تنهد كلاهما بعدما تذكروا الكذبة التي اخترعها هو عندما رآها في المطار وكان سيُبارك لها. لتُلجمه الصدمة، فبدل أن يُبارك لعروس أخيه، بارك للفتاة التي أحبها وخدعها وأصبحت زوجة أخيه. وعندما استمع شريف لمعرفة أخيه بزوجته من أخت أحد أصدقائه، شعر بالضيق قليلاً، ولكن ثقته بها جعلته لا يُفكر لثوانٍ، فبتأكيد معرفة عابرة قد خلقتها الصدفة ليس أكثر. ونهض هشام قائلاً: "أنا داخل أشوف نهى."
قبل ابن أخته بحنو الذي تضعه على قدميها، ثم انصرف. أما زهرة، فكانت تأكل في صمت وعيناها في طبقها، حتى وجدت حماتها تتسأل: "إنتِ هتفضلي هنا لحد إمتى يا شريف؟ ليترك شريف شوكته وهو يتأمل ملامح والدته الحزينة من خوفها لموعد رحيله. ونطق بأسف: "أسبوع كده يا ماما وهرجع تاني، لأن الشغل متعطل ولازم أسافر." فنظرت إليه والدته بحزن، وتأملت زهرة قائلة: "طب ما تسيب زهرة هنا؟
فانقبض قلب زهرة بخوف وهي تتخيل شريف يتركها بمفردها وتعيش في بيت حماتها ومع هشام في مكان واحد. ليُطالع شريف زوجته قائلاً بدفء: "أنا مقدرش أسيب مراتي يا ماما، أومال أنا اتجوزت ليه يا ست الكل؟ رغم أن والدته شعرت بالخيبة لفشل خطتها، فهي كانت تُريده أن يترك زوجته هنا من أجل أن لا يطيل غربته ويعود دوماً إليهم.
فابتسم شريف إليها ونهض من فوق مقعده وهو يُطالع أعين أخته التي تبتسم له لمعرفتها بما سيفعله مع والدتهما ليجعلها تبتسم. "يا ست الكل، ما تيجي إنتي تعيشي معايا هناك... وأكون مطمئن عليكي." وقبّل يديها بدفء ثم رأسها وهو يهمس: "مافيش حاجة بتوجعني في غربتي غير بعدي عنكم." ربّتت والدته على يده بحنو وهي تتنهد بحزن: "وأسيب أخوكي وبنته لمين؟ لو كان زمان ينفع، دلوقتي مينفعش خلاص."
ليشعر شريف بالأسى لما حدث لأخيه. وعندما وجد أخته نسرين تبكي، نظر إليها بقلق وهو يقترب منها قائلاً: "مالك يا نونو، بتعيطي ليه؟ تضم نسرين طفلها الرضيع لحضنها قائلة بطفولة: "عايز تاخد ماما عندك يا أخويا، هروح أنا عند مين لما أتخانق من جوزي؟ ورغم الحزن الذي يحتل بيتهم، ابتسموا على تعبيراتها، فهي أصبحت أماً، ولكن ما زالت طفلة صغيرة بعقلها. ***
أردفت زهرة إلى شقتها بتعب، فقد كان يوماً طويلاً. فعائلة زوجها عائلة كبيرة مترابطة، فجميع الأقارب يأتون من أجل مواساتهم، ورغم تعبها شعرت بالألفة نحوهم، إلا من إحدى خالاته والتي كانت والدة حبيبته السابقة. ورغم أنها تتفهم الوضع، إلا أن وجود مريم أيضاً اليوم ومحاولتها في التقرب إليه ثانية جعلتها تشعر بالضيق. فرفعت كفها نحو فمها لتستنشق رائحة الصغيرة التي أحبتها بشدة رغم أنها ابنته. وابتسمت وقد أدركت حقاً أن هشام كان في حياتها مجرد ذكرى عابرة لا أكثر، فهي لم تعد تشعر بشيء نحوه أكثر من أنه أخو زوجها، حتى غضبها منه سابقاً لم تعد تتذكره وكأنها قد نسيت أنها كانت تعرفه مسبقاً.
وشعرت بحرارة جسدها، فقررت أن تنتعش ببعض المياه الباردة. *** نظر شريف إلى والدته بشك قائلاً: "خير يا ماما، في حاجة مزعلاكي؟ فتقّع وجهه والدته وهي تتذكر نظرات ابنة أختها لابنها ومحاولة تقربها منه، حتى قالت: "إيه بينك وبين مريم يا شريف؟ ليشعر شريف بالضيق من ذكر اسمها وربطها دائمًا بحياته، حتى قال بتنهد: "اللي بيني وبين مريم انتهى من زمان يا ماما، وإنتي عارفة كده." واقترب من والدته وضمها إلى صدره قائلاً باطمئنان كي يُريح
قلبها: "أوعي تشكي في تربيتك فيا في يوم، إنتي ربتيني إزاي أكون راجل، ومريم بنت خالتي مش أكتر، وأنا بحب زهرة مراتي." فاطمأن قلب والدته، بعدما شعرت بالخوف من أن يحن قلب ابنها لحبه القديم. وهمست بارتياح: "مراتك طيبة أوي يا ابني، هي دي الزوجة اللي كنت بتمنالك." فقبّل شريف كف والدته بحنو، وهو يشعر بالراحة من رضا أمه على زوجته. ***
جلس هشام بجانب صغيرته وهو يتذكر زهرة وهي تضمها وترعاها وكأنها طفلتها. وتنهد بألم وهو يشعر بالاحتقار من نفسه قديماً بما فعله معها ونواياه عندما خدعها. فهو لم يشعر أنه أحبها حقاً إلا عندما خسرها. ونهض من جانب طفلته، ليخرج يجد أمه تتحدث مع أخيه بخصوص زوجته عن هدوئها وطيبتها. فشعر بوخزة في قلبه وهو يرى خسارته القوية عندما فقدها يوماً. وأردف نحوهم وهو يتمتم: "اشكري لي زهرة يا شريف على اللي بتعمله مع بنتي ورعايتها ليها."
فأقترب شريف من أخيه وربّت على كتفه قائلاً بحنو: "مافيش شكر بينا يا هشام، وزهرة بتعمل كده لأنها شايفة إنكم عيلتها، غير إنها بتحب نهى الصغيرة أوي." لترفع والدته كفها لأعلى برجاء: "ربنا يرزقكم يا ابني بالذرية الصالحة وأشوف والدك يا حبيبي." ليهتف شريف بأمل: "آمين يا ماما."
فشعر هشام بخيانته لأخيه، وهو يرى نفسه يشعر بالضيق عندما يتذكر حقيقة أنه في يوم سيكون له أولاد أخ من المرأة التي كان قديماً يُخبرها بأنه يرى أولاده منها. وتذكر أحد محادثتهم، والتي كان يُعلقها به أكثر، ليس الآن: "نفسك يكون أول طفل لينا إيه يا زهرة؟ لتبعث زهرة له أحد الرسائل قائلة: "نفسي في بنت." ليضحك هشام قائلاً: "بس أنا نفسي في ولد." ثم تابع حديثه بخبث:
"عارفة يا زهرة، أنا حلمت بيكي من ساعة ما شفتك في شرم وجيتي تكلميني وأنا مش قادر أنسى ملامحك ولا تفاصيل جسمك." فنظرت زهرة لرسالته بخجل وسريعاً ما قالت: "هشام لو سمحت." فضحك هشام وهو يعلم ما سبب غضبها، وأكمل حديثه بخبث: "مش عايزة تعرفي حلمت بيكي بإيه؟ لتبعث زهره له ردها الطفولي: "لو حلم جميل قولهولي." فقص لها الحلم الذي صنعه هو بخياله، فقد كان يحكي لها عن يوم زفافهم، ثم لبث أن قال:
"لسه طعم شفايفك وأنا ببوسك حاسس بيه، الله ده كان حلم جميل أوي يا زهرة." لتنظر زهرة للرسالة بصدمة، فقد عاد لوقاحته ثانية رغم خلافاتها الكثيرة معه في إصلاحه وعدم تجاوزه. وردت عليه بأسى: "ليه دايماً بتحاول تحسسني إني رخيصة يا هشام عشان بكلمك؟ قولتلك كتير أنا مبحبش الكلام ده. مع السلامة." وشعر بالغضب عندما وجدها أغلقت حسابها بعد رسالته الأخيرة قائلاً بضيق:
"أنا مش فاهم البت دي تركبتها إيه، كل ما أحس إنها لانت نرجع تاني لنفس البداية. الصبر يا زهرة." وأفاق من شروده عندما ربّتت والدته على ذراعه بحنو قائلة: " سرحت في إيه يا حبيبي؟ لينظر إلى والدته قائلاً بعدما بحث عن أخيه بعينيه: "هو شريف طلع شقته يا ماما؟ *** أنهت حمامها المنعش، وارتدت ملابس صيفية مريحة. وخرجت وهي مُنكسة رأسها لأسفل وتُجفف شعرها. لتصطدم بصدره، فرفعت وجهها نحوه.
فابتسم شريف بحنو وهو يرى احمرار وجهها والمياه تتقطر عليه. فقد انعشت هيئتها دقات قلبه، فضمها إليه بدفء. فهمست هي قائلة: "أكيد جعان، هنشف شعري وأحضرلك العشا." انحنى شريف بجسده ليقترب من أذنها قائلاً: "وحشتيني." ثم طبع بقبلة رقيقة على شامتها التي في عنقها وهو يهمس باشتياق: "أنا فعلاً جعان... بس جعان زهرة."
فابتسمت زهرة بخجل وهي تستمع لكلماته التي تحرقها أنفاسه. وأبتعدت عنه قليلاً، لتلمع عيناه وهو يمدّ يده كي يُشعث خصلات شعرها المبتلة قائلاً: "كل يوم بتحلوي يا زهرة، إنتي إزاي كده؟ فضحكت زهرة بحرج وهي تستمع لكلماته وتنهدت قائلة بمشاكسة قد اعتادت عليها معه: "عشان إنت بتحبني، وعلى رأي المثل القرد في عين أمه غزال." ورغم الحالة التي يعيشونها تلك الأيام، ضحك بشدة وعاد ليضمها إليه ثانية قائلاً بدعابة:
"اتعلمتي اللماضة دي من مين؟ أنا كنت واخدك قطة مغمضة." فسحبت جسدها من ذراعيه، ونظرت إليه بمشاكسة وهي تضع يدها على خصرها، ولم تعرف بأن فعلتها هذه قد أشعلت خفقان قلبه. قائلة: "مش عارفة، بس أكيد من واحد كده." وابتسمت براءة وهي تخبره بأنه السبب، ليسحبها من خصرها وقد لمعت عيناه بالخبث. لتشعر زهرة بالخجل بعدما استوعبت تأثير حركتها. ليهمس بخفوت قبل أن يُعاقبها بطريقته الخاصة: "إنتي اللي جبتيه لنفسك يا زهرة." ***
شهقت والدة جميلة بصدمة بعدما ذهبت إلى ابن أختها كي تطمئن عليه هو وإخوته. لتشعر بالحزن في نفوس أولاد اختها نحوها. وبعدما ضغطت عليهم، أخبروها بأنفصال جميلة وحازم. لتنهض بألم. واقترب منها ابن اختها قائلاً بقلق: "مالك يا خالتي إنتي كويسة؟
وأردف في تلك اللحظة حازم، وقد كانت الابتسامة تشق وجهه بسبب أفعال فرحة التي أعادت له رونق حياته ثانية حتى لو بنسبة قليلة. وأتجه بقلق نحو خالته وهو يطالع إخوته وينظر لهم بأن يتركوهم بمفردهم. لتدمع عين خالته وهي تهمس: "هي دي الوصية اللي وصيت لك يا ابن اختي... ده أنا كبرتهالك وحفظت لك عليها ورفضت أولاد أعمامها عشانك." ربط حازم على كتف خالته وهو يجلسها على الأريكة ثانية. قائلاً بأسى:
"تفتكري إني ممكن أخون ثقتك يا خالتي في يوم؟ فحركت والدة جميلة رأسها بالنفي. ليتابع هو حديثه قائلاً: "دي كانت رغبة جميلة يا خالتي، يرضيكي إني أجبرها عليا وهي مش عايزاني؟ فطالعته خالته دون تصديق، فكيف لابنتها تفعل ذلك وقد كان حازم هو عشقها منذ الطفولة. ليتنهد حازم قائلاً: "صدقيني يا خالتي، أنا لحد دلوقتي مش قادر أنسى طلبها... لحد دلوقتي فاكر كل اللي حصل كابوس، بس أظاهر إن وقت النصيب جه."
ربّتت خالته على يده وقد شعرت بصدق حديثه وأن ابنتها حقاً هي المذنبة، فهي تعلم طباعها وخاصة في الأوان الأخيرة. وتنهدت بتعب بسبب آثار مرضها الذي نجت منه قائلة: "كنتِ قولتي لي وأنا كنت جبتها من شعرها وربيتها لك من أول وجديد، أظاهر إني معرفتش أربيها." ونهضت من على الأريكة بإرهاق. ليمسك حازم بيدها قائلاً:
"اللي حصل حصل يا خالتي، ربنا يرزقها بالإنسان اللي بتتمناه وشايفاه هيحقق لها أحلامها، مش واحد لسه في أول السلم وأحلامه على قده." *** اندمج شريف في الحديث مع حماه، حتى اقتربت منهم زهرة بملل بعدما أنهت حديثها مع صديقتها في الهاتف تُخبرها بما حدث معها الأيام الماضية من ظروف وعودتها للوطن ورغبتها في رؤيتها. وطالعتهم قائلة: "إنتوا بتحكوا في إيه؟ نظر إليها والدها بضحك وهو يُطالع شريف قائلاً: "ده كلام كبير يا زوزو."
ليبتسم شريف وهو يستمع لدلع زوجته لأول مرة قائلاً: "حلو زوزو ده يا عمي." فضحك منصور قائلاً: "لأ يا شريف، محدش يدلع زهرة بالاسم ده غيري أنا." وتابع بحديثه: "يلا اعملنا حاجة تانية نشربها لحد لما ماما وجميلة يجوا." فابتسم شريف عندما وجدها انصاعت لأمر والدها. فهتف منصور برضا قائلاً:
"زهرة بنتي دي غلبانة أوي، مش طالعة لجميلة أختها خالص. جميلة تقدر تاخد حقها وتخطط لحياتها، أما للأسف زهرة على نيتها. أوعي في يوم تيجي عليها يا شريف، سامع؟ نظر شريف إلى والد زوجته وهو يعلم بكل ما قاله، فعشرته لزوجته قد أظهرت كل طباعه. لينهض منصور قائلاً: "هدخل أوضتي أشرب الدوا بتاعي." ينهض شريف باحترام إليه، فربط منصور بيده على كتفه قائلاً: "ربنا يخليك يا ابني."
وكاد أن يجلس ثانية بعدما دخل حماه حجرته، إلا أنه تذكرها فذهب إليها ليجدها تعد لهم القهوة وهي تُحادث نفسها: "لازم يعني تسافري عند عمك يا ريم؟ يييه كده مش هشوفك." ليضحك شريف وهو يحتضنها من الخلف. فشهقت زهرة فزعاً ليهمس قائلاً: "بتكلمي نفسك يا مجنونة؟ والتفتت إليه كي يصبح وجهها مقابل لوجهه قائلة بامتعاض: "أصل ريم وحشتني أوي يا شريف وكان نفسي أشوفها قبل ما نسافر، وإحنا خلاص كلها 4 أيام ومسافرين." فابتسم شريف قائلاً
بحنان: "لو حبيبي هيزعل كده، مافيش مشكلة لما نأجل سفرنا." فانحنت له بسعادة، وقد نسيت أنهما ليسا في منزلهما. وضمها إليه بحنان. لتردف جميلة في تلك اللحظة بعدما سمعت صوت بداخل مطبخهما ناظرة إليهما وإلى قربهما هذا. فابتعدت زهرة سريعاً لتجد القهوة قد فارت. فضحك شريف لخجل زوجته الحمقاء بسبب رؤية أختها لاحتضانه لها. ومدّ يده قائلاً: "إزيك يا جميلة، عاملة إيه؟ وأخبار شغلك إيه؟
ورغم شعور جميلة بالحنق والغيرة من أختها والعلاقة التي شعرت بقوتها بينها وبين زوجها الذي لا تعلم كيف لرجل مثله يحب حمقاء مثل أختها. وصافحته قائلة: "الله يعينك يا شريف على زهرة أختي بصراحة." وقد فهم شريف مقصدها، فأبتسم قائلاً وهو يُطالع زهرة التي ما زالت تعطيهم ظهرها وتصنع القهوة مجدداً: "عشان تعرفوا إني مظلوم وراضي بأقل القليل." فرسمت جميلة ابتسامة مصطنعة على وجهها وهي تهتف:
"طب بما إنك هنا، أنا عايزك في موضوع. وأه نسيب زهرة تكمل القهوة." وانصرفت جميلة من أمامه، ليُقبّل هو خدها سريعاً قبل أن يُغادر المطبخ قائلاً: "أنا جوزك يا عبيطة." وبعدما تركاها تنفست بارتياح، وشعرت بالخجل من نظرات جميلة لها عندما تتقابل أعينهم. *** وكادت جميلة أن تسأله متى سيخبر أهلها بهدوء عن انفصالها بحازم ويقف بجانبها. فوجدت والدتها تردف من باب الشقة بتعب بعد أن أوصلها حازم. واتجهت ناحية ابنتها
التي وقفت تتسأل بقلق: "مال وشك يا ماما؟ فصفعتها والدتها بقوة، وهي تصرخ بغضب: "مين اللي لعب في دماغك وخلاكي تسيبي خطيبك يا بت... انطقي! فحمر خدها، وهي لا تصدق بأن حازم قد خان عهده معها وقد أخبر والدتها. وهمست بغضب: "ماشي يا حازم، أما أوريك! وكادت أن تضربها ثانية إلا أن شريف وقف بينهم وهو يُهدئ حماته: "اهدي يا ماما، خليني نسمع جميلة الأول، مش يمكن حازم السبب." بركضت نحوهم زهرة وهي تتسأل بخوف: "إيه في إيه؟ " واقتربت من
أختها تضمها إليها قائلة: "مالك يا جميلة؟ فظلت جميلة صامتة، إلى أن وجدت والدها يخرج من حجرته ويبدو أنها قد أنهى صلاته للتو. واقترب منهم قائلاً: "مالك يا أم جميلة، صوتك كان عالي ليه؟ ونظر إلى وجه ابنته قائلاً وقد شعر بأن الأمر قد تعدى خلافهم البسيط: "في إيه، وضربتي جميلة ليه؟ نظر شريف إلى وجه حماته المنهك وأجلسها قائلاً: "اهدي يا أمي." واقترب من حماه قائلاً بهدوء: "تعالى يا عمي... نقعد مع بعض شوية."
نظر إليه منصور طويلاً، وشعر بأنهم يخبئون عليه شيئاً. وكاد أن ينصاع لطلب زوج ابنته إلا أن هتفت جميلة: "أنا وحازم انفصلنا يا بابا، هو ده السبب اللي ماما ضربتني عشانه." وأخذت تبكي بحرقة وهي تُمثل عليهم ظلم حازم لها ومعرفته بالفتيات بالعمل وعدم اهتمامه بشعورها. فجلس منصور مصدوماً مما يسمع، حتى والدتها أصبحت لا تفهم شيئاً ولا تعرف بمن ستصدق. لتهتف زهرة بعدما علمت سبب صفع والدتها لأختها قائلة:
"حازم عمره ما يعمل كده يا جميلة، أكيد إنتي فاهمة غلط." فأزاحتها جميلة عنها بقوة، واقتربت من والديها وجلست أمامهم وقد شعرت بأنهم سيصدقونها قائلة بضعف مصطنع: "ماما بتحب حازم على حسابي يا بابا." وشهقت بقوة وهي تُكمل حديثها: "إنتوا أكتر ناس عارفين أنا كنت بحب حازم قد إيه واستنيته سنين طويلة وصبرت معاه... بس إنه يهين كرامتي ويعرف بنات عليا لاء مش هقدر أستحمل."
وركدت من أمامهم وقد شعرت بأن دور التمثيلية التي صنعتها قد فعلت شيئاً. ينظر كل من والديها لبعضهم، ويُطالعوا شريف بحرج لما حدث أمامه. فكانت نظرات شريف إليهم مطمئنة ليخبرهم بهدوء: "أنا هتكلم مع حازم وأفهم منه كل حاجة... بس من رأي مدام هما أخدوا القرار ده سوا، يبقى بلاش نضغط عليها أكتر من كده." *** نظر حاتم إلى المعلومات التي جمعها عنها، وألقى بالأوراق جانباً وهو يهتف بغضب:
"أكيد لسه بتحبيه يا مريم، ومصدقة إنه رجع مصر. وبتحاولي تقربيله من جديد. ماشي يا مريم... أنا حاتم الصاوي، أما عرفتك إزاي إنك هتكوني ليا، وساعتها هأدبك على كل لحظة قلبك لسه معاه فيها يا مريم." *** نظرت زهرة بحزن إلى زوجها بعدما انصرف كل من حازم وجميلة بعد أن أصبح الحديث معهم مستحيلاً، فقد انتهت حكايتهم. فنهض شريف من على المقعد الجالس عليه في مكتب فارس الذي تركهم يتحدثون قليلاً وذهب ليُباشر عمله.
واقترب من زهرة الجالسة بشرود، بعدما ألقت عليها أختها بكلمة جارحة وهي تُخبرها قبل أن تنصرف: "مش واحدة دماغه فاضية زيك هتتدخل في حياتي." وجلس بجانبها على الأريكة التي تجلس عليها وضمها إليه وهو يهمس بحنان: "إحنا عملنا اللي علينا يا زهرة، وأظاهر إنهم واخدين قرارهم من زمان." فرفعت زهرة وجهها إليه وقد دمعت عيناها وهي تتذكر كلمات أختها: "والله حازم لسه بيحب جميلة يا شريف، إنت مشوفتش نظرته ليها؟
حازم أنا عارفاه كويس، ده بيعشق جميلة مش بيحبها بس." ربّط شريف على ظهرها بحنو وهو يتنهد: "كل شيء نصيب يا زهرة... ومين عالم يمكن لكل واحد فيهم حياته مكتوبة مع حد تاني." فطالعته زهرة بصمت، لتجده يمسح دموعها بأنامله بدفء. ثم مال عليها ليُقبلها بقبلة دافئة على شفتيه. لينفتح باب المكتب في تلك اللحظة وتقف مريم تُطالعهم بوجع وهي تراه كيف يحتويها بذراعيه ويُقبلها قبلة دوماً حلمت بها منه حتى عندما تزوجت بأشرف.
وانصرفت من الحجرة سريعاً وهي تلعن حظها الذي جعلها تأتي إلى أخيها فارس اليوم وترى ذلك المشهد الذي حطم قلبها. وفتحت حقيبتها لتخرج هاتفها منها، وأخذت تبحث عن رقمه. لِتُحادثه بصوت مخنوق: "أنا موافقة على الجواز يا حاتم." يتبع بإذن الله
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!