نظرت إلى كأس العصير الذي وضعه لها النادل بتوتر، وحركت رأسها بإيماءة بسيطة كشكر. انصرف النادل من المكتب بعدما نفذ أوامر رئيسه. بعد لحظات، لحق به شخص يحمل أوراقًا يناقشه فيها. نظرت هي إلى كأس عصيرها، وكأنها تلهي توترها به. انصرف الموظف المكان بعدما أنهوا نقاشهم بأحوال ذلك الفندق الذي جاءت إليه سابقًا يوم حفل الزفاف، مدير أختها وابن خالتها حازم.
أخذت تُشغل بالها للحظات بسبب وجوده هنا ودعوته لها في مكتب المدير، كأنه هو المالك للفندق. فتنحنح هو بابتسامة لاول مرة تراها فيه، قائلاً: "مش معقول كاس العصير عجبك لدرجة دي." انصدمت زهره من حديثه ونظراتها البلهاء التي لاحظها لكأس العصير. التفتت نحوه باضطراب، قائلة: "هافنه." نهض هو من فوق ذلك الكرسي الذي جلس عليه للتو، وجلس على الكرسي الذي أمامها، قائلاً بهدوء: "تعرفي إن شكلك وإنتي متوترة... شبه الأطفال."
وعندما وجدها ترمقه بنظرات قاتلة، تعالت أصوات ضحكته وهو يهمس: "قوليلي بقي عايزة تتكلمي معايا في إيه." أسند بمرفقه الأيسر على حافة المكتب، متطلعًا إليها ينتظر حديثها الضروري الذي هاتفته من أجله ليلة أمس. لاحظ هو سكونها. "أنا آسف يا زهره." فطالعته باندهاش وهي تستمع لاعتذاره المفاجئ قبل أن تبدأ بالحديث. فتأملها للحظات وهو يرى دهشتها: "أكيد بتقولي الشخص البارد ده بيعتذر زي الناس العادية." فهمست هي بتساؤل:
"وليه ظنيت إني بقول عليك كده؟ ليُبادلها هو الحديث متجاهلاً سؤالها: "عايز أسمعك يا زهره." لدق هاتفه عقب تلك الجملة. "ثواني يا زهره معلش." أخذت تُحدق به بغرابة. ولاول مرة تكتشف جزءًا من شخصيته، حتى وسامته اليوم قد جعلتها تندهش. هو بالفعل وسيم بوسامة الرجل الشرقي الهادئة. جسده يشبه جسد الأوربيين، وكيف لا يشبههم وهو قد عاشرهم لسنوات. حتى ضحكته هذه التي يضحكها للشخص الذي يحادثه جعلتها تشك بكل شيء حولها. وصوته.
وبعدما أنهى حديثه بلباقة فرنسية لم تفهم منها إلا جزء بسيط، وجدته يُفرقع بأصابعه أمامها ضاحكًا: "المرة دي شكل حد تاني اللي عجبك." مقاطعته بتلعثم وهي تلعن قلبها الغريب الذي جاء اليوم كي يستكشف ملامحه وتصرفاته، وقد نسيت كل الحديث الذي رتبه عقلها. لتستمتع للحظات برائحة عطره الفواحة التي قد سكرت أنفها، وهي لا تعلم كيف قد ظهرت الرائحة فجأة. فتأملها قائلاً: "زهره... زهره!
لتفيق زهره من كل هذا، مغمضة عينيها قليلاً كي تفيق من شعورها الغريب، قائلة بجدية: "أنا جيت النهاردة عشان أفهم إنت ليه خطبتني مدام مش عايزني." فطالعها للحظات قبل أن يتمتم: "قدرك يا زهره... حطك قدامي. وللأسف مكنش عندي خيار تاني." ولأول مرة كانت تشعر هي بالغباء. فحدقت به متسائلة: "مش فاهمة." ليتنهد هو للحظات، ويرتب ما سوف يقوله لها، إلى أن قص عليها كل شيء صراحة.
فوقفت من صدمتها وهي لا تصدق بأنها كانت مجرد غاية أراد أن يحطم بها قلب حبيبته السابقة. وما أفضعها من حقيقة قد علمتها. أحبت مُخذلاً حطم قلبها، وارتدت دبله شخص أخذها هدفًا. وماذا بمشاعرها الآن. فأخذ قلبها يدق بعنف وهي تتأمله بصدمة، حتى بدأت تُحرك رأسها برفض وهي لا تقوى على الحركة. ولكن صوت اعتذاره أخذ يرن بأذنيها. فأقترب منها ليمسك يدها، التي نفضتها هي سريعًا: "زهره إنتي كويسة. تحبي أجيبلك دكتور؟
فطالعته للحظات وهي لا ترى شيئًا أمامها، سوى صورة أخرى لهشام، وكأن هشام هو شريف. "ليه عملت فيا كده ليه. أنا ذنبي إيه قولي. حرام عليك." وسقطت على مقعدها ثانية. لتقع عينيها على بنصرها الذي يحتوي على دبلة خطبتها. فخلعته سريعًا وهي تضعها على المنضدة التي أمامها، قائلة: "كده كل حاجة بينا انتهت. يا بشمهندس. دور على لعبة تانية تلعب بيها دور الراجل المظلوم من حبيبته وراجع عايز يوجعها." وقفت ثانية ولكن بقوة عجيبة وصارت أمامه،
وهي تهمس بداخل نفسها: "اختارني عشان يوجع حبيبته الأولانية، ويظهر قدامهم إنه نسيها خلاص. إنت السبب يا هشام في اللي بقيت فيه. حولتيني لإنسانة ضايعة مش فاهماها نفسها ولا عارفة هي عايزة إيه." لتتذكر طموحاتها في أول سنة دخلت بها الجامعة، عندما كانت تقف بجانب رفيقاتها وهم يحلمون بالخطبة وفارس الأحلام. أما هي، فكل آمالها كانت أن تتخرج بتقدير عالي وتعمل في شركة مرموقة ويصبح لها شأن. فوجدته يهمس لها بأسف:
"أنا آسف يا زهره. صدقيني مقصدتش أجرحك." وأخذ يُطالع دبلتها التي تركتها أمامه، وهو يشعر لأول مرة بكرهه لنفسه وأنانيه. فهو أصبح لا يختلف عن مريم شيئًا. كلاهما حطموا أناسًا في سبيل سعادتهم. هي حطمته، وهو حطم تلك الضعيفة التي خطبت له.
نظرت إلى هاتفها الذي يدق بأعين دامعة، ولكن عندما أخذت تلتف حولها وجدت أن شمس النهار بدأت تغيب. فقد جلست في تلك الحديقة التي خلف الفندق بعدما شعرت بأن قدماها لا تقوى على الحركة. فشريف قد حطمها أيضًا، فحتى لو لم تكن تحبه، فهو جعلها تكرهه كونها كأنثى. ليرن هاتفها ثانية بإصرار. لترى المتصل أختها. وقبل أن تتحدث بشيء، وجدت أختها تبكي هاتفه: "إنتي فين يا زهره. ماما خبطتها عربية وهي راجعة من السوق واحنا دلوقتي في مستشفى."
ليسقط الهاتف من يد زهره. وبعدما عادت لتلك الحقيقة التي من الممكن أن تفقد فيها والدته، ركضت سريعًا، وهي تمسح دموعها التي سقطت، ولكن هذه المرة من الخوف. أخذ يتلاعب بدبلتها الموضوعة على راحة كفه، وهو يتذكر وجهها الذي أطفأه وحطمه بالحقيقة. "كلمت حماك ياشريف. بدل ما تبقى خطوبة، يبقى كتب كتاب وفرح. وتاخد عروستك وتسافر." فرفع هو وجهه إليها بعدما خبأ دبلتها في جيب بنطاله، قائلاً بتساؤل: "هو هشام رجع شرم تاني؟
"لقيته الصبح واخد مراته وبيقولي مسافر. مع إن مراته يا عيني ملحقتش تقعد معانا. أخوكي بقى طبعه غريب يا شريف." وتابعت بحديثها وهي تطالعه: "مقولتليش برضوه كلمت حماك." فنهض من مجلسه وهو يغير مجرى الحديث: "محتاج فنجان قهوة. من إيدك الحلوة يا ست الكل." وصلت إلى المستشفى بأنفاس لاهثة وهي تبحث عن أختها ووالدها في ذلك الدور الذي أخبرها به موظف الاستقبال بأن الحالة التي تسأل عنها فيه.
لتجد حازم واقفًا مع أحد الأطباء، يتحدث معه بوجه مريح جعلها تطمئن قليلاً، إلى أن اقتربت منهما. فانصرف الطبيب، ليطالعها حازم باطمئنان: "متقلقيش يازهره. خالتي بخير الحمد لله. مجرد كسر في رجليها ودراعها." وتابع بحديثه: "مال وشك مخطوف كده ليه." فتدفعها بذراعيها وهي تصيح به: "فين ماما ياحازم. اخلصلي." فيضرب هو كفًا بكف، قائلاً: "إنجري قدامي يا أختي."
وتتحرك خلفه حيث غرفة والدتها، لتجد أختها وأباها الذي ما زال في صدمته جالسين قربها يحمدون الله على سلامتها. لتسقط حقيبتها أرضًا، وتندفع إلى أحضان والدتها التي قالت متألمة: "براحة يابت دراعي. آه." لتلمع عين زهره بالدموع وهي تقبل جبين والدتها بحب: "كده تخضينا عليكي يا ماما. ياريتني كنت أنا وإنتي لأ." لتهمس والدتها بضعف وهي تتأمل زوجها وبناتها حولها: "مكنتش أعرف إني غالية عندكم كده."
وتبدأ تقص عليهم كل ما حدث لها، منذ أن أخذ السارق منها حقيبتها إلى أن ركضت خلفه هاتفة في الناس بمساعدتها، حتى اصطدمتها السيارة. ويتبدل قلقهم لضحكات. نظر إليه حماه بعتاب، بعدما عاد من رحلته التي قضى فيها شهر عسله مع عروسه الجديدة، قائلاً: "مزعل نهى منك ليه ياهشام." ليترك هشام الملف الذي يحمله، ويضعه جانبًا:
"اسألها مين اللي مزعل مين. بنتِك رجعت لشرب السجاير والخمرة تاني. لأ وكمان الشلة اللي كانت مصاحباها، وكانوا السبب في إدمانها." لينتفض صالح فجأة، وهو يرتشف من كوب الماء والذي اهتز من يده، قائلاً: "إنت بتقول إيه ياهشام. هي وعدتني إنها خلاص مش هترجع لكل ده تاني. هشام اعمل حاجة أومال أنا جوزتهالك ليه. نهى بنتي بتحبك ياهشام وبتسمع كلامك."
لتلمع عين هشام بالذكريات وهو يتذكر ذلك اليوم الذي رأى فيه نهى. فقد كانت فتاة طائشة، كانت تقضي إجازتها الصيفية في دبي حيث المنتجع الآخر الذي يملكه والدها. وهو كان يعمل هناك كمدير. فصالح كان يأمنه على أمواله ويعتبره شبيهًا له في شبابه. إلا أن تعرف على نهى كأصدقاء، وتواعدوا بأن يتقابلوا حينما يعود هو لمصر في إجازته السنوية. وعندما عاد في إحدى المرات، بدأت علاقتهم تأخذ محورًا آخر، وخاصة منها. فقد تعلقت به بشدة، حتى أنها صارحته بمشاعرها التي رفضها ونهرها عليها، فهو كان يعيش نفس المشاعر مع أخرى قد دمرها. ولكن...
صوت صالح المرهق أفاقه وهو يتمتم قائلاً: "إنت عارف غلاوتك عندي ياهشام. نهى بنتي الوحيدة ياهشام وسلمتها ليك وأنا واثق إن هتخليها تتغير. أنا مصدقت خرجت من المصحة واتعالجت."
وقف منصور مصدومًا بعدما استمع للطبيب وهو يخبره بنتائج الأشعة والفحص الشامل الذي فعلوه من أجل الاطمئنان على صحة زوجته. ليكتشفوا بأن زوجته مريضة بـ Chondrosarcoma، والتي لم يفهم معناها إلا عندما بدأ يشرح له الطبيب. بأنه سرطان عظام، حيث تبدأ الإصابة في الخلايا الغضروفية ثم تنتشر إلى كامل العظم. ليشعر بأن الدنيا توقفت للحظات. إلى أن طالعه الطبيب باشفاق قائلاً:
"يا حاج منصور. أحمد ربنا إننا اكتشفنا المرض بسرعة. هو باين عليه لسه في أوله. وبالتدخل الجراحي هنقدر نعالجه. بس أهم حاجة السرعة." فتَحرك منصور بثقل، وهو يسمع صوت الطبيب يخبره بثمن العملية التي لا يملك حتى نصفها. ليقترب منه شريف بقلق قائلاً: "طمني ياعمي. الدكتور قالك إيه."
فربط منصور بيده على كتفه بحنان لوقفته معه تلك، وبدأ يخبره بضعف كل ما سمعه للتو من الطبيب، وكأنه يريد أن يحمل عنه جزءًا من همه، كي يستطيع الصمود من أجل زوجته التي تنتظره في غرفتها. ويخبرها بأن الطبيب سمح لها بالخروج من المستشفى التي أصبحت لا تطيق المكوث فيه. ليُحدق به شريف مصدومًا، ولكنه أفاق من صدمته سريعًا وهو يرى جسد منصور يهتز. فسنده قائلاً: "تعالى ياعمي ارتاح. ومتقلقش كل حاجة هتكون بخير ولا تشيل هم حاجة."
ليُطالعه منصور للحظات قبل أن يجلس ويضع بوجهه بين راحتي كفيه. جلست تستمع لضحكاتهم وخططهم من أجل زواجها بشريف. لتتذكر من يومين حينما جاء إليهم مهرولاً بعدما أخبره حازم بالخبر، ليُطالعها بنظرات اعتذار. ولولا حالة والدتها وحالهم في ذلك الوقت، لكانت أخبرت الجميع بفسخ خطوبتها منه. ولكن الآن الجميع يرون أن شريف وهي الثنائي المنتظر من أجل إتمام خطبتهم بالزواج، كما أخبرتهم والدته بذلك ليلة أمس.
فتنهدت هي بأسى وهي تسمع ضحكات أمها وفرحتها الظاهرة على وجهها ودعائها لشريف الذي يأتي كل يوم ليطمئن عليها. وهمست بضعف داخلي: "آه ياماما لو تعرفي إنه بيعمل كده عشان الواجب." ويردف هو ووالدها سوياً، ناظرين إليهم بنظرات شاحبة. إلى أن هتف حازم بدعابة ناظرًا لخالته: "الدكتور قال إيه عن الجميل بتاعنا." لتوكزه خالته بيدها السليمة: "اتلم ياحازم."
فتضحك مني وابنتها على تلك المداعبات. إلى أن لاحظت مني شرود زهره. لتسقط بأعينها دون قصد على أصابعها فلا تجد خاتم الخطبة. قائلة بتساؤل: "اومال فين دبلتك يازهره." فتنظر إليها زهره بصمت وهي لا تعرف بماذا تجيب، لتري نظرات والدتها معلقة نحوها. إلى أن اقترب منها شريف قائلاً: "زهره ادتهاني عشان أغيرها لأنها بقت واسعة عليها." ونظر إلى زهره التي وقفت مرتبكة. وكادت أن تعترض وتخبرهم بكل شيء، إلى أنه قال بهدوء: "مش كده يازهره."
لتُطالعهم والدتها وهي تهمس: "ربنا يخليكم لبعض يا ولاد." فوقفت هي حائرة من كل ما يحدث. إلى أن همس بأذنيها هو: "بلاش تزعليهم بخبر انفصالنا. خلينا نستنى لحد ما والدتك تقوم بالسلامة." لتُطالع هي والدتها بأسف، وتلتف نحو والدها الجالس بشرود بينهم. سقطت دموعها بعجز وهو يخبرها عن أمر تلك العملية. وأخذ يُضم كفيها إليه بحب وهو يعتذر لها عن كل لحظة قد أحزنها فيها. لتربط هي على يده قائلة بحنان:
"أنا مش زعلانة يامنصور. ده قضاء ربنا. بس أنا مش هعمل العملية غير لما أطمن على زهره." فلمعت عين منصور بضعف. إلى أن طلبت منه قائلة برجاء: "وافق على كتب كتاب زهره وشريف. عايزة أطمن على زهره يامنصور قبل... وقبل أن تهمس بعبارتها الأخيرة التي ارتجف بسببها قلبه. نظر إليها بحب سنين طويلة قد قوته العشرة: "حاضر. بس قومي لينا بالسلامة وأنا أعملك كل اللي عايزاه يا غالية."
أصبح ذهابها إلى المستشفى يوميًا، وهم لا يعلمون لماذا لم يسمح الطبيب لخروج والدتهم. وخرجت من منزلهم لتجده ينتظرها. فأشاحت بوجهها عنه وهي تهمس: "فين حازم." فوقف يُطالعها للحظات وهو يرى شحوب وجهها. إلى أن تأمل نظرات الناس حولهم في حارتهم: "على فكرة عمي منصور عارف بكده. وحازم سافر تبع الشغل مأمورية. فاركبي يلا يازهره من غير ما تتعبيني زي كل يوم. ويا ريت تركبي قدام لأن أنا مش السواق بتاعك."
لتُطالعه هي بغضب، لتتذكر اصطحابه لهما كل يوم، ولكن دائمًا تكون معها جميلة وحازم أو أباها. لتبتعد هي عنه متمسكة جيدًا بالحقيبة البلاستيكية التي بها طعام لوالديها، قائلة بجمود: "أهلي آه. لسه فاكرين إنك واحد مننا. بس النهاردة لازم ننهي المهزلة دي وشكراً على خدماتك." فوقف يُطالعها للحظات بجمود، إلى أن هتف بتحدي: "أكيد لازم ننهي المهزلة دي. وللأسف مش هتعرفي تخلصي مني يازهره. لأن بكرة كتب كتابنا وهتبقي مراتي."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!