“مستشفى الأمل للعلاج النفسي والعصبي” –للأسف ليلى محتاجة تفضل هنا فترة عشان حالتها دي مش سهلة. –طيب ممكن أعرف طبيعة حالتها؟ قالها سليم في قلق واضح. ردت عليه سلمى:
–ليلى كانت بتحاول تستوعب معاملة والدها، اللي مع العلم مذكرتهاش قصادي، وكانت بتحاول تأجل الكلام فيها معايا ومعاك على حسب كلامك. وده سبب ليها كتمان داخلي بيأثر على تفكيرها يومياً وعلى مشاعرها. وأنا استشفيت إن ورا علاقتها بيه حاجات تانية. ومع وفاته ده سبب مشاكل كتير هي الوحيدة اللي تقدر تعبر عنها. وكمان وجودك في حياتها أثر على طريقة تعبيرها لمشاعرها بعد مرورها بعلاقة عاطفية فاشلة.
ابتسم بيأس لـ سلمى قبل ما يخرج من المكتب ويمر على أوضتي من بعيد عشان يرمي نظرة سريعة يشوفني وأنا قاعدة على كرسي معين قصاد الشباك وباصة للسما بضعف وصمت أثر على وجهه زيادة. بعد يومين كنت قاعدة على سريري. سمعت خبطتين على باب الأوضة. حاولت أتجاهلهم قبل ما تدخل دكتورة سلمى وتقعد قصادي. –يارب يكونوا اليومين اللي فاتوا أثروا تأثير إيجابي معاكي. تقبلت صمتي وحاولت معايا كمان مرة. –أنا مش بطلب منك حاجة صعبة يا ليلى، اتكلمي.
اتأفجأت ببُكايا وأنا بحاول أخرج الكلام. –أ. أنا، أ. أتكلم.. أ.. أقول إيه؟ تنهدت بابتسامة. –قولي أي حاجة، انتي بقالك يومين ساكتة. كملت بُكى بصمت وأنا سامعاها بتكمل. –مش ملاحظة إنك عمرك ما اتكلمتي على باباكِ ودايماً بتتهربي من الموضوع ده؟ “شركة دويدار” قربت ياسمين منه وهي بتحاول تخفف عنه. –انت حبيتها يا سليم. بصلها بملامح باهتة وفاقدة الشغف. –هتفرق معاكي؟ –مش هتبطل تهرب بقى؟ اعترف!
اعترف على الأقل لنفسك عشان ترتاح من العذاب ده. هي مش مريم يا سليم. حاول تتخطى موتها بقى عشان تعرف تعيش وتحس بمشاعرك. تنهد بصعوبة قبل ما يقول. –آه حبيتها! للأسف حسبتك كانت غلط لما قولتيلها للأسف عمره ما هيحبك. –وكنت غلطانة، معميه مش شايفة حقيقة مشاعر اللي حواليا. –ويفيد بإيه كل ده؟ ليلى خلاص بتضيع مني. سواء بقى بتدهور حالتها النفسية أو سفرها اللي أكيد هتبدأه عن كل اللي حواليها، لأنه ببساطة هو البوصلة الوحيدة للفرار.
سابها ونزل ركب عربيته. وفي نص الطريق شغل الراديو لما سمع لصوت نجاة اللي كان خارج من راديو العربية وهي بتغني: “يا مسافر وحدك وفايتنـي ليه تبعد عني؟ وتشغلـني..” ابتسم بمرارة وكمل طريقه وهو بيفتكر آخر جملة رماها لـ ياسمين قبل ما ينزل بسبب الأغنية اللي اشتغلت وكأنها بتعبر عنه. “غرفة المستشفى” –استحملت منه حاجات كتير أوي! مش عارفة أبدأ منين!
الضرب اللي كان بيعلم على جسمي وأنا بلمس وشي وجسمي كل يوم وبفتكر الخضة ورعشة الجسم اللي كانوا بيحصلولي وقت الضربة نفسها؟ ولا تشويه وشي لأكتر من مرة وأنا بداريه بمكياج باهت وأنا طول عمري مابحبش أحطه. صوت بُكايا ابتدا يزيد. –تخيلي معايا أبقى بنت ويوم ما أحط مكياج زي بقية البنات أحطه عشان أخفي أثر لذكرى بشعة مش عشان أتجمل زيهم. أنا بس كان نفسي ف حضن!
مش محتاجة غيره وكنت هفضل معاه ويطلب مني عيني أديهاله عادي. حتى عمتي كل يوم تبخ ف وشي إني مجرد هَش يقدر يعمل فيه اللي هو عايزه. صدقيني يا سلمى أنا حاولت ما أضعفش من كل ده وكنت بقوي نفسي يوم بعد يوم وحاولت أحب تاني بس برضه فشلت ومع ذلك كنت بتجاهل كل ده. ابتسمت بفرحة حقيقية وقالت. –أخيراً يا ليلى؟ .. كملي أنا سامعاكي. مسحت دموعي وأنا بقول. –معنديش حاجة تانية أقولها غير سؤال واحد!
هو ليه حتى ماسبليش فرصة أعاتبه، ماسبليش فرصة أقوله قد إيه كنت غضبانه ومش قادرة أبص له في عيونه حتى! ليه مات من غير ما أقوله كل اللي عمله فيا؟ يمكن كنت قدرت أتخطى كل ده. –صدقيني يمكن هو مشى عشان انتِ تعرفي تتخطي. ساعات وجود الأهل بيبني رهبة جوانا إن مهما يغلطوا فهم أهلنا وكبار وإحنا لازم نستحمل ده. يعني ممكن لو خناقة بسيطة تحصل نضايق ونلوم نفسنا إحنا إزاي عملنا معاهم كده! ما بالك بقى انتِ كنتِ مستحملة إيه؟
صدقيني كده أحسن ليكي ولي. قطع كلامنا خبطتين على الباب لما الممرضة دخلت وقالت. –في زيارة لمدام ليلى تحت في الجنينة. قمت وقفت بصعوبة بسبب إني بقالي يومين مابتحركش. فنفس الوقت اللي قربت مني سلمى وهي بتقول. –لينا قعدة تانية. نزلت تحت وأنا بدور بعيوني عن الزائر مجهول الهوية اللي معرفتش لحد دلوقتي هو مين. عشان أتفاجئ بآخر شخص ممكن يزورني هنا. –ياسمين. “بعد دقايق” –بتبصيلي كده ليه؟
قالتها ياسمين بهدوء غريب عكس آخر مرة. كنا قاعدين في الجنينة قصاد بعض. رديت عليها بنفس الهدوء. –مستغرباكي. –ليه؟ –يعني، انتِ آخر شخص أتوقع زيارته. –بديهي! أنا عارفة اللي عملته آخر مرة مكانش طبيعي. –حقك! انتِ استنيتي فرصة أكتر من عشرين سنة مثلاً، أكيد وصلتي لمرحلة بشعة. تنهدت تنهيدة قوية بتدل على وجعها. –أنا كان كل اللي بحاول أفهمه وقتها، عملتي إيه انتي زيادة عن اللي كنت بعمله، ظهرتي له فجأة؟
ما أنا معاه دايماً. إتخانقتي معاه في نص الشارع؟ إحنا خناقتنا من زمان مابتخلصش. فيكي إيه زيادة يخليه قلبه يتحرك نحيتك. بصيت حواليا في الزرع اللي مالي المكان وأنا بتأمله.
–يمكن.. عشان وعيت على الدنيا وأدركت إني يتيمة، الوحيد اللي كنت معاه مكانش مصدر أمان كفاية ليا لا هو ولا أبويا. يمكن عشان لقيت في سليم حاجات كتير كنت بدور عليها زي ما هو كان بيدور فيا على حاجات كتير بعد ما فقد مريم. إحنا الاتنين مرينا بتجارب سيئة خلينا مش فاهمين نفسنا. –ارجعيله يا ليلى، سليم بيحبك، أنا أول مرة أشوفه كده عشان حد. صدقيني هو عنده استعداد يعمل كل حاجة عشان بس تبقي كويسة ومبسوطة. “بعد أسبوع، آخر جلسة”
شردت قصادي قبل ما أبتسم لـ سلمى وأنا بحكي بارتياح. –أنا انتحرت مرتين قبل كده. أول مرة خوفت أقطع شرايني فـ أخدت حبوب غلط بتسبب تسمم وإتلحقت. بس التانية قررت إني أقطع شرايني بدون خوف وإتلحقت برضه. –كنتِ عايزة تمشي ليه؟
–عشان حسيت إن أمي وحشتني. ماما لما ماتت بابا اتحول بقى شخص تاني، مش قادر يستوعب إنها مشيت. وبدل ما ياخدني في حضنه عشان يعوضني عن عدم وجودها اللي فضل مسببلي أزمة، لقيته بيضربني. بيطلع كل وجعه فيا. ما أصله كان بيحبها أوي. بس هو ماتقبلش رحيلها. تاني يوم كنت اتحسنت كتير واقفة في الأوضة بلم لبسي عشان أستعد للخروج. دخلت سلمى بعد ما خبطت على باب الأوضة وهي مبتسمة. –قررتي خلاص؟ هزيت راسي بإيجاب. –خلاص. –حاسة بإيه؟
تنهدت بارتياح غريب. –عندي طاقة لكل اللي حواليا. طاقة حلوة عشانهم قبل مني. –بعد كل ده، نصيحتي ليكي كـ سلمى ومعالج نفسي، انتِ محتاجة تشوفي الحياة بشكل أوسع، تتعرفي على الدنيا بدون خوف ولا قيود. قربت مني وحضنتني حضن داعم وقوي قبل ما أسمع صوته اللي وحشني لما قال. –حمد الله على سلامتك يا لولو. سمعت بعدها صوت زينة وهي داخلة بتصيح وبتحضني. –ليلووو، وحشتيني. شيلتها من على الأرض وضمتها ليا باشتياق واضح.
–محدش وحشني قدك يا مفعوصة انتِ. –هي بس؟ سببتها وبصيت له. –سليم؟ –ماتفكرش كتير، زوزو عاملالك ملوخية ورز وصنية بطاطس بالفراخ ولا نسيتيها؟ –تانييي!! قولتها وأنا بضحك ضحكة رنت في المكان كله. وبعد دقايق كانوا كلهم خرجوا ومافضلش غيري أنا وهو، واقفين قصاد بعض. –من ساعة ما جيت وانت عايز تقول حاجة، مالك؟ –المنحة بعتولك الرد. رديت عليه بتوتر ملحوظ. –وبعدين؟ حاول يبتسم بالعافية. –مبروك يا ليلى.. انتِ اتقبلتي.
لاحظ عدم ظهور أي تعبير على ملامحي لما قال. –مش مبسوطة؟ –مش عارفة! اللي كنت بحاول أهرب منه خلاص! .. مات. –بس إحنا موجودين يا ليلى.. كلنا معاكي وجنبك. ابتسمت. –عايز تقنعني أعد بس مش عارف.. صح؟
–هتصدقيني لو قولتلِك إني اتعودت على وجودك، اتعودت أقوم كل يوم الصبح أشوفك نايمة جنبي وواخدة اللحاف كله في حضنك وشعرك منتشر على مخدتي اللي ماكنتش بقبل أي حد يحط راسه عليها غيري. أو إني بقيت مستني تنطي عليا زي فرقع لوز كل شوية في مكتبي بحجة جديدة. أو أتخيل مثلاً إننا نازلين نجيب طلبات زوزو من السوبر ماركت اللي عمرها ما حصلت. أنا بقيت ببني معاكي سيناريوهات في خيالي ماحصلتش عشان خايف تمشي وملحقش أحققها معاكي. مش عارف بقى بس أنا شكلي بحبك فعلاً يا ليلى.
ابتسمت وعيوني مدمعة من الفرحة لما كمل. –في مرة سألتيني هو أنا بقول مراتي قدام الناس عشان الشكل الاجتماعي؟ أنا ساعتها كنت بقولها بفخر كأن مابيننا سنين، يعني إحساسي وأنا بقولها كان بيخليني مبسوط وأنا حاسس إننا عايشين مع بعض بقالنا فوق العشر سنين. ليلى، انتِ غيرتي فيا حاجات كتير، خليتيني أعرف عن نفسي حاجات أنا ماكنتش متصور إنها موجودة أساساً. كنت طايرة، كلامه فرحني بس سؤاله حيرني لما اتكلم بنبرة مهزوزة وقال.
–انتي كنتي عايزة تتقبلي في المنحة دي بأي طريقة عشان تهربي! وبعد ما قابلتيني وحبيتك لسه برضه عايزة تهربي؟ لسه عايزة تسافري يا ليلى؟ –الأسبوع اللي قعدته في المستشفى فهمني حاجات كتير. –زي؟ –زي إني عمري ما هطمن على زينة وهي بعيدة عني، ولا هعرف آكل أكل في طعامة أكل زوزو. وحتى ياسمين، رغم كل اللي مرت بيه لكنها محتاجانا جنبها في الوقت الحالي. ولأني برضه لسه ماشبعتش من نور قبل ما ترجع تسافر هي كمان لشغلها.
بصلي بزهول وعيونه وسعت وهو بيقول ببراءة أطفال. –وأنا؟ قربت منه ومسكت إيده. –انتَ بقى حكايتك معايا حكاية يا سي سليم. تعرف إني كنت بدور عليك؟
طول عمري عايشة حياتي بدور على منقذي الأبدي اللي هايجي ينتشلني من الضياع اللي أبويا دفني فيه. كنت بدور على الشخص اللي يغير وجهة نظري في البشر وفي الشخص الوحيد اللي حبيته من قلبي وخذلني. حتى بعد ما شوفتك صدفة أول مرة كان عندي شغف إني أشوفك تاني. أنا فضلت طول حياتي أدور عليك يا سليم وأنا مش عارفاك ولا عمري شفتك. لحد ما اتأكدت. هزيت راسي وأنا بكمل بابتسامة واسعة قبل ما أقرب له وأحضنه.
–اتأكدت إني مش هعرف أحب حد بالطريقة اللي حبيتك بيها. “السابعة مساءً –منزل دويدار” –ها يا ست زينة، وبعدين؟ –لقيتها قربت قعدت جنبي وقالت لي إنها مش فاهماني. وحاولت كذا مرة تقرب مني ونبقى صحاب بس مكانتش بتعرف. –وإنتِ قولتلها إيه؟ –قولتلها إني مش بحب أقرب من حد ومبسوطة كده. –ليه كده يا زينة؟ –عشان دي الحقيقة، بس قولتلها إني ممكن المرة دي أجرب يبقى عندي صحاب بجد. –هو انتِ حاسة إن دماغها صغيرة مثلاً؟
–مش بالظبط، طبيعي ده سنها، ولكن المشكلة فيا أنا عشان أنا اللي دماغي غريبة. ابتسمت لها. –بالعكس، انتِ ربنا أداكِ ميزة. أنا كمان كانت عندي وأنا صغيرة بس الفرق إن مامتي كانت قافلة عليا بزيادة. انتِ لسه عندك الفرصة، ماتضيعيهاش. –تفتكري؟ –أفتكر جداً كمان. عديت على زوزو في المطبخ وكانت بتحاول تعلمني الطبخ، وبعد فشلي الذريع. بصتلي بطرف عينها وقالت لي وهي بتحاول مـتتعصبش. –يا بنتي مالها الكوسة! ما هي حلوة أهي.
–أيوه يا زوزو بس صعبة أوي، المأورة دي مش تمام. –المأورة برضه اللي مش تمام؟ والنبي دماغك دي هي اللي مش تمام. سببتها ورجعت أوضتي أنا وسليم وأنا بضحك. كنت مبسوطة بقعدتي معاها وأنا مغلباها عشان أتعلم حاجة جديدة في الطبخ. ابتديت أرجع حاجاتي الدولاب وأنا مبتسمة. حقيقي القدر ده غريب. اتعرفت على شخص في ظروف عصيبة. وفجأة الشخص ده بقى جزء كبير ومهم في حياتي. سمعت خبطتين على الباب قبل ما أقول. –أدخل. ظهر هو من وراه لما ابتسمت.
–تعالى يا حبيبي. –ماشوفتيش الشاحن بتاعي؟ –مابتتعرفش تحور، تعالى أحكيلي.. مالك؟ قرب مني وقعد جنبي على الكنبة. فـ أقل من ثانية كان نايم على رجلي. –هو أنا ممكن أسألك رجعتي ليه؟ ملست على شعره وأنا بقول.
–مش هقولك الكلمة المتوقعة دايماً وهي الحب. بس أقدر أقولك يمكن عشان العشرة اللي بينا. لأني اكتشفت إن مش الحب بس اللي بيمشي المركب. فيه حاجات كتير زي إننا نتقبل الآخر في أسوأ حالاته. أو المشاكل يعني كل مشكلة بينا كنت بكتشف قد إيه إحنا بنفهم اختلافات بعض، بنطبع أكتر بطباع نفسنا. ده غير أن المشاكل والخلافات وكل الخناقات دي هي اللي بتقوي العلاقة. –هتصدقيني لو قولتلِك كنت خايف تمشي بسبب موضوع ياسمين.
–ياسمين مش وحشة. ولكن قلبها كان غالبها. أو يمكن حضرتك. رفع حاجب وهو مبتسم. –للدرجة دي؟ –وأكتر. المهم انتَ حاسس بإيه بعد كل ده؟ ابتسامته وسعت وعيونه لمعت. –مبسوط. اتعدل فجأة فقعدته ولسه باصصلي. –أنا لو ماكنتش قابلتك حياتي كانت هتبقى مملة. ابتسمت. –أومال أنا أقول إيه؟ –حاسة إنك أحسن دلوقتي عن زمان. –حاسة إني في حلم جميل مش عايزة أصحى منه.
فتح لي دراعاته قبل ما أقرب وأثبت فـ حضنه اللي بقى طاقة حنان وأمان مريحة ليا. وفـ الخلفية كان صوت فريد الأطرش خارج من جرامافون زوزو القديم وهو بيقول: “يا حبيبي يا ريت أبقى حبيبك وأكون من بختك ونصيبك ده أنا مهما تقسى برضه راضي بك وتكسبني الروح قبل ما أسيبك.” “بِسَبَبِك أَحْبَبْت عُمْرِي وعشقت الْأَشْيَاءِ الَّتِي تَجْمَعُنَ” تمت.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!