نفسها في يوم شبه اليوم ده، وهي عارفة إن اللي المفروض يبقى جوزها واقف هناك، مش معاها… هتحس بوجع مش طبيعي.
أما أركان، فبعد ما اختفت من قدامه، شال عينه عن المكان، رجع لنفس بروده المعتاد… وكأن المشهد اللي حصله من شوية مجرد حاجة مالهاش لازمة، أو يمكن… مش عايز يعترف إنها أثرت فيه فعلاً.
أربع غرف، أربع حكايات.
الغرفة الأولى: نسرين وطاهر.
نسرين دخلت الأوضة وهي متوترة، قلبها بيخبط بسرعة، وطاهر وراها، قفل الباب بهدوء وبص لها بنظرة مش سهلة… نظرة حب مش مخفية، بس كان فيها خوف، خوف من رد فعلها، من رفضها، من الحاجز اللي بينه وبينها.
هي وقفت بعيد، حطت إيديها في بعض، وشها متشنج، مش قادرة تبص له، مش قادرة تتقبل فكرة إنها بقت مراته بجد.
طاهر بابتسامة خفيفة: “مش عايزك تخافي مني، أنا عارف إن الجوازة دي مش بمزاجك، بس أنا مستعد أستنى… لحد ما قلبك يلين لي.”
نسرين بلعت ريقها، رفعت عينها له أخيرًا، كان واقف بعيد، بس قريب بشكل يخليها تحس إنه فعلًا صادق…
بعد لحظات صغيره.
نسرين كانت قاعدة قدام المرآة في أوضتها، شعرها سايب على ضهرها، وعينيها ثابتة على انعكاسها، بتفكر… بتحسبها… أي نعم كانت مكسورة، وأي نعم حياتها مش بإيدها، بس هي لسه تقدر تتحكم في حاجات، حاجات هتخليها تتحرر أكتر. كانت فكرت في كل السيناريوهات، ودي كانت الطريقة الوحيدة اللي هتديها القوة اللي ناقصاها… الطريقة الوحيدة اللي هتخليها مش تخاف من أي حاجة بعد كده.
لما طاهر خرج من الحمام، كانت جاهزة…
“طاهر…” صوتها طلع ناعم، فيه حاجة مختلفة خلت قلبه يدق أسرع.
قامت من مكانها ببطء، قربت منه، وكل خطوة كانت محسوبة. نظرتها مكنش فيها رهبة، مكنش فيها تردد، بالعكس… كانت واثقة. حطت إيديها على كتفه، حست بتشنجه، بلع ريقه، وملامحه اتغيرت، متفاجئ، مبهور، مش قادر يصدق إن المسافات بينه وبينه بقت شبه معدومة.
هو كان مستني لحظة زي دي، كان عايزها، كان بيتمنى إنها تيجي له بإرادتها، مش مجبره عليه… دلوقتي؟ هي اللي بتقرب؟ هو كان عايز يصدق إن ده حقيقي.
“نسرين…”
سكتت، بصت في عينيه، وقربت أكتر، همست بصوت هادي:
“مش ده الطبيعي؟ انت جوزي، مش كده؟”
طاهر مقدرش يرد… هو مبسوط، مغيب عن أي شك، عن أي تفكير منطقي. هي دلوقتي مش مجرد العروسة الهاربة… دي بقت مراته، وهو خلاص… أخيرًا… بقى ليه حق عليها.
بعد دقايق عقله سرح في اللي حصل… كان كل حاجة ماشية تمام، بس فيه حاجة مش مريحة، حاجة كأنها ناقصة… تصرفات نسرين بعد اللي حصل، كانت باردة، عادية، لا فيها حب ولا ندم… كأنها بس خلصت مهمة.
أدرك… ببطء شديد… إن كل اللي حصل مكانش سببه إنها حبته، ولا إنها استسلمت ليه… لا… نسرين كانت بتلعب لعبة أكبر منه، لعبة هو لسه مش عارف قوانينها… بس أكيد هيفهمها قريب جدًا.
الغرفة الثانية: رغدة وسليم.
على عكس نسرين، رغدة كانت طايرة من الفرحة، أول ما دخلوا الأوضة ضحكت بمرح: “وأخيرًا لوحدنا يا بيه!”
سليم بابتسامة: “فرحان”
رغدة ضحكت وهي بتقرب، حطت إيديها على صدره بخفة: “هطير من الفرح كنت مستنية اللحظة دي من زمان…”
سليم مسك إيديها، قرب وشه منها وهمس: “وأنا كمان.”
وقبل ما تكمل أي كلمة، كانت بين إيديه، بتضحك وهي بتحس إن الليلة دي أجمل ليلة في حياتها.
الغرفة الثالثة: صفية وعادل.
صفية كانت قاعدة على طرف السرير، متوترة شوية بس مش خايفة… بس عادل كان هادي كالعادة، فضل واقف عند الدولاب، بيخلع الجاكت، وبيبص لها من المراية.
“إنتِ متوترة ليه؟ مش كنا متفقين إن إحنا نبدأ حياتنا براحة ومن غير أي ضغط؟”
صفية هزت راسها بسرعة: “عارفة، بس… الموضوع غريب شوية، يعني… إحنا متجوزين بجد دلوقتي.”
عادل لف لها، قرب منها وبص في عينيها: “وبجد هتبقي مراتي وحياتي… ومستعد أستنى لحد ما تتعودي عليا.”
صفية ابتسمت بخفة، قلبها بدأ يهدى، عارفة إن معاه مفيش حاجة تخوف… هو سندها، وده كفاية.
الغرفة الرابعة: مروان وأسماء.
أما هنا، فالحكاية مختلفة تمامًا.
أسماء (بتتكئ على السرير وبتبص لمروان بعيون ضيقة): “بصي بقى يا بتاع البنات، انت؟ لا تكتفي بيا لااااا… بالبنات بتاعتك!”
مروان (بيرفع حاجبه بسخرية وهو بيفك أول زرار في قميصه): “البنات بتاعتي”
أسماء (بتشد المنديل اللي في إيدها وبتبص له ): “حلو أوي… عايزاك بقى لما أمي تيجي بكرة تسأل حصل إيه، تورّيها دم إيدك الحلوة دي على المنديل ده!”
مروان (بخبث وهو بيقرب منها): “لا، هقول لها بنتك رفضت تديني حقوقي الشرعية!”
أسماء (بتشهق وهي بتحط إيدها على صدرها): “ااه؟ يا كذاب! مش انت اللي لسه مختار؟ مش أنا خيرتك؟ وفي الآخر يسألوا البني آدم مسير ولا مخير!”
مروان (بصوت هادي بس عنيه فيها لمعة شهوه وهو بيرمي الجاكيت على الكنبة): “وأنا اخترت…”
أسماء (بترجع لورا وهي بتبلع ريقها): “يا مروان، يا عسل، يا جميل، لا انا بطيقك ولا انت بطقني، ما انت فاهم الجوازة دي مش راضي عنها غير أبوك وأمي عشان إخوات… عارف أبويا اللي هو خالك؟ أقسم بالله رزعني علقة موت عشان الجنازة دي!”
مروان (وهو بيقرب أكتر ببطء): “ومين قال لك إني مش بطّقك؟ بعدين ده مالوش علاقة إنك من الصنف الناعم، صح؟”
أسماء (بتفتح عينيها بخوف وهي بترجع لورا): “بلا صنف ناعم بلا صنف خشن، روح نام يا عسل!”
مروان (بخبث وهو بيهجم عليها): “مافيش نوم للصبح!”
أسماء ( وهي بتقع على السرير): “يا نهار أسود، إنت بتتكلم بجد؟!”
مروان (يعتليها وهو بيهمس بشهوه): “اديكي هتشوفي بعينك محدش هيقول لك”
لــيــلــى كانت لسه هتدخل الاوضه بعد يوم طويل ومرهق، الفرح خلص أول ما وصلت للباب مدت إيدها تفتحه، لكن صوت أركان جمدها في مكانها.
صوته كان هادي، بس فيه حاجة غريبة، حاجة مش سمعته بيقولها قبل كده.
أركان: “عارفة كويس إني ما حبيتش ولا هحب غيرك، كل ده كان لازم يحصل، بس ده ما غيرش حاجة جوايا.”
رواية زواج في الظل الفصل السابع 7 - بقلم ياسمين عطيه
بعد انتهاء الفرح، وأركان يدخل الغرفة، متعبًا لكنه بالكاد أغلق الباب حتى رن هاتفه… ينظر للشاشة، تتبدل ملامحه للحظة قبل أن يرد بصوت هادئ.
يارا بصوت متردد ومكسور: “وحشتني، ليه عملت كده؟ ليه سبتني كل المدة دي؟”
أركان بهدوء، لكنه واضح إنه متأثر: “كان لازم.. بس انتي عارفة كويس إني ما حبيتش ولا هحب غيرك.”
يارا: “كنت محتاجة أسمعها منك، كنت خايفة يكون اللي بينا خلص.”
أركان: “مستحيل.. حتى لو الظروف فرضت علينا حاجات، أنا ما تغيرتش.”
ليلى، اللي كانت واقفة عند الباب، حسّت بجسمها بيتجمد، كأن الكلام كان سكاكين نازلة على قلبها واحدة ورا التانية. جملة “ما حبيتش ولا هحب غيرك.” “أنا ما تغيرتش.”
الكلمات دي خبطت في قلبها بقوة، كأنها صفعة صحّتها من وهم ما كانتش حتى معترفة بيه. هي ما كانتش ناوية تحس، ما كانتش ناوية تتعلق، لكن من غير ما تحس… حبت أركان.
مش عارفه حبيته ليه وازاي وامتى يمكن حبت طريقته لما بينادي عليها ببرود بس فيه حاجة بتحسسها بالأمان. حبت نبرته الحازمة. حبت حتى الطريقة اللي بيتجاهلها بيها ساعات… كل تفصيلة صغيرة كانت بتدخل جواها من غير ما تلاحظ، لحد ما بقت حقيقة.
بس الحقيقة الأهم؟ إنه مش ليها. مشاعرها راحت لشخص قلبه لسه متعلق بحد تاني.
بلعت غصتها وحست إن دموعها بتلسع عينيها، بس مسحتها بسرعة قبل ما تضعف أكتر. بعدها أخدت نفس عميق، وفتحت باب الأوضة، وكأنها ما سمعتش حاجة. قفلت وراها بهدوء، ما بصتش له، ما قالتش حاجة. راحت ناحية السرير ونامت على طرفه، بعيد عنه لأول مرة من يوم ما بدأت المهمة.
كل يوم كانت بتنام في حضنه، كل يوم كانت بتلاقي في حضنه راحة غريبة، حتى لو بينهم كان مجرد تمثيل.. حتى لو عارفة إنه ما بيفكرش فيها زي ما هي بقت تفكر فيه.
بس الليلة دي.. لا.
الليلة دي كانت عينيها مفتوحة، سقف الأوضة كان قدامها، بس عقلها كان في مكان تاني، مع جملته، مع إحساسها اللي اتكسر.
أركان كان حاسس إنها مش نايمة، مش مرتاحة، بس ما قالش حاجة. فضل ساكت، بس عنيه كل شوية تروح ناحيتها. هو مش فاهم مالها، بس كان حاسس إن فيه حاجة مش مظبوطة.
ليلى فضلت سهرانة.. وأركان فضل مش فاهم.
أركان فتح عينيه على ضوء الشمس اللي كان داخل من شباك الأوضة، لف راسه ناحية ليلى، لقاها على جنبها، كانت وشها للناحية التانية، مش في حضنه زي كل يوم.
قعد في سريره، مسح على وشه بإيده وهو حاسس بحاجة غريبة، حاجة مش مريحة. هي كانت صاحية طول الليل؟! كان حاسس بحركتها، بتقلبها، بس تجاهل، افتكرها هتنام في الآخر، بس دلوقتي وهو شايفها كده، متأكد إنها ما نامتش.
قرر يقوم من غير ما يصحيها، بس قبل ما يتحرك، سمع صوت نفس تقيل خارج منها، زي حد بيحاول يخبي حاجة.
قامت بهدوء، دخلت الحمام، وهو قعد في مكانه لكن عقله مشغول بحاجة تانية.
لما خرجت، لقاها رايحة ناحية الدولاب تاخد هدومها. ساعتها سألها، بصوت هادي لكن نبرته كان فيها حاجة مش مفهومة:
أركان: إنتي كويسة؟
اتجمدت لحظة، كأنها ما كانتش متوقعة يسألها، وبعدها هزت راسها بسرعة.
ليلى: آه، تمام.
كان رد مختصر، بارد، بعيد عن طبيعتها اللي كان متعود عليها كان دايمًا فيها حاجة بتكسر الحدة، لكن دلوقتي؟ كأنها بقت شخص تاني.
هو ما علّقش، وما حاولش يسأل أكتر. فضل ساكت وهو بيتابعها وهي بتخرج من الأوضة.
في غرفة مروان
أسماء فتحت عينيها ببطء، حسّت بجسمها متجرد من أي حاجة، ضربات قلبها زادت وهي بتبص جنبها، لقت مروان نايم بوش هادي كأن الدنيا ما حصلش فيها حاجة. فجأة، افتكرت اللي حصل امبارح، وشها احمر، وبدأت تزق فيه وهي متعصبة:
أسماء، وهي بتزعق: “قوم يا متحرش! انت ليك نفس تنام؟! فين الاحترام؟ فين الأدب؟ فين التربية؟!”
مروان فتح عين واحدة بنعاس، بص لها بطرف عينه، وغمغم بصوت مبحوح:
مروان: “عارفة لو قمت؟ هوريكي كل اللي انتي بتسألي عليه ده، زي امبارح بالظبط… فـ نامي بدل ما أقوم لك.”
أسماء شهقت، وسحبت اللحاف عليها بسرعة، وعيونها كانت بتلمع بالغيظ.
أسماء، بصوت متوتر وغضبان: “أنا مش هعيش معاك هنا، أنا رايحة عند أمي!”
مروان رفع حاجبه بس، واتكعبل في نعاسه وهو بيرد ببرود:
مروان: “الباب قدامك، هتلاقيه في نفس المكان اللي كان فيه امبارح.”
أسماء رمشت بسرعة، حسّت إنها اتصدمت من طريقته المستفزة، وبعدين قامت بسرعة وهي بتزعق:
أسماء: “طب تعالى وديني!”
مروان، وهو بيشد الغطاء عليه أكتر وبنفس النبرة الباردة:
مروان: “بقولك إيه، حلي عن نفوخي بقى، نامي وخليني أنام، بلاش أفكّرك الليلة كانت عاملة ازاي.”
أسماء حطت إيديها على خدها بانفعال، وبعدها رمته بمخدة على وشه.
أسماء: “قليل الادب ! ”
مروان وهو بيضحك، وساحب المخدة يحضنها:
مروان: “عارفه لو قمت لك هوريكي قله الادب الحقيقيه”
أسماء زمّت بُقها، واستسلمت، بس وهي مقررة إنها مش هتسيبه ينام بهدوء أبدًا!
بعد دقايق
أسماء خرجت من الحمام بعد ما اتشطفت ولبست هدومها بسرعة، بس الغيظ كان ماليها من مروان. بصت على الكوباية اللي على الكومودينو، ولمعت في دماغها فكرة شيطانية. مسكتها ورشتها على وشه وهي بتضحك بجنون.
أسماء بصوت مستفز: “صح النوم يا متحرش!”
مروان فتح عيونه بصدمة، حس بالبرودة تضرب وشه، وبعد ثانيتين استوعب اللي حصل.
مروان بصوت مبحوح من النوم: “أسماء… انتي عايزة تموتي؟!”
أسماء ما استنتش تسمع بقيّة الجملة، طلعت تجري برا الأوضة وهي بتضحك، مروان نط من السرير بس ما كانش ينفع يجري وراها لانه مش لابس، هي جريت و هي بتنهج من الضحك والخوف في نفس الوقت.
دخلت المطبخ اللي فيها ليلى شايلة كيس طلبات للمطبخ بتحطه على الترابيزه.
أسماء، وهي تلهث بخوف: “خبيني! بسرعة قبل ما يقفشني، هيقتلني!”
ليلى بصتلها باستغراب، وبعدها بصت وراها بحذر.
ليلى بقلق: “مين اللي هيقتلك؟!”
أسماء، وهي تحاول تلتقط أنفاسها: “جوزي! رشيت عليه كوباية ميه!”
ليلى استوعبت الكلام في لحظة، عيونها توسعت، وبعدها انفجرت ضحك بدون ما تحس.
ليلى وهي تضحك: “إنتي مجنونة رسمي!”
لكن لما سمعت صوت خطوات تقيلة جاية ناحية الباب، لمحت بسرعة ترابيزة المطبخ الكبيرة، ومسكت أسماء من إيدها وسحبتها بسرعة تخبيها تحتها.
ليلى وهي تهمس: “اقعدي هنا واسكتي!”
أسماء وهي تحت الترابيزة، بصتلها بفضول وهمست:
أسماء: “إنتي اسمك إيه؟”
ليلى وهي تراقب الباب بحذر: “هنيه.”
أسماء بابتسامة: “وأنا أسماء، إن شاء الله هنبقى أصحاب، جميلك ده مش هنساه أبداً!”
أسماء، وهي تهمس بحماس: “إنتي ساكنة فين؟”
ليلى أومت برأسها: “أنا في البيت الجانبي هنا في الفيلا،اصل جوزي البواب هنا .”
أسماء بحماس: “خلاص، هاجي لك دايمًا، ونقعد نحكي سوا!”
ليلى حاولت تسكتها بإشارة من إيدها، لأن صوت خطوات مروان كان بقى قريب جدًا، وهي عارفة إن الليلة مش هتعدي بسهولة!
في غرفة مروان
مروان خرج من الحمام بسرعة، وبعد ما لبس هدومه، طلع من غرفة النوم ولقى أمه، صباح، واقفة قدامه بتستغرب من ملامحه. كان واضح عليه إنه متعصب جدًا.
صباح، وهي بتبصله بقلق: “مالك يا حبيبي؟ فيك إيه؟”
مروان، بصوت غاضب: “بنت أخوكي اللي انتِ مجوزاني ، المجنونة! دي مش طبيعيه ان كان اخوك ذات نفسه مش طايع هي هتبقى طبيعيه!”
صباح، بتدهش من كلامه: “بس يا ولد، عيب! ما تقولش كده على خالك!”
مروان، شاح بيده بيحاول يكتم غضبه: ” طب اوعي من وشي كده عشان انا هقتلها لك النهارده!”
صباح، وطلعت تجري وراه و بصوت عالي وتلح عليه: “مروان يا حبيبي، اهدا! طب احكي لي، هي عملت لك إيه؟”
مروان كان خلاص هيدخل المطبخ، لكن في اللحظة الأخيرة دخل خاله ومرات خاله من الباب، شايلين قفص فاكهة. بص علي صباح وقال لها:
“شوفي النسب الغالية والجنان اللي انتِ خليتيني فيه!”
ناديه بابتسامه واسعه: مروان يا حبيبي عامل ايه ،هي اسماء فينمروان بعصبية: ” بدور عليها اهو دوري معايا
علي، مش فاهم اللي بيحصل، بص صباح وقال لها:
علي، وهو متفاجئ: “بنتي فين يا صباح؟ يعني أنا مديكم البنت عشان تضيعوها؟”
صباح، بتوتر وحيرة، حاولت تلم الموضوع بشكل هادي، فقالت:
صباح، وهي بتحاول تهدأ الوضع وهي بتضحك: “دي بتلعب مع مروان، واستخبت. هو أنت مش عارف بنتك يا علي؟”
علي، ضحك وقال:
علي، ضاحك وهو بيهزر: “إذا كانوا بيلعبوا، ماشي. أنا افتكرتها ضاعت. استنى، هدور معاك. أنا عارف بنتي ممكن تستخبى فين.”
مروان، وهو شافهم وسمع كلامهم، اتصدم بشكل ما حصلش. فكر في نفسه:
مروان، بصدمه: “الناس دي ما طبيعيين!”
علي دخل المطبخ وهو بيغني ويعمل طرقعة بصباعه، بيهزر ويغني:
*علي، وهو بيغني: “اطلعي يا بطه، أنا عارف انتِ فين، اطلعي يا وزه، عارف انتِ مين؟”*
أسماء، لما سمعت صوته، طلعت تجري عليه، ورمت نفسها في حضنه:
*أسماء، وهي بتضحك: “بابا حبيبي! وحشتني يا علولي! أنت جاي عشان تاخدني؟”*
*علي، وهو بيضحك: “لو عايزة تيجي معايا تعالي يا حبيبتي”*
*اسماء وهي بتضرب بوز: ما انا قلت لك ان انا مش عايزه اتجوز وانت ضربتني*
*علي :هو انا ضربتك عشان كده انا ضربتك عشان قعده تلعبي كوره مع الصبيان وانا قلت لك ما تلعبيش مع العيال وبعدين هو الواد مروان ده زعلك؟”*
*اسماء، بتدافع عن نفسها بتنكّر وتحاول تلمع صورتها قدام أبوها:*
*اسماء، وهي بتمثل على باباها: “ده مجنون يا بابا، مش طبيعي! وبعدين أنا عشان كده قلت لك مش عايزه اتجوزه. ده بتاع بنات!”*
مروان وقف مكانه، مش قادر يستوعب اللي بيحصل حواليه. مابين الضحك والهزار والمشاكل، بدأ يكتشف إن اللي حواليه عايشين في عالم تاني، بعيد عن المنطق!
مروان كان خلاص مش قادر يتحمل الوضع. مرارته كادت تنفجر من كمية الغضب والضغوط اللي حواليه. لما شاف اللي بيحصل، عارف إن الجدال مع الناس دي مش هيجيب نتيجة. الموقف ده كان بيخرج عن حدود السيطرة، وده خلاه يقرر ينسحب من المشهد.
الكل قاعدين على السفرة، لكن الجو مش مريح زي ما الناس متخيلة. السفرة مليانة أطباق وأكواب ملونة، وكل واحد فيهم قاعد في مكانه، لكن مش كلهم على وفاق.
مروان بيبص ل اسماء بنظرات حادة، زي ما لو كان عايز يولع فيها. عينيه مش بتفارقها، لكن اسماء بتبصوا لو تضحك زي ما يكون قصده تستفزه.
أما نسرين، فهي مش مبسوطة ولا مبتسمة، وقلبها مش في المكان ده. كل شوية، طاهر بيبص لها بنظرة مليانة حب، نسرين بتتجاهله تمامًا، مش بتلتفت ليه حتى بنظرة.
خليل، : “الحمد لله، أمبارح الصفقة نجحت ومشت زي ما مخطط له”. لكن في عينه شوية توتر، مش قادر يخفى إنه مش مرتاح للجو اللي حواليه.
الجد صلاح، بيبص على الجميع بنظرة غامضة، أول ما خلص الأكل، وبطرف عينه بيبص لنسرين، وقال بصوت : “لما تخلصوا الأكل،عايزكم كلكم قدامي “. كانت الجملة دي واضحة وصريحة، نسرين حسّت بالقشعريرة في قلبها. الجد كان بيقصد العقاب، وكان عارف إن اللحظة دي جت علشان يعاقبها عشان هربت قبل الفرح. في عينيه كان فيه حكم ومكر، زي ما لو كان ينتظر اللحظة دي من زمان.
في الصالون كان وكأنه محكمة قاسية
كان كل الخدم متجمعين صفًا طويلًا قدام الجد صلاح، ومعهم أفراد العائلة الكل واقف في صمت تام، عيونهم مركزة على الجد، وفي الجو كان فيه توتر غير عادي.
في لحظة صمت قاتلة، كان الجو في الغرفة ثقيل كأن الزمن وقف. نسرين كانت واقفة قدام الجد صلاح، عيونها مليانة خوف، لكن كانت بتتحدى الدموع اللي على وشها. جدها كان واقف قدامها، ملامحه قاسية، عيناه مليانة غضب وكأنها نار بتشتعل في صدره.
فجأة، في لحظة واحدة، رفع يده بسرعة البرق وضربها بالقلم على خديها. الصوت كان مدوي في المكان، وارتجاجه كان يمر في جسدها بالكامل سقطت على الأرض من قوة الضربة. القلم كان قوي لدرجة إنها حسّت بحرارة الجرح اللي تركه على وجهها، والدم اللي بدأ يظهر على طرف شفتيها من أثر الضربة. كانت الضربة مش بس جسدية، ولكنها دخلت جوّها وأثّرت في روحها، لأنها لم تكن مجرد عقاب، كانت إهانة كاملة قدام الجميع.
نسرين، رغم الألم الشديد، حاولت تمنع دموعها، لكنها فشلت. دموعها كانت بتسقط على خدها زي المطر، وصوتها كان مكتوم، مش قادرة تتكلم، ولا حتى تدافع عن نفسها. هي عرفت في اللحظة دي إن اللي قدامها مش هيراعيها، وما فيش حد هيوقف ده.
صلاح بصوت هز المكان”قلت لك قومي، قلت لك مش هينفع تتهربي من العقاب ده… قومي!”
نسرين كانت على ركبتيها، راسها مطاطية، كأنها مش قادرة ترفع عيونها. الدم كان بيسيل من فمها، وهي بتقع قدام الجد، والدموع في عينيها، بس ما قدرتش تتكلم. الجد كرر الكلمة مرة تانية، وتالتة، صوته يرتفع في الغرفة المظلمة:
“قلت لك قومي… عشان تبقي تعملي اللي انت عايزاه بعد كده؟”
ما حدش من أفراد العائلة أو الخدم كان يقدر يتدخل. كان الكل واقف في صمت مطبق، مش قادرين يتكلموا أو يتصرفوا.
سليم، وصفيه كانوا واقفين بلا حراك، ومروان وعادل كانوا عينهم على الأرض كأنهم خايفين يلتفتوا ويواجهوا الواقع. أما طاهر، كان واقف زي الطفل الصغير، أيديه مطبقة قدامه، راسه مطاطية. مش قادر يرفع نظره أو يتدخل بس كان حاسس بالوجع بتاعها كان هو اللي بيضرب
ليلى، اللي كانت واقفة مع الوقفين، كانت مستغربة. مش قادره تصدق إنها بتشوف المنظر ده. الناس دي مش طبيعيين، ازاي ممكن يكونوا بيعيشوا كده؟ ليه ما فيش حد من أفراد العائلة يوقف ده ؟
ابوها!؟ امها؟! واخوها!؟ جوزها؟!
نسرين كانت بتبص لجوزها بعينين مليانة باليأس، ومش لاقية منه أي رد فعل. كان واقف ساكن زي التمثال، ما فيش في عينيه غير الضعف. هي عاشت في جو من القسوة والتجاهل، والعائلة دي مش هتقدر تحميها.
في اللحظة دي، كان الجد صلاح واقف قدام الجميع، وعينيه مليانة غضب وتسلط. صوته كان عالي وحاد، كأن كلماته صواعق. “دي أقل حاجة هعملها ليكي، وانتِ عبرة لكل واحد هيفكر يعترض على قراراتي!” قالها بصوت متهدج، وهو يركز نظره على نسرين بعينين مشبعتين بالقسوة.
استمر في حديثه، والجو كان مشحونًا بالرهبة: “العقاب مش بس الضرب اللي أخدتيه، لا، ده كمان هتتحبسي يومين في أوضه لوحدك، مش هتلاقي حد يهون عليك، مش هتسمعي صوت حد غير صوت نفسك! حتى لو حد فكر ييجي يقف جنبك أو يعترض على اللي أنا قررته، هحبسه معاكِ!” كانت الكلمات ثقيلة، ومع كل كلمة كان يزيد الضغط على نسرين.
بص لها بنظرة حادة وقال: “يلا امشي قصاد عبد الحق.” ووجه نظره لعبد الحق، وعينيه كانت مليانة تهديد. “إحبسها في البدروم، وماحدش يقرب منها ولا يكلمها. لو حد فكر يقترب، هشوفه معاكِ في البدروم.”
الجو في الغرفة كان متوتر لدرجة كبيرة، والكل كانوا واقفين وكأنهم خائفين على حياتهم، يشهدون لحظة مرعبة تبرز فيها قسوة الجد وتسلطه.
في غرفة مروان واسماء
كانت أسماء جالسة على طرف السرير، وهي تكلم والدتها بصوت منخفض لكنها كانت متوترة جدًا، تحاول السيطرة على أعصابها بعد كل اللي شافته النهاردة.
أسماء بضيق: بصي يا ماما، اللي انتي خليتيني أتجوزه ده، والبيت اللي انتي دخلتيني فيه… الناس دول لو جاعوا ممكن ياكلوني!
نادية : يا بنتي، ولا هيكلوكي ولا حاجة، طالما بتقولي حاضر ونعم، ما حدش هيقربلك! اسمعي الكلام وعيشي من غير مشاكل.
علي وهو بيتدخل بصوته التقيل: أمك عندها حق يا أسماء، ما تغلبيش، أنتِ جوزك بس، واسمعي الكلام.
أسماء بانفعال: أوف بقى يا بابا، أنا ما كنتش عايزة الجوازة دي من الأساس!
علي وهو بيضحك بسخرية: وهو أنتِ كنتِ عايزة تتجوزي أصلاً؟ إحنا هنكذب على بعض؟ كم عريس جه لكِ، وأنتِ كل مرة تطفشي واحد ورا التاني؟
سكتت أسماء لحظة، ما عندهاش رد على كلام أبوها، لأن الحقيقة إنها عمرها ما كانت مستعدة للجواز… بس مش بالشكل ده، مش بالشخص ده، ومش في البيت ده!
في البدروم – غرفة مظلمة وضيقة
كانت نسرين قاعدة على الأرض، ضامة رجليها لصدرها، ضوء خافت داخل من فتحة صغيرة في الباب الحديدي. عينها كانت متورمة من الضرب، وشفايفها مشققة، بس أكتر حاجة كانت وجعاها… الإهانة، والخذلان اللي شافته قدام الكل.
وفجأة سمعت صوت خطوات حد جاي… الباب اتفتح، وطاهر دخل. واقف عند الباب، ملامحه متوترة، عارف إنها مش طايقاه، وعارف إنه لازم يتكلم.
طاهر بصوت هادي: نسرين…
نسرين ببرود وهي مش بتبص له: امشي من هنا.
طاهر بيقرب شوية: كنت عايز أطمن عليكي…
نسرين بضحكة سخرية وهي ترفع وشها لأول مرة: تطمن عليا؟ بجد؟ كنت فين وأنت شايفني باتمرمط قصاد كل الناس؟ كنت فين لما جدك كان بيهيني ويذلني وأنا مراتك؟
طاهر بتنهد: نسرين، انتي عارفة إن…
نسرين وهي بتقطعه بعصبية: لا، ما أعرفش! ما أعرفش إزاي واحد يقول إنه راجل ويسكت وهو شايف مراته بتنهان بالشكل ده! لو كان عندك ذرة كرامة، كنت وقفت في وشهم! كنت دافعت عني!
طاهر حس بالذنب، لكنه فضل ساكت لحظة، وبعدين قال بصوت واطي:
طاهر: كنت هعمل إيه؟ كنت هقدر أوقف في وش جدي؟ أنتِ عارفة إن أي حد بيقف ضده بيدفع التمن غالي.
نسرين باستهزاء:طب يلا امشي من هنا بدل متدفع التمن مش جدك مانع إن حد يجي لي؟ انت جيت ليه؟ امشي بقى، لحد يشوفك هنا ويحبسك معايا، وده أنا مش عايزاه!
طاهر وقف مكانه، ملامحه متوترة، واضح إنه كان عارف إنها مش هتستقبله غير بالطريقة دي، بس كان لازم يجي، لازم يتكلم.
نسرين بضحكة ساخرة وهي تهز راسها: مش خايف منه؟ المفروض تخاف… كنت خايف منه وهو بيضربني، مش خايف منه وهو حابسني؟!
طاهر بصوت هادي لكنه مليان إحساس بالذنب: نسرين…
نسرين قاطعته بحدة: ما تنطقش اسمي، صوتك لوحده بيقرفني! ما تعملش نفسك إنك جاي تهوّن عليّ، أنت كنت واقف زيك زيهم، كنت واحد منهم، كنت ساكت بتتفرج وهو بيهينني!
طاهر نزل عينه للأرض، ما عرفش يرد، لأنها كانت صح.
نسرين بصوت مرتجف لكنه حاد: مش المفروض إنك بتحبني؟! ماشي… بتقول إنك بتحبني، طيب فين الحب ده؟! أنا ما شفتوش! النهاردة بالذات كنت محتاجة أشوفه… كنت محتاجة أحس إنك جنبي، إنك راجل فعلاً، مش مجرد اسم…
طاهر فضل ساكت، ملامحه جامدة، لكنه كان عارف إنها عندها حق، كل كلمة قالتها كانت زي طعنة في صدره، بس ما قدرش يرد.
نسرين ضحكت ضحكة قصيرة وساخرة وهي تهز رأسها: عارف… أنا حتى اديتك فرصة، قلت يمكن أبتدي معاك حاجة جديدة، يمكن تخليني أحس إن جواك راجل يقدر يحميني… بس أنت ما تستاهلهاش، ما تستاهلنيش، ما تستاهل حتى إني أكمل الكلام معاك!
نسرين رجعت لورا، وقعدت على الأرض وهي تبعد وشها عنه، كأنها ما بقتش شايفاه حتى، كأن وجوده في المكان معدوم.
نسرين بحزم وهي تشير للباب: امشي، امشي قبل ما يجي ويحبسك هنا… بس بقولك؟ لو حصل… أنا مش هزعل، بالعكس، يمكن أول مرة أحس إنك حاسس ولو بجزء من اللي أنا حسيته النهاردة!
طاهر فضل واقف لحظة، كأنه بيحاول يقول حاجة، لكنه استدار وخرج، وقبل ما الباب يتقفل، سمع صوت نسرين المنكسر وهي تهمس لنفسها: ولا يوم حبيت إن اسمي يبقى جنب اسمك…
طاهر خرج من الأوضة وهو حاسس بكتمة في صدره، كأن نسرين سحبت آخر نقطة هواء منه بكلامها. رفع عينه لقى أمه، نوال، واقفة قدامه، ملامحها متشنجة، كانت سامعة كل كلمة.
نوال بحدة وهي تقفل الباب وراه: اوعى تصدق الشيطانه العقربه دي! انت مالكش ذنب في حاجة، يعني هي غلطت وبترمي اللوم كله عليك؟
طاهر بعصبية وهو يمرر إيده في شعره: ماما، أنا ما دافعتش عنها! كنت واقف زي العاجز وهي بتتاخد على وشها! أنا جوزها، كان لازم…
نوال قاطعته بصرامة: كان لازم تعمل إيه يعني؟ تموت نفسك قصاد جدك؟ تبقى قليل الأدب عشان واحدة ما بتحترمش حد؟ ولا تفكر في أي كلمة قالتها، ما تشيلش نفسك فوق طاقتها!
طاهر بصوت متحشرج: بس يا أمي…
نوال بصوت هادي لكنه قاطع: ما فيش بس، هي اللي هربت، وهي اللي تستحمل النتيجة، وانت ما لكش دعوة. واللي أنا عارفاه ومتأكدة منه هو دا الصح كان لازم يتقرص ودناه عشان ما تعملش كده تاني فما تسندلهاش
طاهر وقف للحظة، حاسس إن كلام أمه منطقي، بس قلبه كان مقبوض… نسرين بتكرهه، ومش عارف لو ده هيتغير في يوم من الأيام ولا لأ.
في أوضة من اوض الفيلا
ليلى كانت ماسكة المكنسة، بتمسح الأرضية بسرعة عشان تخلص شغلها، بس حركتها كانت أبطأ من العادي، عينيها شبه مقفولة من التعب، وكل شوية تمسح وشها بطرف طرحتها. أم سعاد، الست الكبيرة اللي شغالة معاها، لحد ما لاحظت إنها مش على بعضِها.
أم سعاد: مالك يا بنتي؟ هو انتي ما نمتيش كويس ولا إيه؟
ليلى وقفت لحظة، سحبت نفس عميق، وبصت لها وهي بتحاول تبان عادية.
ليلى: لا، مفيش حاجة، بس كنت نايمه متأخر امبارح.
أم سعاد رفعت حاجبها بشك، قربت منها شوية.
أم سعاد: اوعي بس تكوني حامل؟!
الكلمة وقعت زي الصاعقة على ليلى، فجأة حست بوشها بيولع، الدم اتجمع في خدودها، وإيديها وقفت في الهوا كأنها متجمدة.
ليلى (بتتوتر وتحاول تهرب بعينيها): إيه! حامل إيه بس يا أم سعاد؟ لا طبعًا، لا حامل ولا حاجة، ده بس عشان أنا فعلاً ما نمتش.
أم سعاد ضحكت، هزت راسها
أم سعاد: طيب يا ستي، ماشي، بس وشك بيقول حاجة تانية!
ليلى بسرعة شالت المكنسة وكملت شغلها : لا والله مافيش حاجه انا لو في حاجه زي كده كنت قلت لك
أوضة الخدمة – بعد العصر
ليلى كانت لسه بتكمل شغلها، بس حركتها بقت أبطأ، وعيونها غلبها النعاس وتحس بجسمها تقيل كأنها شايلة جبل. أم سعاد كانت قاعدة بتراقبها، ولما شافت إنها خلاص هتقع من التعب، زفرت بحنق وقامت ناحيتها.
أم سعاد (بصوت حنون بس حاسم): بس بقى يا بنتي، سيبي اللي في إيدك وروحي نامي شوية.
ليلى رفعت راسها بالعافية، وحاولت تتماسك.
ليلى (بإصرار ضعيف): لا لا، مفيش حاجة، أنا هخلص وأرتاح بعدين.
أم سعاد (بعين ضيقة وشها حازم): بعدين إيه! وشك أصفر والتعب ناوي عليكي، روحي دلوقتي قبل ما تتسندي على الحيطة وتقعيلي في نص الأوضة.
ليلى بصتلها للحظة، بعدين استسلمت ومسحت وشها بإيدها.
ليلى (بصوت واطي): طيب هروح انام شويه ولو عزتي حاجه تبقي ابعتي لي
أم سعاد (بابتسامة رضا): أهو كده، روحي يا حبيبتي نامي براحتك احنا يعتبر خلصنا الشغل كله.
ليلى ابتسمت بخفة واتحركت ببطء ناحية أوضتها، وهي تحس إنها مش قادرة تاخد خطوة تانية من التعب.
في المساء
أركان دخل الأوضة بخطوات هادية، لكن وقف مكانه أول ما شاف ليلى نايمة على السرير. كانت ملفوفة في ملاية خفيفة، ووشها باين عليه الإرهاق كأنها بقالها أيام من غير نوم. حاجبها معقود حتى وهي نايمة، كأنها شايلة هموم الدنيا جوه أحلامها.
وقف يراقبها لحظة، ملامحه متجهمة بس في حاجة جوه عينه هو مش فاهم هي مالها، ولا ليه شكله تعبان كده. هو عارف إنها شغالة طول اليوم، بس مش لدرجة إنها تقع كده من الإجهاد.
قرب خطوة، بص للون الباهت اللي على خدها، والهالات اللي تحت عينيها، وبعدها زفر بضيق.
اتجه ناحيتها بهدوء ورفع طرف الملاية قبل ما يتمدد جنبها على السرير.
أول ما حست بيه اتحركت بسرعة وقامت قعدة، كأنها كانت مستنية اللحظة دي.
بصلها بنظرة سريعة
أركان (بهدوء): هو أنا صحيتك؟
ليلى (هزت راسها بسرعة): لا، أنا نايمة من بدري أصلاً… خلاص شبعت نوم.
قالتها بسرعة وهي بتعدل الملاية، لكن حركة إيديها كانت متوترة، وعنيها ما ثبتتش عليه غير لحظة صغيرة قبل ما تبعدها. أركان لمّح كل ده، حس إنها متعمدة، كأنها بتبدل ورديات… أول ما دخل هو، هي قامت.
رفع حاجبه وهو بيبصلها باستغراب، ملامحه كانت شبه بترسم علامة استفهام كبيرة.
أركان (بتركيز): هو إنتِ مالِك؟ فيكِ إيه؟
ليلى (بسرعة وهي بتحاول تبان عادية): مافيش!
ما علقش، فضل ساكت وهو بيشوفها خارجة بسرعة، وكأنها مش قادرة تقعد في الأوضة لحظة زيادة. شد الغطا على نفسه، لكنه ماغمضش عينه، كان حاسس بحاجة غريبة في تصرفاتها، بس قرر يسكت… دلوقتي.
رواية زواج في الظل الفصل الثامن 8 - بقلم ياسمين عطيه
في المطبخ - بعد نص ساعة
ليلى دخلت المطبخ الصغير وهي بتحاول تهدي نفسها، لكن بطنها كانت بتقول كلام تاني... جعانة! راحت بسرعة شغلت النار وبدأت تحضر صينية بطاطس باللحمة مع رز وسلطة، بس طول الوقت كانت حاسة كأن فيه عينين راقباها.
وفعلًا... بعد شوية، سمعت صوت خطوات تقيلة.
رفعت راسها، لقت أركان واقف عند باب المطبخ، ملامحه مفيهاش أي تعبير، لكنه كان مركز معاها.
أركان: إنتِ بتعرفي تطبخي؟
ليلى ابتسمت تلقائيًا وهي بتحاول تخفي توترها.
ليلى: ده أنا لهلوبة في الأكل! بيسموني الشيف شربيني، لولا الملامة كنت فتحت مطبخ!
أركان رفع حاجبه وهو بيقرب أكتر، بص للأكل اللي قدامها بطريقة مش واضحة، قبل ما يسأل بهدوء.
أركان: عاوزاني أجرب؟
ليلى: طبعًا! ده يفوتك نص عمرك لو ما كلتش من إيدي.
ما قالش حاجة، سحب كرسي وقعد، مسك المعلقة وداق لقمة ببطء. ليلى فضلت مستنياه يقول أي حاجة، لكن ملامحه فضلت هادية.
ليلى: ها؟
أركان: مش وحش.
ليلى: مش وحش؟! دي أطعم صينية بطاطس باللحمة في مصر! طب عارف أنا لو فتحت مطعم، الشيفات الكبار نفسهم هييجوا يتعلموا مني!
ابتسامة خفيفة جدًا عدت على طرف شفايفه، قبل ما ياخد لقمة جديدة.
أركان: هاتي السلطة.
ليلى قامت بسرعة تجيبها، بعدين ابتسمت بانتصار وهي بتقوم تجيبها... عارفة كويس إنه عجبه الأكل، حتى لو مش هيعترف.
أركان خد لقمة جديدة بهدوء، لا بيعلق ولا بيظهر أي رد فعل، لكن طريقة أكله كانت كافية تقول إنه الأكل عجبه. ليلى كانت قاعدة قصاده، بتراقبه بعينين واسعة، مستنية أي كلمة مدح، لكنه فضل محتفظ ببروده المعتاد.
وهي لسه مش مستوعبة إن ده مدح بطريقته الباردة، بس الأهم إنه بيأكل! لكن فجأة سمعته بيتكلم.
أركان: بعد كده، إنتِ اللي تعملي الأكل.
ليلى بصت له باندهاش، وهي بتحاول تفهم إذا كان بيهزر ولا بيتكلم بجد.
ليلى: هو إنتَ يعني مش عاجبك أكل الفيلا؟ دا الشيف عم صابر اللي بيعمله.
أركان: لا.
رده السريع خلاها تتوتر شوية، لكنها حاولت تخفي ده وهي بتكمل الأكل. الحقيقة، رغم إنه كان ساكت معظم الوقت، بس مجرد إنه قرر إنها اللي تعمل الأكل بعد كده كان شيء غريب، خاصةً إنهم هنا في مهمة ومش أكتر... ليه فجأة مهتم يأكل من إيديها؟
ليلى: طيب يا سيدي، طالما الأكل بتاعي مش وحش، يبقى اتفقنا. بس ماشي، هزودلك شطة عشان أشوف هتفضل تقل كده ولا لا.
أركان ما ردش، لكن الابتسامة الخفيفة اللي عدى بيها وهو بيشرب من كباية المية قالت لها إنه سامع... وإنه قبل الاتفاق.
بينما هما مشغولين في الأكل وكل واحد فيهم مشغول بأفكاره. لكن الجو كان هادئ، والضوء الخفيف في المكان كان بيضيف لمسة من الراحة. ليلى كانت بتحس إن الجو بقى أكثر راحة بعد ما ارتاحت شوية.
فجأة، الباب خبط. أركان نظر ناحيته ثم قام بهدوء، بينما ليلى فضلت قاعدة مستنية.
أركان فتح الباب بهدوء.
أسماء أول ما شافته انبهرت من جماله ومش قادرة تخفي دهشتها بس بعد لحظة، رجعت شوية وابتعدت نظرها، وحست بالخجل فابتسمت في توتر.
أسماء: ممكن تنديلي هنيه؟
في اللحظة دي، ليلى خرجت من الغرفة، وأسماء مسكت يدها فورًا وأخذتها بعيد عن أركان. كانت عيون أسماء مش مصدقة، وكانت بتبص في دهشة، وقالت بسرعة:
أسماء: القمر دا جوزك؟ يا بختك! يا بختك! البصة الواحدة في وشه ترد الروح!
ليلى اتكسفت وفضلت ساكتة، كانت شايفة إن أسماء عندها حق فعلًا، أركان جميل جدًا وفي غاية الوسامة. هي ذات نفسها ما كانتش قادرة تتحكم في مشاعرها، وجماله هو اللي جابها وراء.
أسماء كملت بشغف:
أسماء: مالك؟ مش عارفة تردي؟ أنا لو مكانك هبقى خرسة فعلًا! إزاي اتجوزتيه؟
ليلى وهي بتحاول تداري توترها وتبان مكسوفة: سعيد؟ يبقى ابن عمي.
أسماء: أنا غلطانة! إزاي ما عنديش ابن عمي جميل كده؟ رايحة أتجوز مروان... مروان! اللي بصه في وشه ترد الروح للي خلقها! بني آدم ما يتقعدش مع ثانية، مش عارفة هاعيش معاه طول العمر إزاي.
ليلى: لا اسمعي، إنتِ دمك خفيف قوي!
أسماء: لو ما فضلتش أضحك كده هفرقع من جنابي الاثنين.
ليلى: هو انتِ مغصوبة على الجواز دي؟
أسماء: ده أنا اتضربت علشان الجوازة دي! أصلًا ما كنتش عايزة أتجوز خالص. يا ريتني اتجوزت أي حد غير مروان!
ليلى: النصيب محدش بيقدر يقوله "يا ريت".
أسماء: بقولك إنتِ بالذات ما تتكلميش عن النصيب ده! إنتِ خدتِ حظ البنات كلها.
ليلى ابتسمت، واتكسفت بشكل واضح، وهي مش قادرة ترد على الكلام ده.
أسماء: ما تيجي نقعد في أوضتي شوية؟
ليلى كانت خايفة من مروان، ما كانش ينفع تقول لأسماء، فابتسمت وقالت:
ليلى: خلينا قاعدين في الجنينة شوية، عشان جوزي ما يقلقش. وأنا برده بنام بدري علشان الشغل وكده... وبعدين يا بنتي، إنتِ عروسة جديدة، دا أول يوم جواز ليكي!
أسماء: جوزي خد فريق الكورة وراح يخوني!
ليلى: إزاي يعني؟! حتى سليم وعادل! دول باين عليهم بيحبوا رغدة وصفية.
أسماء: والله زي ما بقولك كده كلهم راحوا الشقة اللي عايزة تتولع فيها. أنا سايباهم جوه بيموتوا في بعض الحرب العالمية الثالثة قايمة في الفيلا! عشان كده أنا سبتهم وخرجت!
صباح عمالة تقول لهم: "إنتوا السبب، إن جوزك يزهق منك من أول يوم ويروح يخونك" يعني مش السبب في كده إن أولادهم متربوش، لأ! عشان إحنا المقصرين! ناس غريبة عجيبة! والله قولت لأمي، دول مش طبيعيين!
ليلى كانت بتحاول تواسي أسماء وقالت لها: "ما تزعليش نفسك".
أسماء ردت بسرعة: "أنا مش زعلانة، مش فارق معايا أصلًا. أنا أمي قالت لي كل حاجة من يوم ما تزوجت، قالت لي: كبري دماغك، ما توجعيش قلبك مع حد، وبالذات مروان ده، قالت لي: ده ما فيش منه فايدة. الطفل بيفتح عينه على مصاصة، ده فتح عينه على ستات."
ليلى ما قدرتش تمسك نفسها من الضحك، وضحكت بشدة، لدرجة إنها وقعت من الضحك.
أسماء بجدية قالت: "والله زي ما بقولك كده. أصله طالع زي أبوه. فؤاد ده بردك كده لحد دلوقتي. أمي قالت لي: صباح دي عملت المستحيلات عشان يبطل كانت بتراقبه وتراقب الستات اللي يعرفهم، كانت بتتخانق معاهم وتهددهم، وكلمة أمه لما كانت عايشة. وأبوه، صلاح، هددوه عشان يبطل، وبردك ما بطلش. كان بيعمل اللي هو عايزه من وراهم، لحد ما اتعودوا وبقى يعملوا في العلن عادي. وزود، وعاند، وبدل ما تبقى ست في اليوم، بقى ٦ و١٠ ستات في اليوم. فمن شابه أباه، ما ظلم بقى".
ليلى ما كانتش عارفة ترد تقول إيه، بس قالت: "ربنا يهديه."
أسماء بضحك: "أو ياخدوا أيهم أقرب."
ليلى ضحكت وقالت: "والله أنتِ حكاية!" وكملت بكسوف وقالت: "والله يا أسماء، أنا لولا المكان ضيق، كنت دخلت تقعدي معايا جوه، بس أنا أعتبر قاعدة في أوضة، ما فيش صالة، يا دوبك السرير والحمام ومطبخ صغير."
أسماء ردت: "بس يابت، ما أنا عارفة. وبعدين كفاية كده، أنا بقالي كتير قاعدة، هروح أقعد على الفيس، وأصيح وأشتم الرجالة."
ليلى ضحكت وقالت لها: "أنا والله مش بقولك كده عشان تقومي وتمشي."
أسماء قالت: "وأنا بقولك كده عشان تقومي لجوزك الحليوة اللي جوه ده. يلا، تصبحي على خير."
ليلى ابتسمت وقالت: "وانتِ من أهل الخير."
ليلى لأول مرة حست إنها مستريحة من أول ما جت البيت هنا، حست إنها لقيت حد تتكلم معاه وتضحك، وطلع جزء من اللي جواها، كانت حاسة براحة لأول مرة من زمان. وكل كلمة مع أسماء كانت بتخليها تحس إنها مش لوحدها، وإن في حد ممكن يفهمها ويضحك معاها.
أما أسماء، كانت فرحانة هي كمان، حست إنها لقت صحبة بعد وقت طويل، عشان محدش في البيت شبهها. قريبها، بس عمرها ما حبتهم ولا ارتاحت معاهم. هي كانت دايمًا بتتجنب زيارتهم، مش عارفة إزاي دلوقتي بقت مفروض عليها تعيش معاهم وتشوفهم كل يوم.
ليلى دخلت الأوضة، ولأول مرة، أركان لاحظ ملامحها، كانت باينة على ملامحها الراحة والسعادة، وكان في عيونها بريق من السعادة.
نظرت ليلى له وقالت بكسوف: "هو أنت لسه ما نمتش؟" عيونها ضايعة بينه وبين نفسها، وهي تحاول تخلي الموقف طبيعي قد ما تقدر.
أركان، على الرغم من إنه كان مستغرب من نفسه لعدم قدرته على النوم وهي مش جنبه، إلا إنه حاول يظهر البرود وقال بصوت هادي: "كانت عايزة منك إيه؟" وكان صوته محايد ووجهه مش بيظهر أي تعبير حقيقي.
ليلى، وهي ماشية ناحية السرير: "كنا بنتكلم كصحاب عادي، مش حاجة مهمة، تبع الشغل بتاعنا يعني."
أركان رفع حاجبه قال بنبرة جافة: "صحاب؟ إحنا مش جايين نعمل صحاب. ابعدي عنها وما تنسيش هي مرات مين." عينيه كانت مركزة عليها.
ليلى ردت بثقة، مع ابتسامة غير ظاهرة على وشها: "هي مش شبه جوزها، ومش شبه اللي في البيت كلهم أصلًا. وبعدين ما تقلقش، مش هبوز لكم شغل. أنا فاهمة أنا بعمل إيه، كويس. وبعدين... وسّع كده، عايزة أنام."
نامت ليلى على جنبها، كانت محتاجة فترة قبل ما تقدر تروح في النوم. أول ما راحت في النوم راحت لمكانها المعتاد، حضنه الدافئ المريح. بحركة تلقائية منها، أول ما دخلت حضنه، خدت نفس عميق كأنها كانت تعبانة، وساعتها حست وكأنها ارتاحت أخيرًا.
أركان حس بيها، ابتسم بحذر، وكان في عينيه شيء غريب، وكأن لأول مرة يحس إن فيه شيء بيخليه يشعر بالراحة. وبحركة بطيئة، ولأول مرة، حوطها بذراعه برفق، كأنها ما كانتش بس جزء من الشغل أو المهمة، ولكن حاجة أهم بكتير.
ابتسم وارتاح، ولأول مرة حس إنه مكنش قادر ينام غير وهي في حضنه.
الصبح جاء على الجميع، وأشعة الشمس بدأت تتسرب من خلال الستائر الخفيفة. في غرفة أركان وليلى، فتحت ليلى عينيها ببطء، لكن أول حاجة لاحظتها كانت أنها لسه في حضن أركان. المرة دي كانت مختلفة عن كل مرة قبل كده. المرة دي كانت محوطة بذراعه بشكل أعمق، وأيديها كانت مستريحة على صدره، وكأنها عايشة في لحظة خاصة جدًا.
مش قادرة تصدق إن حضنها، حست بحب وراحة غير عادية، واللحظة كانت أقوى من أي حاجة. كانت مش عايزة تقوم من حضنه، كان الدفء اللي فيه كفاية عشان تبقى مبسوطة. هي بس فكرت في لحظة عايزة تعيشها، وكانت عايزة تستغلها، وقررت إنها ما تقومش من حضنه، وتحس بالراحة القصوى، وتحس إنها في مكان آمن.
أركان حس بيها، كان عارف إنها صحيت وكان عارف إن المفروض يبعدها ويقوم، بس كان فيه حاجة جواه بتمنعه من يبعدها، لأول مرة يحس إنه في موقف ما يعرفش يتعامل معاه.
لكن ليلى كانت مشغولة بأفكارها، وكانت بتواجه مشاعرها بهدوء شديد، وقالت لنفسها:
"هو إيه اللي أنتِ بتعمليه؟ ده بيحب واحدة تانية."
حتى لو كانت هتوجع نفسها عشان تبعد عنه، هي هتعمل كده. مش مستعدة لوجع القلب اللي هيحصل بعد ما المهمة دي تخلص، وهو يرجع لحياته زي ما هي. وهي هتكون اللي هتقف في النص، مش هتكون قادرة تكمل. فقررت تقوم بهدوء، تسيب المكان، وخرجت من حضنه.
دخلت الحمام، غسلت وشها ولبست هدومها، وكانت خلاص هتخرج من الغرفة، لكن صوت أركان فجأة قطع عليها أفكارها:
"حضري لي الفطار، أنا عايز أفطر هنا في الأوضة."
ليلى وقفت مكانها لحظة، حست بشوية تردد، لكن بعد كده قفلت الباب بهدوء ودخلت المطبخ بسرعة عشان تحضر له الفطار.
وأثناء ما هي منتظرة الأكل على البوتاجاز، بصت لنفسها وابتسمت وقالت:
"ما فيش فايدة، الحب ما حدش يقدر يتحكم فيه بكلمة واحدة."
طلعت جري بسرعة، عشان تعمل اللي هو عايزه.
ليلى حطت الأكل على الطاولة وكانت خلاص هتمشي، لكن أركان قال لها بهدوء:
"اقعدي معايا، خلينا نفطر مع بعض."
لقيت نفسها فعلًا قاعدة، وده كان غريب عليها. كانت مش قادرة تستوعب اللي بيحصل، إزاي بكلمة واحدة وبإشارة بسيطة منه، كانت بتعمل اللي هو عايزه بدون ما تفكر. هي اللي كانت دايمًا تعمل اللي هي عايزاه ومحدش يقدر يمشي عليها ولا يطلب منها حاجة، لكن معاه، كل حاجة بتتغير. وكأن كلمة منه أو حتى لمحة في عينه كانت كافية عشان تسيطر على تصرفاتها.
"هو ليه بيحصل كده؟"
الصوت اللي جواها بيصرخ "غبية أوي، واضح عشان بتحبيه!" لكن على الفور، حاولت تزيح الفكرة من دماغها، وقالت لنفسها:
"بحبه؟ بحبه؟ أكيد لا."
كانت الكلمات دي بتدور في ذهنها بسرعة، وهي مش قادرة تركز في حاجة غيرها.
رفعت رأسها وبصت على أركان، وهو كان واقف قدامها، عينه في عينها، لكن هي كانت في عالم تاني خالص. كل تفكيرها كان مشغول بسؤال واحد:
"هل فعلًا بحبه؟"
وكانت مش قادرة تجيب لنفسها إجابة. هو كان واخد باله إنها مش معاه في اللحظة دي، وإنها مش بس بتاكل، لكن عقلًا وفكرها كانوا في مكان تاني، وتساءل في نفسه:
"هي مش في وعيها ولا في حاجة مش فاهمها؟"
بس ما قدرش يعرف هي كانت بتفكر في إيه.
ليلى قامت بسرعة من على الأكل وقالت له:
"سلام، أنا رايحة ورايا شغل كتير واتأخرت."
وبصت ليه وهي بتغمز وقالت:
"ما تقلقش، هبقى أعمل لك الغداء بإيدي، وأجيبه لك، وهيبقى مش وحش قوي."
أركان في نفسه:
"مجنونة والله، بس ده ما يمنعش إن أكلها جميل جدًا."
كان مستغرب من تصرفاتها، مش عارف إذا كانت بتخبئ حاجة ولا هي فعلًا مش عايزة تتعامل معاه أكثر من كده، لكن ما قدرش ينكر إن كل حاجة بتعملها كانت ليها تأثير عليه، وخصوصًا الأكل اللي كانت بتحضره. نومها في حضنه ولما وصل للنقطة دي قرر يبطل تفكير وقام من مكانه وطلع للشغل.
***
أسماء صحيت من النوم بسرعة، دخلت الحمام وغيرت هدومها ونزلت لتلاقي صباح في الصالة.
أسماء في سرها:
"يا ربي هو أنا كل يوم هصطبح على الخلقة دي؟"
صباح شافت أسماء وهي نازلة وقالت بابتسامة خفيفة:
"صباح الخير يا سماسيمو."
أسماء بابتسامة سمجة:
"صباح الخير يا صباح."
صباح بعصبية:
"بنت عيب! أنا في مقام ماما."
أسماء بسخرية:
"ماما في البيت، نايمة دلوقتي. يا صبوحة يا عسل أنتِ."
صباح، بعصبية:
"أنا اللي جبته لنفسي، مش أنا اللي اخترتك لابني."
أسماء، مش عارفة تمسك نفسها:
"أديكِ أنتِ قلتيها، اخترتني ليه بقى؟"
صباح بتحذير:
"طب ما تخلينيش أندم بسرعة بقى."
أسماء، وهي في سرها:
"أبوس إيديكِ، اندمي وخلصينا بقى."
صباح:
"مروان فين؟"
أسماء، بتريقة:
"نايم زي الشوال فوق."
صباح، بعصبية:
"يا بنت عيب!"
أسماء، وهي بتسيبها وماشية ناحية المطبخ:
"وأنا عيلة صغيرة، كل شوية 'يا بنت عيب يا بنت عيب.' العيب اللي ابنك بيعمله!"
***
في غرفة سليم ورغدة.
رغدة فتحت عينيها ببطء، كانت تحس بجفاف حلقها وعينيها منتفختين من قلة النوم. قلبها انقبض فور ما شافته نايم جنبها وكأن ما فيش حاجة حصلت، كأن الليلة اللي فاتت كانت مجرد حلم سيئ. جواها غليان، إحساس بالخذلان مخلوط بمرارة ما عاشتهاش قبل كده.
زحزحته بإيدها المرتعشة، صوتها كان حاد وهي تقول:
"قوم، عايزين نتكلم."
سليم تمطى بكسل، وسحب المخدة فوق راسه بنبرة متضايقة:
"أنا مش عايز أتكلم دلوقتي... وبعدين، إحنا مش هنتكلم، إحنا هنتخانق."
رغدة شهقت بغضب، دمها غلى أكتر، قلبها كان بيدق بسرعة وهي بتضغط صوابعها في الفرش عشان تهدي رجفة إيديها:
"طب كويس إنك عارف إننا هنتخانق! إزاي تعمل كده؟! إزاي تبقى إمبارح نايم في حضني، ولسه عرسان جداد، وتقوم تسيبني وتروح تخوني؟! أنت ما بتحسش؟! ولا عندك قلب؟!"
ما ردش، صمته قتلها أكتر من الكلام، رغدة حست بجسمها بيتشنج من الغضب، عينيها كانت مليانة دموع بس هي رفضت تنهار قدامه. زقته تاني بكفها وهي تعلي صوتها أكتر:
"قوم بقولك! كلمني زي ما بكلمك، رد عليا يا سليم!"
سليم اتحرك فجأة، بعنف، كأنه وحش استفزته، قفز من السرير بعصبية، عيونه اسودت ورفع إيده عليها، رفع إيده في الهواء كأنه هينزلها على وشها، لكنها، بغريزة الخوف، رفعت إيديها الاثنين تحمي وشها.
وقف، عيونه فيها شر بارد، وصوته كان منخفض بس مخيف:
"ده تحذير... اللي ممكن يحصل لك لو فكرتي تعلي صوتك تاني، أو تقولي لي أعمل إيه وما أعملش إيه."
رغدة شافت الشر في عيونه، جسمها ارتعش، إحساس رهيب من الخوف والخذلان سيطر عليها. الدموع نزلت بدون ما تقدر توقفها، أنفاسها كانت مقطوعة وهي بتحاول تهدي شهقاتها، لكنها فشلت. سليم بص لها نظرة أخيرة، دخل الحمام وسابها هناك، محطمة.
***
في غرفة عادل وصفية.
عادل فتح عيونه على صوت نهنهة خافتة. لف وشه ناحية صفية، لقاها قاعدة في نفس المكان اللي سابها فيه إمبارح، دموعها نشفت على خدودها، لكن عيونها لسه حمرا.
قال بصوت مبحوح من النوم:
"أنتِ ما بطلتيش عياط من إمبارح؟"
صفية رفعت عيونها له، صوتها كان متكسر وهي تقول:
"هو فارق معاك أصلًا؟ ما أنت سبتني وخرجت... رحت لحضن واحدة تانية، وأنا لسه عروسة!"
عادل لف عيونه بملل، نبرته كانت باردة وهو يقول:
"بقولك إيه، بلاش دراما كوين. أنتِ متجوزاني وأنا كده، وعارفاني كويس. ما تجيش دلوقتي وتفتكري إنك هتغيري حاجة."
صفية شهقت وهي تهز راسها:
"طب ليه؟! هو أنا ناقصني حاجة؟! أي حاجة وحشة فيَّ، قول لي العيب عشان أغيرها!"
عادل بص لها بنظرة نفاد صبر، صوته علي وهو يقول:
"أهو ده الكلام اللي أنا ما بحبوش! الستات دول مزاج زي الأكل، لو قدامك أنواع كتير، هتاكلي نوع واحد؟ ولا هتاكلي من كله؟"
صفية رفعت عيونها له، نظرتها كانت مليانة انكسار، صوتها هادي لكن فيه وجع قاتل:
"بس لو في أكل واحد بتحبه بجد، عمرك ما هتبص على غيره... نفس المبدأ بالظبط، بس أنت ما بتحبش... أنت ما عندكش قلب."
عادل نزل من على السرير، وقف قدامها، ملامحه كانت متوترة والغضب بدأ يتملك منه:
"أنا لحد دلوقتي بتعامل معاكي بالحب، بس لو فكرتِ تتكلمي تاني بالأسلوب ده، هتشوفي وش تاني مني."
صفية وقفت مكانها، أنفاسها كانت سريعة، نظرتها كلها ألم وخيبة أمل، وبصوت متقطع من الدموع قالت:
"هو أنت خليت فيها حب أصلًا؟! كل حاجة انتهت قبل حتى ما تبدأ... ده أنا ما لحقتش أكمل كلمة ممكن يتغير، قومت أثبت لي إنه مستحيل."
عادل لف ظهره وخرج من الأوضة، وسابها هناك، مكسورة، بتقاوم الانهيار.
***
داخل غرفة صفية.
صفية كانت قاعدة على الأرض جنب السرير، حضنت ركبتيها لصدرها، دموعها بتنزل بصمت، ووشها مدفون في كفوف إيديها المرتعشة. لسه لابسة فستان النوم بتاعها، لكن شكله بقى مكركب، وكأنها كانت بتحاول تمسح دموعها فيه طول الليل.
الباب اتفتح فجأة، ورغدة دخلت وهي بتتنفس بسرعة، كانت لسه خارجة من أوضتها، بعد المواجهة اللي كسرتها من جواها. أول ما عينيها وقعت على شكل صفية، قلبها وجعها أكتر... ده بالضبط اللي هي حاسة بيه، بس مضروب في اتنين.
بقيت شريكة وجعها وأسرارها.
رغدة بصوت مخنوق: "ياااااه يا صفية… إحنا بقينا كده؟!"
صفية رفعت راسها ببطء، عينيها كانت حمرا ومنتفخة، شفطت أنفاسها وهي بتضحك ضحكة مكسورة مليانة سخرية:
"إحنا عمرنا ما كنا غير كده… بس كنا مغفلين، فاكرين نفسنا في قصة حب، والحقيقة إننا كنا في لعبة… هم اللي حطوا قوانينها، ولعبونا بيها زي ما هم عايزين!"
رغدة مشيت بسرعة وقعدت على الأرض قدامها، بصتلها، عنيها مليانة وجع، صوتها كان متكسر وهي بتقول:
"رفع إيده عليا يا صفية… كان هيضربني! سليم… اللي كان بيقولي إنه عمري، إنه مش هيأذيني… اللي أنا فتحت عيني وقلبي عليه… اللي كنت بحلم بيه وأنا نايمة وبصحى عليه… اللي ما تمنيتش غيره، كان هينزل إيده على وشي إزاي؟ هنت عليه؟!"
صفية خدت نفس طويل وبعدها همست:
"إحنا هِنّا عليهم من زمان يا رغدة… إحنا بس كنا عايشين في وهم، مغمضين عنينا… بس هم أثبتوا لنا الحقيقة أول يوم في جوازنا… لما خانونا بدون حتى ما يفكروا!"
رغدة غمضت عنيها بقوة، حست بحرقة في قلبها، ومسحت دموعها بعصبية:
"هنعمل إيه بقى مع قلوبنا الغبية اللي اختارت تحبهم؟"
صفية بصتلها بنظرة كلها خيبة أمل، وابتسمت بسخرية وهي تمسح دموعها بإيدها المرتعشة:
"هو إنتِ فاكرة إن في حاجة في إيدينا؟ جدك… مستحيل يسمح لينا نطلق أو نسيبهم… إحنا هنكمل عمرنا كله مع الرجالة دي، سواء برضانا أو بالغصب."
رغدة شهقت وهي تهزّ راسها، رافضة الفكرة تمامًا:
"أنا مش هقدر… مش هقدر أبص في وشه تاني، ولا أعيش معاه، ولا حتى أنام معه وهو مع واحدة تانية!"
صفية حطت إيديها على وشها، شهقت بحرقة، وبصوت مخنوق من الدموع قالت:
"عارفة عادل قال لي إيه؟ قال لي أنا لسه بتعامل معاكي بالحب! الحب بتاعه إنه يسيبني طول الليل بعيط… الحب بتاعه إنه يخوني من أول يوم جواز… الحب بتاعه إنه يخليني أحس إني ولا حاجة!"
رغدة مسكت إيدها، ضغطت عليها بقوة، وهزت راسها وهي بتحاول تثبت نفسها وتثبت صاحبتها معاها:
"إحنا لازم نكون أقوى، حتى لو محدش معانا… حتى لو هم ما رحموناش، إحنا مش هنكسر يا صفية!"
لكن في الحقيقة… الاتنين كانوا بيتكلموا وكأنهم بيحاولوا يقنعوا نفسهم، مش بعض.
صفية بصوت واطي بس مبحوح من كتر العياط:
"هنعمل إيه يا رغدة؟ أدي الله وأدي حكمته، وأدي العيشة اللي انكتب علينا نعيشها… الظاهر كده إننا هنطلع زي أمك وأمي، هنتعايش مع رجالة إحنا عارفين ومتأكدين إنهم بيخونوا، وإحنا لازم نسكت وما نفتحش بقنا."
رغدة وهي ماسكة كفوف إيديها بتعصرهم بقهر:
"بس إحنا غيرهم، إحنا اللي حبيناهم بقلوبنا، إحنا اللي كنا بنحلم بحياة معاهم… ليه؟! ليه ما اكتفوش بينا؟!"
صفية:
"عارفة ليه مكتفوش بينا؟ ليه عادل سابني في ليلتي الأولى ورح لغيري؟…" (اتكتمت شوية كأنها مش قادرة تنطق الجملة، وبعدها قالتها بمرارة أكتر) "عشان هو شايف الستات مزاج! شايفنا زي الأكل، قالها لي بكل بجاحة… لو قدامك أصناف كتير، هتاكلي صنف واحد بس؟!"
رغدة، اللي كانت قاعدة ما بقاش عندها طاقة تدمع أكتر، فجأة ضربت بإيديها على السرير بعصبية، صوتها طلع عالي وهي بتقول بانفعال:
رغدة:
"إزاي ده يبقى اسمه حيوان! دي مش رجولة… دي شراهة! ده بني آدم ما عندوش قلب ولا ضمير، عاملنا كأننا مجرد حاجة بتتأكل وتتساب لما يشبع!"
صفية بصوت مبحوح من كتر القهر:
"عارفة إيه اللي وجعني أكتر؟ مش إنه خانني… أنا كنت عارفة إنه بيخون حتى قبل الجواز، بس كنت بغبي نفسي… بس وجعني إنه مش شايف حاجة غلط في اللي عمله، مش حاسس حتى إنه جرحني، ولا كأن في حاجة تستاهل أزعل عليها…"
رغدة قامت بسرعة وهي بتلف حوالين نفسها كأنها بتدور على حاجة تفش غلها فيها، مسكت الكرسي اللي جنبها وهزته بعصبية قبل ما ترميه بعيد وهي بتصرخ:
رغدة:
"إحنا ليه كده؟ ليه بنعيش في الوهم؟ ليه بنحبهم وهما عمرهم ما حبونا؟!"
صفية بصوت واطي بس حاسم، وهي بتبص لرغدة بعيون مليانة وجع:
"لأننا كنا أغبياء، يا رغدة… بس خلاص، أنا مش هبقى غبية تاني."
الدق على الباب قطع لحظة الألم اللي بينهم، وصوت بطه جه من بره بصوت عالي شوية:
"مدام رغدة! مدام صفية! الفطار جاهز والكل مستنيكم تحت!"
رغدة بصت لصفية بعينين بتلمع من الدموع، وكأنها بتسألها بصمت: هننزل؟!
صفية بمسحة قهر على وشها، قامت وهي بتقول بصوت واطي:
"هننزل… عشان ده اللي لازم نعمله."
داخل قاعة الطعام
رغدة وصفية قاموا من أماكنهم كأنهم ماشين بجسد من غير روح، خطواتهم بطيئة، ووشوشهم باهتة، العيون محمرة ومنتفخة، وتحتها هالات سودا تحكي عن ليالي بكاملها من العياط والقهر.
رواية زواج في الظل الفصل التاسع 9 - بقلم ياسمين عطيه
أول ما دخلوا على السفرة، المكان كله سكت.
الكل بص لهم وكأنهم شايفين أشباح، أجساد ماشية بدون أي حياة، كأنهم ميتين بس لسه بيتنفسوا.
أسماء رفعت حواجبها باستنكار وفي نفسها: “والنبي دولت مكبرين الموضوع قوي! دي رجالة يتعيط عليها؟! ده شكلهم لوحده يقطع الخميرة من البيت!”
نوال وصباح قرروا يتجاهلوا ويكملوا أكلهم في صمت، لكن خليل كان بيبص لهم بقلق، حس إن في حاجة مش طبيعية، فرفع صوته وسأل:
“مالكوا يا حبايبي؟! شكلكم عامل كده ليه؟!”
فؤاد بص لصباح وقال بصوت هادي بس فيه نبرة استنكار:
“البنات مالها عاملة كده ليه؟!”
صباح رفعت عينيها وبصت له بنظرة كلها معنى، كأنها بتقوله ما أنت عارف وعامل نفسك مش فاهم! لكن الجد كان موجود، وعارفة إنها لازم تداري، فابتسمت ابتسامة باهتة وقالت:
“دلع بنات بقى، ما أنت عارف!”
الجد ساب الأكل وبص لهم بحدة، صوته كان تقيل وفيه تحذير واضح:
“ما حدش يزعل مراته تاني! مش عايز أشوفهم قدامي بالمنظر ده!”
الجملة كانت بسيطة… لكنها نزلت زي الصاعقة على الرجالة، الكل حس إنه تحت المراقبة، حتى اللي مش فارق معاه خد باله إن الجد مش هيسكت لو الموضوع استمر بالشكل ده.
أسماء في نفسها، بهمس خفيف وحركة فم غير مسموعة، قالت: “حنين قوي يا خويا…”
وكملت وهي بتبص لمروان اللي كان قاعد قصادها. نظرتها كانت مليانة غضب مكتوم وهي بتقول في سرها:
“كله منك يا ياض يا عش الأفاعي انت!”
***
عبد الحق كان داخل الجنينة وهو ماسك صينية الفطار، وبينادي على الرجالة.
عبد الحق: (بصوت عالي) “صباح الخير يا رجالة!”
الكل رد عليه بتحية، من ضمنهم عبد الحق حط الصينية على الطاولة اللي قدامهم وقال:
عبد الحق: “يلا رجالة تعالوا أفطروا!”
الرجالة بدأوا ييجوا واحد واحد، إلا أركان اللي لسه قاعد. عبد الحق لاحظ غيابه، فابتسم وقال:
عبد الحق: “ما تيجي يا سعيد؟ أنت محتاج عزومة.”
لكن أركان، بابتسامة بسيطة، رد عليه وهو بيشاور بيده:
أركان: “لا، أنا سبقتكم كلوا انتوا.”
واحد من الرجالة، وهو بيغمز له بعين، قال:
“يا عم شكل المدام فطرته!”
الرجالة كلها ضحكت.
أركان ابتسم ابتسامة خفيفة كأنها إشارة للخجل وقال بصوت هادي:
“حاجه زي كده.”
واحد من الرجالة بضحك: “كلنا عارفين مين اللي فطرته النهارده! وما تخافش يا عم، مش هنحسدك، ربنا يسهلوا.”
بعد الفطار، وقف عبد الحق أمام أركان بنظرة هادئة وعينين مليئتين بالحكمة، ثم قال له بصوت عميق:
“عايزك معايا في مشوار.”
ركبوا السيارة وساروا في طريق غير مألوف لأركان. عبد الحق كان يقود السيارة بهدوء، بينما أركان كان يستغرب المدى الذي أخذتهم إليه. بعد فترة قصيرة، توقفوا أمام أرض مفتوحة، وبدون مقدمات، انقسمت الأرض امامهم الى نصين وكشف طريق آخر تحت الأرض، مما جعل أركان ينظر بدهشة.
“ده ازاي؟” سأل أركان بصدمه.
عبد الحق ابتسم ابتسامة مشيرة وقال:
“ده شغل متخطط ليه على أعلى مستوى من زمان، وبيتجدد كل يوم. وربنا يخلي التكنولوجيا، مش عارفين من غير كنا هنعمل إيه.”
وقفوا أمام جدار ضخم بدا أنه لا يحتوي على أي شيء غريب، لكن عبد الحق حرك يده ووضعها في نقطة معينة على الجدار. في تلك اللحظة، فتح الجدار وكأن هناك جهازًا مخفيًا في داخله. أركان، الذي كان واقفًا في مكانه غير قادر على استيعاب ما يحدث، قال باندهاش:
“دي فتحت ازاي؟”
“ببصمة إيدي.” قال عبد الحق ببساطة.
“للدرجة دي مأمنين؟” سأل أركان، وهو ما زال في حالة صدمة.
عبد الحق أومأ برأسه وأجاب بهدوء:
“أكثر. شايف المكان ده؟ ده ما يجيش 1% من الأماكن التانية.”
أركان رفع حاجبه بتساؤل:
“هو في أماكن تانية؟”
“ما تعدش.” قال عبد الحق، بينما دخل عبر الفتحة المخبأة في الجدار.
أركان تبعه بحذر، وفي لحظة دخوله، شعر بجو مظلم وغريب، وكأنهم دخلوا عالمًا آخر. نظر حوله ووجد نفسه في غرفة ضخمة مليئة بالأدوات الغريبة والخزائن المغلقة. أركان سأل وهو يحاول استيعاب الموقف:
“المهمات بتعملوها ازاي؟”
عبد الحق نظر إلى المكان، ثم إلى أركان، وقال بنبرة جادة:
“اللي انت شفته في الفرح ده، ده نسبة 1% من اللي بيحصل في شغلنا. احنا بنبيع الكحل وهو في العين نطلع الشعر من العجينة.”
أركان بقي واقفًا مشدوهًا، وهو يلاحظ تفاصيل المكان، قبل أن يحرك إصبعه بلطف. فجأة، بدأت الحيطان المحيطة بهم تفتح تدريجيًا، مكتشفة عن خزنة ضخمة مليئة بالذخيرة والمخدرات والأسلحة بكميات هائلة.
نظر أركان إلى عبد الحق وقال بعيون مفتوحة:
“كل دا مجرد جزء؟”
“انت كده شقت 1% فقط.” قال عبد الحق بنظرة حادة.
أركان كان واقفًا صامتًا، يدرك تمامًا كم هو عميق ومستقبل هذه اللعبة التي كان يشارك فيها. أدرك أن التنازلات التي قام بها ليست مجرد خطوة صغيرة، بل كانت جزءًا من خطة أكبر بكثير، حيث لو عاشوا 100 سنة لم يكن ليتمكنوا من اكتشاف مثل هذه الأشياء.
الظلام كان يحيط بهم والمكان كان مليئًا بالخطط الخفية التي لا يمكن لأحد أن يتخيلها.
أركان وقف ، باصص لعبد الحق بعينين مشدودتين وسأله:
أركان: “هو في عملية النهارده؟”
عبد الحق بص له بهدوء وقال:
“آه، وانت جزء منها.”
أركان حس بضيق، نبرة صوته كانت مشدودة:
“طب ما قلتليش من بدري ليه؟ كنت جهزت نفسي.” مش السبب الحقيقي لانزعاجه… هو كان متضايق عشان كان عايز يعرف أبوه بالعملية دي.
عبد الحق قال وهو بيراقب ردود فعله:
“انت جاهز كده.”
أركان رفع حاجبه باستغراب:
“إزاي؟”
عبد الحق ابتسم وهو بيطلع لبس كرتون من شنطة سودا، حاجة بيتلبس في الحفلات، كان عبارة عن زي شخصية “سبونج بوب”.
عبد الحق وهو بيرمي الزي في وشه:
“البس ده.”
أركان وهو ماسك اللبس بعيون مش مصدقة:
“ألبسه؟”
عبد الحق بإصرار:
“البس بس.”
بضيق، بدأ أركان يلبس الزي، وبمجرد ما دخله، استوعب الخطة… عرف هم بيفكروا في إيه. عبد الحق قرب منه وبدأ يحط المخدرات جوا الزي الإسفنجي، واللي المفروض يكون مليان هوا، لكنه بدل الهوى كان بيتعبى بالكوكايين.
عبد الحق وهو بيظبط حشو اللبس:
“مش المفروض يبقى مليان هوا؟ إحنا هنملاه مخدرات. التسليم هيتم في حفلة أيتام النهارده في جمعية الحاج صلاح.”
أركان في سره: “يولاد الحرام”… وكمل وهو بيسال عبد الحق:
“الخطة جت بسرعة كده؟”
عبد الحق وهو بيربط الحزام حول اللبس، صوته كان هادي لكنه تقيل زي الرصاص:
“في شغلتنا، مفيش حاجة اسمها نسيب الأكلة تبات… لازم تتاكل سخنة عشان ما حدش يلحق يشم ريحتها.”
ثم بص لأركان بحدة، كأنه بيحذره:
“وأكيد بينا خاينين… فاحنا ما بنديهمش فرصة، لا بنسمع مبررات، ولا حتى بنتأكد إن كان خاين ولا لا… بنصفي على طول. ما احنا عندنا رجالة كتير… بيروح واحد وييجي عشرة.”
أركان كان واقف في مكانه، مستوعب حجم الليلة اللي داخل فيها… التنازلات اللي عملها عشان يوصل لمرحلة إنه يتغلغل في وسطهم كانت تستاهل، بس النهارده هو مش بس جوه العصابة… النهارده هو فعليًا المخزن المتحرك بتاعهم.
أركان بص حواليه، لقى رجالة تانية بتلبس شخصيات كرتونية مختلفة، ميكي ماوس، بطوط، توم وجيري… كلهم بيتحركوا حوالين بعض كأنهم فرقة استعراض أطفال، لكن الحقيقة كانت أبعد ما يكون عن البراءة. كل جسم بيتعبى بأنواع مختلفة من المخدرات، الهيروين في واحد، الكوكايين في التاني، الترامادول في التالت… والتحميل شغال بدقة، كأنهم بيجهزوا بضايع لعملية شحن رسمية.
دخل مروان وعادل وسليم وطاهر، عيونهم بتفحص كل حاجة، خطواتهم تقيلة، ملامحهم جامدة، بيتأكدوا إن كل شيء مضبوط، وإن التوزيع بيتم بسلاسة.
مروان وهو بيبص للرجالة:
“الكل جاهز؟”
عبد الحق وهو بيهز راسه:
“تمام… اتحركوا.”
ركبوا الرجالة في عربية مصفحة، ونزلوا في المكان المخصص.
أركان نزل من العربية المصفحة وهو لابس بدلة “سبونج بوب”، الجو كان مليان بهجة زائفة، الأطفال بيجروا حوالين الشخصيات الكرتونية اللي بدأت تظهر واحدة واحدة. لكنه لقى حاجة غريبة… كل شخصية كرتونية كان ليها نسخة تانية شبهها بالظبط!
ميكي كان فيه منه اتنين، بطوط نفس الشيء، توم وجيري كل واحد فيهم له توأم، وحتى سبونج بوب اللي لابسه أركان… كان فيه واحد تاني زيه واقف مش بعيد عنه. لحظة ارتباك عدى بيها بسرعة، لكنه فهم إن دي خطة لإرباك أي حد بيراقب، بحيث لو حد لاحظ أي حركة غريبة، مش هيعرف يحدد مين الحقيقي ومين التمويه.
بدأت “الشخصيات” تتحرك وسط الحفلة، بيلعبوا ويرقصوا مع الأطفال كأنهم جزء من العرض، لكن الحقيقة كانت أبعد ما يكون عن البراءة. وسط الفوضى والضحك، كل واحد كان بيتحرك في اتجاه معين، بعد لحظات، بدأ التوزيع.
كل شخصية كرتونية اتحركت ناحيه عربية معينة، مش عربية واحدة كبيرة زي ما كان متوقع… لأ، كل واحد راح لعربية شكل، بألوان مختلفة، بأرقام مختلفة، وباتجاهات مختلفة. أركان كان عارف إنه رايح المنصورة، لكن الباقيين؟ محدش يعرف، كل واحد كان ليه طريقه الخاص.
في اللحظة اللي ركب فيها أركان العربية، بص من الشباك الخلفي، لقى عبد الحق واقف على جنب، عينه بتمسح المكان، بيشوف كل حاجة، بيراقب كل تفصيلة… ملامحه هادية، كأنه متأكد إن خطته هتمشي زي ما هو راسمها بالمللي.
المحرك دار، والسواق بدأ يتحرك، أركان كان قاعد ساكت، لكنه كان عارف… إنه داخل على المرحلة الأخطر.
جوه اللعبة، حاسس بنفسه محبوس في سجن إسفنجي، لكنه كان عارف إنه لازم يكمل.
بعد وقت قصير، بدأت عملية النقل التانية… كل “كرتون” بدأ يتحرك بهدوء لنقطة معينة، وهناك، ظهر رجال بأزياء عادية بياخدوا البضاعة، كل واحد في منطقة شكل، كأنها شبكة توزيع محكمة للأماكن الصغيرة. أركان لاحظ الطريقة المحكمة اللي بيشتغلوا بيها، التوزيع دقيق، كل حاجة محسوبة، كأنها شبكة عنكبوتية ممتدة عبر الشوارع المصرية.
في دماغه، كان بيفكر: “لو الصغار بيتصرف لهم البضاعة بالطريقة دي، أمال الكبار بتوصل لهم إزاي؟”
كان قاعد، بيحاول يفهم حجم الحبكة في الخطة، إزاي الناس دي بتفكر بجد… كل شيء ماشي بسلاسة، بدون أي غلطات، بدون أي شكوك. كانت خطة متقنة… وده اللي خلّاه يحس قد إيه مهمته خطيرة، وإنه لازم يكون أذكى منهم بكتير عشان يكشف اللي ورا المشهد المرسوم بدقة ده.
***
في فرقة ليلى
الساعة عدّت نص الليل، وليلى لسه قاعدة في أوضتها مش قادرة تنام، عينيها مثبتة على الباب، كأنها مستنية أركان يدخل في أي لحظة. بقت متعودة إنها ما بتنامش غير وهي في حضنه، لكن اللي مزود قلقها مش بس غيابه، لأ… اختفاءه التام طول اليوم.
من الصبح ما شافتهوش، حضّرت الغدا وما كانش موجود، استنته في العشا وما ظهرش، حاولت تطمن نفسها إنه يمكن مشغول… بس جواها كانت حاسة إن في حاجة غلط، حاجة تخوف.
كل الأفكار السيئة بدأت تلف في دماغها، طب يا رب يكون بخير؟ طب كشفوه؟ حد عمل له حاجة؟ مش ممكن يكون مشى لوحده كده ولا اختفى من غير سبب!
القلق كان بيزيد كل لحظة، قلبها كان بيتخبط في ضلوعها، وأخيرًا وهي مش قادرة تتحمل أكتر، مسكت الموبايل واتصلت على عدلي، يمكن يكون عنده خبر عن أركان.
عدلي رد بهدوء:
“خير يا ليلى؟ في إيه؟”
ردّت بسرعة وخوفها باين في صوتها:
“أركان فين؟ مش عندك؟”
عدلي قلبه وقع من السؤال، اتنفض من مكانه وسألها بحدة:
“أركان؟ ما تواصلش معايا النهارده خالص! هو مش عندك؟”
ليلى حسّت إن روحها بتطلع، لو عدلي مش عارف مكانه، يبقى فعلاً في كارثة. القلق زاد، وعدلي نفسه بدأ يحس بخوف عمره ما حسّه قبل كده على ابنه.
ليلى قفلت المكالمة وهي مش قادرة تبلع ريقها، قلبها كان بيتخلع من مكانه… مش عارفة تعمل إيه.
كانت ليلى واقفة عند الشباك، إيديها على قلبها اللي بيدق بسرعة، عينها بتمسح الطريق، وقلبها متعلق بأمل ضعيف إنه يظهر فجأة. وفجأة… لمحته! كان جاي من بعيد، خطواته تقيلة كأنها شايلة همّ العالم كله.
ما فكّرتش في أي حاجة، فتحت باب الأوضة بسرعة وطلعت تجري، رجليها كانت أسرع من تفكيرها، ولا همّها حد، ولا حتى نظرات الناس، ولما وصلت عنده… رمت نفسها في حضنه بدون تردد.
أركان اتخض، وقف مصدوم للحظة، لكن سرعان ما لف إيده حواليها عشان اللي حواليه، وهو نفسه مش عارف رد فعله الحقيقي إيه.
واحد من الرجالة بصله بضحكة وقال:
“يا بخت يا عم اللي متجوز ومراته قلقانة عليه كده.”
عبد الحق بسخرية:
“هو انت ما قلتلهاش انت رايح فين؟”
أركان رد بطريقة شبه منزعجة:
“هو انت اديتني فرصة أقول لنفسي حتى؟”
عبد الحق بابتسامة ساخرة:
“شغلانتنا كده… بتتاخد من الدار للنار.”
أركان وهو بيتمطّع بتعب:
“بكفاية نار على كده النهارده… تصبحوا على خير، أنا رايح الدار.”
مسك ليلى من إيديها وسحبها ناحيه الأوضة.
ليلى كانت مكسوفة من اللي عملته، بس في نفس الوقت مش مصدقة إنه قدامها وسليم، كانت لسه متعلقة بذراعه وهي داخلة الأوضة، وبمجرد ما قفلوا الباب، رفعت عينيها ليه بحرج وهمست:
“أنا آسفة… بس أنا كنت خايفة عليك بجد.”
سكتت لحظة، لكنها سرعان ما افتكرت كل القلق اللي عاشته طول اليوم، فبصت له بصدمة وقالت:
“أنت كنت فين طول النهار؟ أنا كنت هموت من الخوف عليك! وصح… طمّن باباك، لما قلقت عليك قوي رنيت عليه أشوفك عنده ولا لأ.”
أركان وهو بيتمدد على الكرسي بتعب:
“أنا كده كده كنت لازم أكلمه… اللي شفته النهارده ما يتخيلوش عقل بشري طبيعي.”
ليلى قربت منه بفضول:
“إيه اللي حصل؟”
أركان بابتسامة خفيفة وهو بيخرج الموبايل:
“اقعدي… هتسمعي كل حاجة بنفسك.”
كان أركان قاعد على الكرسي، مسنود بظهره، وإيده ماسكة الموبايل، شارد للحظة كأنه بيجمع أفكاره قبل ما يضغط على زر الاتصال. ليلى كانت قاعدة جنبه، عنيها عليه، متوترة ومستنية تسمع كل حاجة بنفسها.
رنّ الموبايل، وعدلي ردّ بسرعة كأنه كان مستني المكالمة بفارغ الصبر:
عدلي بقلق:
“أركان! أنت فين يا ابني؟ ليلى كلمتني وقالت لي إنك مختفي طول اليوم، قلقت عليك.”
أركان وهو بياخد نفس طويل:
“أنا كويس يا بابا… بس اللي شفته النهارده… مستحيل كنت أتخيله، حتى وإحنا شغالين في المجال ده.”
عدلي بصوت جاد:
“إيه اللي حصل؟”
أركان بصّ لليلى للحظة، شاف ملامح الترقب على وشها، وقرر يحكي بدون فلترة:
أركان: “شفت مخزن سلاح ومخدرات تحت الأرض، مكان محدش ممكن يتخيل إنه موجود، كله متأمن ببصمات، بأحدث تكنولوجيا، أماكن سرية متوصلة ببعضها من غير ما حد يشك، ومش ده بس… الطريقة اللي بيهربوا بيها البضاعة… بابا، دي مش تجارة، دي دولة داخل الدولة.”
عدلي بصدمة:
“تحت الأرض؟!”
أركان بجدية:
“أيوه… تحت الأرض، مش مجرد أنفاق أو مخابئ، دي أماكن معمول حسابها إنها تكون غير قابلة للاختراق.”
عدلي بقلق شديد:
“وأنت عملت إيه؟”
أركان بنبرة باردة، لكنه من جوه كان مشتعلاً:
“كنت واحد منهم، لبست شخصية كرتونية، وحطوا المخدرات في اللبس، وكل واحد فينا كان رايح مكان مختلف، كانوا بيهرّبوا البضاعة جوه حفلة أيتام… حفلة أيتام، يا بابا!”
عدلي بصوت ثابت، لكن فيه اهتمام:
“استنتجت إيه؟”
أركان وهو بيحاول يربط الخيوط:
“أول حاجة، النظام بتاعهم دقيق جدًا، مفيش حد بياخد تفاصيل أكتر من اللي محتاجها، ودي نقطة قوة ليهم، بس برضه نقطة ضعف لو عرفنا نستغلها. ثاني حاجة، واضح إن في تمويل كبير بيجي لهم، الأسلحة اللي معاهم مش بتاعة تجار مخدرات عاديين، دول عندهم موارد أقوى من المتوقع.”
عدلي:
“وإنت إيه وضعك دلوقتي؟”
أركان: “عبد الحق بدأ يثق فيا أكتر، وده معناه إن عندي فرصة أتوغل أكتر في وسطهم.”
عدلي بتحذير:
“أركان، إحنا مش مستعجلين، خليك حذر ومتعملش خطوة متسرعة، الناس دي عندها عيون في كل مكان عشان كده لازم نمشي بالهدوء اللي هم ماشيين بيه. أي خطوة غلط ممكن تخسرنا كتير وهضيع كل اللى احنا عملناه.”
أركان بتنهد وهو بيحاول يرتب أفكاره:
“متقلقش يا بابا، أنا عارف أنا بعمل إيه. كنت عايز أكلمك من بدري وأعرفك اللي بيحصل، بس بعد اللي شفته النهارده، تأكدت إن الناس دي مش هتقع بمهمة واحدة، ولا هيتكشفوا بسهولة. دول مش مجرد تجار مخدرات، دي شبكة منظمة، عندهم طرق مابتخطرش على بال حد، ولازم ناخدهم على الهادي أوي.”
عدلي بنبرة هادية لكن فيها تقدير لفهم ابنه:
“كده انت فهمت… وأنا اطمنت عليك وعلى مستقبل المهمة.”
أركان أنهى المكالمة، خد نفس عميق وهو بيبص قدامه، وكأنه بيحاول يهضم اللي حصل.
ليلى، اللي كانت قاعدة جنبه، كانت حاطّة إيديها على فمها طول المكالمة، ملامحها تحولت من القلق للصمت، للصّدمة، للرعب الحقيقي. عينيها كانت بتلمع، كأنها بتتخيل أركان وسط كل ده… وسط السلاح والمخدرات، وسط عالم ما فيهوش أمان، وسط ناس ممكن ينهوا حياته في ثانية لو اكتشفوا حقيقته.
عينيها فيها صدمة واشمئزاز، وهي بتقول بصوت واطي لكنها مش مصدقة:
ليلى: “حفلة أيتام… مخدرات في لبس شخصيات كرتونية… التوزيع ماشي بالشكل ده؟ إنت بتقول إن اللي بيبيعوا في الشوارع أصغر نقطة في الشبكة، طيب اللي فوق بيوصل لهم إزاي؟”
أركان وهو بيبصلها:
“ده اللي عايز أوصله.”
ليلى بتنهيدة وهي بتحط إيديها على راسها:
“أركان، أنا كنت عارفة إني داخله في حاجة خطيرة، بس مش متخيلة المستوى ده من القذارة… الناس دي مش عندها ضمير أصلاً!”
أركان وهو بيبصلها بتركيز:
“عشان كده لازم نقضي عليهم.”
ليلى وهي بتبص له بخوف حقيقي عليه وفي نفسها:
“أنا مش خايفة من المهمة… أنا خايفة عليك.”
أركان طفى النور وسحب الغطاء عليه، كان جسمه كله متعب، بس عقله لسه صاحي، بيدور في اللي شافه النهارده. المهمة بقت أكبر مما تخيل، واللعبة اللي دخل فيها مش سهلة.
ليلى كانت لسه صاحية، نايمة على جنبها بتبص له في الضلمة، مش قادرة تمنع نفسها من التفكير فيه. قلبها كان مقبوض طول اليوم، بس دلوقتي هو هنا، قدامها، بأمان… أو على الأقل ده اللي بتقنع نفسها بيه.
كان الجو هادي في الغرفة، والليل طويل وصمت الغرفة كان ثقيل. ليلى كانت مش قادرة تنام، عينها ما كانتش قادرة تقفل رغم إنها حاولت كتير.
أركان كان حاسس بحركتها في السرير، فتح عينه بشكل خفيف ولف جسمه ناحية ليلى. شاف تعبير وجهها اللي بيدل على التوتر.
قال لها بهدوء:
“مش عارفه تنامي صح؟”
ردت عليه ليلى بصوت خافت:
“لا… مش قادره.” حاولت تركز في تنفسها عشان تهدى، لكن كل فكرة عنها كانت بتدور حوالين أركان.
فجأة، حست بشيء غريب بداخلها، ما كانتش قادره تسيطر عليه. نظرت له وقالت بحرج:
“ممكن أنام في حضنك؟ ”
أركان حس بجزء في قلبه بيتأثر، وحاول يضل بروده المعتاد، لكنه في نفس الوقت مكنش قادر يرفض. فتح ذراعيه لها، وقال بصوت هادي بمعنى تعالي.
ليلى بدون تردد، انزلقت ناحيته وحطت راسها على صدره، جسمها ارتاح في حضنه. كانت اللحظة دي مختلفة، مش مجرد طلب عادي، كانت لحظة ما بين الغموض والمشاعر اللي اتجمعوا في قلبها.
أركان حس بشيء غريب، لكن خلى دماغه على جانب وهو بيحاول يركز في المواقف اللى مر بيه اليوم. لكنه ما كانش قادر ينكر إن وجود ليلى جنب قلبه مريح بطريقة ما.
***
في صباح اليوم الجديد،
كانت الأجواء هادئة لكن كانت ليلى حاسة بنشاط غريب جواها، نشاط مش طبيعي، زي ما كان في حاجة في الجو أو في قلبها بتخليها تتحرك بسرعة أكبر. صحيت من سريرها دخلت المطبخ، بتحضر الفطار لأركان بعينين مليانة حيوية. كان عندها إحساس عميق إنها هتعمل يوم مختلف، مش بس عادي.
أركان فتح عينه بهدوء، كانت الشمس مش ساطعة لدرجة كبيرة،لكن لما شاف ليلى بتجهز الفطور بحماسة، شعر بشيء غريب جواه. قالت له وهي مبتسمة:
“صباح الخير، الفطار جاهز، تعالى افطر.”
أركان رفع حاجب، شويه مش مصدق:
“صباح الخير.” بعدين، اتجه للمائدة وقعد، ليبدأوا فطار مع بعض في هدوء غير متوقع. كان في الجو نوع من الراحة، ليلى حاولت تعوّضه عن اليوم الصعب اللي مر عليه.
بعد الفطور، قالت ليلى:
“أنا رايحة الفيلا علشان أبدأ الشغل، لازم أنجز زي كل يوم.” أركان اكتفى بنظرة قصيرة وهو بيشرب قهوته، بينما ليلى انطلقت نحو الفيلا عشان تكمل مهامها المعتادة.
الجو كان هادي، لكن في داخل ليلى كان فيه نوع من الترقب، مش قادرة تعرف ليه، هل هو الخوف من شيء غامض بيحصل حواليهم؟ أم هي مجرد مشاعر مفاجئة؟ ولكن مهما كان، كان قلبها في الحظات دي بيغني بحيوية وحماس، رغم أنها ما كانتش تعرف إن اليوم ده هيحمل ليهم مفاجآت مرعبة.
ابتدت ليلى تنظيف الفيلا، لكن في وسط النشاط المعتاد كان فيه شيء غريب في الجو. محروس دخل عليها بتوتر وقال:
“هنية ست، صباح بتقول لك السواق مستنيكي بره عشان هتروحي تنظفي شقة المعادي.”
ليلى استغربت وقالت:
“ايه دا؟ ليه فجأة؟”
محروس كان بيتهته في الكلام:
“عشان هي… هتروح فيها تقضي يومين من ضغط الفيلا وكده.”
ليلى حاولت تطمئن نفسها وقالت:
“طب، هي الشقة فيها كل حاجة يعني مش هحتاج مقشة أي حاجة؟”
محروس رفع حاجبه وقال بخوف:
“كل حاجة هتحتاجيها هتلاقيها هناك.”
ليلى تنهدت وقالت:
“يلا، أنا جاهز اهو.”
فعلاً، ركبت ليلى العربية. لحظتها، أركان ما كانش واقف على البوابة. كان مشغول بحاجة تانية في اللحظة دي، وما شافهاش وهي خارجة من الفيلا. ليلى كانت ماشية نحو المجهول، ما تعرفش إنها هتواجه حاجات أكثر من اللي بتتصور.
اللحظة دي خرج مروان راح خبط على كتف محروس وقال:
“ركبت العربية؟”
محروس كان واضح عليه الزعل وقال:
“أه.”
مروان ابتسم وقال:
“برافو عليك، يلا على شغلك.”
رواية زواج في الظل الفصل العاشر 10 - بقلم ياسمين عطيه
ركب عربيتو ومشي ورا عربية ليلى.
محروس كان واقف مكانه، متوتر، بيخبط على راسه وبيقول: “أنا غبي، أنا غبي”. وبعدين راح عند أركان وقف قدامه، مستمر في مشيه رايح جاي بحركة تردد، وكان واضح عليه الزعل والندم.
أركان بص له باستغراب، ثم قام واتجه ناحيته. حط إيده على كتفه بحنية وقال له: “مالك يا محروس، عايز حاجة؟ أنت فطرت؟ ليلى كانت عاملة فطار، أجيب لك؟”
محروس كانت عيونه مليانة دموع، أشار على البوابة وقال له: “هنيه… الحقها.”
أركان قلبه اتقبض، وقال له بسرعة: “هنيه مالها؟”
محروس رجع نظره لأركان وقال بسرعة، وبصوت متوتر: “مروان خوّفني وهو اللي طلب مني أقول لها تروح الشقة.”
أركان انفجر بغضب، وقال بعصبية: “هي فين الشقة دي؟ إنطق بسرعة!”
محروس ارتبك شوية وقال: “في المعادي، عمارة 12، شقة 3.”
***
العربية وقفت، وليلى نزلت منها بخطوات مترددة. رفعت راسها وبصت للعمارة، حسّت بضيق غريب في قلبها، كأن المكان بيدّيها إنذار، لكن حاولت تهدي نفسها وهي بتاخد نفس عميق وتبدأ تطلع السلالم.
وصلت عند الشقة، وفتحتها بالمفتاح اللي اداه لها محروس.
قفلت الباب وبدأت تتحرك جوه وهي بتجهز نفسها للشغل. لسه بتاخد نفس عميق، سمعت خبط خفيف على الباب.
اتجهت ناحيته وفتحته، لقت بنت واقفة مبتسمة، شكلها لطيف وما يوحيش بأي حاجة غريبة، وكانت شايلة صينية عليها كوبايتين عصير.
نرمين بابتسامة: “طنط صباح هنا!”
ليلى استغربت شوية، لكنها ردت بهدوء: “لا، أنا شغالة عندها في الفيلا، جايه أنضف بس… هتيجي بُكره أو النهاردة، ممكن.”
نرمين بحزن مصطنع وهي بتاخد نفس: “ياه… دا أنا افتكرتها جت، هي كانت قايلة هتيجي النهاردة. طنط صباح دي تعتبر زي أمي، وحشتني قوي.”
ليلى ردت بلطف: “متزعليش، ممكن تيجي شوية كده.”
نرمين ابتسمت: “أنا كنت عاملة عصير، أشربه مع طنط صباح، بس مافيش نصيب… ممكن أشربه معاكي؟”
ليلى بصت للصينية اللي في إيدها، وبعدين رفعت عينها لنرمين، حست إنها متحمسة قوي، بس في حاجة مش مريحة في الطريقة اللي بتتصرف بيها…
ليلى بإحراج: “لا، متشكرة، عايزة أبدأ تنظيف على طول عشان ألحق أرجع، لازم أعمل العشا لجوزي، هو ما بيحبش ياكل غير من إيدي.” قالت الجملة وهي بتحس بكسوف بسيط، بس في نفس الوقت كان عندها إحساس دافي ناحية الكلام ده.
نرمين وهي بتقرب منها بكوباية عصير وبتستعطفها: “طب على الأقل اشربي العصير ده، عشان متتعبيش وبعدين الجو حر وإنتي بتشتغلي طول اليوم.”
ليلى اترددت لحظة، بعدين ابتسمت وهي بتزيح الباب شوية: “طب اتفضلي اقعدي، طالما جبتي العصير يبقى نشربه مع بعض.”
نرمين دخلت بخطوات هادية، حطت الكوباية قدامها وهي بتبتسم: “أكيد، مفيش أحلى من العصير في الحر ده.”
ليلى أخدت الكوباية، شربت منها جرعة صغيرة، وبعدين كملت وهي بتسمع نرمين بتتكلم عن أي حاجة وأي موضوع. البنت كانت بتلهيها تمامًا.
نرمين بفضول: “إحنا قعدنا نتكلم كل ده وما قلتليش اسمك إيه؟”
ليلى حست إن دماغها بتلف، الصور حواليها بقت مشوشة، الكلمات مش مترابطة. رفعت الكوباية الفاضية من العصير وهي بتضحك بتوهان: “أنا… أنا اسمي لي… هنيه، خدمتك هنيه، بس خدامة لهلوبة!”
ضحكت ضحكة غريبة، بس ضحكتها اتكسرت لما الباب اتفتح فجأة، ودخل منه مروان.
اللي شاور لنرمين بإشارة بمعني تخرج، كأنهم متفقين على كل حاجة. البنت طلعت بسرعة وسابتهم لوحدهم.
مروان قفل الباب ولف ناحيتها، وقف قدامها، عينه بتلمع بنظرة مش مريحة. ابتسم ابتسامة خبيثة وهو بيفك أول زرار في قميصه.
مروان بصوت منخفض، فيه شهوة واضحة: “مش عارف فيكي إيه، بس عجباني، وأنا ما ينفعش تبقى حاجة عجباني… وما أذوقهاش.”
ليلى حست إن جسمها تقيل، عقلها بيحاول يقاوم، بس الصورة في عينيها بقت ضبابية. حركت شفايفها بصعوبة، صوتها طلع مهزوز: “انت… مين؟”
مروان خلع القميص وهو بيقرب أكتر. ليلى حاولت تتحرك، لكن الدنيا كانت بتدوّر بيها، والمكان بقى أضيق، والهواء بقى تقيل…
نرمين كانت لسه بتقفل الباب في اللحظة دي، كان أركان وقف ورا نرمين.
حط ايده على بقها ومسدس في جنبها، بيهمس بصوت منخفض وقاسي: “لو مش عايزة تموتي، اطلعي اجري وانتِ ساكتة.”
البنت كانت في حالة صدمة، لكنها لملمت نفسها وجرت بسرعة، بتاخد السلالم كلها في سلمة واحدة.
بينما كانت نرمين تجري، أركان دخل الشقة بسرعة. شاف مروان اللي كان لسه بيخلع قميصه وبيتحرك تجاه ليلى. قبل ما مروان يقدر يلمس ليلى، أركان ضربه من الخلف بكل قوته على راسه بمؤخرة المسدس.
مروان سقط على الأرض، فاقدًا للوعي، بينما كانت ليلى واقفة في حالة صدمة، مش مصدقة اللي شافت.
أركان جري بسرعة ناحية ليلى وامسكها من إيديها وبيطمن عليها، وهو بيبص على مروان اللي ملقى على الأرض في حالة غياب تام. “الحيوان ده عمل لك حاجة؟” سألها بصوت قاسي، مش قادر يستوعب كل اللي كان ممكن يحصل لها.
ليلى كانت مشوشة، مش عارفة إزاي تجاوب على أسئلته، وكانت بتكمل كلامها بصوت هادي، وكأنها مش فاهمة اللي بيحصل حواليها. “ده كانت بنت اللي هنا… شربتني عصير بالمانجا… وأنا بحب عصير المانجا. كنت هروح أعمل لك عشا بعد ما أنظف الشقة.”
أركان لاحظ إن ملامح ليلى مش طبيعية. نظر ناحية كوب العصير اللي كانت شاورت عليه وقال بصوت متردد: “فيه حاجة غريبة في الكوباية دي…” وبص بتركيز على السائل الأبيض اللي كان في آخر الكوب.
مسك الكوباية بسرعة، شمها، وعينيه ضاقت وهو بيستوعب المادة اللي خدتها كانت بتخليها تفقد تركيزها تمامًا، جسدها مسترخي وعقلها مشوش، كأنها فقدت السيطرة على نفسها.
أركان وهو يبص على ليلى اللي كانت في حالة غير طبيعية. شافها وهي بتحط وجهه بين إيديها، وصوتها العذب الانثوي بيقول له “أركان أنت جميل قوي”. شعر بشيء غريب في داخله، وابتدت مشاعره تتلخبط.
في لحظة غير متوقعة، رفعها من على الأرض، وهي تشبك ذراعيها حول رقبته وتتشعلق فيه زي الطفلة. كانت تدفن رأسها في رقبته وتقبله بطريقة مغرية.
أركان حس بشيء يثير فيه رغباته، جسمه كله بدأ يتصلب، وكان مش قادر يسيطر على تصرفاته. شعر وكأن جسمه كله كأن ما كانش ملكه، وفي لحظة ضعف غير متوقعة، شعر بتوتر داخلي. كان عارف إنه مش هينفع يرجع بيها للفيلا في الوضع ده.
قرر فجأة إنه يخرج من الموقف الغريب ده، ويسحبها بحذر ويأخذها لشقته اللي قريبة من المعادي، ويشوف هيعمل إيه معاها، خصوصًا وهي في الحالة دي.
أركان كان بيمسك المقود بكل قوته لكنه ما كانش قادر يركز في القيادة. ليلى كانت مش قادرة تبعد عنه مش سيباه لحظة واحدة. كانت بتبوس في رقبته بلا توقف، كل قبلة كانت تترك أثر لدرجة إن رقبته تغطت بعلامات حمراء صغيرة من قوة تقبيلها المستمرة. كان جسمه كله متوتر وكل حركة كانت تزيد من صعوبة التركيز على الطريق.
ظل أركان وهو يقود السيارة في حالة من الارتباك، كلما حاول الابتعاد عن ليلى كانت هي تقترب منه أكثر، مش قادرة تبعد عن رقبته. لما وصلوا أمام شقته، كان قلبه مش قادر يتوقف عن الخفقان. دخلوا الأسانسير وابتدى يحاول يبعد عنها، لكن كان بيشعر بتوتر شديد، مش قادر يسيطر على الموقف. دخلوا الشقة وهو بيحدفها على الأنتريه بسرعة، حاول يخلي نفسه هادي، لكن مش قادر يتحكم في مشاعره، شعر بالارتباك يزداد. ليلى كانت مشغولة بفك طرحتها، سمع لأول مرة صوت أنثوي رقيق جدا بيدخل قلبه. الجو حر يا أركان ، وهو مش عارف يتصرف. كان عقل أركان مشوش، وكل محاولات التحكم في الموقف بتفشل.
ما كانش ينفع يتصل على والده، ولو اتصل هيقول له إيه؟ الموضوع بالنسبة له محرج جدًا. جت له فكرة ثانية، أمسك تليفونه وحاول يبحث عن أي حاجة تقدر تبطل مفعول اللي هي شربته. بص في جيبه، ملقاش غير تليفونه العادي، اللي ما فيهوش أي وسائل مساعدة. أركان كان عايز يكسره رماه على الترابيزة وهو بيقول لنفسه بعدها، جت له فكرة ثانية: يحطها تحت ميه باردة.
إيه الطريق الغبي ده اللي بفكر فيه؟ هي مغمى عليها.
أركان كان بيحاول يسيطر على نفسه، عقله بيصرخ إنه لازم يبعدها، لكن جسمه كان متشنج، متصلب في مكانه وهو شايفها قدامه بالطريقة دي. خلعت ملابسها ووقفه قدامه بهوت شورت فقط.
أركان اتصمر في مكانه.
عمره ما شافها كده قبل كده، طول الوقت كانت متغلفة بالحجاب والهدوم الواسعة، ملامحها عادية، لكنه دلوقتي شايف حاجة تانية.. حاجة ما كانش متوقعها. شعرها الطويل نازل على ضهرها، وجسمها الممتلئ بان بوضوح مع الهوت شورت والتوب اللي كان أقصر بكتير مما لازم. التفاصيل دي ما كانتش ملفتة ليه لو شاف أي بنت بالمنظر ده، لكنه ليلي شايفها بعين مختلفة، شايف حاجة جديدة، حاجة مش لازم يشوفها .. مش لازم يحس بيها. بلع ريقه وهو يحاول يحوّل عينه بعيد، بس ليلى كانت بتقرب، وكانت عيونها فيها حاجة ما شافهاش قبل كده.. حاجة مش طبيعية.
حركت خطوتين ناحيته، رفعت إيديها ولفتها حوالين رقبته، عيونها كانت مليانة رغبة وتوهان، وكأنها مش في وعيها تمامًا. همست بصوت ناعم ومترجي: “أركان… أنا بحبك.”
قبل ما يقدر يستوعب كلامها، لقاها بتقرب أكتر، أنفاسها الدافئة بتلامس بشرته، وشفتاها بتدنو من شفايفه. في اللحظة دي، حس بكهربا بتجري في كل جسمه، عقله بيحذره لكنه مش قادر يتحرك…
أركان شد نفسه للخلف بغريزة الدفاع، لكن ليلى كانت أسرع، قربت أكتر، وشفايفها لمست شفايفه بخفة، لمسة صغيرة، لكنها كانت كفيلة تخليه يحس بحرارة غير طبيعية في جسمه.
“ليلى، فوقي!” قالها بصوت متحشرج، صوته فيه ارتجافة مش من خوف، لكن من إحساس غريب لأول مرة يحسه.
لكنها ما ردتش، كانت عينيها نص مغمضة، والكسوف اللي كان دايمًا بيظهر عليها، اختفى تمامًا. حركت إيديها على خده، همست بصوت مترنح: “ليه بتبعدني؟ مش عجباك؟”
الكلام كان كأنه صفعة، أركان عمره ما تخيل يسمع منها حاجة زي دي، عمره ما فكر فيها بالطريقة دي أصلًا. لكنه دلوقتي مش شايف قدامه غير واحدة جميلة، مستسلمة تمامًا، وكأنها بتناديه من غير ما تتكلم.
حاول يبعدها تاني، لكن المرة دي، ليلى شدت تيشيرته، خلت المسافة بينه وبينها معدومة.
“عايزة أبقى جنبك.”
أركان حس بجسمه بينفض، دماغه بتصرخ إنه لازم يوقفها، لكنه كان عارف إنه خلاص، لو فضل معاها دقيقة واحدة كمان بالشكل ده، مش هيقدر يسيطر على نفسه.
فجأة، بإرادة أخيرة، مسك كتفيها بقوة، وبعدها عنه بسرعة، وراح ناحية الحمام.
“أركان…”
ما بصّش لها، كان لازم يبعد قبل ما يعمل حاجة يندم عليها. دخل الحمام وقف قدام الحوض، فتح الميه على وشه، وهو بيحاول يسيطر على أنفاسه، وعلى جسده اللي مش قادر يهدى.
أخذ نفسًا عميقًا، وغمغم لنفسه: “أنا مش هكون زي مروان… مش هسمح لنفسي أكون زيه.”
لكنه عارف إن الليلة دي مش هتعدي بسهولة، وإنه لسه عنده اختبار أصعب… وهي موجودة برة، مستنياه.
أركان فضل واقف قدام الحوض، الميه بتجري وهو مش قادر يهدى. قلبه بيدق بسرعة، ودماغه بتلح عليه يرجع ليها، لكنها كانت آخر حاجة المفروض يفكر فيها دلوقتي.
خرج من الحمام بعد دقايق، وهو متأكد إنه لازم يسيطر على الوضع، لازم يلاقي حل. لكن أول ما رفع عينه، لقاها قاعدة على السرير، رافعة راسها له، وابتسامة صغيرة مرسومة على شفايفها.
“أركان… تعالى جنبي.”
صوته بحزم وهو بيرد: “نامي يا ليلى.”
“مش عايزة أنام، عايزة أكون معاك…”
حركة بسيطة منها، رفعت إيدها ومدتها ناحيته، كأنها بتطلب منه يجي، كأنها بتغريه من غير ما تقصد.
أركان شد نفسه، وأخد خطوة لورا: “أنا مش هسمحلك تعملي كده، فاهمة؟ أنتِ مش في وعيك، وأنا مش هستغل ده.”
لكن ليلى كانت خلاص برة حدود المنطق، قامت من مكانها وراحت له، وقبل ما يقدر يمنعها، لفت دراعها حواليه وحطت راسها على صدره.
“أنت بتبعدني ليه؟” همست بصوت ناعم، أقرب للطفلة اللي بتدور على أمانها.
أركان حس بجسمه بيتوتر أكتر، كان لازم يخلص من الليلة دي بأي طريقة.
“اسمعيني، أنا مش هسمح بحاجة تحصل بينا وإنتِ في الحالة دي. هتنامي دلوقتي، وبكرة نبقى نشوف هنعمل إيه.”
“طب نام جنبي…”
جملتها دي لوحدها كانت كفيلة تخليه ينهار، لكنه أجبر نفسه على السيطرة. قرب منها، وبعدها بلطف، وهو يقول بصرامة: “نامي، يا ليلى.”
شاورت له على السرير، بعينيها اللي بقت مغيمة أكتر: “طب هتقعد جنبي لحد ما أنام؟”
أخد نفسًا عميقًا، عارف إنها مش هتهدى غير لما يحسسها بالأمان. قعد جنبها على طرف السرير، وبمجرد ما حسّت بوجوده، ابتسمت، وقربت أكتر، وبعد دقايق صوت أنفاسها بقى أهدى.
أركان فضل مكانه، متوتر، عارف إن الليلة دي غيرت حاجة جواه… وعارف إن اللي جاي مش هيكون سهل.
أركان قعد على طرف السرير، عينيه مثبتة على ليلى وهي نايمة. أنفاسها كانت هادية، وملامحها بريئة بشكل غريب، عكس اللي كان بيحصل من شوية. قلبه كان بيدق بسرعة، بس مش من رغبة، من حاجة تانية… حاجة مخيفة أكتر.
مد إيده وشال خصلة من شعرها عن وشها، وهو بيتنهد. “إنتِ مصيبة،… مصيبة كبيرة.”
قام بهدوء، خد نفس عميق، وقرر ينام على الكنبة اللي في الصالة. مقدرش يبقى قريب منها أكتر من كده، وإلا هيخسر نفسه. بس وهو بيقفل باب الأوضة، لمّحها بتحرك شفايفها بكلام غير مفهوم، كأنها بتحلم.
“أركان… أنا بحبك.”
الكلمات خرجت منها بهمس، بس كانت كأنها طلعت من السماعات مباشرة على قلبه.
أركان وقف لحظة، عينه ثبتت عليها، وكل حاجة جواه اتشقلبت. كان عارف إنها مش في وعيها، وإن الكلمة دي طالعة بسبب اللي شربته، بس… ليلى بتحبه؟
هز راسه بقوة، كأنه بيطرد الفكرة، وسحب الباب وقفله وراه.
رمى نفسه على الكنبة، حط دراعه على عينه، وحاول ينام… بس كان عارف إن النوم مستحيل الليلة دي.
الحكاية دي مش هتعدي بسهولة.
بعد كام ساعة
ليلى فتحت عينيها ببطء، الدنيا كانت ضبابية، حسّت بجسمها تقيل وكأنها كانت غرقانة في نوم عميق. أول ما فاقت بالكامل، اكتشفت إنها مش في اوضتها.. ده مش مكانها!
عقدت حواجبها وحاولت تستوعب، بس أول ما عينيها وقعت على أركان، حسّت بحرارة غريبة في وشها، الحرارة دي كانت جاية من جوّا، من إحساس ما فهمتوش. كان واقف بعيد، ضهره ليها، وإيده متشابكة قدامه كأنه بيحاول يسيطر على حاجة جواه.
ليلى صوتها كان مهزوز وهي بتقول:
– أنا… أنا فين؟
أركان لفّ ببطء، عيونه كانت تقيلة عليها، كأنه مش قادر يبصلها عادي زي كل مرة. كان في حاجة مختلفة.. حاجة غريبة.
قال بصوت هادي بس مش مفهوم فيه إيه:
– فقتِ أخيرًا؟
ليلى بدأت تستوعب أكتر، بصت على نفسها، وشها احمر بشكل فظيع، كأن الدم كله تجمع في خدودها، قلبها بيدق بسرعة، وعيونها نطّت على أركان تاني، بعدها فورًا نزلت رأسها للأرض، مش قادرة تواجهه.
حاولت تتكلم، بس مفيش صوت طالع، إحساس بالكسوف ضربها لدرجة إنها لو كان ينفع تدخل جوه الأرض، كانت عملتها من غير تفكير.
أركان لاحظ الارتباك اللي هي فيه، زفر بهدوء وقال:
– ما تقلقيش.. مفيش حاجة حصلت.
ليلى رفعت عيونها بسرعة، نظرتها كانت مليانة أسئلة، مليانة خوف، مليانة حاجة تانية مش قادرة تعبر عنها. بصت ليه، حاولت تشوف في عينيه أي حاجة تفهمها، بس هو كان متحفظ.. واقف كأنه حاجز بينه وبين نفسه.
قالت بصوت واطي جدًا، كأنها بتتكلم مع نفسها:
– بس أنا… أنا كنت…
أركان قاطعها بحزم، مش عايزها تكمل الجملة اللي في بالها:
– كنتِ مش في وعيك.
كلمته نزلت عليها تقيلة، حسّت إن عيونها بتلمع، مش عارفة ليه دموعها قرّبت تنزل.. من الكسوف؟ من الإحساس الغريب اللي جواها؟ من حاجة مش مفهومة؟
إحنا لازم نمشي.
كلماته كانت واضحة ومباشرة، زي ما هو دايمًا، لكنها حملت معاها حاجة غريبة، حاجة مش عارفة توصفها. قعدت في السرير، وشّها لسه فيه أثر النعاس، بس عقلها بدأ يشتغل بسرعة.
– دلوقتي؟
أركان لف يبصلها، عينه كانت ثابتة، بس مفيهاش حدّة، كأنه مستني استيعابها.
– مش هينفع نغيب أكتر من كده، لازم نرجع الفيلا. المهمة والشغل مستنيين، مش هنقدر نختفي كأننا مش موجودين.
ليلى بلعت ريقها، حسّت إن الكلام منطقي، بس في نفس الوقت مش قادرة تتعامل مع فكرة إنها ترجع تعيش الدور اللي كانت عايزة تهرب منه للحظات.
لف وراح ناحية الكرسي اللي مرمي عليه هدومها، مسك العباية والطرحه، وراح ناحيتها بخطوات هادية.
– البسي.
صوته كان تقيل، مفيهوش أي انفعال، بس برضه كان فيه حاجة مش طبيعية، كأنه بيحاول يخلّي الأمور تمشي عادي، كأن اللي حصل كان مجرد لحظة وعدّت.
ليلى مدت إيدها وخدت الهدوم بسرعة، صوابعها كانت بترتعش وهي بتضمهم على صدرها. كان قلبها بيدق بسرعة، ومش عارفة إذا كان من الحرج ولا من حاجة تانية أعمق.
أركان وقف مكانه لحظة، شافها بتقوم بسرعة وتلف جسمها بالعباية قبل ما تمشي ناحية الحمام، وكأنها بتجري من وجوده، من نفسها، من كل حاجة.
بعد دقايق ليلى خرجت من الشقة بسرعة، قلبها بيدق بجنون، مش عارفة تهرب من مشاعرها ولا من نظرات أركان اللي لسه محفورة في عقلها. كانت حاسة إنها تايهة، مش عارفة إزاي هتواجهه بعد اللي حصل. بس الحقيقة اللي صدمتها أكتر إنها لازم ترجع لحياتها معاه.. ترجع للمهمة، وكأن اللي حصل متحسبش، وكأنها لازم تلبس القناع تاني.
أركان طلع وراها، لقاها واقفة قدام العربية، وشها محمر وعيونها متعلقة بالأرض. بدون أي كلام، فتح باب العربية وقال بهدوء:
– اركبي.
صوت عقله كان بيقول إنه لازم يتعامل مع كل حاجة عادي، بس جسمه كان متوتر، عقله لسه متعلق باللحظات اللي حصلت من شوية، باللي حسّه.. باللي كان ممكن يحصل.
ليلى طلعت العربية، حطت إيديها في حجرها، ما اتكلمتش، وأركان برضه ما قالش ولا كلمة. بس الصمت بينهم كان تقيل، تقيل أوي. العربية اتحركت، وكل واحد فيهم غرق في أفكاره.
بعد شوية، أركان بص لها وقال بصوت هادي:
– هنرجع الفيلا .. لازم نرجع للمهمة.
ليلى حسّت بقلبها يقع، رجوعهم للمهمة معناه إنهم هيعيشوا سوا تاني، قدام الناس هما متجوزين، بس جوّاها عارفة إن العلاقة بينهم دلوقتي بقت أعقد من الأول.
بلعت ريقها بصعوبة وقالت بصوت واطي:
– هنتعامل كأن مفيش حاجة حصلت؟
أركان بص قدامه، ملامحه جامدة، وكأنه بيقنع نفسه بالإجابة اللي قالها:
– أيوه.
ليلى عضّت شفايفها، قلبها وجعها من الرد، بس سكتت. ما كانش قدامها غير إنها تكمّل الدور.. تكمل حياتها وكأن الليلة دي كانت مجرد غلطة.. أو حلم.
بس الحقيقة إن اللي حصل مش هيتنسي، ولا هو ولا هي قادرين يتجاهلوه، واللي جاي.. ممكن يكون أصعب.
فضلت ليلى ساكتة، عينها معلقة بالشارع اللي بيجري قدامها، بس عقلها كان محبوس جوا اللحظات اللي حصلت من شوية. قلبها كان لسه بيدق بسرعة، مش قادرة تحدد إذا كان من التوتر ولا من الحاجة اللي حستها لما أركان كان قريب منها بالشكل ده.
أركان فضل ساكت، ماسك الدريكسيون بقوة، عينيه سابحة في الطريق، لكن تفكيره كان في اللي حصل جوه الشقة. كان بيقنع نفسه إنه قدر يسيطر، إنه ما سمحش لحاجة تحصل، لكنه عارف كويس إن مجرد وجودها بالشكل ده قدامه كان كفاية عشان يقلب كيانه كله.
بعد فترة، ليلى تنحنحت، صوتها كان واطي ومهزوز:
– أنا.. أنا أسفة.
أركان عقد حواجبه، بص لها بنظرة جانبية، ملامحه كانت هادية لكنها مش سهلة التفسير:
– أسفة على إيه؟
ليلى عضت شفايفها، حست إن الكلمة اللي قالتها مالهاش معنى، هي نفسها مش عارفة ليه قالتها، بس كل اللي حسته وقتها إنها مش قادرة تستوعب الموقف.
أركان زفر بهدوء، رجع يبص قدامه وهو بيقول بجفاف:
– اللي حصل مش بإيدك، ولا بإيدي، فبلاش نفتح الموضوع تاني.
كلماته كان فيها حسم، لكنه كان عارف إن الكذبة اللي بيحاول يقنع نفسه بيها مش هتمشي بسهولة. المشكلة مش في اللي حصل، المشكلة في اللي حاسه.. في اللي لسه مش فاهمه جواه.
وصلوا للفيلا أركان ركن العربية، وقبل ما يفتح الباب، التفت لها، صوته كان أخف حدة لكنه ثابت:
– هنرجع كل حاجة زي ما كانت، مفهوم؟
ليلى بصت له، ملامحها كانت مزيج بين الاستسلام والألم، لكنها هزت راسها بالموافقة.
نزلت من العربية، ورغم إنهم كانوا واقفين في نفس المكان، كل واحد فيهم كان حاسس إنه بعيد عن التاني.. بعيد أوي.
لكن الحقيقة اللي الاتنين كانوا بيهربوا منها، إن المسافة اللي بينهم كانت بتقل، وإنه مهما حاولوا يتعاملوا كأن اللي حصل ما حصلش.. الليلة دي كانت نقطة فاصلة، وكل حاجة بعدها مش هتبقى زي الأول.
أول ما دخلوا من باب الفيلا، قابلهم عبد الحق اللي كان واقف عند المدخل، ملامحه فيها قلق واضح.
عبد الحق وهو بيبص لهم بريبة: “الحمد لله إنكم كويسين… بس إيه اللي حصل؟ واحد جه وقال لنا إنك كنت طالع تجري بتلحق مراتك عشان عربية خبطتها!”
أركان شد حواجبه، استغرب الكلام، بس أخفى تعبيره بسرعة: “الحمد لله ربنا ستر.”
عبد الحق لف بنظره على ليلى، كانت واقفة جنب أركان، شكلها متوتر، ملامحها شاحبة، وحتى كلامها مش طالع. قرب منها وسألها: “إنتِ كويسة يا هنية؟”
ليلى ما قدرتش ترد، بس هزت راسها بسرعة بمعنى “آه”، رغم إن صوتها كان مخنوق جواها.
عبد الحق ضيق عينيه وهو بيبص بينهم: “طب إنتوا كنتوا فين كل ده؟”
أركان رد بسرعة، بنبرة هادية بس حاسمة: “كنا في المستشفى، ليلى كانت تعبانة شوية، بس خلاص كويسة دلوقتي.”
عبد الحق لاحظ إن أركان قالها بثقة، كأنه مش مستني أسئلة زيادة، فهز راسه باقتناع نسبي وقال: “تمام، المهم إنكم بخير.”
أركان شد كفه على إيد ليلى بخفة وهو بيجرّها معاه للداخل: “هندخل نرتاح شوية.”
عبد الحق وقف مكانه وهو بيتابعهم بنظرات مترقبة، حاسس إن في حاجة مش مفهومة، بس قرر ما يضغطش عليهم أكتر.
أول ما دخل أركان الأوضة، التليفون رن في جيبه، طلع الموبايل وبص في الشاشة… “بابا”.
فتح الخط وهو بيقرب من الشباك، خد نفس عميق وقال: “أيوه يا بابا؟”
صوت والده جه هادي، بس فيه قلق واضح: “إنت كويس؟”
أركان رفع حاجبه، حس إن عدلي عارف: “وأنت عارف كل حاجة، مش كده؟”
عدلي بابتسامة خفيفة، لكن نبرته فيها جدية: “ما أنا أكيد مش هسيبك في المهمة دي لوحدك، كنت متابعك، بس بصراحة، ما كنتش فاهم كل التفاصيل، فحاولت أتصرف على قد اللي شفته… المهم، أنتم كويسين؟”
أركان بص لليلى اللي كانت قاعدة على طرف السرير، ساكتة، راسها محنية شوية، واضح إنها لسه مش مستوعبة كل اللي حصل.
رد وهو بيحاول يبان عادي: “آه، كويسين… الحمد لله.”
عدلي سكت لحظة، وبعدين بصوت فيه عتاب: “طب ليه ما بعتليش ولا حتى اتصلت بيا؟ كنت محتاج مساعدة، كنت ساعدتك.”
أركان حرك كفه في شعره، نبرته بقت محرج شوية: “ما كانش في حاجة تعرف تساعدني فيها، أنا حاولت أحتوي الموقف… الحمد لله الموضوع عدى. وبشكر سيادتك على الخدمة اللي قدمتها.”
عدلي بصوت ثابت لكنه دافي: “إنت ابني يا أركان… ما تقولش كده.”
أركان خد نفس عميق، نزل عينه للأرض وهو بيرد بهدوء: “عارف.”
قطع المكالمة قبل ما يدخل في كلام عاطفي أكتر، ورجع يبص لليلى… كان عارف إن اللي جاي مش سهل، وإنه مهما حاول يهرب من اللي حصل، هي هتفضل متعلقة في ذهنه.