تحميل رواية «زواج في الظل» PDF
بقلم ياسمين عطيه
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
جلست ليلى في زاوية الغرفة، ضامة ركبتيها إلى صدرها، وعقلها يدور بأقصى سرعة. عينيها شردت في الحائط، لكن في الحقيقة، لم تكن ترى شيئًا. كانت ترى ماضيها، ترى أمها المنهكة بعد يوم شاق في المصنع، يديها المتشققة وهي تمسح عرقها بحافة طرحتها البالية، وترى أختها التي تزوجت منذ عام وما زالت غارقة في الديون. "إيه يا ليلى، هتفضلي طول عمرك كده؟ بتبيعي مناديل وبتستخبي في بطانية مهلهلة؟" حست بقلبها يدق بسرعة وهي تبلع ريقها بصعوبة، إدراكها بدأ يتغير. المهمة دي خطر، مش مجرد كلام مرعب من عدلي. سنة كاملة وسط أخطر عص...
رواية زواج في الظل الفصل الحادي عشر 11 - بقلم ياسمين عطيه
أركان وقف قدام ليلى، عيناه مشتعلة بالغضب، إيده متشنجة كأنه بيحاول يمنع نفسه من تكسير أي حاجة حواليه.
بص لها بحدة، صوته كان هادي، لكنه مليان غضب مكبوت:
"الحيوان اللي اسمه مروان ده… لو ينفع أقت*له وأقطّ*عه، أنا هعمل كده."
كان بيحاول يتحكم في غضبه، بس نبرته كانت بتنفضحه. أخذ نفس عميق، مسح وشه بكفه، وكمل بصوت أخف لكنه ما زال محمل بالغضب:
"بس عشان المهمة، لازم إحنا الاتنين نتصرف كأننا ما نعرفش أي حاجة خالص… كأن حد غريب هو اللي أنقذكِ، وأنتِ، ما شفتيش مروان أصلًا، ولا هتشوفيه تاني!"
قرب منها خطوة، نظره كان حاد ومباشر، كأنه بيحفر كلماته في عقلها:
"أنا عايزك ما تطلعيش قصاده نهائي، ولا يشوفك بعد كده! وبعد كده، لا تتحركي خطوة، ولا تعملي أي حاجة من غير ما تيجي تقولي لي أنتِ هتعملي إيه!"
وقف لحظة، عيونه كانت بتراقب ملامحها، بتحاول تستوعب اللي بيقوله. شدد على كلامه بصوت أوضح:
"دي تاني مرة تعرضي نفسك للخطر! أول مرة كان موقف الحمام، ودلوقتي؟ كنتِ هتضيعي نفسك!"
عينه كانت مليانة حاجات كتير، خوف، غضب، إحساس بالذنب، ومسؤولية تقيلة على كتافه. قرب منها أكتر، نبرته بقت أخف لكنها محملة بمعنى أعمق:
"أنتِ أمانة… أمك أمنتني عليكِ، وأنا قلت لها ليلى في أمان، ولازم أكون قد كلامي!"
سكت لحظة، عيونها كانت ثابتة في عيونه، كأنها وعد صامت إنه مش هيسمح للي حصل يتكرر… أياً كان الثمن.
***
أركان وقف تحت الدش، الميا الباردة كانت بتغسل جسده لكن مش قادرة تغسل أفكاره. عينيه كانت مشوشة من كل اللي حصل مع ليلى. اللحظات اللي قضاها معها كانت غريبة عليه، مشاعر مش قادر يشرحها لنفسه. كان يحاول يطرد صورة ليلى من دماغه، لكن مهما حاول، كانت عينيها تظل تلاحقه، والصوت الهادئ اللي كان بيقول له "أنا بحبك" ما زال بيرن في أذنه.
حاول أن يركز في المية الباردة اللي بتنزل عليه، لكن مش قادر. قلبه كان بيخفق مش عارف ليه. أكيد ده مش طبيعي. ليلى، الفتاة اللي كان شايفها مجرد أداة في المهمة، دلوقتي بقت جزء من مشاعره اللي مش قادر يفرزها. ليلى، اللي كانت دايمًا في باله كجزء من اللعبة، دلوقتي قلبه كان بيخفق لما افتكر ابتسامتها، لما بص ليه بعينيها في لحظة ضعف. مش عارف هو حس إيه بالضبط، بس كان أكيد مش زي الأول.
"يا ترى ده حب؟ ولا مجرد تعاطف؟" سأل نفسه وهو يقف تحت الدش، الميا زي ما هي، ما بتغسلش اللي جواه.
وعيناه اتجهت لصور يارا في دماغه، الفتاة اللي طالما كانت في قلبه. يارا بنت عمه، كانت دايمًا هي اللي في باله، هو كان متأكد إن حبه ليها ما انتهيش، لكنها كانت بعيدة، مش قادرة تكون في حياته بالشكل اللي هو عايزه. لكن ليلى، مع كل المواقف اللي مروا بيها، بدأت تخلخل القشرة اللي حوالين قلبه، هو كان بيشوفها بشكل مختلف. بس ازاي ده؟ هو كان بيحب يارا! ليلى كانت مجرد جزء من مهمة، هل دي مشاعر حقيقية؟ ولا ده كان مجرد اندفاع؟
حس بشوية دموع نازلة من عينيه وهو بيشوف صورة يارا قدامه، كأنها كانت تجذب منه كل جزء من قلبه. لكن دلوقتي، ليلى، عيونها كانت بتذكره بحاجة غريبة، حاجة مش قادرة يفسرها. "إيه اللي بيحصل لي؟" فكر بصوت منخفض.
هو كان في حرب مع نفسه. عايز يركز في مهمته، عايز ينسى مشاعر ليلى، عايز يرجع ليارا، بس في نفس الوقت، قلبه مش قادر يبعد عن ليلى. هو ما كانش مستعد لحب زي ده، مش مستعد للارتباك ده في حياته. لكن الموقف ده، اللي اتعرض له مع ليلى، خلاه يفكر في حاجات كتير.
وهو لسه واقف تحت المية، بدأ يحس بحرارة من نوع آخر، حرارة داخلية مش قادر يوقفها، مش قادر يفهمها. "إزاي ده يحصل؟" قالها بصوت مبحوح وهو بيغلق عينيه، معترفًا لأول مرة في حياته إنه مش قادر يهرب من مشاعره.
***
كانت قاعدة على السرير، ماسكة هدوم بإيدها، عينيها مثبتة في الأرض. أول ما خرج من الحمام، رفعت رأسها بسرعة وبصت له للحظة، بس ملامحها كانت متوترة. هو ما قالش حاجة، مجرد عدى جنبها وراح ناحية الدولاب، وهي بسرعة قامت ودخلت الحمام.
أركان وقف لحظة، سمع صوت المية وهي بتشتغل، سحب نفس عميق ومسح على وشه بإيده. حس بضغط غريب في صدره، اللي حصل كان لسه مأثر عليه، مش بس الموقف نفسه… لأ، إحساسه وهو قريب منها، وهو شايفها بالحالة دي. زفر بصوت واطي وهو بيحاول يشتت دماغه، لكن عقله كان شغال زي الشريط اللي بيرجع الأحداث ويفكر في حاجات ما كانش لازم يفكر فيها.
قعد على طرف السرير، ظهره للحمام، حاسس إنها لما تخرج هتفضل محافظة على المسافة بينهم، زي ما هو كمان مضطر يحافظ عليها. اللي حصل مش ممكن يتكرر، لازم يفضل مركز، دي مجرد مهمة… وهو ماينفعش يتشتت أكتر من كده.
ليلى خرجت من الحمام، وشعرت بشيء غريب في قلبها. عيونها لمحت أركان وهو جالس على السرير، ظهره موجه ليها، كأن الموقف اللي حصل بينهما خلقت حاجزًا نفسيًا بينهم. كانت دايمًا بتروح تنام في حضنه قبل كده، دايمًا كانت تحس بالأمان فيه. لكن دلوقتي، بعد كل اللى حصل، كل شيء اتغير.
حاولت تتحرك وتروح تنام ، لكن دلوقتي حتى الخطوة دي كانت صعبة. مشاعر الخجل كانت بتطغى على قلبها، وما كانتش عارفة تتصرف إزاي.
أما أركان، فكان قاعد على السرير، وراسه منخفضة. رغم إنه كان عايش في صراع داخلي، لكنه شعر بحاجة غريبة. كان خايف من اللحظة دي. كان عارف إن كل شيء تغير، وكان مش قادر يتخيل نفسه بيحاول يتهرب من ليلى بعد ما كانت جزء من حياته اليومية. دلوقتي، هو حس إن مشاعر الخجل بدأت تطغى عليه زي ليلى، لكنه حاول يحافظ على المسافة.
في النهاية، ما حصلش مثل كل الأيام اللي فاتت. كل واحد قاعد في مكانه، مش قادرين يقتربوا زي الأول. كان واضح أن المسافة النفسية بينهم ما بقتش بس مسافة جسدية.
***
الصبح طلع، بس الليلة دي ما كانتش زي أي ليلة قبلها.
على السرير الضيق، كل واحد كان نايم في جنب، بعيد عن التاني قد ما يقدر. أركان كان ضهره ليها، عينه مفتوحة، بس ملامحه متحجرة، كأنه بيجبر نفسه إنه ما يفكرش. أما ليلى، فكانت حاسة إنها مشلولة، رابطة جسمها بتحكم غريب بتمنع جسدها يتصرف بتلقائيته المعتادة. عقلها كان بيشد اللجام، يمنعها إنها تتهور، إنها تدي لنفسها الحق إنها تقرب.
لما فتحت عينيها، مش قادرة تحدد، هي نامت فعلًا ولا كانت طول الليل بتصارع نفسها؟ كانت بتحاول تقنع عقلها إن جسمها مش هيتحرك نحوه، مش هيدور على الدفا اللي متعودة عليه.
بس لقت نفسها في نفس الوضع اللي نامت بيه، كانت حاسة بجسمها متشنج، كأنها مربوطة بحبال غير مرئية، مش قادرة تتحرك ولا تفرد عضلاتها حتى. أطرافها باردة، نفسُها محبوس في صدرها، ومعدتها معقودة بخوف مش مفهوم. أطرافها متيبسة. بصت قدامها، ناحية ضهر أركان، ملامحه ما كانتش باينة.
ليلى قامت من مكانها وهي لسه مش مستوعبة إحساسها الحقيقي، لا عارفة هي نامت فعلاً ولا فضلت تصارع نفسها طول الليل. راحت المطبخ، حضّرت الفطار بسرعة، وحطّته على الترابيزة قبل ما تخرج فورًا من الأوضة متجنبة تمامًا إنها تبص في اتجاه أركان. كانت محتاجة تبعد، تتشغل بأي حاجة تلهي عقلها عن التفكير في اللي حصل.
دخلت الفيلا، وبدأت شغلها كأن الليلة اللي فاتت ما كانتش موجودة أصلاً. وأثناء ما كانت منهمكة في تنظيف السفرة، فجأة سمعت صوت أسماء من وراها:
أسماء بمرح: "ده عفريت اللي واقف قصادي ده ولا إيه؟ يا بنتي مش انتي خبطتك عربية؟ المفروض ما تعرفيش تتحرك!"
ليلى بابتسامة خفيفة: "عُمر الشقي بقى… وبعدين كانت خبطة بسيطة، أنا أصلاً مش فاكرة حاجة. كل اللي فاكراه إني فتحت عيني لقيت سعيد قصادي في المستشفى، وبعدها جيت هنا. والله حتى العربية اللي بيقولوا خبطتني دي ما شُفتها!"
أسماء وهي ترفع حاجبها بتفكير ومرح: "يمكن فقدتي الذاكرة، بس فاكراه إزاي وفاكراه سعيد إزاي؟ يبقى أكيد فقدتي ثواني بس من الذاكرة!"
ليلى بضحكة خفيفة وهي تكمل شغلها: "حاجة زي كده!"
لكن بعيدًا عن ضحكتهم، كان في حد واقف بيسمع كل كلمة… مروان.
كان واقف على بُعد خطوات، عيونه متضايقة ومليانة غضب. حط إيده على راسه وهو يحاول يفتكر اللي حصل، بس عقله كان فاضي… كأن حد مسح جزء من ذاكرته. حاول يركّب المشهد، رجّع كاميرات المراقبة، بس كل اللي شافه كان اللحظة اللي كان بيهجم فيها على ليلى… وبعدها فجأة كان هو واقع على الأرض! المشهد اللي في النص، اللي فيه حد ضربه، كان مفقود… كأن حد حذفه بمهارة شديدة.
مين ممكن يعمل حاجة زي كده؟ وليه؟
ما كانش فاهم، بس الحاجة الوحيدة اللي كان متأكد منها… إنه مش هيسيب ليلى تهرب منه تاني. المرة دي، هيخد اللي هو عايزه… بأي طريقة.
مروان وهو بيراقب ليلى من بعيد، ابتسامة خبيثة ارتسمت على وشه:
"كويس… كويس إنها مش فاكرة حاجة."
حط إيده على رأسه وهو يحاول يسترجع اللي حصل، بس عقله كان ضايع… كأنه فيلم ناقص منه أهم مشهد. افتكر نفسه وهو بيقرب منها، ابتسامتها اللي كانت مليانة خوف، إيده وهي بتتحرك ناحيتها… وبعدها؟
فراغ.
كاميرات المراقبة ما جابتش غير اللحظة اللي كان بيهجم عليها، وبعدها فجأة كان مرمي على الأرض. المشهد اللي في النص، اللي فيه حد ضربه، كان ناقص… كأن حد مسحه بعناية.
حلقه ناقصه هو هيكتشفه.
لكن الأهم من ده كله… ليلى.
هي ما شافتش حاجة، أو على الأقل مش فاكرة. وده كان أحسن سيناريو ممكن يحصل. لإنه مش هيسيبها تفلت منه المرة دي.
المرة دي، هيكون كل شيء تحت سيطرته.
مروان في نفسه وهو بيضيق عينيه:
"طب نروح نشوف جوزك ده عارف حاجة ولا مغفل زي ما باين عليه؟"
ابتسم ابتسامة جانبية وهو بيتقدم ناحية أركان، أركان كان واقف قدام مروان، جسمه متشنج، كل خلية فيه بتصرخ غضب، بس ملامحه… باردة، متماسكة، ما ينفعش دلوقتي يكشف اللي جواه.
كان عايز يفتك بمروان، يدفنه في مكانه، بس لا… مروان مش لازم يعرف إنه عارف، مش لازم يحس إنه مكشوف. المهمة فوق أي حاجة. ما ينفعش تبوظ قبل ما تبتدي.
أركان بصله بنفس البرود المعتاد، وصوته كان هادي.
مروان وقف قدامه، حاطط إيده في جيبه، وبص له بنظرة مليانة ريبة:
"إزيك يا سعيد؟"
أركان رفع عينه ببرود، بص له نظرة محسوبة، لا ودودة ولا عدوانية، مجرد نظرة فارغة زي أي بواب مالوش في المشاكل:
"الحمد لله، تحت أمرك."
مروان ابتسم بخبث:
"قول لي بقى… مراتك لقيتها فين؟"
أركان ما تغيرش تعبيره، ولا رمش حتى، صوته كان هادي، ثابت كأنه مش شايف اللي قدامه:
"في الشارع، زي ما قالوا، حد شافها رن عليا من تليفونها وقال لي ان عربيه خبطتها وانا اخذتها ورحت المستشفى واستنيت لحد ما بقيت احسن وجبتها وجيت."
مروان قرب خطوة، صوته بقى أهدى، بس نظرته بتدور على أي تلميح، أي حاجة تكشفه:
"غريبة، يعني مش مستغرب هي إزاي كانت في الشقة وبعدين ظهرت في الشارع عربيه خبطها؟"
أركان عمل نفسه بيفكر لحظة، وبعدين هز كتفه بلا مبالاة:
"والله معرفش المهم إنها بخير."
مروان حرك لسانه جوه بقه، عينه لسه بتحلل أركان، لكن مفيش أي خطأ، تصرفاته وتصريحاته طبيعية تمامًا… طبيعية واضح انوا مش عارف حاجه فعلا.
***
وقف أركان في مكانه، عينيه مسلطة على ظهر مروان وهو بيبعد عنه بخطوات هادية. من بره، شكله كان ثابت، هادي، مجرد بواب عادي بيشوف صاحب الفيلا بيخرج من الجنينة، لكن من جواه… كان الإعصار شغال.
إيده تشدت لا إراديًا، أصابعه تقبضت وكأنها بتلف حوالين رقبة مروان في خياله، أسنانه كانت بتضغط على بعض بقوة لدرجة إنه حس بالألم في فكّه. لو مشدش نفسه، لو سيب لنفسه ثانية واحدة بس… كان هيهجم عليه زي أسد شاف فريسته.
الفكرة إنه مش بس شاف مروان بيحاول يمد إيده على ليلى… دي مراته. حتى لو مشاعره لسه متلخبطة، حتى لو جزء منه لسه مقتنع إنه مجرد دور، في حاجة جواه اتحركت. يمكن فطرة، يمكن إحساس بالمسؤولية، يمكن كرامته كرجل، لكن الأكيد إن الدم اللي فار في عروقه مكانش مجرد غضب، كان حاجة أعمق بكتير.
حبس أنفاسه، لازم يسيطر… المهمة ما زالت شغالة، ولو كشف نفسه دلوقتي، كل حاجة هتنهار. ابتلع غضبه، حرك كتفه كأنه بيتخلص من التوتر، ووقف مكانه… كأنه مجرد بواب بيتابع صاحب الفيلا وهو بيختفي عن نظره.
بس هو عارف… وعارف كويس جدًا إن اللي حصل النهارده، مش هيمر كده.
***
بعد مرور فترة مش صغيرة ولا كبيرة، كل حاجة اتغيرت.
أركان بقى يطلع معاهم المهمات، كل واحدة مختلفة عن التانية، أماكن مختلفة، أشخاص مختلفين، خطط جديدة كل مرة. كان موضوع كبير، لعبة معقدة وهو كان داخلها خطوة خطوة، لحد ما يفهم القواعد، إمتى بياخدوا القرار، إزاي بيخططوا لكل حاجة، وإيه السر ورا النظام الدقيق ده.
بس الحاجة اللي ما كانش متوقعها، إن وجود ليلى هيكون فرق معاه بالشكل ده. البنت اللي ما كانش عايزها معاه أصلاً، اللي حاول يبعدها عن المهمة بكل الطرق، طلعت أكتر حد مناسب للشغل ده. مش بس كده، دي كانت أكتر حد مناسب ليه هو شخصيًا.
أركان افتكر إنه في الأول كان شايف يارا الأنسب، لكن بعد كل اللي شافه، عرف إنها ما كانتش هتستحمل خُمس اللي ليلى استحملته. ليلى كانت مكافحة، صبورة، مش شكّاية، بتعمل أكتر من طاقتها وبتتحمل فوق اللي أي حد ممكن يتحمله. بتعرف تتعامل مع كل الناس، ذكية، مابتتصرفش بتهور، ودايمًا بتركز في الهدف. مش بس كده، دي ما عملتش له مشكلة ولا مرة، بالعكس، كانت دايمًا حل مش عقبة.
وبعيدًا عن الشغل، ليلى بقت جزء من حياته من غير ما ياخد باله. الأكل اللي كانت بتعمله، كان بيحس فيه بكمية حب غريبة، مابقاش قادر ياكل من إيد حد غيرها. وجودها كان بيهون عليه، يخليه يحس إنه مش بعيد عن أهله، وإنه مش لوحده. وعلى قد ما كان متحفظ معاها، وعلى قد ما كانوا عاملين حدود واضحة بعد اللي حصل بينهم آخر مرة، إلا إنه مقدرش ينكر… إن في حاجة جواه اتغيرت ناحيتها.
كان دايمًا بيقنع نفسه إنها مجرد شريكة في المهمة، إنها بس بتسهل عليه الشغل، لكن الحقيقة… إنه مش بس متعود عليها، هو بقى محتاجها.
هي اللي بتشوف التعب في عينيه قبل ما يتكلم.
هي اللي بتعرف هو غضبان من غير ما يبان عليه.
هي اللي بتبقى جنبه حتى من غير ما يطلب.
ومع كل يوم بيعدي، كان عارف إنه مش مجرد "اعتياد" أو "ارتباط بالشغل". كان فيه حاجة تانية… حاجة مش مستعد يعترف بيها، ولا حتى لنفسه.
***
في أوضه اركان وليلى
ليلى واقفة عند الشباك.
فوزية (بقلق): "يا ليلى، انتي وحشتيني.. إزاي يا بنتي ما تقدريش تيجي تشوفيني؟ طب قولي لي مكانك وأنا أجيلك."
ليلى (بتوتر وبحزن، بتحاول تخبي الحقيقة): "ماما، صدقيني والله غصب عني.. شغل أركان صعب، وما فيش وقت.. هو حتى رافض إني أجي لوحدي."
فوزية (بإصرار): "طب أجي لك أنا!"
ليلى (بسرعة تحاول تقطع عليها الفكرة): "مش هيرضوا يدخلوكي، شروط المكان هنا كده."
صمت لحظة.. صوت نَفَس أمها واضح من التليفون، كأنها بتحاول تستوعب الكلام.
فوزية (بغضب): "ده شغل إيه ده بقى؟ دا لو بيتاجر في المخ*درات مش هيبقى كده! أنا عايزة أشوفك، !"
ليلى (بابتسامه وهي بتحاول تطمن مامتها): "والله يا ماما ما تقلقيش عليا انا كويسه وبخير وزي الفل ومبسوطه ما تخافيش انت عارفه بنتك انا لو في حاجه هقول لك مش هخبي عليكي.."
فوزية (بحزن): "طب إمتى؟ إمتى أشوفك؟"
ليلى (بهمس وخوف من ردت فعلها): "بعد سنة…"
فوزية (بصدمة): "إنتي بتقولي إيه يا ليلى؟ سنة كاملة؟! لا، مش طبيعي.. في حاجة غلط، احكي لي يا بنتي، لو في أي حاجة مش مرتاحة ليها قوليلي."
ليلى (بتسرع تحاول تهرب من الكلام): "ماما، لازم أقفل عشان الحق اعمل العشاء لاركان قبل ما يجي من الشغل.. سلميلي على أميرة، وهكلمك بعدين."
فوزية (بصوت مهزوز، في سرها وهي بتحس إن بنتها مش بخير): "ربنا يسترها عليكي يا بنت بطني…"
تقفل ليلى المكالمة، تحاول تاخد نفس، تمسح دموعها بسرعة.
أركان كان شايفها وهي بتكلم مامتها، كان عارف إنها مستحملة كتير، بس هي بجد قوية، وكل يوم بتثبت له ده أكتر.
ليلى كانت بتتكلم بحماس، بتحرك إيديها بطريقة عفوية وهو بيتابعها من غير ما يقاطعها.
"أركان، عايزة أحكيلك عن حاجة سمعتها النهاردة في الفيلا!"
أركان (بهدوء): "قولي يا ليلى، سمعتي إيه؟"
ليلى (بتتكلم بحماس وهي بتقعد جنبه): "النهاردة وأنا بنظف مكتب صلاح، سمعته بيتكلم مع أمريكان! كانوا بيتكلموا إنجليزي كده، طبعًا أنا مش فاهمة الإنجليزي بتاعهم، بس حاولت أتصرف.."
أركان رفع حواجبه باهتمام، وبدأ يركز معاها أكتر.
ليلى (بتفخر وهي بتضحك): "وسجلت الصوت على التليفون اللي أنتم مديهوني.. اللي من أيام الهكسوس ده!"
مدت له التليفون وهي بتتكلم بثقة، تحس إنها بتعمل حاجة عظيمة.. وهو فعلاً بدأ يشوفها بشكل مختلف، بقت ذكية أكتر، أسرع في رد الفعل، بتتعلم.. حتى وهي بتتكلم بتلقائية، هو شايفها بقت مختلفة.
أركان (وهو بياخد التليفون).
قبل ما يفتح التسجيل، سمع خبط على الباب.. ليلى قامت بسرعة وهي بتعدل طرحتها، وكأنها مستعدة من قبل ما الباب يخبط.
ليلى (وهي بتلبس جزمتها بسرعة): "أنا هطلع أقعد مع أسماء شوية."
أركان بص لها بنظرة عادية، لكنه ما كانش مستغرب القعدة مع أسماء بقت شيء أساسي في اليوم.. فضل ساكت، لكن في باله كان بيقول: "آهي.. قعدتها مع أسماء دي هي اللي هتهبلها أكتر ما هي هبلة."
وبينما هي خارجة، كان لسه عينه عليها.. مش عارف ليه، بس بقى مهتم بكل تفاصيلها، حتى الحاجات الصغيرة اللي كانت زمان تضايقه، دلوقتي بقت.. مش فارقة، يمكن حتى عاجباه؟!
***
كانت ليلى قاعدة مع أسماء في الجنينه، مسكين الآيس كريم وبيأكلوا منه بشهية، الجو كان لطيف، بس كلام أسماء قلب الجو فجأة.
أسماء (وهي سرحانة): "بت يا هنيه.. الشقة اللي كنتِ هتنظفيها.. كانت في المعادي، صح؟"
ليلى رفعت حواجبها باستغراب وهي بتاكل ببطء، صوت أسماء كان غريب، مش مجرد سؤال عابر.
ليلى بسخريه: "آه.. بتفكريني ليه؟ ده كان يوم أسود من أوله! يوميها كنت صاحية متفائلة وعندي حماس ، ما هو ما كانش ينفع الواحد يبدأ يومه بتفاؤل وضحك.. الضحك مش للي زينا!"
ضحكت ضحكة خفيفة وهي بتحاول تهون، بس أسماء كانت مركزة في حاجة تانية تمامًا.
أسماء (بحذر): "أصل الموضوع ده.. الفار بيلعب في نافوخي. حاسة إن العقرب.. جوزي ليه علاقة بالموضوع!"
ليلى حسّت قلبها بيرفرف فجأة، ابتسامتها راحت، بس حاولت تبين إنها مش فاهمة حاجة.
ليلى (بتصنع): "إزاي يعني؟"
أسماء (بصوت منخفض وملامح جدية): "مش هقول لك كده عشان أخوفك.. بس الصراحة.. هو مش مجرد شكي، أنا ملاحظة من فترة إنه بيبص لك بنظرات مش كويسة. وحاسه.. بيخطط لحاجة."
ليلى حسّت برجفة باردة في ضهرها، بس حاولت تفضل هادية.
ليلى (بتوتر): "متخوفنيش بقى."
أسماء (بحزم): "مش بخوفك، بس بقول لك خلي بالك. وما تقلقيش، أنا هراقبه، ولو فكر بس يأذيكِ.. أنا اللي هقف له! هو ما يعرفش مين هي أسماء."
ليلى بصت لها، بحب وفجأة حضنتها بقوة.
ليلى (بابتسامة ): "أيوه يا أبو الصحاب.. يا جامد إنتِ!"
لكن رغم الحضن والكلام، كانت ليلى حاسة بخوف خفي جوه قلبها.. حاسة إن في حاجة مش مطمئنة، وإن اللي جاي مش سهل.
***
كان صباح جديد، بس مش صباح عادي. أركان كان قاعد في مكانه المعتاد عند البوابة، بيشرب القهوة السادة اللي بقت روتينه الصباحي، عينه كانت سارحة في اللا شيء.. بس فجأة، رفع راسه، والمشهد اللي شافه خلاه ينسى كل حاجة.
ليلى.. جاية ناحيته، بس شكلها كان صادم! بطنها كبيرة جدًا، وكأنها حامل في شهورها الأخيرة.. والمصيبة إنها ما كانتش لوحدها، عبد الحق كان ماشي جنبها عادي جدًا، وكأن ده مشهد طبيعي.
أركان حسّ بشيء بارد بيجري في عروقه، وقف بسرعة، نظره متعلق بليلى اللي كانت بتتحرك بخطوات بطيئة، وكأنت مش قادرة تمشي.
ليلى: "سندني، سعيد.. مش قادرة أمشي."
أركان لف عينه ناحية عبد الحق، نظرته كانت كلها استفهام واستنكار.. إيه اللي بيحصل؟!
أركان (بحدة): "إيه ده؟"
عبد الحق ضحك بهدوء مستفز، وكأنه كان مستني رد الفعل ده بالضبط.
عبد الحق: "المفروض تكون اتعودت وفهمت، إيه ده!"
أركان حسّ بشرارة غضب في جسمه، قرب من عبد الحق، صوته كان مليان تهديد.
أركان: "الشغل يبقى في كل حاجة، بأي طريقة.. إلا مراتي! انت عارف لو جرالها حاجة إيه اللي ممكن يحصل؟"
عبد الحق ضحك تاني، وكأنه بيحاول يستفزه أكتر.
عبد الحق: "ومن إمتى في شغلنا حاجة بتحصل؟ انت عارف إن شغلنا عامل.."
أركان (مقاطعًا بسرعه بصوت مشحون بالغضب): "زي شعرة من العجينة! بس أنا مش هخاطر بيها."
عبد الحق (بهدوء قاتل): "لو عندك اعتراض، روح قوله للحاج.. هو اللي طلب كده، أنا عبد المأمور."
أركان كان بيغلي من جوه، عيناه كانت متعلقة بليلى اللي ملامحها كانت هادية جدًا.. أكتر من اللازم.
عبد الحق مكمل "ونص ساعة.. ونخلص الموضوع!
أركان (بعصبية، وهو بيضغط على أسنانه): "أنتم هتتعودوا على كده؟"
عبد الحق قرب منه خطوة، صوته كان منخفض لكنه مليان تهديد.
عبد الحق: "سعيد.. لم نفسك، ما تنساش انت بتكلم مين! ما حدش يقدر يرفض أوامر الحاج، ولو مش عاجبك، الباب يفوّت جمل. بس قلت لك ما تخافش، هنعدي بيها بس من حكومة القاهرة على الحدود، رايحة تولد بسلامة. ولو عايز تاخدها تتفسحوا يومين، خدها يا عم، اجازة على حسابي!"
أركان كان بيحاول يسيطر على نفسه، كل خلية في جسمه كانت بتصرخ إنه يمسك عبد الحق ويوريه الفرق بين التهديد الحقيقي والاستفزاز السخيف اللي بيعمله.. بس قبل ما يتحرك، حسّ بإيدين صغيرة بتتمسك بإيده بإحكام.
ليلى.. كانت بتبص له، نظره هو فاهمها كويس كانها بتقول له عشان خاطر المهمه.
ليلى (بصوت هادي لكنه حاسم): "يا سعيد، ما فيش حاجة.. ما تخافش، هم أكيد لو الموضوع خطر، ما كانوش ودّوني."
***
أسماء كانت معدية في الوقت الغلط.. أو يمكن الوقت الصح، لو حسبناها من ناحية التريقة والضحك اللي ماليها من ساعة ما شافت ليلى بالمنظر ده!
أول ما عينيها وقعت على بطن ليلى، وقعت على نفسها من الضحك، بقت تشاور على أركان وليلى وهي مش مصدقة!
أسماء (وهي بتضحك بصوت عالي): "عملتوها إزاي يا ولاد الذين دي؟! أنا مش سايباكي امبارح فاضية، إزاي أجي ألاقيك الصبح مليانة وهتولدي؟! ده الزمن بقى سريع أوي!"
ليلى كانت متوترة أصلًا، ومش ناقصة أسماء.. مدت إيدها وضربتها على دراعها بخفة، صوتها كان مليان إحراج.
ليلى: "بس، يا أسماء!"
لكن أسماء كانت مصممة تكمل الهزار، ضحكت أكتر وهي بتبص لأركان اللي كان واقف متشنج، عينيه بتلمع بالغضب المكبوت.
أسماء بضحك: "إنتوا بتلعبوا ولا إيه؟"
ليلى (بتكشر وبتحاول تهرب من النقاش): "لأ، رايحة شغل."
لكن اللحظة دي كانت كفاية تخلي عقل أسماء يشتغل.. عينها راحت على عبد الحق، والقلق بدأ يتسلل لجسمها. عبد الحق.. هنية.. وشغل؟! يبقى مخدرات؟!
نظرت له بعصبية، صوتها كان مليان شك.
ليلى: "إنتوا من إمتى شغلكم بيدخل في ستات؟! ومش أي ستات.. ستات من البيت كمان!"
عبد الحق لف لها بنظرة زهق، كأنه كان متوقع الأسطوانة دي.
عبد الحق (ببرود): "يادي أم الأسطوانة اللي مش هتخلص! خشّي جوه، يا أسماء، وما تتدخليش في الشغل."
أسماء رفعت حواجبها، لكنها استجابت وهي بتبص لليلى نظرة معناها "هنرجع للكلام ده بعدين". أما ليلى، فكانت واقفة مكانها، حاسة إن كل حاجة حوالينها بقت مربكة أكتر مما توقعت.
***
ليلى كانت ماشية بصعوبة، التعب ظاهر على ملامحها، همست لأركان بصوت واطي وهي بتحاول تتحرك بالـ"بتاع" اللي مربوط على بطنها:
ليلى (بهمس وتعب): "أركان.. البتاع اللي على بطني ده تقيل أوي، ضهري هيتكسر.."
بصت له بعيون شبه عيون القطط، فيها لمعة استجداء، لكنها بسرعة غيّرت نبرة صوتها لحاجة شبه الهزار.. بس فيها توتر مخفي.
ليلى: "هو أنا لو اتقفشت دلوقتي، انت هتطلعني، مش كده؟"
أركان بصّ لها بغيظ، ملامحه مش مبسوطة خالص من الموقف اللي هم فيه.
أركان (بتأفف): "لأ، هديكي مؤبد.. عشان تبقي تسمعي الكلام وتعملي اللي يتقال لك عليه. مش أنا قلت لك بعد كده ما تعمليش أي حاجة غير لما ترجعي لي الأول؟"
ليلى: "يوه بقى، يا أركان.. حتى لو كنت رجعت لك، كنا هنعمل اللي هو عايزه برضه عشان المهمة، فما فرقتش كتير، بقى!"
أركان بصّ لها نظرة طويلة، كان فاهم هي بتحاول تخفف التوتر بس هو مش قادر يبلع إنها كل مرة تحط نفسها في مواقف زي دي.. بس كان برضه مش قادر ينكر إنها قوية، ومهما حاول يبعد مشاعره عنها، لسه كل حاجة فيها بتحرك جواه حاجة مش عايز يعترف بيها.
رواية زواج في الظل الفصل الثاني عشر 12 - بقلم ياسمين عطيه
أركان كان ماشي بخطوات سريعة، عينه في الطريق، وذهنه لسه مشغول باللي بيحصل.
فجأة، صوت ليلى قطع تفكيره.
ليلى (بتنادي على عبد الحق اللي كان سابقهم شوية):
“هو احنا هنروح القاهرة مشي ولا إيه؟!”
عبد الحق ضحك ضحكة صغيرة وهو بيكمل مشيه:
“خلاص قربنا، عربية الإسعاف مستنيانا آخر الطريق.”
ليلى بصّت قدامها ولقت الطريق طويل، بعيد، ولاحظت إن العربية مش باينة أصلاً في آخره.
حطت إيدها على صدرها بصدمة، وبعدها قالت بصوت مذعور:
ليلى:
“يا لهوي!! كل ده!!”
التفتت لأركان بسرعة، وعيونها الواسعة بقت زي عيون القطط المغمضة شوية وهي تبص له بنظرة كلها دهاء.
وبعدها قالت بنبرة حالمة كأنها طفلة بتطلب حاجة ببساطة:
ليلى:
“شلني.”
أركان وقف فجأة، وبص لها بنظرة مش مصدق.
رفع حاجبه ببرود:
“نعم ؟”
ليلى (بتبتسم ببراءة وبمرح وهي بتهز كتفها):
“ما هو اللي في بطني ابنك.”
أركان نفخ بضيق، وبعدها فجأة ميل وشالها.
كانت حركته أسرع وأقوى، كأن فيها انتقام صغير.
ليلى شهقت، وبعدها غمضت عينيها بحماس وهي بتضحك بخبث.
ليلى (وهي بتلف دراعها حول رقبته بخفة):
“أهو كده.. بجد مش عارفة أنا كنت عايشة إزاي قبل ما تتجوزني!”
أركان شدد إيده عليها شوية وهو بيهمس جنب ودنها بصوت منخفض، فيه تحذير ونبرة خفيفة من التهديد:
أركان:
“عيشي عارفة إنك لو لسه بتلعبي بالنار، النار هتولّع فيكي قريب.”
بس ليلى، كالعادة، ما كانتش بتخاف.
وكانت متأكدة إنه مهما هددها، عمره ما هيأذيها.
بالعكس، هو أكتر حد ممكن يحميها، حتى منها هي نفسها.
أول ما قربوا من الكمين، عبد الحق ميل ناحية ليلى وهمس له بتحذير:
عبد الحق:
“اول ما اقول لك صوتي.. تصوتي!”
وفعلاً، قبل ما حتى يقربوا منهم، ليلى بدأت تصرخ وتنوح كأنها فعلاً هتولد في لحظتها.
كانت ماسكة بطنها وبتتأوه بطريقة درامية، والضباط اللي في الكمين اتوتروا وهم بيبصوا لبعض.
لكن وسط كل ده، كان فيه ظابط شايف إن الموضوع مش داخل دماغه.
قرب منهم وبص بتركيز، وبعدها قال بنبرة شك:
الظابط:
“حالتها خطر؟ جايبينها من الصعيد تولد في القاهرة؟”
بعدها مد إيده ناحية ليلى عشان يفتشها أو يتأكد من حالتها.
بس قبل ما يلمسها حتى، فجأة لقوا أركان بيمسك إيده بقوة، وبنبرة عصبية حادة مليانة غيرة، قال له:
أركان:
“بتحط إيدك على مين؟ دي مراتي!”
الظابط اتفاجئ من رد الفعل، وبص لأركان بشك.
لكن قبل ما يرد، عبد الحق حاول يلم الموضوع بسرعة قبل ما يتحول لخناقة.
ضحك ضحكة متوترة وقال للظابط وهو بيهدي الموقف:
عبد الحق:
“معلش يا باشا، أصله بيحب مراته أوي، وهي حالتها خطر، دي بتولد من إمبارح بالليل!”
الظابط حط إيده على وسطه وبص لهم بتمعن.
وبعدها قرر إنه مش هيسيب الموضوع يعدي بسهولة، قرب من العربية وقال بصوت حاسم:
الظابط:
“نزّل يا ابني الناس اللي في العربية دي.. وهات لي الأستاذ أبو دم حامي ده!”
ثم، وبحركة سريعة، مسك أركان من ياقة الجلابية اللي كان لابسها، وقال له بسخرية:
الظابط:
“تعالى لي يا حلو.. أنت!”
ليلى بصت لأركان برعب، وحست إن الموضوع ممكن يقلب بجد.
أما عبد الحق فكان بيكتم غيظه وهو بيحاول يلاقي طريقة للخروج من الموقف بأقل خسائر ممكنة.
رواية زواج في الظل الفصل الثالث عشر 13 - بقلم ياسمين عطيه
أركان كان لسه في حالة صدمة من اللي حصل، مش مستوعب إن الظابط اللي مسكه من ياقة الجلابيه وحسس الجميع إنه بيعاقبه، كان في الحقيقة بيسلمه رسالة من والده.
حرك إيده ببطء ناحية جيب الجلابية، لمس الجهاز الصغير اللي اتحط له، وعقله بدأ يشتغل بأقصى سرعته، لكن قبل ما يلحق يفكر في أي حاجة، عيونه سقطت على ليلى.
كانت واقفة مش بعيد، وشها أحمر من الغضب، وعينيها مليانة دموع، كانت شايفة كل حاجة حصلت، شايفة القلم اللي أركان “اتضربه” واللي في نظرها كان حقيقي، شايفة التوتر في ملامحه.
الضابط وهو بيبص لها وبيقول بجملة قصيرة بس معناها تقيل:
الضابط: “شكلها بتحبك.”
أركان بص لليلى للحظة، ملامحها كانت بتصرخ بكل مشاعرها من غير ما تنطق، وبعدها اتحرك ناحيتها وهو بيحاول يخفي أي أثر للخبطة اللي حصلت.
أول ما قرب، ليلى مدت إيديها بسرعة ولمست وشه بحنية وعصبية في نفس الوقت، قلبها كان بيتخبط في ضلوعها، ولما حست بأثر الضربة، شهقت وقالت بصوت مليان زعل وانفعال:
ليلى: “ض*ربك؟!”
كانت لسه هتكمل، لكن فجأة صوتها علي واتحول لصراخ وهي بتزعق:
ليلى: “يا ابن الـ…!”
كانت خلاص هتكمل الشتيمة وتقول كلام من العيار التقيل للظابط، لكن أركان بسرعة حط إيده على بقها، وعيونه كانت بتنطق بتحذير واضح، في الوقت اللي عبد الحق كان متعصب وواقف جنبهم وهو بيهز رأسه بضيق:
عبد الحق (بغضب وهو بيبص على ليلى): “بس بقى! إحنا ما صدقنا سابونا، إنتوا هتودونا في داهية ولا إيه؟ ده أنا واخد عصفورين كناريا معايا!”
لكن ليلى كانت مش في المود تسمع كلام حد، عنيها لسه فيها الغضب والدموع، ورفعت إيديها بحركة مفاجئة وهي بتقول بعصبية:
ليلى: “أنا ما بحبش حد يضرب حد أنا بحبه! والله لأنزل اضر*به لك!”
أركان كان شايف الانفعال اللي فيها، وكان عارف إنها مش هتهدى بسهولة، قرب منها أكتر وقال بصوت هادي وهو بيحاول يسيطر على الموقف:
أركان: “ما ضربنيش، كان بيهوّشني بس على وشي.”
لكن ليلى ما صدقتش، لمست وشه تاني وبصت له بعيون كلها دموع وقالت بعناد:
ليلى: “لا ضربك، صوابعه باينة على وشك!”
أركان ضحك ضحكة قصيرة وهو بيتمالك نفسه، حس إنها مستحيل تقتنع، لكن قبل ما يرد، عبد الحق نفخ بضيق وقال بصوت محبط وهو بيتمتم:
عبد الحق: “بس بقى، أكلتوا راسي!”
لكن رغم تعصب عبد الحق، ورغم الموقف كله، أركان كان حاسس بحاجة مختلفة وهو شايف رد فعل ليلى.. كان شايف خوفها عليه، غيرتها، غضبها، واهتمامها اللي طالع من القلب، واللي، غصب عنه، بدأ يدق ده يبقى قلبه هو كمان.
***
كانت المنطقة الشعبية ديقة وزحمة، الأصوات حوالين ليلى كانت عالية، صراخ، ستات داخلة طالعة، وريحة بخور نفاذة مالية المكان. الجو كله كان خانق، والمشهد كان حقيقي لدرجة إنها لأول مرة حسّت إنها ممكن تنهار.
مسكت دراع أركان غصب عنها، أصابعها تشدّت عليه وهي بتهمس بصوت مهزوز:
– هو أنا هولد بجد ولا إيه؟
عبد الحق بص لها من غير تعبيرات، بعينيه المستخفة وهو بيشاور لها تسكت، وبعدها قال بصوت واطي:
– اسكوتي يا شاطرة، دخلتي اللعبة يبقى كمّليها.
دخلوا أوضة صغيرة مضلمة، ريحتها مش مريحة، وفجأة ظهرت المعلمة حسنية، ست في أواخر الأربعينات، بملامح حادة وابتسامة مريبة وهي بتبص لعبد الحق وقالت بضحك:
– كل مرة بتبهرني، إنت مخك ده كنز، شغلانتكم دي دماغها عالية، جايبلي البضاعة المرة دي في بطن واحدة! والله أنت بتكيفني أكتر من البضاعة نفسها.
بعدها بصت لليلى من فوق لتحت ورفعت حاجبها وقالت بنبرة آمرة:
– يلا يا شابة، اخلعي وتعالي نزلي اللي في بطنك بسرعة.
ليلى رجعت خطوة لورى، عينيها دارت في المكان، نظرتها وقعت على أركان تلقائيًا، كانت مكسوفة ومرعوبة، بس متأكدة إنه مش هيسيبها تتأذى. قالت بسرعة وهي بتبعد عن حسنية:
– ما ينفعش هنا، مفيش مكان… يبقى أنا وانت؟!
حسنية ضحكت ضحكة سخيفة وهي تبصلها باستغراب:
– هو انتي محترمة وكده؟! أمال اللي ماسكة فيه ده مين؟
ليلى شدت أركان أكتر وقالت بسرعة:
– جوزي!
حسنية رفعت إيدها استسلامًا وقالت بسخرية:
– خلاص، خلي جوزك في الأوضة، وإحنا هنخلص كل حاجة… ومعلش بقى هنطرد عبد الحق برة، لازم أبقى موجودة وأشوف بضاعتي وهي بتتولد.
حسنية قعدت على طرف الكنبة المتهالكة، حطت رجل على رجل، وبصّت لليلى باهتمام مصطنع وهي بتسألها بفضول مستفز:
– اسمك إيه يا شاطرة؟
ليلى بلعت ريقها وقالت بسرعة:
– هنية.
حسنية ابتسمت بسخرية وهي بتشاور لها تقرب:
– هنية مين؟ إنتِ إيه اللي جابك هنا وسط الرجالة دي؟
ليلى: – شغالة عندهم في الفيلا، بنضف، بعمل أكل، قالولي أساعدهم في مشوار فمقدرتش أرفض.
في اللحظة دي، كان أركان واقف جنب الحيطة، عامل نفسه بيسمع الحوار، لكنه في الحقيقة كان بيحط جهاز التصنت في زاوية ضلمة فوق رف خشب قديم، بحركة سريعة ومتقنة من غير ما حد يحس بيه.
ليلى وقفت مكانها، حاسّة إن قلبها بيخبط في ضلوعها وهي شايفة حسنية – الداية – مستنيّة تنفذ. نظرتها راحت لأركان اللي كان واقف عند الحيطة، ملامحه متماسكة، لكن عينيه بتراقب كل تفصيلة.
حسنية بصوت مستعجل وبخبث:
– يلا يا شاطرة، ارفعي هدومك وخليّنا نخلص. العيل ده لازم يخرج دلوقتي!
ليلى بلعت ريقها، إحساس التوتر خانقها، إيديها بتترعش، رفعت طرف جلابيتها ببطء وهي مش قادرة تستوعب اللي بيحصل. كانت متوترة جدًا، لكن أركان كان ثابت في مكانه، ملامحه صلبة كأنه مش متأثر، بس عنيه كانت راصدة كل حاجة.
حسنية قربت، إيديها الخشنة شدت الرباط اللي ماسك البطن المنتفخة المستعارة، وبحركة واحدة، البطن نزلت على الأرض…
لحظة صمت قاتلة…
حسنية فتحت عينيها على الآخر، اتكلمت بدهشة وضحكة مكتومة وهي تبص للربة اللي نزلت، وفجأة انحنت وشدت القماش اللي مغطيها، لتتفاجئ بالكيس المضغوط جوّاها.
ضحكت بصوت عالي وهي تقول بصوت كله خبث:
– الله ينور… شغل نضيف أوي، ومعمول بحرفنة… ما حدش يقدر يشك لحظة!
ليلى واقفة متسمّرة مكانها، قلبها بيدق بسرعة، حسّة برجليها هتخونها وتقع، لكن مسكة إيدها اللي كانت بتشد في دراع أركان غصب عنها كانت الحاجة الوحيدة اللي مثبتاها.
حسنية رفعت عينيها ليها، قربت وهمست بصوت بارد:
– إنتِ مالك مرعوبة كده ليه يا بنتي؟ دا مش أول شغل ليكِ، ولا إنتي كنتِ فاكرة نفسك حامل بجد؟
ليلى حاولت تفتح بُقها ترد، لكن أركان سبقها، بصوته التقيل والواثق وهو بيرد بدلها:
– لسه جديدة، بس هتتعلم بسرعة… مش كده، يا هنية؟
ليلى رفعت عينيها ليه، نظراته كانت جامدة، كأنه مفيش حاجة حصلت، لكنه الوحيد اللي هي متأكدة إنه مش على طبيعته… كان بيوصل لها رسالة، وسط كل الدوشة، وسط كل الخوف، وسط كل حاجة… كان بيقول لها من غير كلام: “متخافيش”.
ليلى وهي بتشده من ايده و خارجين من المكان:
– يلا بسرعه.
بصلها ببرود وقال بسخرية هادية:
– مش كان قلبك جايبك وجاية لي في ببطنك؟ ماشيه تتعوجي قدامي، ودلوقتي متكتفة زي الفرخة؟
– ليلى رفعت عيونها ليه بارتباك، وقبل ما يبعد إيده، مسكتها بسرعة، شدّت عليها، صوتها كان شبه همس وهي تقول:
– أركان… أنا ما كنتش متخيّلة إن الموضوع بالرعب ده… يا ماما… يا رب ما ياخدوني معاهم تاني في حاجة… أنا خايفة… أنا خوافة!
نظرة سريعة بينه وبينها، لحظة صامتة… كانت بتدوّر على أمان، وهو كان بيدوّر على حاجة تانية خالص… حاجة مش فهمها.
العربية كانت ماشية بسرعة في شوارع القاهرة، الجو كان هادي بره، بس جوّا العربية كان مليان توتر صامت. ليلى كانت قاعدة جنب أركان في الكنبة الخلفية، عينيها سابحة في الفراغ، وإيدها لا إرادياً كانت بتشد طرف هدومها.
عبد الحق من قدام، وهو سايق بصوت هادي بس فيه نبرة تريقة:
– هي هنية مالها ساكتة كده؟ مش كنتِ جامدة ومتماسكة؟ ولا المواقف الحقيقية حاجة تانية؟
ليلى من غير ما تبص له، بصوت واطي لكن فيه رعب حقيقي:
– أنا فعلاً ما كنتش متخيّلة إن الموضوع بالشكل ده… إحنا كنا في عش الدبابير بجد…
أركان كان ساكت، عيونه على الطريق، ملامحه متماسكة كعادته، لكنه كان واخد باله من كل نفس بتاخده ليلى، كل رعشة خفيفة في جسمها. قرب منها شوية، صوته كان هادي لكن فيه نبرة أمر:
– نامي، لسه الطريق طويل.
الصعيد
الطريق كان هادي، الجو برد شوية، بس ليلى ما كانتش حاسة بأي حاجة… كانت نايمة بعمق، سندة رأسها على كتف أركان كأنها لقت أخيرًا مكان ترتاح فيه. أركان كان ساكت، سايبها، لكنه كل شوية يبص لها من طرف عينه… كان متعود يكون لوحده، متعود إنه ما يسمحش لحد يقرب بالشكل ده، بس ليلى… ليلى بتعدي كل الخطوط الحمراء من غير ما تاخد إذن.
– قدام الفيلا –
العربية وقفت، عبد الحق نزل الأول، فتح الباب الخلفي، وقبل ما يتكلم، لقى أركان شايل ليلى بخفة، وكأنها ولا حاجة في إيده.
عبد الحق بضحكة خفيفة:
– يا حبيبي، ده أنت غرقان غرقان…
أركان ببرود وهو ماشي بيها للداخل:
– اسكت.
خطواته كانت هادية وثابتة، وصل أوضته، ومدد ليلى على السرير بحذر، كأنها حاجة قابلة للكسر. وقف لحظة، بص لها… كانت نايمة بملامح هادية، عكس كل اللي عاشته النهارده.
أركان وهو بيحس بضيق غريب لأول مرة
مد إيده،
مسك التيشيرت، حس إنه مخنوق، ما فكرش كتير، وقلعه ورماه على الكرسي، قرر ينام بالبنطلون، حاجة كان بطّل يعملها من اول يوم دخلت ليلي حياته، لكنه فجأة رجع للعاده دي… بس في اليوم الغلط.
ما لحقش يبعد، حس بحركة خفيفة، وبلا أي مقدمات… ليلى سحبت نفسها، ونامت في حضنه.
أركان تجمد… جسمه اتكهرب لحظة، واللعنة الحقيقية كانت لما خد نفسه واتحركت معاه، كأنها بتدور على الأمان في وجوده. قلبه كان هادي، لكنه حس باضطراب، مش عارف دي صدمة من الموقف، ولا من الإحساس الغريب اللي خبطه فجأة.
أركان بداخل عقله وهو بيضرب نفسه على الفكرة الغبية اللي خلته ينام من غير التيشيرت:
– الهدنة خلصت… وجت في أسوأ وقت ممكن.
كان ممكن يقوم، يبعد، يلبس التيشيرت… بس حاجة جواه منعته، وكأنه لأول مرة في حياته قرر يسيب الأمور تمشي لوحدها، من غير ما يتحكم في كل شيء.
غمض عينه، وأخيرًا… نام.
الليل كان هادي، الفيلا كلها ساكنة، والوقت متأخر جدًا… بس عيون نسرين ما كانتش نايمة.
كانت واقفة عند شباك الأوضة، في الضلمة، بتبص جوه…
شافت ليلى وهي في حضن اركان
مش بس كده، أركان مش لابس التيشيرت، ووشه قريب منها…
نسرين حسّت النار بتاكلها من جوه.
بالنسبه ليها هنيه اللي هي ليلى مجرد خادمة في ازاي تعيش عيشه زي دي وتتحب من واحد بالجمال ده.
شافت أركان راح معاه عشان يحميها وجابها بنفسه من المهمة وهو شايلها… مشي بيها بين إيديه كأنها حاجة غالية عليه… والآن؟ نايمة في حضنه… ووشها دافي على صدره العاري.
– “أنا اللي كنت المفروض أكون مكانها.”
– “أنا اللي كنت المفروض أكون تحت جناحه، مش هي!”
عيونها كانت مسمّرة عليهم، عقلها بدأ يسرح… أفكار سوداء، خيالات مسمومة، صورتها مكان ليلى، بين دراعاته، وسط دفء حضنه…
أغمضت عيونها… واستسلمت للحظة.
بس فجأة… أركان تحرك!
نسرين شهقت بصمت، قلبها وقف. بسرعة اختفت في الضلمة قبل ما يحس بيها.
بس كانت متأكدة من حاجة واحدة… دي مش النهاية.
هنيه لازم تخرج من الصورة… وبأي تمن.
***
ضوء الشمس تسلل من الشباك، خبط خفيف على عيون ليلى، خليها تتحرك بكسل وهي لسه في غيبوبة النوم.
كانت دافية… مرتاحة… كأنها في أمان مش حسته من زمان، بس فجأة بدأت تستوعب…
إحساس بشرة دافية تحت خدها… أنفاس هادية ومنتظمة…
لحظة… إيه ده؟!
ليلى فتحت عيونها ببطء… واستوعبت الكارثة.
كانت نايمة في حضن أركان… تاني!
مش بس كده، ده مش لابس التيشيرت أصلاً!!
– “يا نهار أسود…”
جسمها تصلب، قلبها دق بسرعة، والحرارة ضربت في دماغها. هي ليه رجعت تعمل كده؟ كانت بطّلت خلاص! كانت مكسوفة منه أصلاً عشان اللي حصل قبل كده!
حاولت تتحرك ببطء، تفلت من الموقف قبل ما يصحى… بس وهي بتبعد، حسّت بأنفاسه قرب أذنها، كأنه اتحرك معاها…
– “لا لا لا، مش وقته، يا رب ما يكونش صاحي.”
كانت على وشك تقوم، لكن فجأة سمعت صوت أنفاسه العميقة… كان شكله نايم.
– “الحمد لله… نجوت.”
بهدوء شديد، وبعد معركة استغلت فيها كل مهاراتها في التسلل، قدرت تبعد، وقامت من السرير، هربت!
لكنها ما كانتش تعرف إن أركان… كان صاحي من أول لحظة.
أول ما حس بيها بتتحرك، كانت غريزته يقوم، يبعدها، أو حتى يعلق بكلمة زي كل مرة… بس لأول مرة، ما عملش كده.
لأول مرة، قرر يعمل نفسه نايم.
مش عشان ما يحرجها… عشان نفسه ما تحرجش أكتر.
لسبب غامض، خلاها تاخد راحتها وتبعد لوحدها… من غير ما يرمي عليها تعليق سخيف زي كل مرة.
أول ما خرجت من الأوضة، فتح عينه، وبص للسقف… مش مصدق هو لسه سايبها تعمل كده؟
– “يا نهار أسود…”
غمض عينه تاني، وعارف إن النهارده… مش هيكون يوم عادي.
بعد ما ليلى خرجت من الاوضه أركان قام من على السرير، دخل الحمام، وبعد ما خرج لبس هدومه، ولقي الأكل محطوط على الترابيزة. وأثناء ما كان قاعد بيفطر، تليفونه رن.
بص في الشاشة، ولما شاف الاسم، فتح بسرعة ورد بصوت رسمي:
– عرفتوا توصلوا لحاجة؟
صوت عدلي جه واثق، تقيل زي ما أركان متعود عليه:
– بفضلك يا ابني بينكشفوا قدامنا واحد ورا واحد. كل تاجر صغير بيوقع اللي أكبر منه، وإحنا ماشيين وراهم لحد ما نقطع راس الأفعى.
أركان ضغط شفايفه بتفكير، عينه كانت بتلمع بحدة وهو بيقول:
– حلو… لسه اللي فوق مهم، أهم من كل دول.
عدلي بهدوء:
– متستعجلش، احنا وراهم، بس خليك في اللي في إيدك دلوقتي. المهمة مش هتخلص غير لما نكون قافلين على الكل.
أركان سكت لحظة، وبعدها قال بتركيز:
– حاضر يا فندم.
***
أركان كان لسه هيخرج من الأوضة، لكنه فجأة لقى نسرين بتزيحه لجوه وتقفل الباب وراه. رفعت راسها له، نظرتها متحدية، عيونها مليانة نوايا واضحة:
– “انت النهارده بتاعي.”
أركان اتجمد في مكانه، استغرب جرأتها، لكنه بسرعة شد نفسه ورد بصوت حاد:
– “تقصدي إيه؟”
نسرين قربت، صوتها ناعم بس فيه خبث:
– “مراتك النهارده عندها شغل… لا بالليل مش هتفضى. وانت في حد قاعد بدالك على البواب. يعني أنا وانت… هنقضي وقت حلو مع بعض.”
عينيها كانت ثابتة عليه.
أركان، بصوت مليان غضب وقرف:
– “انتي مجنونة؟”
نسرين كانت واقفة قدام أركان، عيونها بتلمع بتحدي، مشاعرها كلها مكشوفة قدامه. حاولت تقرب، تحط إيديها عليه، لكنه صدها بقوة، بصوت بارد:
– “إنتِ بتعملي إيه؟”
ضحكت ضحكة صغيرة، ساخرة، عيونها فيها لمعة غريبة:
– “إيه يا أركان، خايف عليَّ؟… متقلقش، ما بقتش البنت اللي تخاف على نفسها… خلصت الموضوع ده من زمان… فاكر إن اللي بيني وبين طاهر كان حب؟ لا… كان قرار… كان خطوة… كان تذكرة حريتي، دلوقتي مفيش حاجة تمنعني من أي حاجة أنا عايزاها.”
لحظة صمت تقيلة سادت بينهم، ونسرين قربت أكتر، لكن أركان كان ثابت، نظراته.
الجو كان مشحون بصمت تقيل، مفيش غير صوت أنفاسهم المتوترة وهي بتتحرك ناحيته بخطوات بطيئة. عيونها مرفوعة له، بتلمع بنظرة غامضة… مزيج بين التحدي والرغبة والانتصار، وكأنها أخيرًا وصلت للحظة اللي كانت بتخطط لها.
وقفت قدامه، المسافة بينهم تكاد تكون معدومة، مدت إيديها ببطء… لمسته أول ما حطت كفها على صدره، إحساس دقات قلبه تحت إيديها خلى ابتسامتها تعلو. كانت عايزة تحس إنه مش متحكم، إنه مش قادر يوقفها.
أصابعها اتحركت بهدوء، بتمشي على قماش قميصه، بتنزل تدريجيًا من على صدره لبطنه، بتحس بكل عضلة تحتيهم، بتنقل لمستها ببطء متعمد… لكن قبل ما تلمس الحزام، إيده أمسكت بمعصمها بقوة، وقفتها في لحظة.
نسرين اتنفضت من المفاجأة، رفعت عيونها لعيونه… لكنها ما لقتش فيها أي ضعف، ولا تردد، ولا حتى انبهار. بالعكس، نظراته كانت مليانة حاجة واحدة بس… اشمئزاز.
كان بيبصلها كأنها حاجة حقيرة، كأنها عملت شيء يثير القرف مش الرغبة. ضغط على إيدها أكتر وهو بيبعدها عنه بخشونة، صوته طلع بارد، حاد، ومليان احتقار:
– “إنتِ إزاي؟”
كلمة واحدة بس، لكن معناها كان واضح. إزاي واحدة متجوزة تعمل كده؟ إزاي تكون بالحقارة دي؟ إزاي تكون فاكرة إن أي راجل ممكن يضعف قدامها لمجرد إنها قربت؟
نسرين حاولت تستعيد توازنها، لكن وقع الإهانة كان أقوى من إنها ترد بسرعة. ابتلعت ريقها، وبدل ما تتراجع، رفعت دقنها بتحدي مصطنع:
– “إيه… خايف تنجرف؟”
لكنه ضحك بسخرية، ضحكة باردة مفيهاش ذرة إعجاب:
– “إنتِ فعلاً مش فاهمة حاجة، صح؟ فاكرة نفسك مغرية؟ لأ، إنتِ مثيرة للشفقة.”
عيونه اخترقتها، كشفها بالكامل. مشاعرها، دوافعها، مخططاتها… كانت بالنسبة له مجرد حيلة رخيصة، وده خلاها تحس بحاجة جديدة تمامًا… لأول مرة في حياتها، نسرين حست بالخوف.
كانت عيونها مليانة صدمة، صدمة إنه رفضها، صدمة إنه ما وقعش في المصيدة اللي جهزتها له من زمان. إيدها اترعشت وهي بتسحبها من قبضته، لكنها ما تراجعتش… بالعكس، كانت بتغلي، مشاعرها انقلبت من الغرور للاحتقار، من الثقة للغضب.
بصت له بقهر، بصوت مش ثابت، لكنه مليان غضب مكتوم:
– “إنت فاكر نفسك مين؟ فاكر نفسك أطهر من الكل؟ فاكر إنك صعب المنال؟”
ضحك بسخرية، ضحكة باردة زودت اشتعال غضبها أكتر. قربت منه، بقت بينه وبينه خطوة واحدة، عيونها اتملت شرارة حقد وهي بتصرخ فيه:
– “ده أنا عملت كل حاجة عشانك!! فاهم؟ كل حاجة!”
اتنفس ببطء، نبرته بقت أخطر وهو بيرد:
– “كل حاجة؟ وضّحي أكتر.”
لكنها ما استنتش يسأل، هي بنفسها قررت ترمي القنبلة في وشه، تفرج عليه وهو يشوف قذارتها، تشوف لو هيحس بالذنب زي ما هي حسيت لما اكتشفت إنه مش زي ما كانت متخيلة.
صرخت:
– “أنا نمت في حضن طاهر عشانك!! فاهم؟ عشان اللحظة دي! عشان ما يبقاش عندي حاجة أخسرها! عشان تبقى حقي وقت ما أنا عايزة!”
سكتت لحظة وهي بتتنفس بسرعة، عيونها مسلطة عليه، مستنية تشوف أي ردة فعل… صدمة؟ ندم؟ ارتباك؟ أي حاجة؟ لكن اللي لاقته كان شيء أبشع من أي حاجة توقعتها.
احتقار صافي.
عيونه كانت تقيمها، تحكم عليها، تدفنها تحت التراب بدون كلمة زيادة. رفع حاجبه بسخرية، صوته طلع بارد، جاف، وما فيهوش ذرة تعاطف:
– “عايزه تخوني جوزك عشان حاجه مستحيله من الأساس؟ انتي مريضه عايزه تتعالجي”
هزت راسها بعنف:
– “مش مستحيلة! انت اللي عامل فيها شريف وابن ناس! انت اللي بتكبر دماغك! بس أنا عارفة، عارفة إنك مش كده، وعارفة إنك عايزني… بس عامل فيها ملاك و”
وكملت بسخريه:
– “وبعدين اكيد هنيه مش مكفياك انا اجمل منها بكثير !”
اتكلم بهدوء، لكن كلماته كانت زي الس*كين اللي بيقطعها حتة حتة:
– “عارفة يا نسرين… أنتِ أرخص من إن حد يشتهيكي ومن انك تحركي شعره من راسي ومراتي اللي مش عاجباكي حركه واحده منها بتهز كياني كله .”
بعدها… سابها واقفة في مكانها، بتترنح من وقع الصفعة اللي ما جتش من إيده… لكن من كلماته.
نسرين فضلت واقفة مكانها، أنفاسها مضطربة، وإيديها متشنجة على جنبها. الشعور اللي كان ماليها من لحظات—الثقة، القوة، الانتصار—اختفى تمامًا، واستبدل بإحساس أشبه بالسقوط في هاوية سحيقة.
إزاي؟
إزاي رفضها؟
إزاي نظرته كانت بالشكل ده؟
كان لازم يقول أي حاجة غير اللي قاله… كان لازم يتلخبط، يتوتر، يبان عليه إنه حتى لوهلة اتأثر… لكن لأ. هو سحقها. بكلمة واحدة، بسخرية قاتلة، بمشاعر باردة كأنها مجرد نقطة تراب على هدومه، ينفضها ويمشي.
صوت خطواته كان بعيد، لكنه كان بيرن في ودانها، كأنه بيتردد جوه دماغها بصدى سخريته. فجأة، شعرت بوخزة في قلبها، إحساس بالحرقان، مش غضب… لأ، ده كان أعمق.
انكسار.
ولأول مرة، نسرين حست إنها الطرف اللي خسر المعركة.
لكن… المعركة لسه ما انتهتش.
اتعدلت في وقفتها، رفعت راسها، ومسحت دموع كانت على وشك إنها تنزل. مفيش حاجة خلصت. بالعكس، اللعبة لسه في أولها، وهي عمرها ما كانت بتقبل الخسارة.
ابتسمت ابتسامة باهتة، لكنها ما كانتش فرحانة. كانت ابتسامة حد بيحاول يقنع نفسه إنه لسه في اللعبة، رغم إنه عارف جواه… إنه خسر أول وأهم جولة.
***
أركان خرج من الأوضة ولقي ليلى في وشه، كانت جاية ناحيته بخطوات عفوية، عيونها بريئة وملامحها هادية وهي بتقول ببساطة:
– “أنا طالعة مع أسماء نشتري طلبات.”
لكن أركان، في اللحظة اللي عيونه وقعت عليها، حس بحاجة غريبة… حاجة هزته من جواه.
لسه من لحظات كان بيقول لنسرين إن لمسة واحدة منها مش هتحرك فيه حاجة، وده كان حقيقي… لكن ليلى؟ مجرد إنها واقفة قدامه، بتكلمه عادي، بتعامله كأنه شخص عادي في حياتها، ده كان كفاية إنه يحس باضطراب جواه، كأن حاجة مش مفهومة بتجري في دمه، كأن فكرة إنه مش يقدر يلمسها أو يضمها جوه حضنه بتخنقه.
سرح للحظة… بس صوتها قطعه وهي بتمد إيدها قدام وشه، بتحرك صوابعها كأنها بتحاول تفوقه:
– “فينك؟ أنا بكلمك! بقولك هخرج مع أسماء نشتري حاجات وكده.”
رمش بعينيه، رجع للواقع، بسرعة طلع فلوس من جيبه ومدها لها بدون كلام، صوته كان هادي لكنه فيه أمر خفي:
– “خدي… لو عايزة تشتري حاجة ليكي، هاتي اللي إنتِ عايزاه.”
ليلى اتكسفت، بس في نفس الوقت ما قدرتش ترفض، لإنها عارفة إن ده أسلوبه… من أول ما اتجوزته، هو دايمًا مسؤول عنها ماديًا، حتى لو جوازهم مجرد ورق، حتى لو عمرها ما طلبت حاجة منه، كان دايمًا سابقها بخطوة، يسيب لها فلوس من غير ما تسأل. بالنسبة له، القوامة للرجل، وده شيء ما بيتناقش فيه.
مسكت الفلوس بين صوابعها، رفعت عيونها له بلحظة تردد، كأنها عايزة تقول حاجة، لكنه كان لسه مركز فيها… مركز فيها بزيادة.
فجأة، ليلى حست بحاجة مش مفهومة… ليه عيونه بالشكل ده؟ ليه بيبصلها بالعمق ده؟
كانت هتتكلم، بس قررت تسكت…
رواية زواج في الظل الفصل الرابع عشر 14 - بقلم ياسمين عطيه
في المول – قسم الملابس
كانت أسماء وليلى واقفين وسط قسم الملابس، ميتين على نفسهم من الضحك، أصواتهم العالية ملفتة، وعيونهم بتلمع من المرح. ليلى كانت ماسكة طرف طرحتها بتلفها بين إيديها وهي بتحاول تاخد نفسها من الضحك.
ليلى وهي بتبص لأسما بابتسامة واسعة:
“يا أسماء بجد كفاية كده بقى! لو هتشتري حاجة يلا اشتري، عشان عايزة أروح أعمل الغداء لجوزي.”
أسماء بصوت فيه تهكم وهي تهز رأسها:
“هو في حاجة عجباني.”
ليلى بضحكة مكتومة وهي ترفع حاجبها:
“ولا هتبقى في حاجة تعجبك طالما إنتِ ماشية تتريّقي على اللبس كله! كل ما ندخل محل نقعد نتفرج ونسأل ونزهق صاحب المحل، لحد ما يبقى ناقص يشتمنا.”
أسماء وهي ترفع كتفيها ببراءة قبل ما تضحك:
“هي دي الخطة!”
وكملت بغمزة:
“وبعدين إنتِ مش هتشتري حاجة؟”
بصت للشنطة اللي في ايد ليلى، قبل “غير التيشيرت اللي جبته لجوزي.”
ليلي بضحكة وهي تخبطها على كتفها ومشيت قدام اسماء.
أسماء وهي بتجري عليها بمرح وبضحك:
“يا خراشي على اللى بتتكسف! بت هو إنتوا لسه بتحبوا بعض جديد ولا إيه؟ أصل بصراحة، مش باين عليكم إنكم متجوزين خالص!”
ليلى وهي تشيح بوجهها للجانب بكسوف، صوتها واطي:
“إحنا يعتبر لسه متجوزين… ما بقلناش غير سنة.”
أسماء بغمزة وهي تطبق إيديها قدامها بمبالغة:
“آه، لسه عرسان بقى! بس عرسان قمرات.”
وفجأة هاجمت ليلى بزغزغة وهي بتضحك بصوت عالي.
ليلى شهقت من المفاجأة وهي تحاول تبعد إيد أسماء عنها، ضحكتها كانت مليانة حياة وهي تجري بعيد عنها وسط المحل:
“يا بنتي كفاية، الناس بتبص علينا!”
وقفوا فجأة قصاد الجهاز اللي فيه الدباديب اللي، لمعت عيون ليلى وهي تبص للدباديب جوه، وقعدوا يدفعوا فلوس قد كده بس ما كانوش عارفين يمسكوا حاجة، لحد ما ليلى أخيرًا مسكت واحد.
ليلى وهي ترفع الدبدوب بفرحة طفولية:
“أنا هديه لسعيد!”
أسماء بضحكة وهي تحط إيديها على وسطها:
“يبخت سعيد! متجوز واحدة بتفكر فيه الـ24 ساعة أكتر من نفسها! عايزة تروح بدري تعملي له عشا! بدل ما تشتري لنفسك، اشتريت له لبس! لما جبتي الدبدوب، هتديه له!”
رفعت حاجبها بدهشة مصطنعة:
“ده سعيد هيبقى سعيد أوي بيكي والله!”
ليلى وهي بتضحك وتحاول تخبي كسوفها وهي تلمس أذن الدبدوب:
“غيرانة صح؟ خلاص يا ستي، هروح أشتري آيس كريم ناكله مع بعض.”
أسماء وهي تضع إيديها على قلبها بتمثيل الزعل:
“آه، أيوه! اضحكي على عقلي الصغنوني بآيس كريم!”
ليلى وهي بتتحرك ناحية عربة الآيس كريم وتلف وشها وراها بابتسامة مرحة:
“ما تزعليش يا سماسيمو… يا عسل!”
أسماء كانت واقفة قصاد محل، وفجأة وقعت عينيها على فستان معروض، عيونها لمعت وهي تمد إيدها تشاور لليلى قبل ما تقول بحماس:
“يا هنّية، أنا هدخل أشوف الفستان ده… عجبني!”
خرجت أسماء من المحل وهي مبتسمة، الفستان في إيديها، وعينيها بتدور على ليلى عشان توريها الفرحة. كانت هتنده عليها، لكن فجأة، الفرحة اللي في عينيها اتبدلت بذهول مرعب.
خطواتها تباطأت، عنيها فتحت على آخرها، وكأنها مش مصدقة المشهد اللي قدامها.
الآيس كريم وقع على الأرض، الشنطة اللي فيها التيشيرت مقلوبة، وشنطة الدبدوب مترمية جنبها… لكن ليلى مش موجودة!
الهواء في المول كان هادي، بس جواها كان فيه عاصفة. قلبها ضرب بعنف، وإيدها اللي كانت ماسكة الفستان بقت بترتعش.
ابتلعت ريقها بصعوبة، صوت عقلها بيصرخ:
“هنيه راحت فين؟!”
أسماء بدأت تتحرك بخطوات سريعة، عنيها بتدور في كل الاتجاهات، تحاول تلاقي أي أثر ليها.
لكن لما لقيت نفسها واقفة لوحدها، وسط كل الزحمة، وحسّت بالعجز لأول مرة… صوتها خرج بدون تفكير، عالي، مرتجف، مليان خوف:
“هِنّية!!”
صرختها شقت الجو، خليت الناس تبص عليها، بس ده ما كانش فارق معاها. كانت بتحاول تسمع أي رد… أي حاجة تدلها على صاحبتها.
لكن المكان كان صامت… بشكل مرعب.
كانت أسماء واقفة في وسط المول، عنيها مليانة دموع، وكل اللي حواليها مجرد أشباح مش شايفاهم. كل اللي حاسة بيه هو الفراغ اللي سابته ليلى، والصمت المرعب اللي حل مكان صوت ضحكتها من لحظات.
أسماء بصوت مبحوح، مليان انهيار:
“هِنّية!!”
بدأت تدور في كل مكان، تجري بين الناس، تسأل بعشوائية، لكن ماحدش كان عنده إجابة. صوتها كان بيتقطع وسط العياط، والدموع كانت عاملة ضباب في عينيها، مش قادرة تشوف قدامها.
أسماء وهي بترتعش، مسكت التليفون:
“لازم أتصرف… سعيد، لازم أكلمه.”
لكن لما مسكت الموبايل، صوابعا كانت بتتهز، وصوتها لما حاولت تتكلم ماطلعش. ابتلعت ريقها بالعافية، ودموعها نزلت على خدها، ضغطت الرقم بصعوبة…
ماكانتش عارفة هتقول إيه، بس لازم تكلمه.
الجرس كان بيدق، قلبها كان بيدق أسرع…
أركان وهو بيرد بصوته القوي:
“مين؟”
أسماء بانهيار، صوتها متكسر:
“أنا أسماء…”
أركان وقف في مكانه، إحساس غريب ضربه في قلبه، إحساس بشع، مش مفهوم، لكنه عارفه كويس. القلق بدأ ياكل ملامحه وهو بيقول بصوت متوتر:
“مالك؟ صوتك معيط ليه؟ انتي كويسة؟ انتي وهِنّية؟”
أسماء بصوت مختنق، مابين العياط:
“هِنّية… مش لاقياها، مش عارفه راحت فين… اتخطفت!!”
رواية زواج في الظل الفصل الخامس عشر 15 - بقلم ياسمين عطيه
أسماء بصوت مختنق ما بين العياط: "هنية… مش لاقياها، مش عارفة راحت فين… اتخطفت!"
في اللحظة دي، الدنيا اسودت في عين أركان. قلبه وقع حرفيًا، لأول مرة في حياته يحس إن الأرض بتتسحب من تحته.
أركان بصوت جامد، لكنه مليان ذعر مكتوم: "إنتي فين؟ قوليلي المكان حالًا!"
أسماء قالت له اسم المول، وأركان ما ضيعش ثانية، طلع يجري وهو بيحس إنه هيتجنن.
ركب العربية، إيديه كانت بتضغط على الدركسيون بعصبية، قلبه بيدق بسرعة مرعبة، والمشاهد كانت بتجري قدام عنيه، لكنه مش شايف حاجة غير وش ليلى… وهي مش موجودة.
أركان بصوت متوتر وهو بيتصل بعدلي:
"بابا…!"
عدلي، اللي كان قاعد في مكتبه، أول مرة في حياته يسمع ابنه صوته كده. قام بسرعة، قلبه شد، لكن حاول يفضل متماسك:
"حبيبي، أنت كويس؟ حصل إيه؟"
أركان بعصبية، وضغطه بيزيد: "ليلى يا بابا… اتخطفت من مول… اعمل اللازم، أرجوك، لازم نلحقها بسرعة!!"
عدلي بصوت حاسم، لكنه مليان قلق: "هتصرف حالًا، بس أنت ركز وما تتهورش… خلي بالك من نفسك، أركان، ما تكشفش نفسك."
لكن أركان، اللي كان بيضغط بإيده على الدركسيون لدرجة إنه ممكن يكسره، ما كانش سامع غير صوت واحد في دماغه:
"لو مروان اللي خطفها… هقتله."
أركان وصل إلى المول.
العربية وقفت فجأة قدام مدخل المول، إطاراتها سابت علامة سودة على الأرض من كتر السرعة. قبل ما حتى العربية تهدى، الباب كان مفتوح، وأركان نزل منها بخطوات سريعة، ثقيلة، وعينه بتدور في كل الاتجاهات، ملامحه كانت متجهمة، والشر بيلمع فيها.
الجهاز في ودنه كان شغال، صوت عدلي كان بيتكلم، بيقول تعليمات، لكن أركان ما كانش سامع. كل حاجة حواليه كانت ضباب، أصوات الناس، الإضاءة، حتى رجال الأمن اللي كانوا واقفين عند البوابة ما خدوش اهتمامه. كل اللي كان شايفه قدامه هو أسماء، قاعدة على الأرض، ملامحها باهتة، عنيها محمرة من كتر العياط، وإيديها بتضغط على الشنطة بتاعتها كأنها متمسكة بحاجة وسط الخراب اللي حواليها.
أركان خطفها بنظرة، قلبه كان عمال يضرب بقوة في صدره، لكنه ما أظهرش ده، وجهه كان متجمد، لكن جوه… جوه كان في عاصفة.
أركان بصوت هادي، لكنه مليان غضب مكبوت: "احكي لي اللي حصل؟"
أسماء رفعت رأسها بسرعة، أول ما شافته، كأنها كانت ماسكة نفسها بالعافية، قامت على طول، وقربت منه وهي بتتكلم بانفعال:
"سعيد… اختفت! هنية كانت هنا، ولما رجعت لها، لقيت شنطتها والآيس كريم واقعين على الأرض… كأنها تبخرت! سألت كل الناس… ما حدش شاف حاجة!"
أركان شد نفسه ببطء، عينه نزلت على الأرض… شاف الحاجات اللي كانت معاها مرمية، دبدوب صغير، التيشيرت اللي اشترته له، وبقايا آيس كريم ذاب على البلاط.
إيده اتقبضت جامد، ذراعه اتشنج، وعينه لمعت بخطورة.
أركان كان بيتحرك بسرعة وهو بيجمع حاجات ليلى اللي كانت متبعثرة على الأرض — الشنطة، التيشيرت، الدبدوب اللي كانت لسه ماسكاه من دقايق. إيده كانت بتضغط عليهم بقوة، كأنهم الحاجة الوحيدة اللي ماسكة أعصابه من الانفجار.
رفع عينه بسرعة، بص لأسما اللي كانت واقفة في حالة انهيار، الدموع مغرقة وشها، بتبص حواليها كأنها متوقعة تلاقي ليلى تخرج من أي ركن.
أركان بحزم، وعينه مليانة نيران: "أسماء، امشي أنتِ… وأنا هجيب هنية وأجي."
ما استناش رد منها، لف على طول، خد نفس عميق وهو بيخرج موبايله، وصوته كان مليان توتر وغضب وهو بيكلم حد في الناحية التانية:
"عاوز كل الكاميرات، كل المخارج، وكل واحد دخل أو خرج من المكان ده آخر نص ساعة… دلوقتي!"
ما كانش في مجال للتردد. ليلى كانت في خطر، وأركان مش هيسيب المكان ده من غيرها.
بيتحرك بسرعة لجهاز الأمن عند مدخل المول.
رجال الأمن استوقفوه، لكن لمحة واحدة من عينه الباردة، وطلع لهم الكارنيه بسرعة خاطفة، خلتهم يفسحوا له الطريق فورًا.
"هاتوا تسجيلات الكاميرات دلوقتي."
ما كانش أمر… كان تهديد.
الدنيا حوالين أركان كانت بطيئة، لكن دماغه كانت شغالة بسرعة غير طبيعية. إحساس غريب كان شغال جواه، مش مجرد قلق… دي رهبة.
لأول مرة في حياته، يحس إن الخوف حقيقي… وإنه ممكن يفقد حاجة غالية عليه، قوي.
أركان وقف قصاد شاشة المراقبة، ضهره مشدود وإيده متشنجة على الترابيزة. واحد من رجال الأمن كان بيقلب في التسجيلات بسرعة، لكن بالنسباله، كل ثانية بتعدي كانت بتشعل نار جواه.
"هنا… ارجع شوية."
أركان قالها بحدة وهو يشاور على الشاشة. اللقطة كانت بتعرض ليلى وهي واقفة عند عربة الآيس كريم، ماسكة الشنطة، وبتضحك. قلبه قبض وهو شايفها، المشهد كان طبيعي… لحد ما…
"وقف هنا!"
الصورة تجمدت… ليلى واقفة، لكن في الخلفية، كان فيه راجلين واقفين مش بعيد عنها، ملامحهم مش واضحة، لكن وضعيتهم كانت مشبوهة.
"شغل ببطء."
الفيديو استأنف الحركة، أركان ركز بكل حواسه… في اللحظة اللي أسماء دخلت فيها المحل، واحد من الرجالة قرب من ليلى، كأنه بيكلمها، وفجأة… التاني جه من الناحية التانية، وبعد ثواني، اختفت من الكادر.
"رجع الصورة… ببطء أكتر."
رجع الفيديو، والعينين الجامدة لأركان ركزت على التفاصيل… الراجل الأول كان بيحاول يشغلها بكلام، والثاني تحرك بسرعة، إيده راحت على ذراعها، وبعدها… الصورة قطعت لحظة.
"إيه ده؟!"
رجل الأمن بتوتر: "الكاميرا دي كان فيها عطل بسيط، بس…"
"عطل إيه؟ العطل ده مقصود."
أركان كان صوته هادي، لكن فيه نغمة خطيرة… نظرته كانت متجمدة على الشاشة، ومخه بيشتغل بسرعة، بيحاول يربط الخيوط.
"هات الكاميرا اللي بعديها، اللي على البوابة الخلفية."
الفيديو اشتغل… الممر الخلفي للمول ظهر، وبعد ثواني، ظهرت ليلى، وسط ثلاثة رجالة، واحد ماسكها من ذراعها بقوة، وبيجرها ناحية عربية سودا مركونة في زاوية بعيدة.
وهنا… توقف قلب أركان لحظة.
ليلى كانت بتقاوم… بتصرخ… لكن محدش سمعها!
في آخر لقطة، ظهر واحد منهم وهو بيرفع قطعة قماش بيضا على بقها… وبعد ثواني، جسدها تراخى، ودخلوها العربية بسرعة، وانطلقوا.
أركان اتنفس ببطء… صوت أنفاسه كان مسموع، عينه اتضيقت، ووشه بقى ماسك ملامح بلا رحمة.
"رقم العربية؟" قالها بصوت خالي من المشاعر، لكن جواه كان بركان هيولع.
رجل الأمن بتوتر: "مش واضح… بس ممكن نحاول نوضحه أكتر…"
"ما فيش وقت."
أركان لف بسرعة، قلبه كان بيضرب بجنون، لكن وجهه كان متجمد. خرج من غرفة المراقبة بخطوات ثقيلة، ماسك جهاز الاتصال في ودنه.
"بابا… العربية خرجت من البوابة الخلفية، محتاج تحليل سريع للكاميرات في المنطقة كلها. أنا مش هستنى."
عدلي من الناحية التانية بصوت حازم: "هتلاقيها يا أركان… بس افتكر، ما تفقدش السيطرة."
لكن أركان في اللحظة دي كان خارج عن أي سيطرة.
"لو حد لمسها بس… مش هرحم حد."
وفتح باب العربية بخشونة… واندفع فيها بسرعة، عينه ما كانتش شايفة غير حاجة واحدة…
إنه هيرجع ليلى، ولو على جثته.
العربية انطلقت بسرعة جنونية، وأركان كان ماسك الدركسيون بإيد حديدية، عينه مثبتة قدامه، والشارع كان كله مشوش بالنسباله، مش شايف غير الطريق اللي هيوديه لها.
في السماعة، صوت عدلي كان بيكلمه:
"أركان، الكاميرات الخارجية جابت جزء من رقم العربية، رجالتنا بيراجعوا البيانات دلوقتي."
أركان بص بعينه المشتعلة في شاشة صغيرة في العربية كانت بتعرض خريطة المنطقة.
"أنا مش هستنى البيانات، آخر مرة ظهرت فين العربية؟"
"طلعت على الطريق الصحراوي… احتمال يكونوا متجهين لمخزن مهجور أو مزرعة بعيدة."
أركان شد على دواسة البنزين بعنف، صوت المحرك زمجر مع تسارع العربية، وكان بيعدي بين العربيات بطريقة خطر، بس محسوبة.
أركان: "فيه جديد؟"
"الرقم اللي جبناه تابع لعربية مسجلة باسم شركة وهمية، ده معناه إن العملية مدروسة. بس عندي معلومة مهمة…"
"أتكلم."
"حد شاف العربية وهي بتغير مسارها قبل ما تطلع على الصحراوي، دخلت ناحية مخازن قديمة على أطراف المدينة."
أركان شد على الدركسيون أكتر، حواجبه تقوست، وكأن صبره كان بيطير من الشباك.
"ابعث لي اللوكيشن، وخلي فريق الدعم يبقى جاهز… بس أنا هكون هناك الأول."
عبدالحق بتوتر: "أركان، استنى لحد ما نوصل معاك، ما تتهورش…"
بس الخط كان اتقفل…
لأن أركان كان قرر بالفعل.
في المخزن.
الظلام.
ده كان أول حاجة حست بيها ليلى لما فتحت عنيها، عقلها كان تقيل، جسدها مرهق، وكان فيه ريحة تراب في الجو. حاولت تحرك إيديها، لكن لقتهم مربوطين.
حاولت تفهم اللي حصل… آخر حاجة فاكرها إن حد غطى بقها بحاجة، وبعدها الدنيا اسودت.
"صحيتِ أخيرًا؟"
الصوت كان خشن، جاي من عند الباب الحديدي للمخزن.
ليلى رفعت راسها بصعوبة، وشافت راجل طويل، بدقن خفيفة، وابتسامة مريبة.
"كنا هنفضل مستنيينك كتير ولا إيه؟"
ليلى بلعت ريقها، قلبها بيدق بسرعة… لكنها ما بينتش خوف.
"إنتوا مين؟ عايزين مني إيه؟" قالتها بصوت تقيل، لكن ثابت.
الراجل ضحك، قرب منها بخطوات بطيئة، واتكع على صندوق خشب جنبها.
"مش مهم إحنا مين… المهم إننا عندنا ضيفة مهمة دلوقتي."
ليلى ضيقت عيونها، عقلها بيحاول يجمع أي معلومة عن المكان، الأصوات، الريحة، أي حاجة تدلها هي فين.
بس اللي هي ما تعرفهوش…
إن الوحش كان في طريقه ليها.
أركان وصل للمخزن.
العربية فرملت بعنف قدام المخزن المهجور، وأركان نزل منها كالإعصار.
عينيه كانت مشتعلة… مش أركان البارد اللي الناس عارفاه، ده كان أركان اللي فقد السيطرة.
بسرعة، اتحرك في الظل، مسدسه في إيده، بيدرس المكان. كان فيه عربية سودا مركونة جنب المبنى، نفس العربية اللي في الفيديو.
"لقيتكوا."
بخطوات هادية، لكن مليانة غضب قاتل، لف حوالين المخزن، وبسرعة، طلع فوق حاوية حديدية جنب الحيطة، عشان يبص من شباك مكسور.
جواه… كانت ليلى.
"أنا هنا، استحملي شوية…"
الراجل اللي كان بيتكلم معاها واقف ضهره للباب، ووراهم كان فيه راجل تاني قاعد بيشرب سجاير، ومسند رجله على صندوق خشب.
أركان خد نفس عميق… بص في ساعته… خطة الاقتحام مش هتستنى الفريق.
دلوقتي… كان وقت الصيد.
أركان خد نفس عميق، عقله بيحسب كل حاجة بسرعة البرق. عدد الرجالة اللي جوه، المسافات، مين هيكون هدفه الأول.
"استعدي يا ليلى."
بسرعة، أخرج كاتم الصوت، ركبه على المسدس، وبخطوة واحدة ركل الشباك المكسر، واتزحلق للداخل بصمت قاتل.
داخل المخزن.
ليلى كانت بتحاول تفك الحبل اللي رابط إيديها، عقلها بيشتغل بسرعة تحاول تلاقي مخرج. لكنها فجأة لمحت حركة.
حاجة سوداء مرت من فوقها.
"أركان…؟"
لكنها ما لحقتش تنطق، لأن الجحيم انفجر فجأة.
"إيه ال..." الراجل اللي واقف عندها لف بسرعة، لكنه ما لحقش يكمل جملته، لأن رصاصة صامتة غرست في رقبته.
صاحبه اللي كان قاعد هب واقف، لكنه ما كانش أسرع من أركان.
في ثانية، أركان كان نط من فوق الصندوق، ركبته اصطدمت بوش الراجل بكل قوته، خلته يطير للخلف ويخبط في الحيطة.
"ليلى!" أركان لف عليها بسرعة، عيونه مسكت عيونها، ولأول مرة شافت فيهم حاجة مختلفة.
قلق… خوف… وجنون.
"إنت كويسة؟"
ليلى كانت لسه مصدومة، لكن هزت راسها بسرعة: "أيوه… بس فكيني بسرعة!"
أركان جاب سكينة من جيبه، وبحركة واحدة قطع الحبل اللي رابط إيديها.
لكن قبل ما حتى يمسك إيدها عشان يخرجوا…
"إنت فاكر نفسك مين؟!"
صوت جديد خرج من الباب الخلفي… وصاحب الصوت مش لوحده.
ثلاثة رجالة مسلحين دخلوا، ماسكين رشاشات، وعيونهم كلها مليانة غضب.
الرجل اللي في النص كان مختلف عن الباقيين، واضح إنه الرئيس هنا.
"شكلك داخل تعمل بطل، يا بواب؟" قالها بسخرية، وعينيه بتلمع وهو بيرفع السلاح.
ليلى خدت خطوة ورا، قلبها بيخبط في صدرها. أركان، اللي كان دايمًا هادي وبارد، عيونه ولعت.
"إنت آخر حد هيتكلم."
وفجأة…
أركان هجم.
كل حاجة حصلت في ثانية.
دوى رصاص، ضربات سريعة، صراخ… ورجل وقع على الأرض.
أركان تحرك كالشبح، كان دايمًا سابقهم بخطوة، عارف هيفكروا في إيه قبل حتى ما يتحركوا.
أول راجل حاول يرفع السلاح… لكن أركان كان أسرع.
طلقة صامتة… ورجل وقع.
التاني لف بسرعة، لكن أركان مسك دراعه، لفه عليه، وكسر كوعه بحركة واحدة، قبل ما يديله ضربة قاتلة في الصدر.
"يااااااه!"
الرئيس حاول يضربه من ورا… لكن أركان استدار بسرعة، وركله في بطنه، خلاه يطير للخلف.
في خلال عشرين ثانية… المعركة انتهت.
صمت تام.
أركان وقف في النص، أنفاسه تقيلة، لكنه ما اتعورش. التلاتة رجالة كانوا على الأرض… واحد منهم بيلف بعينه وهو بينزف.
ليلى كانت واقفة بتبص له بذهول.
ده مش مجرد ظابط… ده وحش.
النهاية… أم مجرد بداية؟
قبل ما حتى يلتقطوا أنفاسهم، صوت عربيات جاي بسرعة برا المخزن.
أركان بص من الشباك، وشافهم…
"لازم نخرج دلوقتي."
أركان مسك ليلى بقوة وسحبها معاه، أنفاسه سريعة، لكنه مركز.
"اجري معايا، متوقفيش لحظة!"
ليلى كانت بتحاول تواكب سرعته، قلبها هينفجر من الرعب، لكن مفيش وقت للأسئلة.
أركان شاف مخرج جانبي، بسرعة جرى ناحيته.
طلقات دوت، وليلى سمعت صوت حد بيقع على الأرض، بس ما لحقتش تبص.
"يلا يا ليلى!"
طلعت معاه بره المخزن، لكن الصدمة ضربتها أول ما شافت الوضع.
المكان كله محاصر.
عربيات سودا، رجال واقفين بأسلحة، عيونهم كلها باردة.
"مش هتمشي من هنا بسهولة."
أركان ضد الجميع.
أركان بص حواليه بسرعة، بيحسب كل حاجة بعقله. كان عارف إنهم مش هيخرجوا بالسهولة اللي كان متخيلها.
"عندك خطة؟" ليلى سألت بصوت مهزوز.
أركان رد بدون ما يبص لها: "عندي… بس مش هتعجبك."
وقبل ما تلحق تسأل، أركان نط وهاجم.
أول راجل حاول يرفع سلاحه… لكنه وقع على الأرض في لحظة.
أركان كان بيتحرك زي شبح، بيدرب، بيهاجم، وبينهي كل واحد يقف في طريقه.
ليلى كانت بتاخد غطا ورا عربية، بتتفرج على اللي بيحصل، ومش مصدقة عيونها.
"إنت… مش بني آدم."
أركان سحبها فجأة، خلاها تقف وراه، وقال بحدة: "لما أقول اجري، تجري. فاهمة؟"
أركان شاف ناحية عربيته فاضي.
"دلوقتي! اجري!"
ليلى جرت بكل قوتها، أركان وراها بيغطيها، الرصاص طاير حواليهم، لكنه ما أصابش ولا طلقة.
وأخيرًا… خرجوا من الجحيم.
العربية طارت بعيدًا.
ليلى كانت بتحاول تلتقط أنفاسها، قلبها لسه بيدق بجنون.
ليلى بصوت متردد وهي بتبص له: "هو… هو ممكن يكون مروان اللي عمل كل ده عشان بس…"
سكتت فجأة، واتكسفت تكمل. عنيها نزلت على إيديها اللي كانت بتلعب في العباية بتاعتها بتوتر.
أركان كان ساكت، عينيه سابت الطريق لحظة وبص لها بنظرة غامضة، قبل ما يرجع تركيزه تاني. سحب نفس طويل، وبعدين رد بصوت هادي، لكن فيه نبرة خفية من الغضب المكتوم.
أركان وهو بيبص قدامه: "وممكن يكون حد تاني… بس أنا هعرف هو مين."
ليلى فضلت ساكتة، وهي بتراقب ملامحه الجامدة. كان باين عليه إنه مش هيهدى غير لما يعرف الحقيقة… ولما ينتقم.
كانت العربية ماشية بسرعة وسط الطريق الفاضي، والصمت كان مسيطر. ليلى كانت قاعدة جنبه، عنيها لسه متعلقة بيه، مبهورة ومصدومة في نفس الوقت. كانت عارفة إنه قوي، لكن اللي شافته النهاردة كان أكتر من مجرد قوة… كان عنفوان، غضب، سيطرة تامة على كل اللي حواليه، شخص مخيف بجد، بس في نفس الوقت، الأمان الوحيد اللي عندها دلوقتي.
حطت إيدها على قلبها، بتحاول تهدي دقاته اللي كانت سريعة، وبصت له بنظرة مليانة دهشة:
ليلى بصوت هادي لكنه عميق: "إنت ما ينفعش تعمل أي حاجة غير إنك تشتغل ظابط… إنت مش مكانك إنك تمثل إنك بواب عادي وهادي خالص."
أركان كان ساكت، عنيه متركزة قدامه على الطريق، بس ملامحه كانت متشنجة، كأنه لسه مش قادر يخرج من اللي حصل.
شد على إيده اللي كانت على الدركسيون، كأنها الطريقة الوحيدة اللي ممكن يسيطر بيها على الغليان اللي جواه، وبعد لحظات قال بصوت منخفض لكنه حاسم:
"ما أنا لسه في شغلي بردك، دا شكل من أشكاله الهدوء، واخد كل حاجة على هادي لحد ما أوصل للحظة اللي إنتي شوفتيها من شوية."
ليلى حست إن في حاجة جواها بتتحرك… حاجة كانت موجودة من زمان، بس الليلة دي زادت أضعاف مضاعفة. يمكن عشان لأول مرة تشوفه بالشكل ده… القوة اللي عنده، العنفوان اللي في كل حركة منه، والغموض اللي مغلفه، كل ده خلى رصيد حبه جوا قلبها يزيد بطريقة هي نفسها مش مستوعباها.
عنيها فضلت عليه، ملامحه كانت جامدة، هادي، بس في نفس الوقت كان واضح إن جواه عاصفة. كان بيمسك الدركسيون كأنه الطريقة الوحيدة اللي مسكاه في الدنيا دي، وده خلاها تفكر… إزاي شخص زي أركان ممكن يكون مشاعر؟ مشاعر حقيقية؟
هي كانت بتحبه من الأول، من قبل حتى ما يلاحظ وجودها، بس الليلة دي الحب ده كبر… بقى أعمق، أقوى. كان جواها إحساس إنها عايزة تفضل جنبه، عايزة تفهمه أكتر، وعايزة تبقى الشخص اللي يقدر يطلع منه الحنان اللي هي متأكدة إنه موجود تحته كل القوة والجمود ده.
رفعت إيديها بخفة، وكانت على وشك تلمس إيده، لكنها اتراجعت… مش دلوقتي، هو مش مستعد. لكنها عرفت إن اللحظة دي، الليلة دي… كانت بداية حاجة جديدة بينها وبينه.
كانت العربية بتقف قدام الفيلا بسرعة، وكأنها انعكاس للعاصفة اللي كانت جوا كل واحد فيهم. أركان نزل بسرعة، لف حوالين العربية، وفتح الباب لليلى.
أسماء كانت واقفة قدام باب الفيلا، عنيها مليانة قلق، إيديها متشابكة ببعضها، وبمجرد ما شافت ليلى، جرت عليها ودموعها نزلت بدون تفكير.
أسماء بصوت مرتجف وهي بتمسك ليلى: "هنية!! إنتي كويسة؟ عملولك حاجة؟"
ليلى كانت لسه مصدومة، عنيها لسه شاردة، لكن لما شافت خوف أسماء، ابتسمت ابتسامة صغيرة، تطمنها بيها، رغم إن جواها لسه متلغبطة.
ليلى بصوت هادي ومبحوح: "أنا كويسة… متقلقيش."
أسماء ما قدرتش تستحمل أكتر، ضمت ليلى لحضنها بقوة، وكأنها خايفة تضيع منها تاني.
ليلى سابت نفسها للحضن، لأول مرة تحس إنها محتاجة حد يطمنها.
أسماء وهي بتبكي: "كنتي فين؟ إيه اللي حصل؟ قلبي كان هيقف عليكي يا ليلى!"
أركان كان واقف جنب العربية، ساكت، عنيه عليهم، ملامحه جامدة، لكن جواه كان فيه مليون شعور بيتصارعوا... غضب، خوف، وارتياح إنها قدامه دلوقتي كان نفسه ياخدها في حضنه هو كمان زي ما أسماء عملت.
بعد لحظات، أسماء بعدت شوية عن ليلى، مسكت وشها بإيديها، وقعدت تتأملها، تتأكد إنها سليمة، بعدين فجأة بصت لأركان، دموعها لسه على خدها، لكنها مليانة امتنان حقيقي.
أسماء بصوت متهدج: "إنت جبتها... إنت أنقذتها."
أركان ما ردش، اكتفى بنظرة ثابتة، عنيه كانت بتقول حاجات أكتر من أي كلام ممكن يتقال.
أسماء بصتلها بقلق، كانت حاسة إنها عايزة تفضل جنبها، بس في نفس الوقت عارفة إنها محتاجة تهدى لوحدها.
أسماء وهي بتاخد نفس عميق: "بصي يا هنيه، أنا هسيبك دلوقتي ترتاحي، بس نبقى نتكلم بعدين على كل حاجة حصلت، ماشي؟"
ليلى هزت راسها ببطء، عنيها لسه متعلقة بيها، مش قادرة تنطق بكلمة.
أسماء بصت لأركان اللي كان واقف على بعد، ملامحه متوترة بس هادية بطريقته المعتادة، كأنه واقف حارس جنبها.
أسماء وهي بتكلم أركان بنبرة واضحة: "خلي بالك منها."
أركان ما ردش، بس نظرته كانت كفاية.
أسماء، سابتها لوحدها...
مشت ليلى وأركان على الأوضة بتاعتهم.
والهدوء نزل فجأة على المكان، بس كان هدوء مليان توتر.
ليلى رفعت عنيها ببطء، لقت أركان لسه واقف في مكانه، عنيه عليها، مش ناوي يتحرك.
ليلى كانت قاعدة على طرف السرير، لسه في حالة صدمة من اللي حصل، قلبها بيدق بسرعة، مش قادرة تفكر كويس.
أركان كان واقف بعيد، عنيه عليها، ملامحه متوترة بطريقة مش معتادة منه. خوفه عليها كان ظاهر، بس كمان كان في حاجة تانية... حاجة مش مفهومة بالنسبة له.
لما اتأكد إنها بخير، أخد نفس عميق، كأنه بيحاول يهدى نفسه، وراح يقعد جنبها، المسافة بينه وبينها كانت صغيرة، أصغر بكتير من أي مرة قبل كده.
ليلى بصت له، عنيها كانت مليانة بمشاعر هي حاساها من زمان، بس عمرها ما قالتها، عمرها ما اعترفت بيها حتى لنفسها.
الليلة دي كل حاجة كانت مختلفة... المشاعر، الخوف، القرب... كان في حاجة مسيطرة عليهم هما الاتنين.
أركان كان حاسس بحاجة غريبة، حاجة جديدة عليه... حاجة مكنش متوقعها. مشاعره كانت مضطربة، مش قادر يفهم هو ليه مش قادر يبعد عنها دلوقتي. ليه مش قادر يفكر بعقله بس زي كل مرة؟
ليلى وهي بتبص لأركان عن قرب، عنيها لسه مليانة توتر بس في نفس الوقت امتنان حقيقي:
"شكرًا... شكرًا إنك أنقذتني، شكرًا إنك كنت جنبي طول الوقت."
حاولت تخفف الجو المشحون بمرح خفيف، ضحكت وهي بتقول:
"كده أنت موجب عليا مرتين، أنقذتني مرتين."
بس أركان ما ضحكش... ما قالش حتى كلمة. كان ساكت، عنيه مثبتة عليها، نظرته تقيلة، كأنها ماسكة فيها.
في ثانية، ومن غير تفكير، سحبها لحضنه.
مش كان مجرد رد فعل... كان حاجة جواه، حاجة أقوى منه، حاجة مش فاهمها بس مش قادر يقاومها.
إيده شدت عليها أكتر، كأنها لو اتحركت حتى شبر بعيد عنه، الدنيا كلها هتنهار. أنفاسه كانت مضطربة، وحرارة قربه خلت قلبها يدق بسرعة.
ليلى رفعت وشها ليه، لقته باصص لها بنظرة عمرها ما شافتها منه قبل كده... خليط بين خوف، غضب، وشيء أعمق... شيء مش مفهوم.
كانت هتتكلم، بس صوته قطع المسافة بينهم وهو بيهمس بخشونة:
"مش هسمح لحد يلمسك تاني."
الكلمات دي نزلت على قلبها بحرارة، حسسته إنها في أمان، إنها في المكان الصح... حتى لو المكان ده هو حضنه.
لكن اللي بدأ كحضن أمان، اتحول لحاجة تانية... حاجة مختلفة تمامًا.
أركان بص لليلى نظرة طويلة، عنيه كانت تقرأ كل تفصيلة في ملامحها، كل رعشة خفيفة بتعدي على جسمها. قرب منها بهدوء، همس بصوت ضعيف وهو عيونه بتسبر أعماقها:
"غيري أنا..."
الكلمة خرجت شبه وعد، شبه تهديد، شبه استسلام.
أركان هجم على شفايفها، مفيش حاجة بتتحرك غير أنفاسهم اللي بتتصادم في الفراغ الضيق بينهم. طول اللحظة زاد، وهي عنيها كانت بتترجاه، مش عارفة هي بتطلب منه إيه بالضبط... الهروب ولا الغرق أكتر.
فضل يبص لها مدة طويلة، لحد ما حس إنها بقت محتاجة تتنفس، ساعتها بس بعد عنها، لكنه ما سبهاش.
شفايفه كانت بتمشي على كل جزء من وشها، كأنه بيحفر وجوده فيه، كأنها ذكرى لازم تفضل محفورة. إيده كانت بتتغلغل، تكتشف تفاصيلها، تحسها، تحتلها.
كانت عيونه بتقول حاجات كتير، حاجات هو نفسه مش عارف يفسرها... بس الليلة دي، ما كانش في مهرب.
إيديها كانت متشنجة على ضهره، مش عارفة تمسكه ولا تبعده، وجسمها كان بيتجاوب رغم كل حاجة. قلبها بيدق بسرعة، أنفاسها متلخبطة، وحالة غريبة بتسيطر عليها، بين الخوف والاحتياج، بين الرغبة والضياع.
شفايفه سابت أثرها على خدها، نزلت ببطء على رقبتها، وكل نفس منه كان بيحرق جلدها أكتر.
"أركان..."
الاسم خرج منها ضعيف، متكسر، وكأنه رجاء مش مفهوم، لكنه كان كفاية يخليه يوقف لحظة، يبص في عنيها من تاني.
كانت ملامحها مشوشة، مش عارفة تحدد هي فين وإلى أي مدى الأمور خرجت عن سيطرتها. وهو... كان في صراع بين كل حاجة المفروض تكون صح، وكل حاجة جواه بترفض الصح ده.
إيده فضلت ثابتة على وسطها، مشدودة ليه، كأنه خايف تضيع منه، وهي حست بالارتعاش الخفيف اللي سرى في جسمه.
قرب تاني، همس بصوت بالكاد مسموع، وصدره بيطلع وينزل ببطء:
"قولي لي وقف..."
لكنها ما قالتش غير.
"أنا بحبك."
الكلمة خرجت منها بهمس ضعيف، لكنها كانت أقوى من أي حاجة سمعها قبل كده. جننته... حركت فيه حاجة كان بيحاول يدفنها، أو يمكن كان بيخدع نفسه إنها مش موجودة.
أركان حس الكلمة بتدوي في دماغه، كأنها كسرت كل الحواجز اللي كان حاططها. عنيه اتعلقت بيها، بتدور على أي تردد، أي شك، أي مساحة للهروب، لكنه ما لقاهاش.
عنيه اسودت، مش بسبب الغضب، لكن بسبب نار تانية كانت بتشتعل فيه. قرب أكتر، شفايفه رجعت تدور على كل جزء منها، بس المرة دي ما كانش في تردد، كان في قرار.
إيده سابت آخر مقاومة، سحبتها ليه، وبين لحظة والتانية، ما بقاش فيه حاجة بينهم... غيرهم.
الليلة كانت مليانة همس وأنفاس متقطعة، نظرات بتتقال فيها كل الحاجات اللي ما اتقالتش بكلام. كل لمسة كانت بتحكي حكاية، كل اقتراب كان بيكسر مسافة، وكل لحظة كانت بتسرقهم من الواقع.
أركان كان بيكتشفها من جديد، بشغف محموم كأنه بيحاول يثبت لنفسه إنها بقت جزء منه، وإنه ما بقاش عنده مفر منها. ليلى كانت غرقانة في إحساسها بيه، في حضنه اللي لأول مرة تحسه ملكها، حتى لو للحظة واحدة بس.
الصمت كان بيسود المكان، غير صوت أنفاسهم اللي كانت بتتصاعد مع كل لمسة، مع كل همسة. الليلة دي ما كانتش مجرد لحظة، كانت نقطة فاصلة... لحظة مالهاش رجوع.
رواية زواج في الظل الفصل السادس عشر 16 - بقلم ياسمين عطيه
لحظة ضعف… لحظة مشاعر متلخبطة… لحظة قرار غلط.
وبعدها، الصمت رجع تاني، بس كان صمت تقيل… تقيل قوي.
أركان قعد يبص للسقف، ملامحه متجمدة، إحساس الندم بدأ يتسلل جواه… هو إيه اللي عمله؟
إزاي سمح لنفسه يضعف بالشكل ده؟
إزاي فقد السيطرة… وهو اللي طول عمره محسوب في كل خطوة؟
ليلى كانت جنبه، قلبها بيدق بسرعة، بس هي مش ندمانة… هي بالنسبة لها دي كانت أقرب لحظة ليه، أقرب بكتير من أي حاجة تانية.
لكن هو… هو كان في عالم تاني دلوقتي.
لحظة سكوت طويلة، وبعدها… أركان قام من مكانه بسرعة، ووقف بعيد عنها، كأنه بيهرب من اللي حصل، من نفسه.
ليلى بصوت واطي: "إنت ندمان، صح؟"
أركان لف لها، عنيه كان فيها ألف حاجة، بس أكتر حاجة واضحة… الندم.
مردش، وده كان أسوأ من أي إجابة.
الصمت كان تقيل، تقيل لدرجة إنه كان بيخنق.
أركان واقف بعيد، ضهره ليها، إيده متشابكة وعضلاته مشدودة كأنه بيحاول يسيطر على أي حاجة جواه. قلبه بيدق بسرعة، بس مش بسبب اللي حصل… لا، بسبب الندم اللي بدأ ياكل فيه لحظة بعد لحظة.
ليلى قاعدة على السرير، متغطية بالملاءة، عنيها متركزة عليه، مستنية أي كلمة، أي رد فعل منه. بس هو كان صامت… الصمت اللي بيقول ألف حاجة.
وأخيرا، بصت للأرض وقالت بصوت واطي، صوت فيه رجفة خفيفة:
"أنت مش عايز تبص لي حتى؟"
أركان قفل عينه بقوة، كأنه بيحاول يهرب من أي مواجهة. بس الهروب عمره ما كان طريقه… هو دايما بيدخل في المواجهة مهما كانت صعبة.
خد نفس عميق، وبعدين لف وبص لها، بس نظرته كانت باردة، متحجرة.
"أنا… غلطت."
كلمة واحدة… بس كانت كأنها طعنة في قلبها.
ليلى حست بحرقان في صدرها، ابتلعت ريقها بصعوبة وقالت بصوت مكسور:
"غلطت؟"
أركان شد على إيده، كأنه بيحاول يمنع نفسه من أي رد فعل تاني. قرب منها خطوة، بس وقف، كأنه مش عايز يقرب أكتر.
"إحنا… كان لازم نبعد عن دا. مكنش لازم يحصل اللي حصل."
دموعها كانت على حافة عنيها، بس ابتسمت، ابتسامة مش مفهومة، فيها وجع، فيها حزن، بس فيها إدراك لحقيقة مريرة.
"بس حصل."
أركان مسح وشه بإيده، مش عارف يقول إيه. هو مش ندمان لأنه كان قريب منها… ندمان لأنه حس بحاجات هو مش عايز يعترف بيها. مشاعر مربكة، مشاعر مخيفة.
"أنا…" وقف للحظة، وبعدها كمل بصوت منخفض، صوت مشحون بالتوتر:
"أنا لازم خارج دلوقتي."
كأن الكلمة دي كانت الحكم النهائي. ليلى بصت له، وحست إن قلبها بيتكسر حتة حتة، بس هزت راسها بخفة، كأنها بتوافق، كأنها بتستوعب إنه مش هيكون ليها… مش دلوقتي، ويمكن أبدا.
"اخرج."
وأركان فعلا مشي، بس وهو بيخرج من الأوضة، حس إنه سايب جزء منه ورا… جزء مش عارف هيرجع ياخده ولا لأ.
***
في الصالون الكبير، الكل كان متجمع، الأجواء مشحونة ومتخمة بالتوتر، كأن في حاجة هتنفجر في أي لحظة.
نوال كانت قاعدة وبتعوج بقها، نظرتها مليانة استهزاء وهي بتتكلم:
نوال (ببرود وسخرية): "إيه البنت الخدامة الجديدة دي؟ مرة عربية تخبطها، ومرة تتخطف… مش ناقص غير تموت وتقوم تاني!"
صباح (بضحكة استهزاء): "كل قوم وجوزها اللي بيسيب الدنيا وبيجري ينقذها قوم تاني!"
صفية (بحزن وهي بتبص لعادل): "لأن بيحبها بجد."
رغدة (بنظرة وجع وهي بتبص لسليم): "فعلاً… دي حاجات محدش فيكم هيفهمها."
في اللحظة دي، صوت تليفون الحاج صلاح رن، كسر لحظة السخرية، الكل بص له وهو بيرد، لكن ملامحه اتبدلت بمجرد ما سمع الصوت من الجهة التانية.
جلال الطحاوي (بضحكة ساخرة): "يبقى عندك الوحش ده ومخبيه عندك؟!"
الحاج صلاح (باندهاش): "تقصد إيه؟!"
جلال الطحاوي (بضحكة خبث): "يعني انت متعرفش إن الراجل بتاعك، البواب الغلبان، وقف قدام خمسين واحد من رجّالتي لوحده؟! غير الإصابات اللي وزّعها عليهم، واحد ورا التاني!"
الحاج صلاح (مصدوماً): "سعيد؟! دا بواب ولسه جديد في الشغلانة أصلاً!"
جلال الطحاوي (بهدوء مخيف): "الواد دا لقطة… مادة خام للرجولة والقوة. قلبه ميت، وبيعرف يسد في أي موقف. أنا هسامحه… مش عشانك، عشان هو كان راجل بجد، وأثبت كده لما خد مراته من غير ما يتأذى ولا شعرة من مراته."
صلاح كان مستمع، لكنه في حالة ذهول، عقلُه بيحاول يستوعب اللي بيتقال، وجلال كمل بنفس النبرة المستفزة:
جلال الطحاوي: "رجّالتي متدربين على مستوى عالي، وانت عارف دا كويس… بس الواد اللي عندك أثبت لي إنهم ولا حاجة. واحد بس وقف قدامهم، وطلع أشجع منهم كلهم!"
الحاج صلاح (بتوجس): "وإنت ليه عملت كده أصلاً؟ أنت مفيش حد يقدر يوصل لك بسهولة… مين طلب منك تخطف مراته؟!"
جلال الطحاوي (بضحكة خبيثة): "حد من بيتك بس انت عارف قوانين شغلنتنا ما ينفعش اقول لك هو مين حتى لو كان من بيتك سمعتي في الشغلانه هتبوظ بس انا متاكد ان انت هتعرف من غير انا ما اقول لك ."
في اللحظة دي، صلاح جمد في مكانه، عينه ثبتت قدامه، كأن الزمن وقف للحظة. عض على أسنانه بقوة وهو بيحاول يمسك أعصابه. الكل شاف تعابيره المتغيرة، وشافوا الصدمة اللي مرت في عيونه.
فؤاد (بقلق): "مالك يا بابا؟ في إيه؟!"
صلاح قفل التليفون ببطء، وبعد لحظات، رفع عينه ليهم، نظرته كانت مميتة، وصوته طلع تقيل ومحمل برعب خفي:
الحاج صلاح: "في حد منكم… أمر بخطف هنيه."
الجو في الصالون اتبدل تمامًا. السكون كان خانق، نظرات الشك والخوف اتبادلت بين الكل كان مستغرب.
نوال: "إيه اللي بتقوله دا، يا حاج؟ مين فينا هيعمل كده؟!"
صباح: "وهيستفاد ايه اصلا دي حته خدامه"
صلاح (بنبرة غامضة، لكن غضبه كان بيظهر في عيونه): "أنا لسه بسأل نفسي نفس السؤال…"
الحاج صلاح (وهو بيبص لهم بنظرة غموض، صوته هادي لكن فيه تهديد واضح): "بس هعرفه."
الجو بقى تقيل، كأن الصالون كله اتقفل على أنفاسهم. الكل كان حاسس إن اللي جاي مش هيعدي بسهولة، وإن الحاج صلاح مش هيسيب الموضوع إلا لما يوصل للحقيقة.
فؤاد (وهو بيحاول يسيطر على قلقه): "يا بابا، ممكن بس تهدى وتفهمنا القصة؟"
صلاح (بهدوء مخيف): "أنا ههدى… بس بعد ما أعرف مين اللي عمل كده وليه."
كل واحد فيهم حاسس إن الشك بيتسلل ليه، والعيون بدأت تتلف في المكان، كأن كل واحد بيحاول يقيم التاني… مين فيهم اللي ممكن يعمل كده ؟!
أسماء كانت مصدومة، عقلها مش قادر يستوعب إن حد منهم ممكن يكون وراء اللي حصل لـليلى… وليه؟!
عنيها راحت تلقائيًا ناحية مروان، الشك كان بيغلي جواها… مافيش غيره!
وهنا، الصدمة والكره اعتلوا ملامحها، كانت هتصرخ وتواجهه، تقول قدام الكل إنه هو اللي عملها، بس قالت لنفسها: "لحظة… ما تتسرعيش! لازم الأول تتأكدي، تلاقي دليل، وإلا هتبقى بتتهمه وخلاص".
افتكرت كلام مامتها، لما حذرتها قبل كده: "ما تتدخليش في أي حاجة تحصل في البيت عندك، خليكِ في حالك."
بس إزاي؟! إزاي ما تتدخلش؟!
دي ليلى… صاحبتها الوحيدة هنا، الإنسانة الوحيدة اللي حبتها في البيت ده، واللي مصبّراها على العيشة فيه.
شدت نفس عميق، وحسمت أمرها:
"أنا هعرف الحقيقة… وهكشفه!"
***
أركان كان واقف في الجنينه، عنيه في الفراغ، بس دماغه كانت مليانه، مش قادر يخرج من اللي حصل.
عبد الحق قرب منه، وحط إيده على كتفه:
"يا عم، ما خلاص رجعت… هو انت لسه خايف عليها؟"
أركان شد نفس عميق، وحاول يداري المشاعر المتلخبطة جواه:
"اليوم كان صعب شوية."
عبد الحق ضحك بخفة، وقال:
"لازم كان صعب… وخصوصًا بعد ما وقفت قدام خمسين واحد لوحدك!"
ثم كمل بجديه:
"الحاج صلاح عايزك… روح له."
أركان بص له باستغراب وهو ماشي معاه ناحية الفيلا، عقله بيقلب الاحتمالات:
"ده عايزني ليه؟ ده هو كمان مش ناقصه!"
الحاج صلاح بص ل اركان وقال .........
رواية زواج في الظل الفصل السابع عشر 17 - بقلم ياسمين عطيه
كان صلاح يتأمل أركان وعيناه تلمعان. قال بصوت هادئ لكنه مليء بالغموض:
"ما كنتش متوقع إنك قوي للدرجة دي… جلال الطحاوي قال لي إن عندي كنز، ولازم أستغله. من هنا ورايح، انت دراعي اليمين، ومعايا في كل خطوة هتحركها. هتبقى السواق بتاعي، وعلى رأس كل شغل وكل عملية هنقوم بيها، وهتبقى معانا وإحنا بنخطط في المكتب بتاعنا."
سكت لحظة وهو يدقق في ملامحه، قبل أن يكمل بصوت ثقيل:
"كمان… لو أثبت لي إنك تستاهل المكانة اللي أنا حطيتك فيها دلوقتي."
أركان كان المفروض أن يطير من الفرحة في هذه اللحظة، فهذا كان هدفه من البداية، الوصول لهذه المرحلة لتحقيق مهمته. لكنه كان يشعر بشيء غريب، كأن مشاعره ليست في مكانها، كأن شيئًا آخر يشغله أكثر… وليلى هي هذا الشيء.
شد على نفسه، وسيطر على كل ما بداخله، وبفرحة حاول تمثيلها، قال بصوت متخبط وهو يحاول جعل أدائه طبيعيًا:
"أنا… أنا؟! ده شرف لي والله، إن شاء الله أبقى عند حسن ظنك، وأعمل كل اللي تطلبه مني!"
حنى رأسه بإذعان، وكأن هذه اللحظة كانت البداية الحقيقية… بس ليس للمهمة، بل لشيء آخر تمامًا، هو نفسه لم يكن قادرًا على تحديده بعد.
الجو كان متوترًا في الصالون، ورد فعل كل واحد كان مختلفًا. هناك من لم يكن الأمر فارقًا معه، كأنه مجرد خبر عابر، وهناك من كان متضايقًا، ومن كان غيورًا…
أول ما خرج الحاج صلاح من الصالون، تحرك خليل بعصبية وقال بصوت عالٍ وهو ينظر لأخيه فؤاد:
"شفت أبوك يا فؤاد؟! عايز يخلي حتة بواب كبير علينا!"
فؤاد كانت ملامحه مليئة بالاستهزاء وهو يقول:
"إديك لسه قايم حتة بواب… لا راح ولا جه، هو عشان ضرب له كام عيل بقى بطل؟!"
ضحك بسخرية وزاد بصوت ثقيل:
"يا عم كبيره، يومين وباباك يزهق منه، ويرميه من فوق زي ما طلَّعه!"
صباح بتأكيد:
"فعلاً هو دا اللي هيحصل."
أسماء كانت تسير بسرعة ناحية غرفة ليلى.
خبطت على الباب عدة مرات، لكن لم يأتِ أي رد. قلقها زاد، فاستمرت في الخبط بقوة وهي تنادي:
"هنيه! افتحي يا حبيبتي! أنا أسماء!"
لكن لم يكن هناك رد. قلبها كان يخبط بعنف في صدرها، وشعرت بأن هناك شيئًا خاطئًا. فجأة، فُتح الباب ببطء، وظهرت ليلى أمامها.
منظرها كان يوجع القلب… عيناها حمراوان ومنتفختان من كثر البكاء، وجهها شاحب، وملامحها كلها تعبر عن وجع كبير. أول ما رأت أسماء، لم تستطع التحكم في نفسها، ترمت في حضنها وهي منهارة تمامًا، تبكي بحرقة، كأنها تفرغ كل ما بداخلها من ألم.
أسماء شعرت بأن جسدها ينتفض من بكاء ليلى، ودموعها نزلت معها بدون وعي، ضمتها أكثر وهي تمسح على ظهرها:
"هششش… هنيه، أنا معاكي. احكي لي، إيه اللي حصل؟ حد آذاكي؟"
لكن ليلى استمرت في البكاء فقط، لم تنطق بكلمة. أسماء شعرت بالعجز، لكنها حاولت تهدئتها، وبهدوء حملتها من الأرض وأدخلتها الغرفة، جلست على السرير، وظلت جالسة بجانبها، تمسك يدها تطبطب عليها.
في هذه اللحظة، كان أركان واقفًا عند الباب، عيناه مترقبتان، وقلبه يوجعه أكثر مع كل دمعة تنزل من عيون ليلى. شعر بجرح عميق وندم مميت على كل كلمة قالها، وكل تصرف فعله. لكنه كان يرى أنه يجب أن يقسو عليها، ليبعدها، ليحميها مما هو قادم، ومنه هو أيضًا. حاول إقناع نفسه بأن هذا هو الأفضل… بأن بعد المهمة كل واحد سيعود لحياته.
قبل أن يرحل، جمع شجاعته، وخبط على الباب بخفة. أسماء فتحت له، ملامحها مستنكرة ومتسائلة:
"سعيد… هنيه مالها فيها إيه؟"
كان واقفًا كالتمثال، لكن عيناه كانت تحكي حكايات. بصوت مليء بالتناقض بين البرود والندم، قال لها:
"خلي بالك عليها، بلاش تسيبيها لوحدها النهاردة. لو ينفع تباتي معاها، يبقى أحسن."
أسماء كانت تحاول فهم ما يحدث، تشعر بأن هناك شيئًا كبيرًا مخبأ بينهما. لكن قبل أن ترد، أكمل بنفس النبرة الجامدة:
"أنا هنام عند البوابة."
لف ظهره بسرعة، وخرج قبل أن يضعف ويجري عليها، قبل أن يشعر نظره أكثر بأنه خذلها. أسماء كانت واقفة، عيناها تلاحقه وهو يمشي، وعقلها مليء بالأسئلة التي لا إجابات لها. نظرت إلى ليلى التي كانت لا تزال ترتجف من البكاء، وحينها قررت أنها لن تتركها وحدها هذه الليلة، مهما حصل.
أسماء وهي تحتضن ليلى، تحاول تهدئتها، صوتها كان مليئًا بالحنية والقلق:
"مالك يا حبيبتي؟ فيكِ إيه؟"
ليلى كانت ترتجف في حضنها، دموعها تنزل بدون توقف، رفعت يدها بخفة، وخبطت على صدرها مكان قلبها، صوتها كان مهزوزًا وضعيفًا:
"قلبي… وجعني قوي يا أسماء…"
أسماء شعرت بأن هذا الكلام دخل قلبها كسهم، نظرتها لليلى كانت مليئة بالوجع عليها. بدون تفكير، فعلت حركة يرى أي شخص قلبه يهتز لها…
ميلت وقبلت نفس المكان الذي كانت تشير إليه ليلى، ونظرت إليها بعيون كلها حب ودفا، وهمست بصوت فيه كل الحنية:
"سلامة قلبك من أي وجع يا حبيبتي."
ليلى رفعت عينيها إلى أسماء، الدموع كانت لا تزال تلمع فيهما، لكن وسط كل الحزن، كان هناك لمعة صغيرة… كأن كلام أسماء استطاع لمس وجعها ولو للحظة.
ليلى كانت لا تزال ترتجف، دموعها تنزل بغزارة، وأسماء تمسكها كأنها تحاول أخذ جزء من وجعها. مسحت على شعرها بحنية، وهمست مرة أخرى:
"أنا معاكي يا هنيه، مهما كان اللي وجعك، مش هسيبك لوحدك… احكي لي، قولي لي مين زعلك؟"
ليلى أغمضت عينيها بقوة، كأنها تحاول مسح الصورة التي تطاردها، لكن لا فائدة. شهقت بين دموعها، وصوتها خرج مكسورًا:
"مش قادرة أتكلم يا أسماء… مش قادرة أنطق…"
أسماء شدت نفسًا طويلًا، كانت تشعر بأن الموضوع كبير، وأن ليلى في حالة غير طبيعية. سحبتها من يدها، وجعلتها تجلس على السرير، جلست بجانبها وأمسكت يدها بين يديها بحنان:
"طب خلاص، مش لازم تتكلمي دلوقتي… بس أنا مش هسيبك لوحدك، الليلة دي أنا هنا معاكي، مش هنام غير لما تهدي."
ليلى رفعت عينيها الغارقتين بالدموع ونظرت إلى أسماء، كأنها تحاول إيجاد في عينيها طاقة أمان وسط الظلمة التي تشعر بها بداخلها. همست بصوت ضعيف:
"أنا تعبانة قوي يا أسماء…"
أسماء مسحت دموعها بيديها، وضمتها إلى حضنها مرة أخرى، تهمس بحنية:
"هتعدي يا هنيه… أي وجع في الدنيا بيعدي، وأنا جنبك لحد ما يروح."
وفي هذه اللحظة، عند باب الغرفة، كانت هناك عيون ترى كل شيء، وقلب يوجعه الندم…
أركان كان واقفًا في الظلام، يرى ليلى وهي مكسورة، يشعر بندم لم يشعر به من قبل. شد نفسه بالعافية، وقاوم رغبته في الدخول والاطمئنان عليها. كان يجب أن يقسو، يجب أن يبقى بعيدًا… ويجب أن يقنع نفسه بأنه فعل الصواب، حتى لو قلبه يقول عكس ذلك تمامًا.
ليلى رفعت عينيها بتعب، كانت شبه مستسلمة، كأنها فقدت طاقتها على المقاومة. اقتربت أكثر من أسماء، وبعد لحظة، ألقت رأسها على صدرها، كأنها تبحث عن أمان وسط العاصفة التي بداخلها.
أسماء احتضنتها بحنية، وهي تتمتم بكلام هادئ، كلمات بسيطة لكنها مليئة بالدفء:
"نامي يا حبيبتي، ارتاحي… كل حاجة هتعدي."
ليلى كانت لا تزال تشعر بوجع في قلبها، لكن وسط دفء حضن أسماء، شعرت لأول مرة بأنها ليست وحدها… دموعها استمرت في النزول بهدوء حتى جفت، وأنفاسها بدأت تصبح أهدأ. وجهها كان مدفونًا في حضن أسماء، والهدوء…
أشعة الشمس بدأت تتسلل من بين ستائر الفيلا، تنور المكان بهدوء، معلنة عن بداية يوم جديد. الجو كان هادئًا، لكن كان هناك توتر غريب في الأجواء، كأن ما حدث بالأمس ترك أثره على الجميع.
في غرفة ليلى، كانت لا تزال نائمة، في حضن أسماء التي ظلت بجانبها طوال الليل. أسماء فتحت عينيها ببطء، أول ما شعرت بالحركة البسيطة التي عملتها ليلى وهي تغير وضع نومها. نظرت إليها بحنان، لمست جبينها بخفة كأنها تطمئن أنها بخير.
أما بالخارج، في الحديقة، كان أركان واقفًا عند البوابة، يبدو مرهقًا كأنه لم ينم طوال الليل. عيناه كانت مثبتة على الأفق، عقله مليء بأفكار غير مرتبة، كلها تدور حول شيء واحد… ليلى. لكن كلما حاول تهدئة نفسه، شعر بندم يضغط على قلبه.
داخل الفيلا، عند السفرة، بدأت العائلة تتجمع على الفطور. صباح كانت جالسة تنظر حولها بنظرات متفحصة، نوال بجانبها تتحدث عن أشياء تافهة.
الحاج صلاح دخل السفرة، نظر حوله بسرعة، وسأل بصوته الرخيم:
"هو سعيد فين؟"
فؤاد رد وهو يشرب شايه بهدوء:
"كان نايم بره عند البوابة، واضح إنه واخد الدور على محمل الجد."
الحاج صلاح ابتسم ابتسامة صغيرة، لكنها كانت مليئة بالمعاني. نظر للكل، كأنه يرى رد فعلهم، وبعدها قال بغموض:
"كويس… الأيام الجاية هي اللي هتثبت إذا كان يستحق المكان اللي حطيته فيه ولا لأ."
مر أسبوعان… أسبوعان تغيرت فيهما أشياء كثيرة، وأركان كان يتغلغل أكثر في عالمهم، يرى بعينيه كيف تفكر هذه الناس، كيف يحركون اللعبة، وكيف كل شيء محسوب بدقة حتى أصغر تفصيلة.
اكتشف أن العمل هنا ليس مجرد تجارة سلاح أو مخدرات، لا… هذا نظام متكامل، شبكة محكمة، كل خطوة فيها مخططة قبلها بفترة، الكبار فقط هم من يرسمون السيناريو، والباقي مجرد أدوات تتحرك حسب الخطة.
المفاجأة الأكبر؟ أن من يحرك اللعبة ليس مجرد مجموعة عصابات محلية، لا… هناك منظمة أكبر، عدة رؤساء عصابات يجتمعون تحتها، يتعاونون، ويستشيرون خبراء أمريكيين في التخطيط والإدارة، يأخذون منهم البضاعة، ويبيعون بأسلوب يضمن لهم أنهم دائمًا سابقون لأي محاولة للإيقاع بهم.
وأركان؟ كان في قلب كل هذا، يرى، يسمع، ويتعلم… لكن في نفس الوقت، كان يدون في عقله كل معلومة، كل حركة، ليتمكن عندما يحين الوقت المناسب، من قلب الطاولة على الجميع.
في هذه اللحظة، كانت عيون الجميع مترقبة، وكل واحد منهم يحاول فهم كيف أصبح سعيد البواب الذي كانوا يرونه مجرد شخص مسكين، فجأة حديث الحاج صلاح، والذراع اليمين الذي ينوي الاعتماد عليه.
لكن أكبر غلطة ارتكبوها عندما استهانوا بقوة أركان… هم لا يعرفون ما يمكنه فعله وما يمكنه الوصول إليه.
كانوا يظنونه مجرد بواب جديد، وضعوه تحت الاختبار، لكن ما لم يعرفوه أن الاختبار الحقيقي كان هو الذي وضعه لهم، وليس العكس. كل خطوة كان يخطط لها، كل كلمة كان يقولها بحساب، وكل موقف كان يثبت مكانه أكثر بينهم.
نظر حوله، كل واحد منهم كان لديه رد فعل مختلف…
مروان كان جالسًا وغير قادر على استيعاب ما يحدث، الحقد في عينيه يزيد كل لحظة.
فؤاد كان متحفظًا، لا يظهر أي مشاعر، لكن عقله يدور في احتمالات كثيرة.
نوال وصباح كانتا غير قادرتين على تصديق أن "البواب" أصبح شريكًا في كل شيء.
أما ليلى، فعلاقتها بأركان شبه معدومة… كانت تشغل كل باله، كل ذرة في قلبه، لكنه لم يكن قادرًا على رؤيتها، أو حتى محاولة الاقتراب منها.
أصبح ذراع صلاح اليمين، معه في كل خطوة، طوال الليل بالخارج، وسط التخطيطات والاجتماعات، وسط عالم السلاح والمخدرات، والوجوه التي كلها خداع. يعود صباحًا منهكًا، ينام بضع ساعات، ويدخل دوامة جديدة، في حين أن ليلى كانت تتجنبه تمامًا.
بعد ما حدث بينهما، لم يعد هناك تعامل على الإطلاق… لا نظرة، لا كلمة، لا حتى صدفة تجمعهم. هي هربت منه، وهو تركها تهرب، ليس لأنه يريد ذلك، بل لأنه لا يعرف كيف يتعامل مع ما بداخله. كل مرة يحاول إقناع نفسه بأن البعد هذا هو الصواب، وأنه يجب أن يقسو عليها من أجله ومن أجلها، يجدها تسيطر على تفكيره أكثر، تلاحقه في أحلامه، في لحظاته الصامتة، في كل مرة يسمع اسمها حتى لو كان بالصدفة.
ليلى كانت تحاول العيش… تحاول النسيان، تحاول التجاهل، لكنها كانت تكذب على نفسها.
في البداية، أقنعت نفسها بأن البعد عنه هو الحل، وأنها يجب أن تنساه، لكن الحقيقة؟ لم تمر لحظة بدون أن تشعر بوجوده حتى لو لم يكن أمامها. كانت تراه في كل تفصيلة حولها، في الأماكن، في النظرات التي كان يرميها عليها زمان، في صوت خطواته عندما يعود فجرًا وهي تسمعه من بعيد، حتى في نفسها الذي كان يضيق كل مرة تشعر بأنه قريب ولكنه بعيد في نفس الوقت.
حاولت أن تشغل نفسها، تتعامل كأنه غير موجود، لكنها كانت أضعف من أن تنجح في ذلك. كل مرة تسمع أحدًا يتحدث عن ما يفعله، عن قوته وسط العصابة ونجاحه، عن كيف أصبح واحدًا منهم حقًا…
كانت تتذكر آخر لحظة بينهما… آخر لمسة، آخر كلمة… والوجع كان يزداد. لكن حتى مع الألم، كانت مصممة على عدم إظهار ضعفها.
ليلى أصبحت نسخة أخرى، أقوى من الخارج، لكنها مكسورة من الداخل، بين قلبها الذي لا يستطيع النسيان، وعقلها الذي يحاول إقناعها بأن النهاية قد حُددت، وأن أركان أصبح في طريق آخر… طريق لن تستطيع السير فيه أبدًا.
رغم كل ما حدث، ليلى كانت تحاول العيش، ووجود أسماء بجانبها كان أكبر دعم لها.
الصداقة بينهما كبرت وأصبحت أقوى من أي وقت مضى، لم يعودا يتركان بعضهما لحظة. أسماء كانت الحتة الوحيدة التي تشعر فيها ليلى بالأمان، التي يمكن أن تضحك أمامها من قلبها حتى لو كان بداخلها وجع. كانت تسألها كثيرًا عن اليوم الذي اختطفت فيه، عن ما حدث، لكن ليلى كانت ترفض الحكي، لم تكن قادرة حتى على التفكير فيما حدث، فكانت كل مرة تهرب من الكلام وتغير الموضوع.
أسماء فهمت أنها لا تريد التحدث، فقررت أن تكون الدعم الذي تحتاجه ليلى بدون ضغط، وبدلًا من السؤال، كانت تحاول تخفيف عنها، إضحاكها، إخراجها من الجو الكئيب الذي كانت فيه.
أصبحت كل لحظة بينهما مليئة بالهزار والضحك، يخرجان للحديقة معًا، يتحدثان عن مواقف تحدث في البيت، وأسماء أصبحت تحاول جر ليلى لأي شيء يجعلها تبتسم حتى لو للحظات بسيطة. كانتا كروح واحدة في جسمين، ولولا أسماء، لكانت ليلى غرقت أكثر في وجعها.
وفي يوم في غرفة ليلى…
أسماء وهي تمسك طبق السوشي ومبسوطة:
"يلا بقى يا هنيه، بطلي غلاسة وذوقي هيفتح نفسك والله مش انتِ بقى لك يومين مش عارفة تاكلي بتقولي نفسك مسدودة!"
ليلى وهي تنظر للأكل بريبة واستغراب:
"يا بنتي ده شكله لوحده غريب، بلا سوشي بلا بوشي! أنا مش هاكل البتاع ده، ريحي نفسك."
أسماء وهي تعمل عينيها كعيون القطط وتتوسلها:
"طب دوقي حتة واحدة بس عشان خاطري، مش هخسرك حاجة!"
ليلى تتنهد باستسلام، وهي تمسك قطعة سوشي، قربتها من فمها وأخذت منها قطعة صغيرة جدًا، فجأة ملامحها تغيرت، عيناها اتسعت، ووجهها كله تعبير عن الصدمة… لم تستطع بلعها، قامت جريت على الحمام بسرعة، رجعت.
أسماء كانت جالسة على السرير وتضحك لدرجة أنها وقعت من كثر الضحك وهي تمسك بطنها:
"يا لهوي عليكِ يا ليلى! هو إيه ده؟ دي كانت تجربة علمية فاشلة ولا إيه؟!"
ليلى وهي تحاول استيعاب ما حدث:
"أنا قلت لك من الأول! بلا سوشي بلا بوشي، ده اللي المفروض يفتح نفسي ده سد نفسي أكتر!"
أسماء وهي تحاول كتم ضحكتها:
"بس شكلك كان يضحك وأنتِ بتجربيه، لو كنتِ شفتي نفسك! كنتِ زي الأطفال أول مرة يدوقوا ليمون!"
ليلى وهي تبعد الطبق عنها بسرعة وملامحها متقرفة:
"خديه بعيد عني يا أسماء، أنا مش طايقة ريحته!"
أسماء تضحك:
"يلا نرقص طالما مافيش أكل"
على أغنية "بونبونايه على حتة توت"، "خلاص يا بطة هطق، هموت!"
راحت شغلت الأغنية ورفعت يديها نحو ليلى تشجعها تقوم ترقص معها.
أول ما ليلى قامت شعرت أن الدنيا كلها تدور حولها، الألوان أصبحت مشوشة والصوت أصبح بعيدًا… ثوانٍ معدودة وقبل أن تستطيع استيعاب ما يحدث، الدنيا اسودت أمامها ووقعت على الأرض مغمى عليها.
صرخة مدوية خرجت من أسماء، كانت مليئة بالرعب، هزت البيت كله.
في نفس اللحظة، كان أركان واقفًا يتحدث مع عبد الحق في الحديقة، أول ما سمع الصرخة، قلبه وقع في رجله. بدون تفكير، جرى نحو الصوت، وعبد الحق بحكم طبيعته الحذرة أخرج السلاح فورًا ومشى وراه بسرعة، مستعدًا لأي شيء.
بطة التي كانت قريبة، رمت كل شيء من يديها وخرجت تجري نحو الغرفة، قلبها كان مقبوضًا، وخوفها زاد عندما رأت أركان يجري بهذه السرعة.
أركان دخل الغرفة كالعاصفة، وعيناه على ليلى ملقاة على الأرض، لونها كان باهتًا بشكل مرعب، وأسماء كانت بجانبها تحاول إفاقتها وهي تبكي.
ركع أركان على ركبته بجانبها بسرعة، صوته كان مليئًا بالقلق وهو يمسك وجهها ويحاول إيقاظها:
"ليلى! ليلى فوقي!"
لكنها لم ترد، لم يكن فيها أي استجابة… قلبه دق بجنون، وملامحه تشدت، شعر برعب لم يشعر به من قبل.
أسماء وهي تحاول الشرح بصوت مختنق من البكاء:
"كانت كويسة، فجأة ووقعت… أنا ما لحقتش أعمل حاجة!"
عبد الحق وهو ينظر بسرعة للمشهد وسلاحه لا يزال في يده، قال بصوت قاطع وحاسم:
"هتصل بدكتور، شكلها مش بسيط!"
أركان بدون تفكير، حمل ليلى في حضنه وضعها على السرير، كان قلبه يدق بجنون، وعقله لم يكن قادرًا على استيعاب فكرة أنها قد تكون في خطر حقيقي…
وبعد دقائق معدودة لكن طويلة بالنسبة لهم وصل الدكتور.
الدكتور أخذ نفسًا عميقًا وقال بهدوء وهو ينظر إليهم:
.......
رواية زواج في الظل الفصل الثامن عشر 18 - بقلم ياسمين عطيه
في أوضة ليلى بعد وصول الدكتور.
الدكتور وهو بيكشف على ليلى بتركيز شديد، سأل أسماء:
– قالت لكم حاسة بإيه قبل ما تقع؟
أسماء وهي لسه متوترة:
– مكانتش بتقول أي حاجة، بس كانت شاردة اليومين اللي فاتوا، وبتقول إن نفسها مسدودة ومش قادرة تاكل.
الدكتور أخد نفس عميق وقال بهدوء وهو بيبص لأركان:
– مبروك، مراتك حامل.
الدنيا وقفت عند الكلمة دي. أركان حس كأن حد أخد منه روحه، مش قادر يحدد هو مصدوم ولا متلخبط ولا حتى فرحان. كان واقف متجمد، بيبص للدكتور وكأنه ما استوعبش الجملة اللي قالها.
أما أسماء فكانت عكسه تمامًا، صرخت بسعادة وفضلت تتنطط زي العيال الصغيرة:
– يا نهار أبيض! هنيه حامل! هبقى خالة، يا حبيبتي يا هنيه!
عبد الحق ضحك وربّت على كتف أركان:
– مبروك يا معلم، أهو العيل جاي في وقته.
بطه، اللي كانت واقفة مبتسمة، قالت بمرح:
– وأنا أقول ليه لونها كان متغير، كان لازم نعرف إن في خبر حلو بالطريقة دي!
أركان كان واقف ساكت، بيحاول يفهم مشاعره، إزاي فجأة هيبقى أب؟ وهو أصلاً ما كانش قادر يحدد مشاعره ناحية ليلى! قلبه كان مقسوم نصين، نص عايز يفرح ونص تاني حاسس إنه متورط في حاجة كبيرة.
الدكتور وهو بيكتب لها روشتة:
– ولازم تهتموا بيها، الحمل في شهوره الأولى بيكون حساس، متخلوهاش تتوتر ولا تجهد نفسها.
أسماء بسرعة قالت بحماس:
– أنا هكون معاها طول الوقت، متقلقش يا دكتور!
ليلي بدأت تفوق شوية، فتحت عنيها ببطء وشافت الوشوش اللي حواليها، أول حد شافته كان أركان، ملامحه كانت متوترة، وعينيه فيها نظرات غريبة. همست بصوت ضعيف:
– أنا... مالكوا بتبصولي كده؟
أسماء وهي بتقرب منها وتمسك إيدها بحماس:
– حبيبتي يا هنيه، أحلى خبر في الدنيا... إنتي حامل!
عنيها اتسعت بصدمة، بصت لأركان اللي كان لسه ساكت، وبعدين بصت لأسماء اللي كانت مش قادرة تخفي فرحتها، همست بذهول:
– إيه... حامل؟
الدنيا كانت لسه بتمشي بسرعة غريبة في عقلها، مش قادرة تستوعب الخبر زي أركان، بس الفرق إن أركان كان لازم يقرر بسرعة إيه اللي هيعمله بعد كده...
ليلى وهي بتبص لهم بصدمة، صوتها كان ضعيف وهي بتكرر بصعوبة:
– حامل؟!
حست إن جسمها كله بارد، مش قادرة تستوعب الخبر، عينها راحت على أركان اللي كان واقف في مكانه متصلب، ملامحه متجمدة وكأنه مش سامع أي حاجة. كانت منتظرة أي رد فعل منه، كلمة، نظرة، حتى تنهيدة، لكنه كان ساكت، وسكوته كان بيقتلها أكتر من أي حاجة.
أسماء مسكت إيدها بحماس وقالت:
– أيوة يا حبيبتي، حامل! يعني العيل اللي كنا بنهزر ونقول هتسميه إيه بقى حقيقي!
بعد لحظات، الكل بدأ يخرج من الأوضة، أسماء بصتلها بعيون مليانة قلق قبل ما تسيبها، قالت لها خلي بالك من نفسك ولو عزتي حاجه رني عليا على طول. عبد الحق وبطه خرجوا ووراهم الدكتور، وساد الصمت جو المكان...
فضل أركان واقف عند الباب، ضهره ليها، مش بيتحرك. كانت بتسمع صوت أنفاسه، كان تقيل، متلخبط... زيها بالظبط. بصت له، كانت مستنياه يتكلم، يقول أي حاجة، بس هو كان ثابت، كأنه مش عارف يبدأ منين.
ليلى بصوت ضعيف، فيه رجفة خفيفة:
– مش هتقول حاجة؟
فضل أركان واقف، عنيه ثابتة عليها، ملامحه مش بتتحرك، لكنه كان حاسس بصراع جواه بيكسر كل الحواجز اللي بناها حوالي نفسه. لف ضهره، كأنه بيهرب من أي حاجة ممكن تضعفه، وقال بصوت ثابت، لكن مليان جمود:
– إنتِ كده هتبقي عَقبة، لازم تخرجي من المهمة.
ليلى كانت بتبص له بدموع، مش مصدقة الكلام اللي بتسمعه، إحساسها بالقهر كان بيزيد مع كل ثانية بتمر. بصوت مهزوز، لكنها بتحاول تتمسك بنفسها، قالت:
– هو ده اللي انت بتفكر فيه؟ أنا بقولك أنا حامل... أنا مش في المهمة دلوقتي، أنا فيّا... فيك... فينا!
أركان شدّ نَفَسه، حبس أي إحساس ممكن يضعفه، وقال ببرود قاتل:
– ما كانش فيه "أنا وإنتِ" من الأول... وما ينفعش يبقى فيه! المهمة أهم مني ومنك.
ليلى سابت دموعها تنزل وهي بتحط إيديها على بطنها بحركة لا إرادية، كأنها بتحمي اللي جواها، وبصوت منكسر، همست:
– وأهم من اللي في بطني كمان؟
كلمة خبطت في قلبه بقوة، لكنه ما سمحش لنفسه يبُصّ لها... أو يظهر إنه تأثر. قرب من الباب بصوت حاسم قال:
– هتصل بعدلي، هو اللي هيقرر... إذا كنتِ هتكملي في المهمة، ولا هتخرجي منها.
وسابها وخرج... بس وهو بيقفل الباب، ما كانش عارف إذا كان بيقفل الباب عليها، ولا على نفسه.
أركان، ماسك التليفون بإحكام، صوته كان ثابت، لكنه من جواه متلخبط، مش عارف حتى هو بيحس بإيه وهو بيقول الكلمتين دول:
– ليلى حامل.
عدلي على الناحية التانية، صمت لثواني، كأن الكلام كان صدمة ليه. وبعدين بصوت حاسم قال:
– وإنت شايف إن ده معناه إيه؟
أركان، وهو بيحاول يحافظ على بروده رغم الغليان اللي جواه:
– معناه إنها بقت عقبة، ودي حاجة خطر على المهمة، لازم تخرج.
عدلي كان متوقع الكلام ده، لكنه قال بهدوء محسوب:
– ما ينفعش، لو خرجت هتشكّك الناس فيك، وبعدين، هي بقت جزء أساسي من التمويه... وجودها معاك عامل تغطية مثالية، وخروجها فجأة هيخليك مشكوك فيه.
أركان انفجر أخيرًا، بصوت متوتر رغم إنه كان بيحاول يسيطر على نفسه:
– في صالحنا إزاي؟ لو حصل لها حاجة؟ لو اتكشفنا؟ لو أنا لوحدي، هعرف أتصرف، لكن كده... هي حمل عليا، مش حماية.
عدلي، بصوت هادي لكنه مليان معنى عميق:
– أنا عارف ابني كويس... بيعرف يحمي نفسه، وأي حد بيحبه.
أركان شد نَفَسه بعنف، كأن الكلام ضربه في مقتل، وهتف وهو بينكر بشراسة أكتر من اللازم:
– حب مين؟ أنا مش بحب غير يارا!
عدلي ابتسم بسخرية، وكأنه شاف اللي أركان نفسه مش قادر يشوفه، وقال بحزم:
– خلاص، بما إني الرئيس هنا، قراري النهائي... ليلى هتفضل في المهمة.
أركان كان لسه هيرد، لكن فجأة صوت خبط الباب اتفتح، ليلى كانت واقفة، عنيها حمرا من الغضب، لكنها كانت ثابتة، سمعت كل حاجة. تقدمت ناحيته، بصوت مليان وجع، لكن قوي، قالت:
– أنا مش عايزة حمايتك، ولا محتاجاها... أنا هعرف أحمي نفسي، واللي في بطني ده ابني، أنا المسؤولة عنه. إنت مالكش دعوة بيه، ولما المهمة دي تخلص، هو هيبقى معايا أنا... مش هتقدر تاخده مني ولا حتى تقرب له. أنا هحمي نفسي... وهحميه كويس.
فضل أركان واقف مكانه، مش عارف يرد، ولا حتى يفكر... لأول مرة في حياته، حس إنه فقد السيطرة، لأول مرة حد بيتكلم معاه بالنبرة دي... والأصعب إن قلبه هو اللي وجعه مش كرامته.
أما ليلى، فخرجت، رفعت راسها، وقررت إنها خلاص، مش هتسمح لأركان أو لأي حد يحسسها إنها ضعيفة... حتى لو كان قلبها بيتقطع.
في الجانب الآخر – مكتب عدلي.
عمر بضحك:
– قلت له متأكد إن الجواز ده على ورق بس؟
شوح بإيده وقال:
– بلاش هزار يا عمر، اديه هيرجع وابنه في إيده.
فريده بصدمه:
– مين اللي هيرجع وابنه في إيده؟ انطق يا عدلي!
عدلي بحرج:
– ليلى حامل.
سكتت القاعة لحظات، وكأن الزمن وقف، قبل ما فريده تنفجر:
– إنت بتقول إيه؟! مش المهمة دي كانت على ورق؟ إزاي يحصل كده؟!
عدلي بحرج:
– هو أنا هروح اساله ازاي ده حصل؟! أكيد غلطة.
فريده بصوت عالي مليان غضب:
– وبتقول غلطة عادي كده؟! إنت بوظت حياة ابني! بقى أركان يبقى أب من واحدة زي دي؟ بالشكل ده؟!
سحببت نفس عميق وهي بتكمل بحدة:
– طب سيبك من كل ده... إفرض حصل للي في بطنها حاجة؟!
عمر دخل بينهم بسرعة وهو بيحاول يهدّي الجو:
– يا فريده، كل حاجة هتتحل، مفيش مشاكل، أنتي عارفه إن أي حاجة فيها أركان بتنجح من غير ولا غلطة.
فريد بسخرية لاذعة:
– وبالنسبة للغلطه دي؟
عمر بحرج:
– ممكن... متبقاش غلطة.
فريدة بصوت متحشرج من الصدمة وهي بتحط إيديها على رأسها:
– دي مصيبة أكبر بكتير! مصيبة يا عدلي!
عدلي سكت وهو بيحاول يلاقي مخرج للوضع، لكن فريدة ما سكتتش وكملت وهي بتبص له بغضب:
– وهتقول اي؟! لأخوك؟! لمرات أخوك؟! هتقول لبنت أخوك يارا؟! البنت المسكينة اللي بتحب أركان ولسه عندها أمل إنه يرجع لها؟!
عدلي حرك إيده بعصبية:
– الموضوع معقد، بس لازم نتصرف بحكمة.
فريدة بصوت عالي وهي بتحس إنها خلاص مش قادرة تستوعب:
– البنت يا روحي عليها! النهارده كانت بتقول لي إنها عايزة تعمل فرحها على البحر وتسافر المالديف!
عمر بيحاول يخفف التوتر:
– أنا فاهم إن الصدمة كبيرة، بس لازم نفكر في حل منطقي، الموضوع حصل وخلاص.
فريدة لمت نفسها بيديها وهي بتحاول تهدي، لكن صوتها طلع مختنق:
– أركان اتربى إنه يكون قوي، وإنه يركز في مهماته، مش يتجر ورا مشاعر ولا ورا بنت زي دي!
عدلي بحسم:
– الموضوع بقى واقع، وأركان لازم يواجهه، وهو اللي هياخد قراره بنفسه، المهم دلوقتي إنه يكمل المهمة.
فريدة بصت له نظرة كلها قهر:
– يارا مش هتتحمل الصدمة دي، وأركان نفسه مش هيبقى عارف يتصرف، أنا ابني هيضيع يا عدلي وانت كل اللى همك المهمه!
عدلي خد نفس عميق، وهو عارف إن دي مجرد بداية عاصفة مشاعر أكبر بكتير، ولسه اللي جاي أصعب.
***
دخلت أم سعاد أوضة ليلى بابتسامة طيبة، وهي بتمد إيديها تبارك ليها. قعدت جنبها على السرير، وحطت إيدها على كتفها بحنية:
– ربنا يتمم لك على خير يا بنتي... كنتِ زي بنتي، ودلوقتي هتبقي أم، سبحان الله.
ليلى ابتسمت بخجل، حاسة بدفء في كلام أم سعاد، ولأول مرة تحس إن اللي جواها مش مجرد طفل، ده بقى حقيقة بجد، حياة جديدة هتيجي بسببها.
لكن وسط الكلام، لاحظت إن محروس واقف على باب الأوضة، متردد يدخل، بيبص لجوا بخجل واضح.
ليلى باستغراب:
– هو إيه حكاية محروس؟
أم سعاد بتنهد:
– يا عيني عليه... لا هو اللي عاقل ولا هو اللي مجنون، لا هو اللي كبير ولا هو اللي صغير... الحكاية مش سهلة عليه، زمان حد قتل أمه وأبوه، وولع فيهم قدام عينيه وهو طفل صغير، والحاج صلاح الله يكرمه جابه هنا ورباه.
ليلى حسست بغصة في قلبها، بصت ناحيته بحنان، قامت من مكانها ومدت له إيدها:
– تعالى يا محروس، ادخل.
محروس بص لها زي الطفل، متردد، وبعد لحظة سأل بصوت خافت:
– انتي زعلانة مني؟
ليلى هزت راسها بسرعة:
– لااا، انت جميل أوي يا محروس، وشاطر كمان، مش انت اللي رحت وقلت لـ سعيد مكاني عشان يلحقني؟
وغمزت له بمزاح:
– أوعى تقول لحد بقى.
محروس بسرعة حط إيده على بقه كأنه سوستة مقفولة، وهز راسه بحماس:
– مش هقول خالص! وانتي كمان متقوليش عشان مروان ميضربنيش.
ليلى طبطبت على دراعه بحنية وهمست له بصوت واطي:
– مش هقول، ولو أي حد زعلك أو فكر يقرب منك... روح لسعيد، هو بطل وهينقذك.
محروس بصوت مليان حماس وهو بيصقف:
– سعيد بطل!
ليلى ابتسمت بصدق، وبعدين قالت له وهي بتشاور له يدخل:
– يلا، انت كالت ولا أعمل لك أكل؟
محروس بسرعة:
– لاااا، أنا مش جاي عشان الأكل، أنا جاي أشوف النونو وأقول لك مبروك زي خالتي أم سعاد!
ضحكت ليلى من قلبها، وحطت إيدها على بطنها، وقالت له وهي بتحاول تمسك ضحكتها:
– بس النونو لسه جوه!
محروس بص لها بصدمة:
– إنتي كلتيه؟!
ليلى وقعت في الأرض من كتر الضحك، دموع نزلت من عينيها وهي مش قادرة توقف. كانت لحظة بريئة، وسط كل اللي بيحصل، لحظة حقيقية، ضحكة طالعة من قلبها بجد لأول مرة من زمان.
أركان كان واقف بعيد، شايفها، شايف ضحكتها اللي من القلب، شايف الجمال الحقيقي فيها وهو بيظهر لما تضحك بصدق.
قلبه خفق... مش عارف ليه، مش عارف إزاي، لكن كان عاجز عن إنه يشيل عينه من عليها.
***
غرفة ليلى – وأركان.
كانت قاعدة على السرير، ضامة إيديها على بطنها، تحاول تستوعب الإحساس الجديد اللي اجتاحها. لأول مرة تحس إن العالم كله اتغير، إن جواها حاجة أكبر من أي خوف وأي وجع... إحساس الأمومة.
دمها كان بيسري فيه إحساس جديد، خليط بين الفرحة والرهبة. خايفة عليه، فرحانة بيه، مش مصدقة إنها بقت مسؤولة عن حياة تانية غير حياتها. نعمة من ربنا، هدية جات لها في وقت مكنتش متوقعة فيه حاجة غير الألم.
عينيها دمعت وهي تفكر... هو منه، من أركان، حتى لو هو مش فارق معاه، حتى لو بيحاول يتجاهل الحقيقة، هي فارقة معاها، فارقة لدرجة إنها مستعدة تواجه الدنيا عشانه.
مش هتحتاج منه حاجة، مش هتطلب منه حاجة، مش هتتعلق بأمل مش موجود... لكنها هتشيله في عينيها، هتحميه، هتخبيه في قلبها بعيد عن أي وجع.
كانت لسه قاعدة على السرير، إيديها ملفوفة حوالين بطنها، مغمضة عينيها كأنها بتحاول تحمي اللي جواها حتى من أفكارها. العالم كله اتغير، هي نفسها مش نفس الشخص اللي دخل المهمة دي... بقت أم، ومسؤولة عن حياة مش بس حياتها.
الباب اتفتح بهدوء، وصوت خطواته كان تقيل على الأرضية. رفعت عينيها، لاقته واقف قدامها، ماسك صينية فيها أكل. مشهد غريب، عمرها ما توقعت تشوفه. أركان؟ جايب لها أكل؟
بصتلُه بترقب، وهو كان بيهرب من عينيها، مش قادر يواجهها، ولا حتى يواجه نفسه.
مد الصينية قدامها من غير ما يتكلم، وكأنه بينفذ أمر مش بإيده. كان جوه حاجة بتجبره يعمل كده، يمكن إحساس بالمسؤولية، يمكن ذرة اهتمام هو مش قادر يعترف بيها، يمكن... تعلق غريب باللي في بطنها.
قعدت تبص له لحظة، بعدين بصت للصينية وقالت بهدوء:
– مين اللي قالك تجيب الأكل؟
شد نفسه، وقال بصوت جامد:
– محدش قال لي... بس لازم تاكلي.
رفعت حواجبها بسخرية:
– أنت اللي شايف كده؟ ولا حد أمرك تهتم بيا غصب عنك؟
سكت لحظة، وشه متحجر زي العادة، بس عينيه كان فيها حاجة غريبة، حاجة مختلفة، وكأن في عاصفة شغالة جواه وهو مش قادر يوقفها.
وأخيرًا نطق، بصوت منخفض لكنه واضح:
– مش عارف... بس اللي عارفه إن اللي في بطنك يخصني... ومش هسيب حاجة تأذيه.
كأن الكلام نزل عليها زي صدمة كهربية، حست إن في حاجة جوها اتهزت. مش بيقول إنه بيحبها، مش بيقول إنه مهتم بيها هي، بس بيحاول يحمي اللي في بطنها، اللي بقى جزء منه.
نزلت عينيها على الصينية، وبهدوء مسكت المعلقة وبدأت تاكل. ما علقتش، ما اعترضتش... لكن جوها كانت حاسة إن كل حاجة بينهم لسه في البداية، وإن المواجهة الحقيقية لسه جاية.
***
في قلب الفيلا، كانت الأجواء مشحونة بعد الخبر اللي نزل عليهم زي الصاعقة – ليلى حامل.
كل واحد كان عنده ردة فعل مختلفة، وكل واحد كان شايل في قلبه حاجة غير التاني.
مروان كان قاعد في ركن بعيد، وشه ما بيبانش عليه أي تعبير، لكن جواه نار مولعة.
– هتروحي مني فين يا ليلى... مش هسيبك حتى لو بقيتي حامل، برده هتبقي ليا في الآخر.
نسرين كانت قاعدة بتقلب في التليفون، لكن عقلها كان بعيد، بعيد جدًا...
– إزاي؟ إزاي تبقى واحدة غيري حامل من سعيد؟ إزاي بقى بتاع حد تاني؟
نوال بملل وهي بتحرك الشاي في الكوباية:
– إحنا مبقناش ورانا غير سعيد وهنيّة؟! ما ييجوا يعيشوا بدلنا هنا وخلاص.
صفية بابتسامة هادية وهي بترفع حاجبها:
– ناس لذيذة، فربنا كرمهم ومفرحهم.
صباح بضحكة ساخرة وهي تبص عليهم بعوجة بق:
– وانتوا؟ امتي اللي هتفرحونا بقا؟
صفية ورغدة بصوا لبعض بنظرة معناها واحد: يا رب ما يحصل!
***
ليلى كانت قاعدة على السرير، ماسكة الموبايل في إيدها. قلبها كان بيدق بسرعة، مش عارفة تبدأ المكالمة إزاي. خدت نفس عميق، وقررت تتصل.
فوزية ردت بسرعة، كأنها كانت مستنياها:
– ليلى! إنتي فين يا بنتي؟ أخبارك إيه؟ وحشتيني قوي، بقالي كتير مسمعتش صوتك!
ليلى بابتسامة:
– معلش يا ماما، الشغل واخدني، وإنتي عارفة أركان دايمًا مشغول وأنا معاه.
فوزية بحزن:
– طب ما كنتِ تكلميني حتى، أنا بقالي كتير قوي نفسي أشوفك، بس كل مرة بتقولي مش فاضية!
ليلى بحنان ودموع:
– حقك عليا يا ماما، بس أقسم لك إني كنت عايزة أكلمك واظن ان ما فيش وقت مناسب اكتر من دلوقتى.
فوزية بقلق:
– ليلى، مالك؟ فيكي حاجة؟ صوتك متغير!
ليلى وهي بتحاول تسيطر على دموعها:
– ماما... أنا حامل.
لحظة صمت، فوزية ما استوعبتش في الأول. بعدين صوتها خرج كله فرحة ودهشة:
– إيه؟؟ حامل؟! بجد يا ليلى؟! يا بنتي يا حبيبتي، أنا مش مصدقة!
ليلى ضحكت والدموع نزلت على خدها:
– بجد يا ماما، هتكوني تيتة قريب.
فجأة، فوزية دموعها نزلت من غير ما تحس، كانت فرحانة اوي بنتها الصغيره اللي كانت بتجري في الشارع بشعرها المنكوش وبتعيط لما تقع، خلاص هتبقى أم؟ الزمن جري بسرعة كده؟
فوزية وهي صوتها بيرتعش من الفرحة:
– يانهار ابيض يا ليلى، أنا هبقى تيتة تاني! ربنا يفرح قلبك يا بنتي، دا أحلى خبر سمعته في حياتي! طب إنتي كويسة؟ بتاكلي كويس؟ أركان بيهتم بيكي؟
ليلى وهي بتبلع ريقها:
– أنا كويسة يا ماما، متقلقيش، كله تمام.
فوزية بحماس:
– طب أنا عايزة أشوفك! لازم تيجي لي، نفسي ألمسك وأحط إيدي على بطنك، وأحس بالنونو!
ليلى وهي بتحاول تخبي قلقها:
– قريب يا ماما، أوعدك.
فوزية بحنية:
– ربنا يحفظك إنتي والنونو يا روحي، ويخلي لك أركان، ويهديه كده ويراعيك.
ليلى وهي بتحاول تمسك دموعها:
– آمين يا ماما، بحبك قوي.
فوزية بحب:
– وأنا كمان يا بنتي، روحي في حفظ الله، وخلي بالك من نفسك ومن اللي في بطنك.
المكالمة انتهت، ودموع ليلى كانت نازلة بهدوء، قلبها كان دافي بكلام أمها، بس في نفس الوقت، كان فيه حاجة تقيلة على روحها... الحاجة اللي مخبياها عنها، وإنها مش قادرة تروح لها وتترمي في حضنها زي زمان.
أركان دخل الأوضة وهو شايف ليلى ماسحة دموعها بسرعة، كأنها مش عايزة تبين له إنها كانت بتعيط. بص لها باستغراب، وهي قامت بسرعة كأنها بتحاول تهرب.
أركان وهو بيحط إيده في جيبه ببرود:
– رايحة فين؟
ليلى وهي بتحاول تتظاهر بالهدوء:
– رايحة الفيلا، ورايا شغل لازم أخلصه.
أركان عقد حواجبه وقال بجملة حاسمة:
– لا، مش هتروحي.
ليلى بصت له بعدم تصديق:
– إيه؟ انت بتقول إيه؟ إزاي يعني مش هروح؟
أركان بص لها بجدية:
– عشان اللي في بطنك، مش هينفع تشتغلي.
ليلى رفعت حاجبها بتحدي:
– والشغل الحقيقي اللي احنا جينا هنا عشانه؟ أركان، دي الطريقة الوحيدة اللي بحاول أعرف بيها هما بيعملوا إيه.
أركان بص لها بحدة:
– أنا بقيت وسطهم خلاص، وعارف كل حاجة، انتي مش محتاجة تتسنطي عليهم ولا تعرضي نفسك للخطر.
ليلى بجدية:
– برده مش هينفع، أنا مش جاية هنا أقعد، أنا هكون في الفيلا جوا، مش هسيب المهمة في نصها.
أركان بعصبية وهو بيقرب منها، صوته كان حاد وهو بيحاول يسيطر على انفعاله:
– قولت لا.
ليلى رفعت رأسها بتحدي، وبصت له بثبات:
– وأنا قولت آه، انت مش هتمشي عليا وتقولي أعمل إيه وماعملش إيه.
أركان وهو بيضيق عينه وبيقرب أكتر، صوته بقى أخطر وهو بيضغط على كلماته:
– لو حد غيرك اللي قال الكلمتين دول، كنت خليته يختفي من على وش الدنيا.
أركان كان واقف قدامها، ملامحه جامدة وصوته حاسم، مش عايز يفتح مجال للنقاش. بس ليلى كانت عنيدة، وعارفة إنها لازم تلعب صح عشان تكسب المعركة دي.
ليلى بلعت ريقها، بس قررت تستميله بطريقتها وتحاول تخفف التوتر بصوت هادي:
– طب خلاص، خلينا نمسك العصابة من النص.
أركان ضيق عينيه وهو بيبص لها، عارف إنها بتحاول تناور.
ليلى بسرعة قبل ما يرد نطقت بصوت هادي وعيون بتلمع بدهاء:
– هقف معاهم في المطبخ بس، مش هعمل حاجة تانية، والله. وبعدين، الطبيخ مش تعب، وصابر والكل بيساعد، يعني اعتبرني قاعدة بس.
رفعت عيونها له بنظرة حالمة وكملت بصوت أهدى:
– على الأقل، أحس إني ليا فايدة، وأكيد مش هنبوظ كل اللي عملناه.
أركان كان لسه واقف بصمته المريب، كأنه بيحاول يحلل كل حرف قالته، وده خلّاها تاخد خطوة أقرب، تبص له بنظرة كلها رجاء، بنبرة أضعف شوية:
– عشان خطري... سبني.
حاول يخفي تأثيرها عليه، بس عقله كان بيحارب قلبه. عارف إنها مش هتستسلم، وإنه مهما حاول يسيطر، ليلى كانت دايمًا بتلاقي ثغرة تدخله منها.
زفر بضيق، وعينيه سابت عيونها للحظة، كأنه بيقاوم الاستسلام، قبل ما يرجع يبصلها أخيرًا ويقول بجملة مختصرة:
– لو حسيت بأي خطر، هتخرجي فورًا، فاهمة؟
ليلى بابتسامة صغيرة منتصرة:
– فاهمة.
بس هي كانت عارفة إن ده مجرد إذن مؤقت... وإن المعركة الحقيقية لسه قدام.
***
ليلى دخلت الفيلا بخطوات واثقة، بس قبل ما تاخد نفسها، لقت أسماء قدامها بتشهق وتحط إيدها على وسطها كأنها واقفة على باب التحقيق.
أسماء باندهاش وهي ترفع حاجبها:
– إنتي جاية تعملي إيه هنا؟ أوعي يكون اللي في بالي! أنا رفدتك، مفيش شغل ليكي هنا!
ليلى ضحكت وهي تهز راسها بسخرية:
– هو كل اللي هيشوف وشي النهارده هيقول لي مفيش شغل؟
أسماء بغمزة:
– إيوا، يا سعيد يا جامد، هو كمان قالك ولا إيه؟
ليلى تنهدت وهي ترفع إيديها باستسلام:
– فريحي نفسك، عشان أنا مش قادرة أقنع حد تاني!
أسماء بترفع حاجبها بشك:
– أقنعتيه بإيه؟
ليلى بابتسامة مطمئنة وهي ترفع إيديها قدامها:
– متخافيش، هشتغل في المطبخ، وشغل المطبخ خفيف.
أسماء وهي مسكت دراع ليلى وحطته تحت دراعها كأنها بتاخدها تحت جناحها وسحبتها بخفة وقالت بحزم...
– رجلي على رجلك لما أتأكد إنه شغل خفيف ولا لا، أنا مش هضحي ببنت أختي!
وهي تضحك وتسحبها معاها لجوا:
– روح خالتك من جوا!
أسماء وهي تهمس بحماس وهي بتبص على بطنها:
– صح، عايزين نعرف هو ولد ولا بنت؟
ليلى بضحك وهي تهز رأسها:
– مش هيبان دلوقتي يا مجنونة!
أسماء وهي تهز كتفها بإحباط مصطنع:
– إحنا مستعجلين، عايزين نحدد الاسم من دلوقتي!
ليلى ضحكت وهي تمسك بطنها بحنية، وأسماء كانت فرحانة بيها رغم كل قلقها، المهم إنها معاها، وهتفضل جنبها مهما حصل.
***
صلاح قاعد على مكتبه، صلاح قاعد بهدوء بيشرب سيجاره وبيلعب بالخاتم الدهبي في إيده، بينما عبد الحق واقف مستني أوامره.
صلاح:
– عبد الحق، سعيد طلع دماغه حلوة أوي، بيشتغل بمخه قبل إيده، ودي ميزة. مفيش حاجة طلبتها منه إلا وخلصها مظبوط، وعقله سابق خطوتين.
عبد الحق (بيهز راسه باحترام):
– مظبوط يا باشا، الراجل بيفكر بره الصندوق، ودي حاجة إحنا محتاجينها في الشغلانة دي.
صلاح (بهدوء مخيف وهو بينفخ الدخان):
– بس لسه مش قادر أديله الثقة الكاملة… مش لدرجة إنه يبقى دراعي اليمين.
عبد الحق (متفاجئ):
– ليه بس يا باشا؟
صلاح (بيبتسم بس عنيه باردة):
– لإنه لسه ما اتوسخش بجد… لسه ما شافش الدم بعينه.
عبد الحق (بيرفع حواجبه):
– تقصد إيه؟
صلاح (بهدوء مرعب):
– اختبار صغير… نشوف لو قلبه جامد فعلاً ولا مجرد دماغ شغالة.
عبد الحق:
– عاوزه يعمل إيه؟
صلاح (بابتسامة خفيفة وهو بيولع سيجارة جديدة):
– عندي عيل غبي اسمه كريم، سرق شوية فلوس، واتجرأ يكدب عليا… سعيد هو اللي هينهيه. قدامي. ولو تردد، يبقى ولا حاجة.
عبد الحق (بيبتسم بسخرية):
– طب لو رفض؟
صلاح (ببرود):
– يبقى ما يستاهلش يكون وسطنا… وساعتها هيتشال مع كريم.
رواية زواج في الظل الفصل التاسع عشر 19 - بقلم ياسمين عطيه
الجو في المخزن كان خانق، ريحة الزيت المحروق والسجائر مالية المكان، والإضاءة الخافتة زادت التوتر. صلاح كان قاعد على كرسيه، بيشرب سيجارته بهدوء، وصوابع إيده بتلعب بالخاتم الدهبي. عبد الحق واقف وراه، عينه على المشهد اللي قدامه، وكأنه مستني اللحظة الحاسمة.
في النص، كريم كان مربوط في كرسي، وشه مليان جروح من الضرب، عيونه بتلمع بخوف وهو بيبص حواليه، كأنه بيحاول يلاقي أي فرصة نجاة. وقدامه، كان أركان واقف، ماسك مس*دس بإيده، وشه متحجر.
صلاح (بهدوء مرعب وهو بينفخ الدخان): يلا يا سعيد... خلصنا.
أركان مسك المس*دس بقوة، رفعه في مستوى رأس كريم.
كريم (بصوت متقطع وهو بيحاول يستعطفه): سعيد... أنت مش زيهم، أنا غلطت... بس مش مستاهل أموت. أنا أب بردك، عيالي يعيشوا من غيري. وأنت كمان خلاص هتبقى أب عشان خاطر ابنك اللي لسه جاي، بلاش؟
صلاح مالت راسه وهو بيتابع أركان، كأنه بيتفرج على عرض ممتع. عبد الحق واقف جنبه، ابتسامة ساخرة على وشه، مستني يشوف أركان هيعمل إيه.
عبد الحق (بهدوء مستفز): إيه يا بطل؟ خايف توسخ إيدك؟
أركان عينه جت في عين كريم، شاف الخوف في ملامحه، ضغط على الزناد، والطلقة خرجت بصوت هز المكان.
كريم وقع قدامه، جسمه تهدّ، الد*م سال على الأرض. المكان كله سكت، حتى صلاح ساب السيجارة على الطفاية وهو بيبص لأركان بنظرة فاحصة.
أركان ثابت، مافيش أي رد فعل. بسرعة حط المسدس في جرابه، وبص لصلاح مباشرة، كأنه بيقول له "خلصت المهمة، إيه الخطوة الجاية؟".
صلاح (بابتسامة خفيفة وهو بيهز راسه): مبسوط منك، يا سعيد… دلوقتي بس، أقدر أقول إنك بقيت واحد مننا.
عبد الحق بص لأركان بنظرة فيها مزيج من الإعجاب والتحدي، وبعدها ابتسم بخبث وقال:
عبد الحق: شكلك طلع قلبك جامد بجد... ما توقعتش!
أركان مردش، بس في عينه كان في ظلام جديد، حاجة ما كانتش موجودة قبل كده. كان عارف إنه لسه في وسط اللعبة.
ــــــــــــــ&ــــــــــــ
المخزن كان فاضي، ريحة البارود لسه مالية المكان، والأرض مليانة بقايا دم كريم.
أول ما صلاح وعبد الحق خرجوا، أركان جري بسرعة ناحية كريم، شاله بحذر رغم وزنه، وحطه في العربية اللي كان مجهزها مسبقًا.
لف بسرعة بعربيته، شاف عربية تانية متوقفة على بعد خطوات. عدلي كان مجهز كل حاجة. نزل بسرعة، فتح الباب الخلفي، شال كريم اللي كان فقد وعيه بسبب الصدمة، وحطه جوه العربية الجديدة، وبعدها رجع بسرعة لعربيته وتحرك تجاه الفيلا، كأنه بيرجع عادي بعد تنفيذ المهمة.
وأثناء ما هو ماشي، تليفونه رن...
عدلي (بهدوء ورضا): برافو عليك يا ابني، خطة عشرة على عشرة... أنا مبسوط منك.
أركان بص في مرايته الجانبية، شاف العربية اللي فيها كريم وهي بتتحرك في الاتجاه العكسي، وكأنها بتختفي في الظلام. عيناه ثبتت للحظة، عارف إنه نجح في خداع صلاح، بس الخطر لسه ما انتهاش.
أركان (بصوت حاد): لازم يختفي يا بابا، ميبانش. لو ظهر مش أنا بس اللي في خطر...
عدلي (بهدوء وهو فاهم القصد): متقلقش، هتعامل معاه بالطريقة الصح.
في اللحظة دي، رجع أركان بفلاش باك... افتكر اللي حصل قبلها بساعات.
(فلاش باك )
أركان كان واقف في الاوضه، فجأة شاف ليلى جاية تجري عليه بسرعة، ملامحها مشدودة، وعيونها مليانة خوف.
قلبه انقبض، مش بسبب الموقف، لكن بسبب إحساسه الغريب تجاهها، الحاجة اللي رافض يعترف بيها. رغم كده، غطى خوفه ببرود متقن.
أركان (بحدة وهو بيحاول يخفي قلقه): إنتي مجنونة بتجري كده ليه؟! إنتي حامل!
ليلى (بتنفس متقطع): هيطلبوا منك تقتل واحد اسمه كريم... عشان تكسب ثقت صلاح.
أركان (عيونه ضاقت): عرفتي الكلام ده منين؟
ليلى (بسرعة): كنت رايحة أودي لهم القهوة في المكتب، سمعتهم قبل ما أخبط.
أركان (بتركيز): حد شافك؟
ليلى (بتحاول تهدى نفسها): لأ، خليت محروس هو اللي يدخل القهوة عشان ميشكوش إني سمعت... المهم، إنت هتعمل إيه؟
أركان ما ردش، مسك تليفونه بسرعة، واتصل بعدلي.
أركان (بصوت حاسم وهو بيبص حواليه): بابا، عايزك تنقذ واحد اسمه كريم. الراجل ده عنده ابن ومراته، أنا عارف مكان بيته... لازم تروحلهم بنفسك، تفهمه إنك هتنقذه، وتخليه يلبس كيس دم مكان القلب.
عدلي (باهتمام): وإنت هتعمل إيه؟
أركان (بتركيز وهو بيحدد خطته): أنا هكون معايا مسدس صوت بس، وهضرب طلقة وهمية عشان صلاح يقتنع إني قتلته. بعد ما نخرج من المخزن، هحطه في عربيه تكون بتراقبني، قريبة من المكان اللي هنكون فيه. بعد كده لازم يختفي نهائي.
عدلي (بحزم): تمام، سيبها عليا.
(نهاية الفلاش باك – عودة للحاضر)
ــــــــــ
أركان دخل الاوضه.
ليلى قاعدة على السرير، ضامة رجليها ليها، وعنيها عليه أول ما دخل، كأنها كانت مستنياه. كان واضح إنها قلقانة وخايفه عليه، وشكلها كأنها مش عارفة تقول إيه.
ليلى (بصوت هادي لكنه مليان توتر): إنت كويس؟
أركان (بجمود وهو بيقلع الجلابيه ويرميه على جنب، صوته كان بارد): تمام.
فضلت ساكتة للحظة، وبعدين قامت ووقفت قدامه، إيديها كانت متشابكة وكأنها بتحاول تهدي نفسها.
كانت عارفة إنه مش بيقول كل حاجة، وإنه مش عايز يدخل في تفاصيل، بس قلبها كان بيقول لها حاجة تانية، حاجة مش قادرة تتجاهلها.
ليلى (بصوت واطي وهي بتقرب منه): احكي لي إيه اللي حصل...
أركان (بيقاطعها، صوته فيه حدة خفيفة): ليلى، روحي نامي.
سكتت، لكن عنيها فضلت معلقة عليه، كأنها بتحاول تقرأ أي حاجة وراه الجمود ده.
ليلى (بهدوء لكنه مؤلم): أنا هنا، لو احتجتني.
أركان بص لها للحظة، كأنه شايف فيها حاجة مش قادر يهرب منها، وبعدين لف وسابها، رايح الجنينه وهو عارف إن الليل ده مش هيعدي بسهولة.
أركان كان قاعد، الضلمة حوالينه كانت خفيفة، بس جوه عقله كان فيه دوشة مش قادرة تهدى. قلبه واجعه، ومخه مش قادر يستوعب اللي حصل.
إزاي؟ إزاي وصل لده؟
في واحدة حامل منه، ومش واحدة عادية... ليلى. البنت اللي ظهرت في حياته فجأة وقلبت كل حاجة. مش فاهم هو بيحس بإيه ناحيتها، مش قادر يحدد مشاعره، مش عارف ده حصل إزاي أو إزاي قرب منها بالشكل ده.
هو اللي عمره ما سمح لحد يتعدى حدوده... ليلى عملت اللي محدش قدر يعمله. احتلت كيانه كله، بقت جزء من يومه، من تفكيره، من نفسه حتى. بس ليه؟ ليه كده؟ وهو حتى مش بيحبها...؟
وهنا، قلبه اتشد، كأنه بيحذره من الكذبة دي. وعلقه عنفه، رفض الاعتراف. هو محبش غير يارا، بنت عمه اللي كبر معاها، اللي كانت حياته كلها، اللي كان شايف نفسه معاها من البداية.
خانه؟
إزاي؟
إزاي صورتها اختفت من عقله في اللحظة دي؟ إزاي نسيها وهو مع ليلى؟ إحساسها هي لما تعرف اللي حصل...؟ هو اللي وعدها إن جوازه من ليلى مجرد ورقه، وعدها إنه راجع لها مهما حصل.
بس دلوقتي... ليلى حامل منه.
حتى لو قرر يكمل مع يارا، هل يارا هتقبل؟ بعد اللي عملوا وخيانته ليها؟
افتكر مكالمة أمه، صوتها كان تقيل عليه، وهي بتقوله: "لو عايز يارا بجد، إلحقها قبل ما تضيع منك... لازم تعرف الحقيقة."
الحقيقة؟ الحقيقة إن ليلى حامل؟ الحقيقة إنه عدى الخطوط اللي كان شايفها مستحيل تعديها؟ الحقيقة إنه في لحظة واحدة، الدنيا كلها اتغيرت؟
وقف مكانه، عيناه ثابتة في الفراغ، وكأنه بيعيد الجملة في دماغه... "ليلى حامل... غلطة؟"
هل فعلاً كانت غلطة؟ هل يقدر يتعامل مع اللي حصل كأنه مجرد خطأ وانتهى؟
مع انتهاء المهمة، كل حاجة هتنتهي بينهم؟!، وكل واحد هيرجع لحياته اللي شبهه، واللي مناسبة ليه.
هل فعلاً؟ هل يقدر يرجّع كل حاجة زي ما كانت؟ هل يقدر يبص في عيون ليلى ويقولها: "إحنا كنا مجرد مهمة"؟
ولا هو نفسه مش قادر يصدق الكذبة دي؟
أركان مسك تلفونه، ضرب رقم يارا… حاسس إنه داخل على لحظة هيغيّر فيها كل حاجة.
يارا ردّت بسرعة، بصوت اشتياق: "أركان… حبيبي، وحشتني أوي."
أركان سكت لحظة، كلامها وجعه أكتر، مكنش قادر يرد عليها بنفس الاشتياق، أخد نفس عميق وقال بصوت تقيل: "يارا، عايز أقولك حاجة."
يارا بقلق: "قول يا حبيبي، سامعاك."
أركان وهو بيحاول يجمّع كلماته: "أنا… غلط في حقك، غلطة لو انتي سمحتيني عليها، أنا مستحيل أسامح نفسي."
يارا حسّت بخوف غريب تسلل لقلبها: "إنت بتقول كده ليه؟ في إيه يا أركان؟"
أركان وهو بيحاول يجمع شجاعته: "يارا… ليلى حامل."
الدنيا اسودّت قدام عيني يارا، حست كأن حد ضربها في قلبها بقوة، مكنتش قادرة تلتقط نفسها، صوتها طلع مهزوز وهي بتحاول تستوعب: "إنت بتقول إيه؟ حامل؟ إزاي؟"
أركان وهو بيحاول يبرر، صوته كان مليان توتر وندم: "يارا، والله ما كنت قاصد، ولا فاهم إزاي دا حصل، كل حاجة حصلت بسرعة... كنت ضعيف، كنت خايف عليها في لحظة، وغلطت… بس ده ميغيّرش أي حاجة، أنا مبحبهاش، وعمري ما حبيت غيرك إنتِ!"
يارا ضحكت ضحكة كلها حُرقة، مزيج غريب من الحزن، والخذلان، والاستنكار. دموعها نزلت غصب عنها، لكنها ما حاولتش تمسحها.
يارا بصوت متكسر لكنه حاد: "طول عمرك ذكي جدًا، بتفهم الناس كلها، بتعرفهم أكتر ما هما يعرفوا نفسهم… إزاي مش فاهم نفسك ولا شايف إنك بتحبها؟"
كملت (بصوت مهزوز لكنه واثق، وعينيها مليانة وجع وصدمة): أركان… اللي أعرفه عمره ما يقرب من حاجة مش عايزها… ولا يوصل للنقطة دي إلا لو حب.
أركان (مش قادر يرد، نظره ثابت، بس ملامحه متوترة، كأنه بيحاول يلاقي أي مبرر أو تفسير للّي بتقوله).
يارا (بتكمل، صوتها بيوضح قناعتها بكلامها): أنا عارفاك كويس، عارفة إنك بتعرف تتحكم في نفسك… في قراراتك… في كل حاجة حواليك. حتى لو كنت شارب مخد*رات، حتى لو كنت مش في وعيك، كنت هتعرف تمنع نفسك عنها لو فعلًا مش بتحبها.
أركان شد نفس عميق، حاسس بجسمه بيتشنج، رافض حتى مجرد التفكير في كلامها، وقال بسرعة، وكأنه بيحاول يقنع نفسه قبل ما يقنعها: "قولت لك انا مش بحبها."
يارا هزّت راسها، ضحكة حُزن طلعت منها وهي بتبص للفراغ، وكأنها بتشوف حاجات هو مش قادر يشوفها: "مش لازم تعترف دلوقتي… هتعترف بعدين، هتعترف وهي شايلة ابنك، اللي حتة منك… واللي مش هتقدر تسيبه ولا تسيبها."
أركان فتح بقه عشان يرد، عشان ينكر تاني، بس يارا سبقت كلماته، بصوت كله يقين ووجع: "أنا عارفة أركان اللي بحبه… وعارفة إن أركان عمره ما بيبعد عن اللي بيحبهم بجد."
الدنيا سكتت للحظة… أركان حس إنه حرفيًا مش قادر ياخد نفسه. لأول مرة، قلبه هو اللي بيتكلم، وهو مش عارف يسْكته.
أركان حس بجسمه بيتجمد، كأن الكلام اللي سمعه من يارا كان صدمة كهربا معدية لكل نقطة فيه. قلبه بيدق بسرعة، مش قادر يواجه الحقيقة اللي هي رمتها قدامه كأنها قنبلة فجّرت كل محاولاته للإنكار.
حلقه نشف، وطلع صوته بالكاد، ضعيف لأول مرة: "أنا… أنا مش…"
يارا قاطعته، صوتها بقى أهدى، لكنه مكسور بطريقة وجعته أكتر من أي حاجة تانية: "مش عارف تواجه نفسك؟ عادي… خد وقتك، بس أوعى تفتكر إنك هتقدر تهرب للأبد."
أصابعه كانت بيضة من قوة الضغط، حاسس بغضب، وندم، وخوف، ومشاعر ملخبطة مش عارف حتى يسميها. مش قادر يواجه الحقيقة اللي بتهد كل اللي كان فاكر إنه مؤمن بيه.
يارا كملت، بصوت مليان استسلام: "كنت دايمًا أقول إن أركان مستحيل يخوني… بس مشكلتي الحقيقية مش الخيانة… مشكلتي إنك حتى مش واخد بالك إنك بقيت شخص تاني، واحنا مستحيل نكون لبعض."
كملت بصوت مهزوز لكنه قوي: "أنا مش مستنية منك اعتذار، ولا مستنية منك أسف… اللي متأكدة منه إن في يوم من الأيام هتيجي تقوله لي، بس وقتها هتكون معاها… ومع ابنك. يمكن ساعتها أسمحك، ويمكن لا… مش عارفة."
أخذت نفس عميق وكملت بوجع مكتوم: "بس أنت عارف إن قلوبنا مش بإيدينا، والظاهر إن اللي حصل ده مكنش مجرد جواز في ظل مهمة زي ما كنت فاكرة… كان حاجة أكبر، حاجة لازم أخاف منها. مش اخاف إنك تتجوز غيري، ولا حتى اخاف من حتة ورقه… كان المفروض أخاف إن قلبك نفسه يكون لحد تاني."
ضحكت بمرارة وهي تمسح دموعها بسرعة: "يمكن لو مكنتش سبتك ولا اتخليت عنك لحظة، كان الوضع اختلف… أو يمكن العيب مش فيا أصلاً، يمكن هي اللي شاطره اوي وعرفت تخليك تحبها او فعلا قلوبنا مش في ادينا!"
أركان رفع عينه للسما، وكأنها هي اللي هتنقذه من الضياع اللي هو فيه.
يارا سكتت لحظة، وبعدها قالت الكلمة اللي حسها طلقة مباشرة في قلبه: "مع السلامه يا أركان بس المره دي سلام بجد."
قفلت الخط.
أركان بعد مكالمة يارا، قعد مش شايف حاجه… مش حاسس بحاجة غير دوشة دماغه اللي بقت أعلى من صوت الشارع نفسه. "مش بحبها… مش ممكن أكون بحبها." قالها لنفسه بصوت واطي، كأنه بيحاول يقنع نفسه قبل ما يقنع حد تاني. كل حاجة حصلت كانت غلطة، مجرد ظروف فرضت نفسها… المهمة، التمثيل، الضعف اللي كان فيه، هي كانت قدامه… بس مفيش مشاعر. مشاعر إيه؟! عمره ما حب غير يارا.
شد نفس عميق، مسح وشه بإيده، لكن أفكاره ما سكتتش.
ليه أول ما بتبعد عنه بيحس إنه متضايق؟ ليه لما بتكون في خطر قلبه بيتشد كأنه هينخلع؟ وليه، لما بيشوف مروان، الغيرة بتاكل قلبه؟!
افتكر وهي بتجري عليه مرعوبة، ملامح وشها وهي خايفة عليه أكتر من نفسها، ضحكتها اللي بتطلع منه ردود أفعال مش بتاعته، حتى لما بتعصبه، حتى لما بيفكر فيها أكتر من اللازم…
اتنرفز، ضرب الحيطه بعصبية: — "كفاية، أنا مش بحبها!"
لكن صدى كلماته جواه كان أضعف من إنه يصدقها…
شد نفس عميق ومسح وشه بإيده، كأنه بيحاول يمسح كل المشاعر اللي بدأت تطلع على السطح. "كل ده هينتهي مع انتهاء المهمة." قالها بصوت مسموع كأنه بيحاول يقنع نفسه قبل أي حد تاني.
قام وقف، مشي ناحيه الأوضة، وبعدها رمَى نفسه على السرير. أول ما شاف ليلى نايمه جنبه على السرير اخد نفس عميق، بيحاول يقنع نفسه إنه اللي بينهم مجرد ظروف، وإنه مشاعره مش حقيقية، وإنه لما المهمة تخلص، كل واحد هيرجع لحياته الطبيعية، وكأن اللي حصل ما حصلش.
لكن قبل ما يغمض عينيه، بيبص ليلي نظره طويله قلبه هيضرب مرة واحدة، بس هينفض الفكرة من دماغه، ويجبر نفسه ينام، وهو مقتنع إنه خد القرار الصح.
لف على جنبه، شد الغطا بعصبية، وأجبر نفسه يغمض عيونه. "كل حاجة هتنتهي قريب… كل حاجة."
لكن حتى وهو بيحاول ينام، كان حاسس إنه بيهرب من حاجة أكبر من إنه يواجهها دلوقتي.
في صباح يوم جديد على الجميع.
في الصالون.
قعدة كل أفراد العيله وصلاح قاعد على الكرسي الكبير بتاعه، بيشرب سيجاره، وعينه متسمرة على أركان اللي واقف قدامه بثبات. عبد الحق واقف جنبه، مستمتع بالمشهد. كريم (الشاب اللي كان المفروض يموت) اختفى من الصورة، وأركان نجح في إنه يكسب الاختبار بطريقة مقنعة.
صلاح (بنبرة إعجاب ممزوجة ببرود): سعيد… أنت عملت اللي عليك وزيادة… عجبني فيك إنك ما بتسألش، بتنهي المطلوب منك وخلاص. ده اللي محتاجه في الدراع اليمين بتاعي.
أركان (بهدوء مسيطر): أنا هنا عشان الشغل يا باشا، واللي تقول عليه بيتنفذ.
صلاح (بيضحك ضحكة خفيفة وبيبص لعبد الحق): سمعته؟ بيقول اللي أقول عليه بيتنفذ… دي جملة تعجبني.
عبد الحق (مبتسم وهو بيهز راسه): بيكمل معانا عِشرة عُمر، يا باشا.
صلاح (بصوت منخفض بس مسموع): بالظبط… بس العِشرة دي ليها تمن، وعشان نكملها، فيه خطوة أخيرة.
أركان (بيرفع حاجبه): خطوة زي إيه؟
صلاح (بهدوء قاتل): فيه شحنة سلاح هتدخل البلد بعد يومين… الشحنة دي محدش يعرف طريقها إلا ناس معدودة، وأنا عايزك أنت اللي تبقى مسؤول عنها. هتستلمها بنفسك، وتوصلها للمخزن… من غير ما يحصل غلطة.
عبد الحق (بخبث): يعني لو حصلت غلطة… يبقى أنت اللي تتحاسب، مش حد تاني.
أركان (وبيهز راسه بثقة): الشحنة هتوصل يا باشا.
صلاح (مبتسم بخبث): عظيم… بس عشان الشغل يمشي مظبوط، محتاجين نضمن إن اللي معانا فعلاً أهل للثقة. عايزك تاخد هنيه معاك في المشوار ده… ، لأن أي غلطه هتحصل…
وهو بيبص ليه نظره معينه: "لو حد فكر يخوني، تبقى الرقاب كلها تتصفي في وقت واحد."
أركان حس بنار اشتعلت جواه، لكنه فضل محافظ على تعابير وشه الهادية.
بص لصلاح بثبات، كأنه بيدرس كلماته. كان فاهم كويس إن الموضوع مش مجرد اختبار، دي حركة مدروسة… صلاح مش بس عايز يضمن ولاءه، ده كمان بيحط ليلى تحت عينه، بيهدد بشكل غير مباشر.
أركان (بهدوء مخنوق): مفهوم يا باشا… ليلى هتكون معايا. أنا مقدرش أعترض على كلامك، بس أنت عارف هنية حامل في أول شهر… أي حاجة غلط ممكن تأذيها أو تأذي الطفل.
صلاح رمقه بنظرة باردة، سحب نفس طويل من السيجارة، ونفث الدخان ببطء قبل ما يبتسم بسخرية.
صلاح: حامل؟! وأنا مالي؟ ده يخليها أغلى عندك، يعني هتفكر ألف مرة قبل ما تعمل حاجة ضدي… مش كده؟
سعيد بهدوء متماسك: مقدرش اعمل حاجه ضدك يا حج.
صلاح (بصوت منخفض بس حاسم): ومين قال لك إن الرحلة دي فيها خطر؟ إحنا بس هنروح نستلم شحنة… ولا أنت شايف إنك مش قد المسؤولية؟
أركان (بسرعة): لا، أنا قد المسؤولية… بس…
عبد الحق (مقاطعه بابتسامة جانبية): بس إيه؟ خايف عليها؟! الحب مش موجود في شغلنتنا لو حابب تكمل بدل ما تنتهي قبل ما تبدا ارمي قلبك وعايلتك وراك.
أركان حس بجملته زي الطعنة، سكت لحظة، وعينه اتعلقت بصلاح، كان عارف إن أي اعتراض زيادة ممكن يخليه يشك فيه أكتر. لازم يلاعبه بطريقته.
أركان (بهدوء مشوب بالحذر): أنا مش خايف، بس أنت بنفسك قولت مش عايز غلطه وهي لسه جديدة في حياتي، مش عايزها تغلط أو تشد الانتباه علينا.
صلاح (ضحك بخبث وهو بيهز رأسه): حجة مش بطالة… بس مش هتنفع. تاخدها معاك… ودي آخر كلمة.
أركان شد نفسه، فهم إن أي كلمة زيادة مش هتنفع، اضطر يهز رأسه بإذعان، وقلبه كان بيغلي. "لازم ألاقي حل… بسرعة لازم ألاقي طريقة أحميها."
عبد الحق ابتسم وهو بيبص له نظرة كلها استمتاع باللعبة.
صلاح سحب نفس عميق من السيجارة، ونفث الدخان ببطء وهو بيهز رأسه برضا.
صلاح (بابتسامة غامضة): عظيم… الشحنة بعد يومين، لحد وقتها، اعتبر نفسك تحت الاختبار الأخير.
أركان ما ردش، اكتفى بهزة خفيفة من رأسه، وساب المكان وهو حافظ على خطواته الهادئة، لكن جواه كان في زلزال.
الجو كان متوتر، والصمت اللي ساد بعد ما خرج أركان كان تقيل، كأن كل حد فيهم كان بيحاول يهضم القرار اللي صلاح فرضه عليهم من غير أي نقاش. لكن صفيّة ما قدرتش تفضل ساكتة أكتر من كده، قامت من مكانها، وعينيها مليانة غضب وهي بتقول بحزم:
صفيّة: بجد أنا مش عارفة أنتم بتفكروا إزاي… إزاي يبقى عندكم قلب تهددوا واحد بمراته بالشكل ده؟ أو تعرضوا واحدة حامل للخطر كأنه شيء عادي؟ اعتبروها زيي… زي رغدة… زي نسرين!
صباح (ببرود وهي بتبص لها بحدة): يا بنت ما تدخليش في كلام الكبار…
رغدة (بتشد نفس عميق وهي بتواجه أمها لأول مرة): لا، صفيّة عندها حق، يا ماما! دي مش لعبة تتلعب… أنتم كده بتخاطروا بيها، حتى لو هو مش هيخونكم وهيكسب ثقتكم، وده أكيد… بس مراته مالهاش ذنب! افرض حصل أي غدر، وهي تأذت؟ هتبقوا استفدتوا إيه؟ ولا أنتم ما بتعرفوش تشوفوا حد بيحب حد وعايش حياته مبسوط؟
صلاح ضحك ضحكة استخفاف وهو بيهز رأسه، ونفث دخان السيجار ببطء قبل ما يرد بسخرية:
صلاح: يا دي الحب اللي واكل عقول الشباب اليومين دول… مافيش حاجة اسمها حب! في حاجة اسمها فلوس… في حاجة اسمها تعلّي لفوق، ولو عايز تعيش، يبقى تدوس قبل ما حد يدوس عليك!
صفيّة (بحزن وقهر): لازمتها إيه تعلّي وانت لوحدك… وانت مش مبسوط؟
خليل (بضيق وهو بيهز رأسه): خلاص بقى، يا صفيّة! ما تدخليش في اللي مالكيش فيه… أنتم لسه صغيرين.
أما أسماء، فكانت ساكتة طول الوقت، الرعب مسيطر عليها، عينيها بتتنقل بين وشوشهم بقرف، ازاي الناس دي الشر مليها كده؟ ازاي دول يبقوا قرايبها؟ ازاي عايشة وسطهم؟ خافت على ليلى قوي، وكان نفسها تساعدها بأي حاجة، بس طالما الحكم طلع من صلاح، محدش يقدر يقف قصاده.
وهي ماشية من قعدتها معاهم، قالت لنفسها وهي بتشد نفس عميق: "أكيد سعيد هيحميها… " أو دا اللي بتحاول تهدي نفسها بيه.
لكن بعيد عنهم، كان في حد تاني عنده حساباته الخاصة…
مروان كان ساكت، بس عقله شغال بأقصى سرعته. الفرصة جات له لحد عنده، ولازم يستغلها. ابتسامة جانبية خبيثة ارتسمت على وشه، وهو بيفكر في خطته: "وريني يا سعيد يا بطل… هتحمي البضاعة؟ ولا هتحميها هي؟ " ابتسم بخبث وهو عارف كويس هو هيختار مين… وعارف ازاي يستغل النقطة دي ضده.
بينما النقاش كان شغال وكل واحد بيقول رأيه، كانت نسرين قاعدة في هدوء، بس جواها بركان من الحماس. شافت القرار ده فرصة متتعوضش، مش تهديد ولا خطر. فرصة إنها تخلص من هنية للأبد، ويبقى سعيد ليها لوحدها.
رواية زواج في الظل الفصل العشرون 20 - بقلم ياسمين عطيه
ليلى واقفة قدام الرخامة، بتقطع الخيار بحركات سريعة.
أسماء واقفة قصادها، متوترة، بتلعب في إيدها، بتحاول تجمع كلامها.
ليلى (وهي بترفع عينيها لأسماء): "كفاية لف ودوران حواليا… دوختيني وأنا ديخة لوحدي! قولي الفولة اللي في بُقك، مالك؟"
أسماء (بتحاول تخبي اللي سمعته، عينها بتزوغ وهي بتهز راسها بسرعة): "لا… مفيش حاجة… إنتِ كويسة؟"
ليلى (بتقرب منها، نظرتها بتشك، صوتها بيبقى حاسم): "أسماء، اخلاصي… في إيه؟ أنا عارفة إن في حاجة."
أسماء (بتنهد وهي بتاخد قرار إنها تصارحها، بصوت متوتر): "الصراحة… إنتِ في خطر، خطر كبير."
ليلى (بتحاول تتحكم في رعشة قلبها، بس توترها بان في صوتها): "خطر إيه؟ قوليلي."
أسماء (بسرعة وهي بتحاول توصل لها الصورة كاملة): "عايزينك تطلعي مع سعيد وهو بيستلم شحنة سلاح ويوصلها للمخزن، ولو حصل أي غلطة… هيصفّوكم أنتو الاتنين."
ليلى (بتتسمر مكانها، لأول مرة تحس بالخوف، بس مش على نفسها… على اللي في بطنها، إحساس مختلف، فيه روح ضعيفة بتعتمد عليها وهي لازم تحميها، بحركة تلقائية بتحضن بطنها، صوتها بيخرج ضعيف): "انا خايفه يا أسماء…"
أسماء (ماسكة إيدها وبتحاول تطمنها): "ما تخافيش سعيده هيبقى معاكي ومش يقدر حد ياذيك انا واثقه ان هو هيحميكي."
ليلى (بتشد على إيد أسماء، عيونها مليانة رعب مش علشانها، لكن علشان اللي في بطنها، صوتها بيخرج مهزوز): "بس يا أسماء… لو حصل حاجة؟ لو معرفش يحميني؟ لو… لو حد أذاه؟"
أسماء (بسرعة وهي بتحاول تمنع الأفكار السودة تسيطر عليها): "ما تفكريش كده، سعيد عمره ما هيسمح لحد يقرب منك، مهما حصل."
ليلى (بصوت ضعيف، كأنها بتحاول تقنع نفسها): "همَّا مش فارق معاهم حد، لو حطوني في السكة يبقى ليهم هدف، وده اللي مخوفني."
أسماء (بتقرب منها، عيونها بتلمع بقلق): "وإنتِ؟ ناوية تعملي إيه؟"
ليلى (بتبلع ريقها وهي بتحاول تلم شجاعتها، بتلمس بطنها بلطف): "هحميه، بأي تمن… حتى لو اضطررت أواجه كل حاجة لوحدي."
أسماء (بضغط على إيدها بقوة): "مش لوحدك، أنا معاكي، وسعيد معاكي… وإنتِ لازم تفضلي قوية، عشان ابنك… عشان نفسك."
ليلى (بتشد نفسها، بتحاول توقف الخوف اللي بيسيطر عليها، بتاخد نفس عميق وهي بتقرر جواها): "أنا لازم ألاقي طريقة أخرج من ده… بطريقة متكشفيش نفسي، ولا اركان."
---
عند باب الفيلا.
أركان ووقف في مكانه، وشه متجمد، بس عقله مولع نار. طلبه كان متوقع إنه يشيل الشحنة، بس إنه ياخد ليلى معاه؟! ده اللي مكانش داخل دماغه.
مسح وشه بإيده بعصبية، هو مش بيحبها… بس برضه مش قادر يستوعب إنها تتحط في خطر بالشكل ده. قلبه اتقبض، وكأن صلاح حط إيده على نقطة ضعف عمره ما تخيل إنها هتبقى موجودة عنده.
أركان (مكلم نفسه بصوت واطي، نبرته مليانة غضب مكبوت): "ليه هي؟ ليه لازم تدخل في كل حاجة؟"
لف حوالين نفسه كأنه بيدور على حل، بس مفيش مهرب… لو رفض، هيكشف نفسه، ولو وافق، هيعرضها لخطر هو مش قادر يتحمله.
شد نفسه بقوة، لازم يفضل ثابت، لازم يتعامل بطريقته، مش بطريقة صلاح.
أركان دخل الأوضة بخطوات تقيلة، قفل الباب.
أركان (بهدوء قاتل، وهو بيطلع الموبايل): "الو، بابا…"
عدلي (بصوت هادي لكن مسيطر): "عارف إنك مش هتتصل إلا لو في كارثة، قول اللي عندك."
أركان (بصوت مكتوم، بس الغضب باين فيه): "صلاح قرر يضمن ولائي بالطريقة اللي تناسبه… قرر يبعت ليلى معايا في استلام الشحنة."
عدلي (صوته بقى أخطر، كأنه كان متوقع الغدر): "كنت عارف إنه هيعمل حركة زي دي… بس ما توقعتش إنه هيستخدمها بالشكل ده."
أركان: "ماقدرش أرفض، لو عملت كده هشُكك في نفسي، بس في نفس الوقت مش هقدر أعرضها للخطر."
عدلي (بهدوء مرعب): "محدش هيقرب منها، فاهمني يا أركان؟ ليلى هترجع زي ما خرجت، والعملية هتمشي زي ما خططنا لها."
أركان (بثقة رغم القلق اللي جواه): "أنا تحت السيطرة، بس محتاج تأمين مضاعف… ومحتاج عين تكون على المكان من برة."
عدلي: "اعتبره حصل، بس افتكر دايمًا… المهمة أولًا، مهما حصل."
أركان (عينيه بتلمع بتصميم): "المهمة هتتم، بس ليلى مش هتتأذي… ودي حاجة مفيهاش نقاش."
عدلي (بعد لحظة صمت): "خلي بالك، يا أركان… اليوم دا هيكون نقطة تحول، ليك… وليها."
أركان قفل المكالمة وهو بيشد أنفاسه، عارف إن اللي جاي مش سهل، بس خلاص… اللعبة بدأت، وهو مش هيسمح إنها تخلص بدمار ليلى. خد نفس عميق، مفيش حاجة اسمها ضعف، مفيش حاجة اسمها خوف، بس في حاجة اسمها… مسؤولية.
وبالنسبة ليلى… هي مش هتتأذى، مش وهو عايش.
---
غرفة النوم – بعد ما ليلى عرفت إنها لازم تروح مع أركان لاستلام شحنة السلاح، قلبها مكنش متطمن. قررت تتكلم معه قبل ما كل حاجة تحصل.
(ليلى داخلة الأوضة بسرعة، بتقفل الباب وراه بقوة، عينيها فيها توتر وخوف.)
ليلى (بصوت مهزوز مليان خوف): "مش هروح معاك في العمليه دي!"
أركان (بيرفع عينه ليها، نبرته هادية بس باردة): "مش بيدك يا ليلى، دي مش أوامرنا… وإنتِ عارفة كده كويس."
ليلى (بتقرب منه، عينيها مشحونة بالغضب والخوف): "وأنا ماليش رأي؟ ماليش حياة تخصني؟ إزاي تاخدني في حاجة ممكن تذي اللي في بطني ؟"
أركان (بيلف لها، بيبصلها بنظرة غامضة، صوته منخفض بس فيه نبرة تهديد خفي): "ماحدش هيمسّك بإذني، طول ما أنا موجود."
ليلى (بتضحك بس ضحكة كلها سخرية وألم): "وإيه اللي يضمنلي؟ أنت نفسك شايفني مجرد ورقة ضغط عليهم، لو احتاجوا يضحوا بيا مش هيفكروا مرتين!"
أركان (عينه بتلمع للحظة، بس بيرجع يخفي انفعاله بسرعة): "أنا مش من النوع اللي بيسيب حاجته تضيع منه."
ليلى (بتحدّق فيه، بتحاول تفهم معنى كلامه، لكن قلبها بيدق بسرعة): "حاجتك…؟"
أركان (بيقرب منها خطوة، صوته منخفض وجاد): "أنتِ مراتي قدامهم، وده معناه إنهم عشان يوصلوا لي لازم يعدّوا من خلالك… وده مش هيحصل أبداً."
ليلى (بتحاول تتمسك بغضبها عشان ما تبانش ضعيفة): "أنا مش محتاجة حمايتك،انا هعرف احمي نفسي واللى في بطني كويس !"
كملت (بصوت مكسور بس فيه تحدي): "مش هسامحك لو حصلي حاجة، مش هسامحك لو جرا للي في بطني أي حاجه بسببيك…"
أركان (بيشد نفس عميق، صوته مايل للضيق): "متخافيش، مش هيحصل حاجة، ومش هسمح لحد يقرب منك."
ليلى (بتهز رأسها بوجع): "مش المشكلة حد يقرب مني… المشكلة إن حد يقرب للي في بطني!"
ليلى (بتعضّ شفايفها، بتحاول تمنع دموعها، مش قادرة تفهم ليه رغم كل ده، في جزء صغير جواها… حاسس إنه مش هتتأذي وهي معه أبدًا بس بردك خايفه على اللى في بطنها .)
أركان شاف الحركة دي، حسّ بكهرباء مسكت جسمه، حاجة شدّته ليها غصب عنه. كان نفسه في اللحظة دي يضمها لحضنه، يطمنها إنه مش هيسمح لحد يأذيها، إنه هو الحماية الوحيدة اللي هتحتاجها في الدنيا دي… بس منع نفسه، شدد على كف إيده، صوته طلع بارد كأنه بيحارب إحساسه بنفسه.
أركان (ببرود زائف): "ما تعمليش كده تاني."
ليلى (متفاجئة من نبرته، بتبص له بارتباك): "إيه؟"
أركان (بيشيح بوجهه عنها، كأنه بيهرب من تأثيرها عليه): "ما تعضيش شفايفك كده… ."
ليلى (بتحاول تستوعب كلامه، لكن بتقرر تستفزه، بتعض شفايفها تاني بعناد وهي رافعة حاجبها بتحدي): "ليه؟ مضايقاك في إيه؟"
أركان (الحركه بتجننه بيشد أنفاسه، عينيه بتلمع بغضب مكبوت، بيقرب منها فجأة، صوته واطي بس حاد): "متلعبيش بالنار، بلاش انا والكلمه اللى اقولها تتنفذ وبلاش عند"
ليلى (بتحس بقلبها دق بسرعة، لكنها بتبص في عينيه بعناد، صوتها ناعم ): "أنا عملت اي لكل دا."
(لحظة صمت تقيلة، التوتر بينهم عامل زي عاصفة على وشك الانفجار. أركان بيحس إن عقلها مش مستوعب خطورة الوضع، وإنه لو فضّل قريب منها بالشكل ده، هيكسر كل الحواجز اللي بينه وبينها. بياخد خطوة لورا، بيشد نفسه من تأثيرها عليه.)
أركان (وشه بيتقل، صبره بيقل، صوته بيبقى أخطر وهو بيهمس قريب منها): "أنا مش بهزر، ليلى."
ليلى (بتحس بقلبها بيدق بسرعة، بس بتخفي توترها، بتلف وشها للجانب وهي بتمثل عدم الاكتراث): "ولا أنا… بس الظاهر إن في حاجات بتأثر عليك غصب عنك، مش كده؟"
(أركان بيحس بالكلام بيولّع فيه، عارف إنها بتستفزه، بتلعب على أعصابه، وإنه لو استسلم للحظة، ممكن يعمل حاجة يندم عليها. بياخد نفس عميق، بيسيطر على غضبه، وبصوت هادي بس فيه تحذير واضح، بيقرب أكتر وهمساته بتلفح خدها.)
أركان: "أنا ممكن استحمل كل حاجة… إلا إن حد يتحداني."
(نظراته بتفضل معلقة عليها لحظات، قبل ما يبعد فجأة، كأنه بيهرب من تأثيرها. بيشيح بوجهه، بيمشي بخطوات تقيلة وهو بيتمتم بجمود.)
أركان (بصوت ثابت، كأنه بيحاول يسيطر على نفسه): "روحي نامي"
ليلى (بتبص له وهو بيبعد، حاجبها مرفوع باستغراب، وبتتمتم لنفسها): "هو مالُه دا؟"
---
بيمر يومين…
اليومين دول ليلى ما كانتش موجوده في الدنيا فيهم كانت بتقوم تاكل وتنام، تاكل بكميات كبيرة جدًا، مش عارفة إذا كان ده بسبب الحمل ولا بسبب الخوف اللي رابط معدتها طول الوقت.
أركان كان بيراقبها من بعيد، مستغرب حالتها، ليلى عمرها ما كانت كده. طول الوقت نايمة، وجهها شاحب، وعينيها فيها حاجة مش مفهومة… كانت مخضوضة، وكأنها حاسه إن في حاجة هتحصل، وده كان مخلّيه متضايق، متضايق من إحساسه اللي عمال يجبره يفضل جنبها، يحميها، وهو مش عايز يفكر في ده أصلاً.
جِه اليوم اللي هتتنفذ فيه العملية… وهي لازم تروح معاه.
دخل عليها الأوضة، كانت نايمة زي ما هي طول اليومين اللي فاتوا، قرب منها وربّت على كتفها بخفة.
أركان (بهدوء مخفي وملامح متماسكة): "ليلى، قومي."
ليلى (بنعاس، بتفتح عينيها ببطء): "همم؟ في إيه؟"
أركان (بصوت هادي لكنه حاسم): "قومي البسي، كمّلي نوم في العربية."
ليلى (بتحاول تستوعب كلامه، وبنبرة فيها قلق خفي): "إحنا رايحين فين بالظبط؟ المواصلات غلط على اللي في بطني…"
أركان (بيحاول يخفي قلقه ، وعينيه بتلمع بحاجة غريبة): "مكان بعيد شوية… بس أنا هسوق براحة متخافيش."
ليلى (بتتأمل كلامه، وبالرغم من إنها متوترة، بتحاول تخفي خوفها، بتبتسم ابتسامة صغيرة): "إن شاء الله خير."
"سكتت لحظة، وبعدها قامت ببطء، بتحاول تبعد أي أفكار سوداوية عن دماغها، واللي في بطنها بيفكرها بكل خطوة، لكن في نفس الوقت مش قادرة تتجاهل القلق اللي جواها من اللي هيستقبلهم في اليوم ده.
وقف مستنيها عند الباب، نظرته كانت متماسكة… بس جواه كان في صراع، صراع لازم يكسبه، لازم يفضل متحكم في نفسه…
أركان شد على نفسه، لازم يتحكم، لازم يفضل ثابت زي ما هو دايمًا، لأنه لو فقد السيطرة لحظة، هيكون بيعرّضها هي واللي في بطنها للخطر. خد نفس عميق، ومسح على وشه بسرعة كأنه بيطرد أي إحساس ممكن يضعفه."
---
الجو في الفيلا ، تحسه متشبع بالخطر والترقب. العيون متحركة في كل اتجاه، كل واحد فيهم عارف إن الليلة دي مش سهلة، وإن أي غلطة تمنها حياة. العربيات برا مستعدة، والسواقين في أماكنهم، مستنيين الإشارة الأخيرة.
صلاح (واقف في الوسط ، عيونه باردة وهو بيبصلهم واحد واحد):"لو أي حركة صغيرة حصلت غلط… خلّصوا عليهم فورًا"
عبد الحق (واقف جنب صلاح، بيهز راسه بتقدير): "زي ما اتفقنا، الليلة دي لازم تمشي من غير غلطة."
صلاح (بهدوء قاتل): "وأي حد يقرّب من حدودي… نهايته محسومة."
مروان كان واقف، ملامحه بريئة ظاهريًا، لكن عنيه بتبرق بخبث. اللحظة اللي مستنيها بقاله كتير أخيرًا وخطط لها وصلت. سعيد تحت الضغط، هنيه وسط النار، والمهمة محفوفة بالخطر. دي فرصة ذهبية بالنسبة له… فرصة يثبت نفسه، ويوقع ليلي .
---
أسماء (وعينيها مليانة دموع، صوتها مهزوز وهي بتروح ناحية ليلى، ): "خلي بالك من نفسك… وارجعي بالسلامة إنتي والكتكوت الصغير بتاعي… عشان هجيب له هدية."
ليلى (أول ما سمعت كلامها، ، مقدرتش تمسك نفسها، دموعها نزلت بدون إرادة، راحت حضنت أسماء بقوة، كأنها مش عايزة تسيبها)
أركان كان واقف بعيد، بيراقب المشهد، عينيه متركزة على ليلى. شاف دموعها، شاف خوفها، وشاف كمان الحنان اللي في كلام أسماء… حاس بشيء غريب جواه، إحساس معرفهوش.
شدد على كفه، خد نفس عميق، ثم بصّ ليها ببرود متعمّد: "ليلى، يلا."
ليلى فكت حضنها من أسماء، مسحت دموعها بسرعة، وحاولت تثبت ملامحها… بس عينيها فضلت مليانة خوف.
أسماء (بصوت واطي وهي بتبص ليها قبل ما تمشي): "استودعتك الله اللي لا تضيع ودائعه…"
ليلى مشيت جنب أركان، وعقلها مليان أفكار… بس كان لازم تكمل، لازم تواجه اللي جاي، مهما كان مخيف.
أركان (وهو بيفتح لها باب العربية من قدام، صوته هادي وجاد): "يلا، اركبي."
ليلى (وهي بتتجاهله، بتروح تفتح الباب اللي ورا، صوتها عادي بس فيه عناد خفي): "لا، أنا هركب هنا… عشان أعرف أنام على ضهري."
أركان (بيوقفها قبل ما تدخل، بيبصلها بنظرة حادة): "مش هتنامي، ومش هتركبي ورا، اركبي قدام زي ما بقول."
ليلى (بتعقد حواجبها وبتبص له بتحدي، بتحط إيدها على بطنها): "أنا حامل، ولازم أكون مرتاحة، يعني المفروض أركب في المكان اللي يريحني مش اللي يريحك."
أركان (بيشد أنفاسه، عينيه بتمسح ملامحها، ملامحها اللي بتجبره يتراجع غصب عنه، بس مستحيل يعترف بده، بيقفل الباب اللي قدام بهدوء ويشير لها ناحية الكرسي اللي ورا): "تمام… بس نامي كويس، عشان الطريق طويل."
ليلى (بتبص له بريبة، مستغربة إنه ما عاندش معاها، بس بتقرر ما تعلقش، وبتدخل العربية، بتحاول تاخد وضع مريح، بس عقلها مش مريحها أبدًا).
أركان قفل الباب وراح ناحية الكرسي الأمامي، ركب، شغل العربية، وبصّ في المراية يشوفها… كانت مغمضة عينيها، بس نفسها مش منتظم، واضح إنها مش نايمة.
أدار وشه للطريق، شد على دركسيون العربية، وكأن شدته عليه هي اللي هتهديه. الطريق طويل، والمهمة أخطر مما هي متخيلة… بس هو مش عارف ليه، مش عايز أي حاجة تأذيها.
---
ليلى كانت نايمة فعلاً، واضح إنها مرهقة جدًا، وده كان مريح أركان لأنه عارف إنها لو فضلت صاحية هتفضل تزن وتجادل في كل حاجة. بس بعد مدة، اتحركت في مكانها، فتحت عيونها بكسل، وبصوت ناعس قالت:
ليلى (بتتمطى بخمول): "أنا جعااانة."
أركان (من غير ما يبص لها، عيونه على الطريق): "استني لما نوصل، وأجيب لك أكل."
ليلى (بتتكلم بطفولية، وهي بتقرب منه شوية كأنها بتحاول تستعطفه): "لا، مش قادرة أستنى… لو لقيت أي محل، نزلني أشتري حاجة."
أركان (بنظرة جانبية سريعة، قبل ما يرجع يركز على الطريق): "هو إحنا في وسط الصحراء، منين أجيب لك محل دلوقتي؟"
ليلى (بإصرار وهي بتحط إيدها على بطنها كأنها بتأكد كلامها): "أنا بأكل عن شخصين، ولازم تأخذ ده في اعتبارك."
أركان ( وهو بيتنهد): "يا بنتي، انتي صحيتي عشان تتعبي دماغي؟"
ليلى (بمرح، وهي بتبتسم ببساطة): "لا، أنا صحيت عشان آكل."
أركان (يتمتم لنفسه وهو بيحاول يفضل هادي): "صبرني يا رب."
فضل ساكت لحظات، وبعدها لمح نور ضعيف على بعد، شكلها استراحة طريق. زفر بضيق، وعمل إشارة يمين، وقبل ما تنطق ليلى، قال بحزم:
أركان: "هقف لك هنا، تنزلي تجيبي الأكل بسرعة وترجعي، مفيش هزار ولا تأخير."
ليلى (بحماس وهي تفك الحزام بسرعة): "ماشي، حاضر يا سيادة الظابط."
أركان (بهدوء محذر): "ليلى…"
ليلى (ببراءة مصطنعة): "عينيا ليك، ولا يهمك."
نزلت من العربية بسرعة، وركضت ناحية المحل، وأركان فضل يتابعها بعينه… قلبه مش مطمئن، وكأن إحساسه بيقوله إن الليلة لسه ما بدأتش مشاكلها الحقيقية.
العربيات كلها وقفت بمجرد ما عربية أركان ركنت قدام المحل. الجو كان توتر، الكل عايز يخلص المهمة ويرجع، لكن أركان كان شايف الموضوع بشكل مختلف… ليلى جعانة، والحقيقة إنه مش قادر يتجاهل ده حتى لو حاول.
طاهر (بضيق وهو بيبص في ساعته): "إحنا وقّفنا ليه؟ وراَنا ميعاد مهم، ما ينفعش نتأخر."
أركان (بثبات وهو بيفك الحزام وبيفتح الباب): "هنيه جاعانة، هتشتري حاجة وهنكمل تاني."
سليم (بنفاد صبر): "إحنا جايين نلعب ولا إيه؟ يلا نتحرك!"
فؤاد (بيهدي الجو ): "خلاص يا ولاد، بتشتري حاجة وهنمشي، مش هنقعد هنا يعني."
عبد الحق (بابتسامة خفيفة وهو بيهز راسه): "بالظبط كده، وبعدين دي حامل، عقبالكم مراتاتكم جميعاً."
أركان تجاهل تعليقاتهم ومشي ناحية المحل اللي دخلت فيه ليلى. بمجرد ما فتح الباب، كانت أول حاجة شافها هو وجه ليلى المشرق بالسعادة، وصوتها المرح وهي بتتكلم مع صاحب المحل.
ليلى (بنشوة وهي ماسكة الأكياس): "مش قلت لك جوزي هيجي يحاسب؟ اهو ده جوزي!"
بعدين التفتت لأركان، وعينيها بتلمع ، وقالت ببراءة وضحك:
ليلى: "كان خايف ما أدفعش، فاكرني ما معيش فلوس."
أركان وقف في مكانه، عينه عدت على الأكياس الكتير اللي في إيديها، حاجات أكتر من اللي ممكن تاكلها في أسبوع كامل. رفع حاجبه ببطء، وصوته طلع هادي بس فيه نبرة مش مبشرة.
أركان: "ما هو عنده حق يخاف… انتي أخدتي المحل كله!"
ليلى ضحكت، وهي بترفع كيس قدامه:
ليلى: "لا، ده بس الحاجات اللي أنا بحبها، لسه ما جبتش الحلويات!"
أركان تنهد، عارف إنها مش هتطلع بسهولة من هنا من غير الأكياس دي، فمد إيده بهدوء، خد بعضها منها، وقال وهو بيبص لصاحب المحل:
أركان: "حسابها كام؟"
صاحب المحل (بابتسامة): "ما شاء الله، مراتك ست كريمة، جابت كل حاجة تحبها."
أركان (وهو بيتمتم لنفسه): "وكمان كريمة بفلوسي!"
مد إيده في جيبه، طلع الفلوس، دفع بسرعة، وبعدها لف ناحية ليلى وقال بلهجة آمرة:
أركان: "يلا، على العربية قبل ما أرجّع الحاجة دي مكانها."
ليلى (وهي بتجري ناحيته وتضحك): " ما تبقاش عصبي كده يا جوزي العزيز!"
أركان ما ردش، بس كان متأكد من حاجة واحدة… الليلة دي مش هتعدي بالساهل.
---
داخل العربية – منتصف الطريق.
ركبت ليلى العربية، وقعدت تفتح في الأكياس، تاكل بشهية مفتوحة كأنها بقالها أيام ما كلتش، ما فكرتش حتى تعزم على أركان اللي كان كل شوية يبص عليها من المراية. كانت مركزة بس في الأكل اللي جابته، مش شايفة أي حاجة حواليها.
أركان كان مستغرب، ملامحه متجمدة وهو بيراقبها، كل لقمة بتاكلها كأنها بتمثل له لغز مش فاهمه. أول مرة يشوفها بالأكل ده كله!
بعد لحظة، عينها جات في عينه، لاحظت نظراته، فمدت إيدها بحركة سريعة بواحدة من الحاجات اللي معاها وقالت وهي مبتسمة ببراءة:
ليلى: "معلش… نسيت أعزم عليك!"
أركان (بيرفع حاجبه بسخرية): "لا، مش عايز… يا ترى دول اللي هيكفوكي؟ ولا كمان شوية هتجيبي غيرهم؟"
ليلى (وهي بتاخد لقمة كبيرة وبتتكلم بثقة): "ممكن أشتري قدهم مرتين كمان… يعني ده كده الفطار، لسه العشا ولسه الغداء!"
أركان (بصدمة وهو بيبص لها بتركيز): "إنتي بتهزري؟!"
ليلى (بكل جدية وهي بتهز رأسها): "والله ما بهزر! أنت اللي ما تعرفش حاجة… حملت من هنا، ونفسي اتفتحت على الأكل من هنا! تخيل إن أنا امبارح واكلة فرختين لوحدي، أسماء فضلت تتحايل عليا أديها حتة وما رضيتش!"
أركان فضل ساكت لثواني، مستوعب اللي سمعه، بعدين هز رأسه بخفة، وكمل السواقة وهو بيتمتم لنفسه:
أركان: "يا نهار أسود… إحنا هنفلس رسمي!"
أول ما خلصت ليلى الأكل، لمّت الحاجات اللي كانت باقية منها وركّنتها جنب أركان على الكرسي اللي قدام. أركان، بحركة تلقائية، مدّ إيده وأخذهم منها من غير كلام، وحطّهم جنبه.
ليلى كانت غمّضت عينيها وهي بتتمتم بنعاس:
ليلى: "أوعى تاكلهم… عشان ممكن أجوع تاني وأصحى آكلهم!"
أركان بصّ لها بنظرة جانبية، ابتسامة خفيفة لا إرادية طلعت على طرف شفايفه، لكنه أخفاها بسرعة.
أركان (بنبرة ساخرة): "هو إنتي هتنامي تاني؟"
ما كملش الجملة… وهو بيبص عليها لقاها خلاص راحت في نوم عميق قبل حتى ما تسمع ردّه.
تنهد بخفة، ورجع يبص للطريق، لكنه كل شوية كان يسرق نظرة ليها… شايف ملامحها الهادية، التعب اللي باين عليها، وإيدها اللي لا إرادياً كانت قريبة من بطنها.
حسّ بشعور غريب جواه… حاجة مش قادر يفسرها، لكنه كان متأكد من حاجة واحدة بس—هو لازم يحميها، يحميها هي واللي في بطنها، مهما كان الثمن.
---
كل العربيات وقفت في المكان المحدد، ونزل منها فؤاد، خليل، طاهر، سليم، عادل، ومروان. أركان لفّ راسه يبص ورا لقى ليلى لسه نايمة، كان متردد يصحيها، مش عايز يزعجها، بس في نفس الوقت كان خايف تصحى فجأة على صوت أي حاجة وتتخض، لأنه بصراحة، مش ضامن اللي ممكن يحصل هنا.
عبد الحق قرّب منه وهو بينزل من عربيته، صوته كان هادي لكن حازم:
عبد الحق: "هي مش هتنزل ولا إيه؟"
أركان بصّ له من غير تعبير، ردّ ببرود:
أركان: "مش فاهم ليه لازم تنزل دلوقتي."
عبد الحق: "الأوامر جايه كده، احتياطي."
أركان لفّ وشه ناحية ليلى، بصّ لها لحظة، شاف ملامحها الهادية وهي نايمة. كان نفسه يسيبها ترتاح، بس مفيش حل تاني.
أركان (بضيق): "بس هي نايمة..."
عبد الحق (بحزم): "صحيها، نص ساعة وترجع تنام تاني."
أركان لفّ مقبض الباب، لكن قبل ما يمد إيده لها، لقاها بتفتح عينيها لوحدها.
ليلى (بنعاس): "احنا وصلنا؟"
ما استنتش ردّه، فتحت الباب ونزلت. عينيها وقعت على البحر قدامها، الهوى البارد ضرب وشها، فابتسمت تلقائيًا وراحت ماشية ناحيته من غير ما تستأذن أو تبص وراها.
أركان كان واقف بيتابعها، رفع حاجبه بضيق وسار وراها، ولما وقف جنبها قال بلهجة آمرة:
أركان: "خليكي في ظهري، ما تمشيش من ورايا."
ليلى بصّت له بابتسامة مرحة، هزّت راسها موافقة:
ليلى: "حاضر."
رجعت تبص قدامها للبحر، تنفست بعمق، وبنبرة حالمة قالت له فجأة:
ليلى: "لما نرجع، تشتري لي مانجا؟ طول عمري بحب المانجا، بس ما تخيلتش حتى لما أتوحَم، أتوحَم عليها."
أركان سرق نظرة سريعة لها، ابتسامة خفيفة ظهرت على طرف شفايفه قبل ما يخفيها بسرعة، وقال بلهجة باردة:
أركان: "نشوف."
لكنه كان عارف جواه… إنه خلاص، مهما طلبت، هيجيب لها اللي هي عايزاه.
عادل (بتهكم وهو بيبص لمروان): "جاين نشوف قصة العشق الممنوع دي "
مروان بخبث " أهو، بيعيشوا لهم يومين أو لحظات."
في اللحظة دي، كان أركان واقف جنب ليلى، مستمتع بصمتها وبنسمة الهوا اللي بتمر عليهم. فجأة، لمح سفينة بتقرب من الشاطئ. عيونه اتسعت، وكل حواسه اشتغلت في لحظة.
أركان (بحركة سريعخ، وهو بيشد ليلى ورا ظهره): "خليكي ورايا."
ليلى (متفاجئة من رد فعله): "في إيه؟"
ملامحه كانت متصلبة، وعينيه مش مرفوعة عن السفينة اللي بدأت ترسي قدامهم. المكان كله بقى مشحون بتوتر غريب، والرجالة اللي حوالين العربيات بقوا في حالة تأهب.
السفينة نزل منها رجال ضخام، كل واحد فيهم شايل حاجة. المشهد كان واضح… البضاعة بتتنقل من السفينة للعربيات.
أركان كان ثابت في مكانه، لكنه كان متأهب لأي حاجة. حسّ بحركة ليلى وراه كأنها بتحاول تطلع تشوف، فشدّها أكتر وقرّبها منه، صوته كان واطي لكن حاد:
أركان: "متتحركيش، خليكِ ورايا."
ليلى (بهمس وهي بتحاول تفهم): "إيه اللي بيحصل؟"
خلص التسليم، والبضاعة دخلت العربيات، والسفينة مشيت بعد ما أخدت فلوسها، وخلاص العربيات بتتحرك.
كانت العربيات بتتحرك، والجو هادي بشكل مخيف، كأن الدنيا بتحضر لمصيبة جاية. أركان كان واقف جنب ليلى، عينه بتدور حوالين المكان، حاسس إن فيه حاجة غلط، إحساسه العسكري عمره ما خانه.
ليلى (وهي بتبص للسفينة اللي كانت بتنقل البضاعة): "الدنيا بقت هادية بسرعة، ده طبيعي؟"
أركان (بحذر وهو بيحرك إيده ناحية سلاحه): "لما الحاجة تبقى أهدى من الطبيعي… يبقى في حاجة مستنينا."
وفجـــأة…
صوت طلقه ناريه بتجاه اركان وليلي اخترقت جسم.......