توقفت رباب عن الصراخ، عندما نظرت حولها فلم تجد شيئاً. اختفى لوي والشبح خلفه وكأنها تتوهم. شيء ما يحاول أن يفقدها المتبقي من عقلها. قامت من على الأرضية الباردة بجسدها الضئيل من قلة النوم والطعام، لتتجه ناحية باب الشقة. فقد لمحت شيئاً ما لونه أسود مستطيل الشكل، هاتف! إنه هاتف لا بد أنه سقط من أحد الشابين اللذين كانا هنا.
ركضت سريعاً وهي تلتقطه، ومن شدة خوفها أن يظهر ذلك المدعو زوجها بوجهه المخيف مرة أخرى، فتحت الهاتف سريعاً ولكنه بكل أسف وضع عليه كلمة سر للحماية. أنزلت يدها بجانب جسدها وهي تتنهد تنهيدة بكاء، حتى رن الهاتف في يدها واهتز! من الأكيد أنهم يودون استرجاع الهاتف. ردت سريعاً على المتصل قائلة برعب شديد وهي تتلفت حولها: "ألووو" المتصل على الجانب الآخر: "يا مدام التليفون بتاعي وقع عندكم هاجي أخده منك دلوقتي"
رباب برعب شديد وبكاء: "خدني أنا والتليفون، أبوس إيدك أنا مرعوبة بشوف حاجات غريبة وجوزي... قاطعها الشاب عامل السيارات ليقول: "طب لامؤاخذة هاجي آخد تليفوني ده عليه أرقام صحاب العربيات والشغل، سلام يا أبلة" رباب من بين أسنانها وهي تحاول التحدث لمدة أطول: "استنى!! كان قد أغلق في وجهها الهاتف، لتضعه داخل ملابسها في محاولة لإخفائه. ما أن استدارت حتى وجدته يقف أمامها بطوله المهيب ويقول بنبرة باردة وكأن شيئاً لم يكن:
"واقفة عندك ليه؟ *** في أحد المنازل البسيطة. جلست سيدة في أواخر الخمسينيات من عمرها على سجادة الصلاة، تناجي الله أن يرد إليها فقيدها، قرة عينها.. ابنها! يرده كما رد يوسف ليعقوب. على أي حال هي راضية إن كان ميتاً ومكرم مثواه في القبور، فستذهب حامدة الله على القضاء والقدر. وإن كان حياً ستحتضنه وكأنه غاب لمائة عام عن ناظريها. هل يزور النوم جفن أم لا تعلم عن ابن قلبها شيئاً؟
قامت من على سجادة الصلاة وهي تطويها مرتين ثم تضعها على مسند المقعد القديم، لتقول بنبرة هادئة للفتاة العشرينية التي تقف أمامها جامعة خصلات شعرها للخلف: "روحي إنتي يا تقوى، زمان مامتك مشغول بالها عليكي" تقوى بأعين ذبلت من البكاء: "خلصتلك الكام طبق اللي كان في الحوض يا ماما." كانت تقول ذلك وهي ترتدي خاتم الخطبة في يدها المبتلة بماء غسيل الصحون مجدداً، ثم أكملت قائلة: "لو عايزاني أقعد معاكي وقت زيادة والله أمي ما هتمانع"
جلست السيدة الخمسينية على المقعد وهي تقول بهدوء: "اقعدي يا تقوى شوية هكلمك عن حاجة بعدها روحي" جلست تقوى أمامها وهي تنظر لها بإرهاق، فقالت السيدة: "لو.. لو بعد الشر حاتم مرجعش، هتفضلي كدا؟ قالت جملتها تلك وقلبها يعتصر من شدة الألم. ابتسمت تقوى ابتسامة باهتة سرعان ما ذابت من فوق شفتيها لتقول: "بعد الشر يا ماما، ليه بتقولي كدا دا مفاتش غير.. فات إيه على غيابه؟ قاطعتها السيدة لتقول:
"يابنتي زي ما هو ابني انتي بنتي، مش عاوزة أربطك خدمة لأمه وفي الآخر... لم تتحمل بقية الحديث الذي يدور في عقلها، فوضعت رأسها فوق يدها وبدأت في البكاء. انهمرت الدموع من عيني تقوى وهي تسير على ركبتيها باتجاه مقعد السيدة لتقول برجاء وبكاء: "عشان خاطري متقوليش كدا، إن شاء الله حاتم هيرجع لنا بالسلامة ويبقى بخير" ثم استندت برأسها على أرجل السيدة وأكملت بكاءها بقلة حيلة. *** داخل شقة لوي ورباب.
كانت ترتجف أمامه وهي تنظر له بخوف. مد يده تجاه عنقها بحنان استغربته هي ليقول: "مالك في حاجة مخوفاكي؟ ابتعدت خطوتين للوراء وهي تنظر له عاقدة حاجبيها، ثم قالت بحلق جاف من البكاء: "انت بتعمل كدا ليه؟ انت قاصد تجنني! طب ليه؟ يعني أنا عملتلك إيه.. ملمستنيش ولا قربتلي من أول يوم جواز وقدرت دا، بتحاول تخوفني وتثبتلي إني مجنونة.. إيه اللي حصلك لما قولت كلا لا.." هو بمقاطعة وقد تحول وجهه لوجه مخيف:
"ششش، هي كلمة حفظتيها فهتقعدي تكرريها؟ انتي ضعيفة متعرفيش غيرها" التقطت أنفاسها من نبرة صوته التي تغيرت فجأة، وهي تحاول الركض بحثاً عن مكان ما تختبئ به. ركضت باتجاه ممر الغرف بحثاً عن غرفتها، فوجدت الممر طويل لا نهاية له. كلما ركضت كلما زاد طول الممر، والنور داخله ينطفئ، حتى وجدت أخيراً بعد معاناة غرفة لوي، بابها مردود.
اقتربت بهدوء وهي تفتح الباب، لتجد سيدة في منتصف الغرفة، تمسك بيدها طفل صغير رضيع، وجهه مدفون في حضن والدته. عدلته السيدة لتضعه في الفراش الصغير الخشبي الذي يصدر صوت أزيز الخشب. نظرت رباب داخل وجه الطفل لتجده يضحك بأسنان! لا تناسب عمره أبداً. شهقت شهقة صغيرة جعلت السيدة تلتفت لها وتنظُر لها بعين غاضبة. وضعت السيدة الطفل الرضيع أرضاً، فاعتدل مرة واحدة وبدأ يزحف على قدميه ويديه رغم أن عمره لا يسمح بذلك!
وما زالت تلك الضحكة المخيفة تعلو وجهه. كلما اقترب منها كلما زاد صوت بكاء طفل وكأنه مسرع، والطفل بذاته يكبر كلما اقترب. أغلقت باب الغرفة وهي تركض لآخر ذلك الممر الطويل.. لا تعلم كيف! الشقة صغيرة للغاية كيف للممر أن يصبح طويلاً لتلك الدرجة وكأنه جسر للوصول إلى جهنم. في النهاية وجدت باب غرفتها مغلق، وضعت يدها على المقبض وفتحته لتدخل. ضوء أصفر باهت يعم المكان، ومرآة طويلة للغاية.
اقتربت رباب بخطوات مرتعشة للمرآة، وهي تنظر لها بخوف شديد. كانت ترى نفسها بداخلها ولكن! نفسها القديمة، تخيل أن تقف أمام ذاتك وأنت صغير! نظرت لتلك الفتاة والفتاة داخل المرآة تنظر لها، التي تقف داخل المرآة طرقت على المرآة طرقتين ففزعت رباب وعادت للخلف وهي متسعة العينين بخوف. مدت الفتاة الصغيرة يدها خارج المرآة وبدأت في الخروج. نظرت رباب خلفها برعب مبالغ به لتجد أن باب الغرفة اختفى!
عندما عادت للنظر مرة أخرى أمامها وجدت أن فتاة المرآة وقفت أمامها مباشرة. الصراخ في وجه شيطان ما تذكرت رباب أنه سيزيد الأمر سوءاً، بفضل أفلام الرعب التي تظل تشاهدها. فوضعت يدها على فمها محاولة عدم الصراخ وقلبها يهبط ويعلو وينتفض مما يحدث. *** في شقة السيدة الخمسينية. رن هاتف تقوى التي كانت ترتدي حذاءها لتذهب، ردت على الهاتف بفتور وهي تقول: "أيوة." المتصل:
"سلام عليكم يا أبلة، الرقم دا لقيناه تحت صورة الراجل المفقود اللي اسمه حاتم على الجروبات." تقوى بإنتباه: "أيوة؟ حضرتك شوفته في حتة؟ المتصل: "أيوة يا أبلة شوفته في شقة على الجهة التانية من غابة... ومُتأكد إنه هو."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!