وقف يتأمل الأجواء حوله وهو لا يُصدق كل ما حدث منذ أن علم من والدته بخبر الوفاة. تنهد بأسف ليرى أن الدنيا حقاً صغيرة. أقترب من زوج خالته وفارس، كي يُصافحهما، مُقدماً له واجب العزاء. رفع طارق بوجهه قليلاً ليتأمل ملامحه، ليتذكر السنين الماضية التي حطم فيها قلبين، بسبب رغبته بأن يرى ابنته تعيش حياة مترفة. ولكن الآن ماذا حدث؟ زوج ابنته الغني قد أصبح تحت التراب، ومعظم أمواله قد ضاعت بسبب ديونه ولعبه للقمار.
وبعد أن تصافحت الأيدي للحظات، أخذ يُطالع كل منهما الآخر بنظرات غامضة تُداريها نظارتهم السوداء. لتلتف شريف بأعينه قليلاً باحثاً عن والدته، وسط النساء. فيجدها تقف بجانب خالته، وبجانبهما هي، من تخلت عنه يوماً، تاركة حبها دون دفاع. والسبب هو إرضاء طموحات والدها وطموحاتها أيضاً. بدأ يتحرك قليلاً، نحو خالته ووالدته قائلاً بصوت رخيم: "البقاء لله يا خالة."
ثم التفت بأعينه نحوها وهو يُشاهد دموعها التي تنحدر كالشلال على فراق زوجها، متمتماً بخفوت: "البقاء لله يا مريم." لتبتسم خالته له بابتسامة شاحبة، أما هي، رفعت بأعينها نحوه تتأمل هيبته وجموده، وهي تشرد بذهنها بالماضي عندما كانت ترتمي دوماً في أحضانه تتدلل عليه وتُشاكسه مثل نسرين. ولكن سريعاً، قد أفاقت من تخيلاتها، عندما وجدته يمسك بيد خالتها مُغادرين المقابر، مع باقي المعزين.
ووجدته يصعد لسيارته هو ووالدته، بعدما أنهى واجب عزائه برسمية. ليحتضنها والدها بدفء أبوي قائلاً: "سامحيني يابنتي! *** جلست بتوتر على أحد الأرائك، تنتظر ذلك المدير كي تجري معه مقابلتها الأخيرة قبل أن تستلم وظيفتها. ولكن الصدمة كانت هو، هو يردف إليها بهيبته ونظراته المُتفحصة. فنهضت سريعاً وهي تهتف بغضب: "متقفلش الباب، خليه مفتوح لو سمحت." ولكنه أغلق الباب، واقترب منها قائلاً
بحنين: "زهرة، أرجوكي اديني فرصة أفهمك أنا عملت كده ليه." فخانته دموعها وهي تتذكر، صفعة الخذلان التي حطم بها قلبها البريء واستغل سذاجتها. ورغم أن حبه مازال ينبض بقلبها، ولكن الكره قد تعشش أيضاً حوله. فأصبح الحب والكرهة ممزوجان ببعضهما. فحملت حقيبتها وهي تخطو سريعاً نحو الباب قائلة: "مش عايزة أفهم حاجة." وتذكرت سريعاً بأنه بالتأكيد من كان سبباً في قبولها بتلك الوظيفة. وكادت أن تسحب مقبض الباب لتُغادر تلك الحجرة.
ليقف أمامها بضعف: "أنا هشام يازهره، أنا حبك الأول، نسيتي حبنا." فوقفت تُطالعه للحظات وهي تتذكر كل أحلامها معه. وعندما رأت ابتسامة نصر بأنه جعلها تلين عندما ذكرها بحبهم. رفعت بيدها لتصفعه بقهر: "وده قلم وجعك ليا ياهشام، أنا بكرهك. ابعد من قدامي." فأخذ يُحدق بها بصدمة، وهو لا يُصدق بأن زهرة، تلك الفتاة التي شكلها على يديه، تقف الآن أمامه بتلك القوة وتصفعه.
وبسبب زهوله المفاجئ بفعلتها ودخول صديقه رامي أيضاً في تلك اللحظة، فرت هاربة وهي تلعن غبائها الذي جعلها لا تفكر للحظة بأن قبولها في الوظيفة كان اتفاقاً. فجلس هشام بصمت على أحد الأرائك، ونظرات رامي تُحاوطه بشك قائلاً: "مسمعتكش صح، عندها حق والله." وقبل أن يُكمل رامي حديثه، وجده ينهض بضيق قائلاً: "رامي، أسكت خالص أنا مش ناقصك دلوقتي." ليعلو رنين هاتفه، فينظر لرقم المتصل بصمت.
لتتعلق نظراته بنظرات صديقه ويبدأ في إشعال إحدى سجائره. وصوت رنين الهاتف يدق للمرة الثانية، إلى أن سمع صوت رسالة، فأخرج هاتفه ثانية ليرى ما بُعث إليه. فتكون الرسالة: "أنا وصلت ياهشام عند مامي مني." *** نظرت إليها والدتها بملامح مخضوضة بعدما فتحت لها الباب قائلة: "انتي رجعتي بدري ليه كده، مش النهارده هتستلمي وظيفتك؟ فأردفت زهرة للداخل وهي تخلع عن قدميها حذائها، وتمتمت قائلة: "سيبت الشغل خلاص، مش أنتي عايزة كده."
فلمعت عين والدتها بشك، وأقتربت منها بحنان: "مالك يازهره، أوعي تكوني فكراني مش حاسة بيكي يابنتي. أنا أمك وبكرة لما تخلفي هتعرفي قد إيه غلاوة الضنى." واحتضنتها والدتها بدفء وهي تُداعبها كي تزيل عنها ما كانت سبب فيه الأيام السابقة: "لسه زعلانة مني عشان هددتك قدام أبوكي لو سبتي شريف هسيبلكوا البيت." لتتذكر زهرة ليلة أمس، عندما سألها والدها عن رغبتها في الاستمرار بتلك الخطبة.
وقبل أن تبلغ هي أباها برغبتها في عدم إكمالها، كان رد والدتها التي جاءت من المطبخ هو الأسبق. لتبدأ مرحلة عراك بين والدها ووالدتها بسبب إصرارها على تلك الزيجة. لتُحرك زهرة رأسها برفض: "لأ ياماما مش زعلانة. مع إني عارفة إنك هتزعليني تاني وعمرك ما هتفهيميني. أشمعنى جميلة طيب مبتتخانقيش معاها، ولا بتدخلي في قراراتها؟ فابتسمت والدتها بود وهي تتذكر مراهقتها
قبل أن تتزوج والدها قائلة: "عشان انتي هبلة ومبتفكريش غير بالقلب، ومحدش بيودينا في داهية غيره. أما جميلة كل حاجة بتحسبها بعقلها. عرفتي السبب يابنت أبوكي." ورغم صدمتها في كل ما حدث لها اليوم، ظهرت ضحكتها. فضمتها والدتها إلى صدرها بحنان قائلة: "يلا تعالي نعمل لأبوكي البسبوسة اللي بيحبها، عشان أصالحه." فتأملتها زهرة بخبث وقد لمعت عينيها بالمشاكسة. وما كان من والدتها
سوى أن ضربتها على ذراعها: "مش أنتي السبب. ورايا على المطبخ." *** وقف يتأمل زوجته بزيها القصير وأعين والدته تُطالعه. إلى أن نهضت نهى سريعاً وتركت كوب العصير الطازج الذي كانت ترتشف منه وركضت نحوه تُقبله: "وحشتني أوي ياحبيبي، كده تغيب عني أسبوع أنا والبيبي." وأمسكت بكفه، لتضعها على بطنها التي برزت قليلاً. فقبض على معصمها بقوة وهو يُطالعها بغضب: "إيه اللبس اللي انتي لبساه ده ياهانم، جيتي من المطار بالمنظر ده."
وعندما بدأت نبرة صوته تعلو، نهضت أمه نحوه وهي تُزيحه عنها: "هشام، عامل مراتك كويس قدامي، ديه بنت ناس." فأخذ يُطالع هو والدته بقهر وهو يرى نظرات عدم رضاها على زوجة ابنه ورغم ذلك تُدافع عنها. وظفر بضيق وهو يجلس على أحد الأرائك. ورفع بوجهه نحو زوجته بغضب قائلاً: "ادخلي أوضتي، غيري المسخرة ديه. كويس إن شريف مشافكيش بالمنظر ده." فربطت منى على ظهرها بحنان: "روحي ياحبيبتي أوضة جوزك ارتاحي من السفر."
فصمتت نهى للحظات تتطلع إلى وجه زوجها بندم. ومن ثم استجابت لطلب حماتها. وأقتربت منه والدته بعتاب: "مدام اختيارك، يبقي لازم تنصحها مش تشخط وتنطر." وكاد أن يعترض على كلمات والدته. إلا أنها طالعته بحزم: "قوم صالح مراتك. قوم." *** وضعت بصنية الحلوي أمام والديها وهي تبتسم قائلة: "هاخد لحازم وجميلة طبقهم." فابتسم إليها والديها وهم يُتابعون أحد المسلسلات القديمة. وقبل أن تتجه لأختها وخطيبها،
ألتفت إلى والديها ثانية: "أتصالحتوا طبعاً وبقيتوا سمن على عسل." فحدقت بها والدتها، ثم تعالت صوت ضحكتها وهي تمسك يد زوجها وعشرة عمرها: "هو أنا برضوه أقدر أزعل أبوكي؟ الكلمة كلمته والشورة شاورته." فأخذت تُطالعها زهرة كالبلهاء، إلى أن وجدت والدها يهمس بحب: "ربنا يخليكي ليا يا أم البنات." فوقفت تستوعب ما يدور بين والديها للحظات. وبدأت تُشاكسهما قائلة: "ياسيدي ياسيدي على الحب، يعني أطلع منها أنا."
فحرك كل من والديها رأسهما. لتضحك هي بسعادة وهي ترى الحب في عيني والديها. وأتجهت نحو الغرفة التي يجلس بها حازم وجميلة. فنظرت إليهما بصدمة: "إنت بتبوس إيد أختي ياحازم، يادي المصيبة، يادي المصيبة. يا حاج منصور تعالا شوف اللي بيحصل." فركض حازم نحوها ووضع بيده على فمها: "كده يازهره، ديه مراتي ياناس والله مكتوب كتابنا." فتأملت زهرة وجه أختها المُرتبك. وأخذت تُحرك حاجبيها بطفولة.
لتنهض جميلة بخجل نحو طبق الحلوي الذي مازالت تحمله هي. وأبتسمت بخبث وهي تُحرك وجهها نافرة من يد حازم التي كتمت أنفاسها: "خلاص عفوت عنكم." وبدأت تُشاكس أختها وهي تتأمل ملامحها: "وقال إيه ماما بتقول جميلة معندهاش غير عقل. تيجي تشوف الحب." فأقتربت منها جميلة وهي تضحك من أفعال أختها وهمست بنبرة دافئة: "بكرة شريف يعلمك الحب، يا أم لسان طويل." ليضحك حازم مؤكداً على حديثها: "أما نشوف. رومانسيتكم بقي."
ثم تابع بخبث: "بس قوليلي يازهره أنتي وشريف بتتكلموا إمتى في التليفون. عايزين نرخم." فضحكت جميلة بعدما تناست خجلها: "مش بيتكلموا ياحبيبي، هو مش فاضي وهي علطول قافلة تليفونها." بس طنط منى مظبطها هدايا كل شوية وإيه من أغلى الماركات. وتابعت حديثها بغمز: "ما أكيد حبيب القلب موصيها." فأستمعت هي لدُاعبتهما بألم وهي تتمنى أن تعيش لو للحظة مثل تلك المشاعر التي شاهدة بها والديها، وأختها مع خطيبها.
ولكن شعورها بأنها لا شيء قد عاد إليها ثانية. فجلست بينهم تتوسطهم: "دلوقتي الحفلة بقت عليا، أه ما انتوا مهندسين بقي، وبتعرفوا تطلعوا منها." وصرخت بوجههم: "ولعلمكم بقي أنا وشريف، مش راضين نتكلم في التليفون أو نخرج سوا عشان كل ده حرام. غير إنه تعبان في شغله أوي، عايز يخلص الشغل بسرعة عشان نتجوز ونسافر فرنسا، وأشوف الناس النضيفة." وبدأت تتأملهم بقرف وهي تُتابع بحديثها الذي يُمزقها: "مش انتوا."
ليُطالعها حازم ضاحكاً وهو يستمع لجديتها. إلى أن صفقت جميلة قائلة: "آه يا بقي ياواد يامحافظ انت، أنا قولت برضوه إنك مش سهلة. يابتاعت فرنسا والناس النضيفة." ونهضت فجأة من بينهم وهي تهتف: "هات تليفونك ياحازم، عايز أعمل مكالمة مهمة." وقبل أن يُناولها حازم هاتفه، أخذته قائلة وهي تُغادر الغرفة: "هعمل تليفون منه، ورجعلكم تاني يا روميو انت وجوليت." فعاد يُطالع
حازم جميلة بهيام: "عملت خير والله، هو إحنا كنا بنقول إيه ياقلب حازم." *** أغلقت زهرة غرفتها خلفها بإحكام، وجلست على فراشها بأقدام مُرتجفة: "أنا لازم أتصل بيه، ليه بيتصل بس بماما أو حازم. لاما يحسسني إني خطيبته ليروح لحاله. أنا مش ناقصه وجع." وأخذت تبحث في هاتف حازم عن رقمه الخاص، إلى أن وجدته فسجلته على هاتفها سريعاً. وتنهدت بعمق وهي تُحاادث
نفسها: "اتصلي بيه يازهره، افهمي منه ليه بيعمل كده، ليه ناسيكي ولا كأنك خطيبته. مش هو اللي طلب إيدك زي ما ريم قالت." وتمالكت قواها، وأخذت تُرتب أفكارها بأنفاس مُضطربة. *** وضع بحاسوبه الشخصي على تلك المنضدة المقابلة للأريكة التي يجلس عليها ويُتابع أعماله عندما وجد والدته تردف إليه. وأقترب منها: "تعبتي ليه نفسك ياماما." فربطت منى على ذراعه بحب وهي تُناوله كوب النسكافيه المفضل له
وبعض السندوتشات البسيطة: "مأكلتش كويس على العشا، قولت أجيبلك حاجة خفيفة ياحبيبي." وجلست على فراشه بقلق: "مرات أخو تصرفاتها مش عجباني ياشريف. رغم إن باين عليها طيبة بس تربيتها مش زينا يا ابني."
فأقترب من والدتها وحاوطها بذراعيه وهو يُطمئنها: "هشام شخصيته قوية ياماما وهو عارف يسيطر عليها كويس، وبتحترمه. أظن أنتي شوفتي لما زعق فيها على العشا أول ما شافها خارجة قدامنا بلبس مش مظبوط. وكمان هي اختياره فحر بقي ياست الكل متتعبيش نفسك." فحاوطت والدته وجه بين كفيها قائلة: "وانت ياشريف، من ساعة موت." وقبل أن تُكمل والدته بباقي عباراتها، نهض من جانبها قائلاً
بعدما فهم مقصدها: "أنا نسيت مريم ياماما، وجوازي من زهرة هيتم وقريب أوي. أنا قررت أتكلم مع عمي منصور بكرة وأطلب منهم اتجوزها واسافر علطول." ورغم أن كلمة سفر أصبحت تزيد همها، ولكن زواج ابنها هو الحل الوحيد ليؤسس حياته من جديد. فابتسمت بحب وهي تنهض خلفه قائلة: "فكر كويس ياشريف، قبل ما تظلمها." فطالعها شريف للحظات وهو يُفكر بقراره الذي اتخذه اليوم.
عندما ذهب إلى خالته المنزل بعد إصرار فارس عليه ليطمئن على أحوالها بسبب وعكتها حزناً على ابنتها. وقد رآها تجلس بشرود تحتضن طفلها الذي سمته على اسمه. فأخذ يتنهد بعمق، وهو يلعن قلبه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!