ألجمت عباراته جسدها، وجف حلقها وهو تراه يضم صديقتها بذراعيه بتملك ويخبر رفيقه وزوجته بأن تلك هي من أخبرهم عنها. فظنت جميلة بأنها غافية وستفيق حتماً كي تقتلع ذلك الكابوس الذي لم يكن إلا حقيقة. وعندما استمعت إلى ضحكاته التي كان يختصها بها، ظناً منها بأن هذه الضحكات إليها وحدها. وهتف بهدوء وهو يُطالع منه غير عابئ بتلك الواقفة والتي لا تقوى على الحركة: "أتأخرتي ليه ياحياتي!
فابتلعت منه ريقها، فكل ما فعله هشام اليوم قد فقد صوابها. فهي لم تصدق يوم سفرها عندما جاء إلى بيتها في زيارة لم تتوقعها يُخبرها بأنه يريد أن يتزوجها. فالأول مرة تشعر بأنها امرأة مرغوبة. رغم أنها جميلة بعض الشيء، وخاصة عندما تضع مساحيق التجميل وملابسها الضيقة التي قررت التخلي عنهم وعن كل شيء يجعلها كالعاهرة. ولكن كان دوماً شعورها بأن جسدها الممتلئ لن يجعل رجلاً يرغب بها.
وعندما وجدته يمسك يدها أمام صديقه ليمدحها ويُحدق في جميلة التي وقفت كالخرساء، تذكرت بأنه كان يُحادثها. وهتفت بهدوء وهي مُسلطة أنظارها على جميلة ولأول مرة تكون نظرات شفقة وليست كرهه: "جميلة، أزيك! لتُطالعهم جميلة بنظرات واهنة، وهي تريد أن يُيقظها أحد من ذلك الحلم الذي قضى على جزء كبير بداخلها. وبعدما سمعت صوت رنا وهي تتسأل بود: "مالك يا جميلة، فيكي حاجة ولا إيه ياحبيبتي؟ ثم طالعت منه وهشام قائلة:
"أكيد اتفاجئتي زينا من الخبر ده، وواضح إن انتي ومنه معرفة. شكلي أنا اللي هكون غريبة وسطكم." ليضحك هشام من حديث زوجة صديقه، ويقف يتأمل جميلة بنظرة ضائقة يتخللها الندم من فعلته هذه. ولكن عزائه الوحيد كان بأنها تستحق ذلك. إلى أن وجدها تمشي بترنح، غير عابئة بنداء رنا ولا نظراتهم نحوهم. لتقف منه قبالته قائلة: "انت ليه عملت فيها كده؟ انت قولتلي إنك مش هتجرحها." ليتنهد هشام بقوة، ليخبرها بجمود:
"ممكن يامنه منتكلمش في الموضوع ده! تهاوت بجسدها أرضاً بعد أن غادرت الحفل وشعرت بأن قدميها لن تتحملها. لتشعر لأول مرة بالمهانة في حياتها. فهي دوماً من كانت تُهين، هي من كانت تظن أن ليس عيباً أن تتبع قاعدة "قل للأعور أنت أعور في عينك". وقد نسيت أن كل القلوب التي أجرمت بحقها لها خالق رحيم. لتسقط دموعها أخيراً وهي تُتمتم: "أنا أكيد بحلم."
وظل شريط الأشهر الماضية يسير أمام عينيها، وهي لا تُصدق بأنها كانت غافية كل ذلك الوقت خلف شيطانها. فتحت عيناها بتكاسل وهي تتثاوب في الفراش، متأملة هيئة شريف المنمقة أمام المرآة ورائحة عطره التي تسلب عقلها دوماً. وابتسمت بسعادة بعد أن سامحها: "صباح الخير ياحبيبي." ليقترب منها شريف فجأة، فيقبلها على شفتيها بقبلة سريعة قائلاً: "وحشني شعرك المنكوش وانتي صاحية من النوم."
فوضعت بيدها على شعرها لتهندمه سريعاً، فضحك هو بعلو صوته وهو يرى فعلتها. ووجدها تُعاتبه بدلال ورقة: "اخص عليك ياشريف، أنا منكوشة." فحرك رأسه بالإيجاب وهو يرتدي ساعته الأنيقة، قائلاً بمشاكسة: "أكذب يعني." وتابع بدعابة: "تخيلي بقى لو كنت اتجوزت فرنسية، ياسلام." وقبل أن يُكمل باقي عباراته وجدها تنهض من فوق الفراش سريعاً، مُنقضة عليه بشر، وتضع بكلتا يديها على خصرها قائلة بحنق: "بتقول إيه ياسي شريف؟
فضحك شريف بقوة وهو لا يُصدق بأن تلك المخلوقة الضعيفة، تسلبه عقله رغم جموده وجديته. وكأنها الجزء المرفه بحياته الذي جاء لينعشه. وتفاجئ بفعلتها الجريئة عندما وجدها تقف على أطراف أقدامها تقترب من شفتيه لتقبله بحب. وأبتعدت عنه، فوجدته مُسلط أنظاره على عينيها الخجلة وانفاسها الضائعة مع أنفاسه. ليهمس بشوق: "مش عايز بعد كده أسمع الكلام اللي سمعته منك وانتي مش حاسة بنفسك."
لتخفض زهرة رأسها بخجل وهي تتذكر ما تفوهت به عندما استمعت لكلام جيدة. فرفع وجهها بأنامله قائلاً بهدوء: "ارفعي عينك يازهره، واوعي تبصي في الأرض أبداً طول ما أنا عايش. انتي قوية، سامعة." فطالعته زهرة بابتسامة هادئة وهي لا تُصدق بأنها زوجة رجل كهذا. وضمها إليه بحب قائلاً: "أنا عارف إنك مكنتيش تقصدي كلامك ده، وعارف أي حاجة بتعمليها، بتعمليها بحسن نية وهو ده اللي بيشفعلك صدقيني."
فابتعدت عنه قليلاً، لتنظر في عينيه وهي عاشقة متيمة به. وتنهدت بندم وهي تقرر بأنها يجب أن تخبره عن هوية حبيبها السابق الذي اكتشفت بعد زواجها منه أنه لم يكن حب بل مجرد احتياج لبعض الاهتمام ليس أكثر. ليربط هو على وجهها بنعومة قائلاً بمشاكسة: "هتأخريني عن الاجتماع ياهانم." وانصرف بعد أن قبلها على إحدى وجنتيها ليتركها كالتائهة في بحور عشقه. نظر إليها حاتم بعد أن انتهت من جلستها النفسية.
فطالعته بنظرة ممتنة رغم معرفتها بأنه سينفصل عنها بعد أن يساعدها. وتأملها بملامح هادئة وهو يسألها: "حاسة إنك مرتاحة يامريم! فحركت مريم رأسها له بالإيجاب وهمست: "انت طيب أوي ياحاتم." فابتسم حاتم على نظرتها إليه التي ليست في محلها. فهو ليست من سماته الطيبة ولكن معها لا يعلم لماذا هو كذلك. ثم امتقع وجهه عندما وجدها تتذكر زوجها قائلة: "ويمكن أشرف كمان كان طيب." وعندما وجدت ملامحه قد اكتستها الغضب تابعت بفتور:
"أكتر غلطة ممكن يرتكبها الواحد في حق نفسه إن يبيع مشاعره وحياته عشان الفلوس." وتذكرت جملة والدتها دوماً إليها عندما كانت مراهقة: "الراجل اللي معاه فلوس، هو ده اللي ينفع الواحدة تتجوزه. غير كده تبقى الواحدة خيبة وفقرية." وضحكت بسخرية، وهي تتذكر نفسها كيف كانت حياتها مع زوجها الأول. ليشعر بها حاتم لأول مرة قائلاً بهدوء: "انتي من أهم أسباب ضياع نفسك يامريم! جلست جميلة على فراشها بأعين مسودة.
فهي حتى الآن تظن نفسها في حلم يخنقه. ليُعيد عقلها كل ما حدث للمرة الألف ودموعها تنحدر. فقد قتلها هشام وهي كالغبيه كانت تُصدقه كالمغيبة. فقد لعب بها، وهدمها ووسم في حياتها حبه الكاذب. لتردف إليها والدتها بقلق قائلة: "مالك يا جميلة، حالك من امبارح مش عاجبني يابنتي." وعندما لم تجد رداً منها تنهدت بفتور: "حد زعلك طيب في الحفلة يابنتي." فتمتمت جميلة بقهر: "أرجوكي ياماما سبيني لوحدي، وعشان ترتاحي مشاكل في الشغل ياستي."
تنظر إليها والدتها نظرة أسى. وقبل أن تُغادر همست: "كلمتي زهره أختك تطمني عليها." ليقع اسم زهرة على أذنيها وهي تتذكر تحذيرها لها منه. ولم تصدقها. وأمسكت بهاتفها وهي ترى والدتها تخرج من الغرفة. لتُقابل زوجها الذي كان يهم بالخروج. وهتفت بحزن: "جميلة مش عاجباني يامنصور." لتلتف إليه هو قائلاً: "ولا عاجباني أنا كمان. أظاهر ده آخرة دلعنا فيها ونفخنا ليها في السما." وتذكر زهرة التي لم تحظ بحنانهم مثل جميلة.
وانصرف من أمامها وهو يضرب كفاً بكف على أحوال ابنته. لمعت عين زهرة بالدموع وهي ترى نتيجة الفحص. فهي قد نسيت أمر الفحص تمام بسبب ما مرت به. ولحسن حظها كان اختبار الحمل لديها. لتبتسم بسعادة وهي تتحسس بطنها التي تضم طفلاً من شريف. وتذكرت آخر ليلة كانت بينهم في مصر قبل أن يغادر هو بمفرده. وفجأة رن هاتفها لتجد رقم أختها جميلة. وهتفت بقلق: "جميلة! ليعلو صوت جميلة الغاضب:
"طلع بيضحك عليا يازهره، طلع كداب. خطب صاحبتي وهيتجوزها. أنا إزاي كنت غبية كده." وقبل أن تنطق زهرة بكلمة، وجدت جميلة تخبرها بتوعد: "أنا هقول لشريف كل حاجة وهقلب كل حاجة عليه، خليه يعرف إن أخوه المحترم كان على معرفة بمراته." لتشهق زهرة فزعاً وتمتمت برجاء: "حرام عليكي ياجميلة، أنا ذنبي إيه ليه تخربي حياتي." فهتفت بها جميلة بجمود: "ذنبك، إنك كنتي حبيبته زمان يازهره." وأغلقت الهاتف بوجهها.
لتنظر زهرة لهاتفها وهي لا تُصدق بأن اليوم الذي فرحت فيه بخبر حملها قد ضاع. تعاود الاتصال بها ولكن لا رد. تذكرت بأنها تعلم رقم هشام، الذي كان سبب لكل ما يحدث لها. فوجوده آذاها في الماضي، وما زال يؤذيها حتى في مستقبلها. ظل يدور بكرسيه وهو شارد فيما فعله بجميلة ليلة أمس. ليتذكر منه وأمرها. فهو حتى لو تزوجها سيتزوجها كي يثبت لأخيه بأن زهرة ليست في حياته. فهو يُكمل حياته دوماً دون أي حنين لامرأة كانت على معرفة به سابقاً.
ورغم أنه يعلم بنتائج ما سيفعله بنفسه، إلا أنه هو الحل الذي أمامه الآن حينما يواجه أخيه. فأخيه كان لا بد أن يعرف من البداية بكل شيء. ليسمع رنين هاتفه، فيوقف دوران كرسيه ولمعت عيناه عندما رأى رقم المتصل. وضغط على زر الإجابة وهو يستعد لسيل من الغضب والاتهامات. وقبل أن يتكلم وجدها تهتف به بغضب: "انت أسوأ إنسان شوفته في حياتي. أختي عاملتلك إيه عشان تأذيها كده."
فضحك هشام وهو يرى دفاعها عن شقيقتها التي كانت تتلاعب بها قائلاً ببرود: "حصاد شرها وطمعها." فتنفست زهرة بصعوبة وهي تخبره بألم: "انت مش ربنا عشان تحاسب الناس ياهشام، وياريت بلاش انت بالذات تتكلم." لتنهد هشام قائلاً بتهكم: "أنا مضربتش أختك على إيدها عشان تحبني، وانتي عارفة كده كويس." ورغم أنها تعلم حقيقة ما تفوه به، إلا أنها تشفق على حال شقيقتها. فمهما فعلت ستظل شقيقتها الكبرى. وهتفت به برجاء:
"اتجوز جميلة ياهشام، صدقني هي بتحبك." فتنهد هشام بسخرية، قائلاً: "أختك مبتحبش غير نفسها." وعندما أخبرته بأن جميلة ستقص لشريف كل شيء، لتدمره كما دمرها. ضحك على ما كان سيفعله بنفسه كي ينهي تلك المهزلة ويحدث ما يحدث. فهتف قائلاً: "أظن أن وقتك جه يازهره. شريف لازم يعرف منك إنتي، لو عرف منك أكيد هيغفرلك." ليغلق معها الهاتف. فوقفت تنظر أمامها وهي تبتلع ريقها وتتخيل ما سيحدث عندما ستخبره بكل شيء. وتنهدت بقله حيلة وهي تتمتم:
"هقوله إيه أنا دلوقتي؟ أنا حامل، ولا إن الشخص اللي وهمني بالحب زمان كان أخوك." تأملها بسعادة عندما وجدها تقف أمامه تحمل بعض الأغراض الخاصة بأخته والتي حان موعد زفافها. قائلة بأرهاق: "وسع كده من على الباب خليني أدخل." فضحك حازم على نبرتها، ليتسأل: "فين نهلة؟ ليسمع صوت نهلة وهي تأتي من خلفها تحمل بعض الأغراض أيضاً. فيضع بيده على شعره ليبعث به، وهو يتمتم: "كده انتوا الاتنين هتخربوا بيتي."
فركضت نحوه أخته بعد أن تركت الأشياء جانباً واحتضنته بذراعيها باكية: "ربنا يخليك ليا ياحازم يارب، أنا عارفة إن حملي تقيل عليك." فضمها بذراعيه وهو يواسيها بدفء: "ياهبلة أنا بهزر معاكي، انتي بنتي يابت قبل ما تكوني أختي." لتُسلط فرحة أنظارها عليهم وهي لا تُصدق بأن الله قد رضيها بشخص مثل حازم. ظلت تفرك يدها بتعلثم وهي تُطالعه. حتى تنهد شريف بملل: "بقالي ساعة قاعدين القعدة دي، يا صبر أيوب."
ولمس وجهها الدافئ قليلاً من كثرة التوتر قائلاً بحنان: "ياحبيبتي في إيه، أنا بدأت أقلق." لتُبتسم إليه زهرة، فتجده يبتسم لها. ثم ضمها إليه بحب: "أنا خلاص نسيت صدقيني اللي عملتيه، وسامحتك ياسيتي." وأبعدها عنه قليلاً، ليعبث بخصلات شعرها قائلاً بدعابة: "بس لو اتكررت تاني، هشدلك ودانك الاتنين." فضحكت على حديثه الذي تعشقه رغم توتره. لتجد هاتفه يُعلن عن اتصال أحدهم، فشعرت بالخوف من أن يكون هشام أو أختها. وعندما
نظر للمتصل تمتم بخفوت: "مش وقتك يارامز." فشعر قلبها بالارتياح قليلاً، وتنهدت بعمق. لتجده يقف بملل: "لأ شكل كده يومنا طويل يازهره، هدخل أغير هدومي لحد ما لسانك يتفك وتتكلمي." وصار بخطوات بطيئة، نحو غرفته. ليجدها تهمس باختناق: "مش عايز تعرف مين الشخص اللي كنت عارفاه قبل ما تتجوزني." ورغم أنه يعلم بأنه ماضي وأن ذلك الشخص قد جرحها، إلا أنه شعر بالضيق لتذكرها له. وتنهد بعمق وهو مازال يُعطيها ظهره:
"الماضي راح لحاله خلاص يازهره، انسيه." فأغمضت عيناها وهي تشعر بالشفقة على حالها. لتخبره بضعف: "الشخص ده هو هشام أخوك ياشريف!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!