خيم الليل بستاره المظلم ليطفو ضوء القمر الخافت. قطرات المطر تهبط بغزارة فتنثر البرودة على الأرجاء. الأجواء ساكنة كسكون الموتى، ليس بها سوى صوت السيارات. هبط من سيارته وتوقف أمام البحر ثم جلس أمام المياه بثبات. يلمع بعينيه، ولكن بداخل هذا القلب صراعات كبيرة. نعم، تألم ليوم لرؤيتها هكذا. فما عساه أن يفعل، فهو في دوامة بينها وبين رفيقه. شرد قليلاً بعشقها القاتل من وجهة نظره. فاستند برأسه على عمود عملاق خلف رأسه.
عيناها تلحق به أينما كان، فتزيد من أوجاعه. غامت عيناه المياه بنظرات ساخرة. فكم كان يود أن ينتشلها داخل أحضانه اليوم أمام الجميع. لعلها تتطفئ النيران المشتعلة داخل صدره. لكنها في النهاية لا تحل له. استغفر الله في سرّه. مر أسبوع على أبطالنا. "قابع في شرفته يعيد حديث صديقه في عقله مراراً وتكراراً. توصل إلى أنه لابد أن يصارحها بالحقيقة. لكنها في النهاية ليس لها حرية الاختيار." نادى عليها. عمرو: هدير تعالي، عايزاكِ.
إنصاعت له وذهبت خلفه. أجلسها وجلس أمامها. لا يعلم من أين يبدأ بالحديث. تحركت باتجاهه وجلست بجانبه. ربتت على ظهره. هدير بحنان: مالك ياعمرو، فيك إيه؟ احكيلي ياحبيبي، مالك؟ استكان في حضنها قليلاً. وفجأة دفعها بعيداً عنه بكل عنف وتحدث بغضب عارم. قال: عايزاني أحكي؟ أقول إيه؟ نظرت له بخوف من عصبيته الغير مبررة. : عايزك تقولي مالك، فيك إيه؟ أنا حاسة إنك مخبي عني حاجة، وحاجة كبيرة كمان. خفضت عينيها بخجل وأكملت.
: من ساعة ما أهلي وأهلك كانوا عندنا من أسبوع، وأنت متغير. مبقتش بتقرب مني خالص، وإن قربت مش بتكمل للآخر. كلمتها أشعلت بقلبه نيران الغضب. وصل إلى قمة غضبه واندفع بكلام شق قلبها واخترق روحها. عمرو بكل قسوة: قرب منها ومسك ذراعيها بقوة لدرجة كان سوف يحطمهم بين يديه. وأكمل بغضب عارم ممزوج بألم أشد. : الحادثة اللي حصلت لي أثرت عليا وخلتني عاجز، ياحرمي المصون، يا... يا آنسة هدير. رددت الكلمات بذهول في عقلها أكثر من مرة.
حادثة... آنسة... ماذا؟ آنسة؟ هل يعني أنني مازلت عذراء؟ تحدثت ببكاء وضحك في آن واحد. : حادثة؟ آنسة؟ تقصد إني لسه آنسة؟ عمرو بقسوة. : أيوه، لسه. زفت. ثم أكمل بتهديد. : وإياكي حد يعرف الكلام ده، وإلا قسماً عظماً لهتشوف يا هدير عمرو تاني غير اللي تعرفيه. هبطت دموعها، ليس من ألم يديها، إنما من وجع روحها. حركت رأسها بلا وتحدثت سريعاً. : لا مش هقول، والله ما هقول. بس سيب إيدي ياعمرو، إيدي هتتكسر في إيدك.
زاد من الضغط على يديها وأكمل بتحذير. عمرو: واوعى يخطر في بالك، شوفي مجرد يخطر في بالك إني ممكن أطلقك، أو تجيبي سيرة الطلاق ده على لسانك. أنتِ مراتي وهتفضلي مراتي لحد آخر يوم في عمري، غصباً عن عين أهلك أو اللي يتشدد لك. همست هي بضعف من بين شهقاتها. : أنا هفضل مراتك ياعمرو، مش عشان أنا ضعيفة، لا، لكن عشان ده، وأشارت على قلبها، عشان ده بيحبك وميقدرش يبعد عنك. تعلم أنه مجروح وبشدة. أفعاله ناتجة عن ألمه.
فما مر به ليس بالهين. وما أصعب أن يطعن الرجل برجولته. وبلحظة كان التقطها داخل أحضانه وصوت بكائهم يعلو ويعلو. ولكنه سريعاً استعاد جموده مرة أخرى وبعد عنها بعنف وخرج من الغرفة، بل من الشقة بأكملها، تاركاً خلفه قلباً محطماً من شدة الطعنات التي تلقاها من معشوقه. سقطت أرضاً تبكي بنحيب وانهيار من ألم يديها. ولكن ما يؤلمها أكثر هو قلبها. فما أصعب أن يكون الخذلان من أقرب المقربين إليك. أما هو، سيصبح شخصاً آخر.
سيُبدّله ألمه للأسوأ. وبيده سينزع عشقه من قلب زوجته بلا رجعة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!