في بيت بسيط جداً لكنه مزين بأجمل المصابيح الملونة التي تعلن عن قيام مناسبة في ذاك البيت، وهي حفل خطوبة. لكن وسط تلك الأجواء والفرحة، تسمع بلقيس ما لا تتوقعه. في داخل غرفة بسيطة لكنها جميلة، مصممة بأقل الأشياء لكنها تريح الناظر إليها، كانت هناك فتاة تقف أمام المرآة ترتب ثيابها وهي سعيدة. بل هناك فراشات ترفرف في عيونها، والابتسامة تزين شفتيها، وقلبها يتراقص على أنغام عشقها الجنوني لحبيبها وصديق طفولتها.
لتتنهد بهيام قائلة: بلقيس: بجد مش مصدقة إن ربنا أكرمني بحبيبي وروحي فريد. آه يا قلبي هو فريد زي اسمه. أما أروح أفرجه على فستاني اللي كان كل شوية يزن عليا عشان عايز يشوفه. لازم أول حد يشوفه عليا.
لتركض بكل سعادة وبراءة الأطفال وهي تحمل فستانها قليلاً عن الأرض حتى لا يتسخ، لأنه طويل جداً ولونه فضي مزين بخطوط ذات لون أبيض بارق بطوله. وهو مكشوف الصدر بلا حملات، وترتدي فوقه سترة بيضاء من الحرير، ومصففة شعرها على هيئة ذيل الفرس، وهناك خصلتان تتدليان على جانبي وجهها، وهي تتضع ملمع شفاه وبعض من التبرج لا أكثر. فكانت مثل الحوريات.
لتركض إلى المكتب حيث ينتظرها حبيبها، لكنها بمجرد أن وصلت إلى باب المكتب، وتبتسم بسعادة وعينيها ترقص بفرحة وتشِع بكل حب، تختفي فجأة حين تسمع صوت شجار قادم من المكتب. وينطفئ بريق عينيها وتحتل محالها الدموع حين تعلم أن هذا صوت حبيبها الذي يتشاجر مع ابن عمها وشقيقتها من الأم. لتبكي على الخيانة، وأي خيانة!
فحبيبها الذي خان ثقتها وسرق مشروع عمرها وحلمها التي سهرت عليه الليالي، وقد نسبه لنفسه. لتري كل شيء ينهار أمام عينيها وهي تسمع شقيقتها تهدده أن لم يتزوجها سوف تفضح أمره أمامها وأمام الجميع وتدخله السجن، وأنها معها كل الأدلة. وظلت تساومه على قلبه أن يصبح ملكها ويتركها ويتزوجها. لكنه ظل يردد أنه لا يحب أحد، بل يحب نفسه وسوف يتزوجها حتى يكمل مشروعه وبعدها يتركها ويتزوجها.
لم تتحمل أكثر، لتركض إلى الحديقة تبكي وتنتحب على فرحتها التي كسرت اليوم. لتسمع ما يفوق تصوري وقدرتي على التحمل، تسمع أمها تقول ما يكسرني أكثر. فردوس: أنا مش عارفة أواجهه بلقيس إزاي يا حلمي. أما تعرف إني السبب في اختفاء أبوها بعد ما سمعنا وإحنا بنتفق على إني أفتحه في موضوع طلاقي منه وإنه مستحملش واختفى. بس أنا خايفة إني أخسرها بعد ما يظهر، خصوص بعد ما بعت رسالة مع أكرم بيقول فيها إنه عاوز بنته.
لتنهار بلقيس أكثر وتنتحب في صمت وتخاطب نفسها بجنون قائلة: بلقيس: لا لا لاااا كده كتير يا رب. عليا كل الصدمات دي في لحظة واحدة. حبيبي وأختي وأمي وعمي في يوم واحد. لا أنا لازم أهرب من هنا وأنسى كل حاجة وأدور على بابا، هي حياتي. لتركض بلقيس فاره خارج المنزل وهي تبكي والدموع تحجب عنها الرؤية، لتظل تركض وترقد وهي لا تعلم إلى أين تذهب. فكل ما تريده الآن هو الفرار من هذا الجحيم.
تتسلل طفلة صغيرة خارج دار الأيتام وهي تبكي والفزع يسيطر عليها، لتركض بأقصى طاقة لديها وهي تتلفت يميناً ويساراً خوفاً من أن يكون قد لاحظها أحد ويلاحقها. لتظل تركض وترقد إلى أن ابتعدت عن دار الأيتام، لتجد نفسها في منتصف الطريق وحدها والظلام محاط بها والسكون المريب سيد الموقف. لترتجف تلك الفتاة خوفاً وهلعاً، لتجد سيارة قادمة من بعيد وتقف على بعد خطوات منها. يركض الطفلة بكل ذعر حين تجد رجلاً يهبط من السيارة ويقترب منها.
ظلت بلقيس تركض وترقد إلى أن داهمها التعب، فأبطأت من ركضها إلى أن هدأت حركتها وأصبحت تسير وهي شاردة في حياتها التي تلاشت في ثانية وأصبحت وهماً. بلقيس: بقي يا ربي. النهارده كانت خطوبتي على أكتر حد في الدنيا بعشقه، بس اكتشفت إنه بيخوني. وقتها قلبي انكسر والدنيا اسودت في عينيه. ومكنتش عارفة أروح فين؟
بس افتكرت أمر بابا اللي اختفى من زمان وأنا وقتها كان عندي ٨ سنين وهو مختفي بقاله أكتر من ١٥ سنة. وبعد اختفائه بكام شهر ماما اتجوزت عمي. منكرش إني حياتي كانت سعيدة، بس أنا اكتشفت خيانة حبيبي يوم فرحتي وإنه خان ثقتي فيه وسرق أكتر مشروع كنت بحلم بيه وينسبه لي نفسه. وكمان اكتشفت إن أمي وعمي هما السبب في اختفاء بابا. ده خلاني أقرر أهرب من الكل وحتى اسمي أنساه. فضلت ماشية في الشوارع وأنا معرفش أنا رايحة فين؟ طريقي إيه؟
والكارثة إني معيش فلوس. بس وأنا ماشية سمعت صوت حد بينازع. فجريت ناحية الصوت ده، وكانت صدمتي إن اللي بينازع طلعت بنت صغيرة تقريباً كده عندها تسع سنين وبتعيط وهي قاعدة جنب رجل ناضج وغرقان في دمه لدرجة إن ملامحه مش واضحة من كتر الدم اللي مغطي وشه. فجريت عليه عشان أشوف فيه نبض ولا لأ. جريت عليه وقعدت في الأرض جنبه وجسيت نبضه والحمد لله لقيته فيه النفس بس نبضه ضعيف. والمصيبة البنت كمان مصابة إصابة خطيرة في كتفها. بصيت في
كل حتة على أساس ألاقي حد معدي يساعدنا بس مكنش فيه حد. التفت ورا لقيت البنت بتبصلي بتوسل إني أنقذها وأنقذه. محتسبتش نفسي وأنا بجري عليها بعد ما نزعت الجاكت الأبيض الحرير اللي كنت لبساه فوق الفستان الفضي وقطعته لقطع قماش صغيرة عشان أحاول أوقف النزيف. وفعلاً نجحت في إني أوقفه. ولي حسن الحظ الرجل كان فيه حاجة تليفون، طلعته واتصلت بالإسعاف والشرطة. وبعد مدة بسيطة كنا في المستشفى والبنت والرجل دخلوا أوضة العمليات. وأنا
واقفة قدام غرفة العمليات وقلبي مقبوض، معرفش ليه. بس اللي زود همي الضابط أما شوفته مقرب عليا وبيسألني أنا مين وأقرب إيه للعالم المشهور يونس؟
ومين والبنت اللي جوه دي تقربلي إيه؟
ودون تفكير لقيت نفسي برد وأقوله أنا مراته واللي جوه دي بنتنا. ومعرفش مين اللي هجم علينا. وقبل ما أسمع رد الضابط اللي لقيته متفاجئ من كلامي، لقيت الدكتور خارج يجري وبيقولي إن الدكتور يونس على وشك الموت لو متنقلش ليه دم فوراً وإنه فصيلته نادرة. رديت بخوف وزعر قولته أنا فصيلتي ممكن تدي كل الفصائل بس متخدش إلا من فصيلتها. وبسرعة كنت بنقله دم وبقي دمي بيجري في عروقه وجسمه استجاب بسرعة. وقتها قلبي رجع ينبض من تاني وحالته استقرت. وبقيت دلوقتي متورطة في حكاية أنا معرفش هتخلص على إيه؟
لتفيق بلقيس من شرودها على صوت أنين الطفلة الصغيرة وهي تبكي بحدة وتصرخ بفزع وكأنها تنازع. الطفلة: لاااا عمو حد يلحقنا ونبي متمتش وتسبني زي ماما وبابا. لاااا. لتركض بلقيس عليها تضمها إليها بكل حب وحنان وهي تمسد على شعرها تحاول أن تهدأها، فتتشبث بها الطفلة بقوة لأنها شعرت بالأمان والسكينة. لتغط في النوم مجدداً.
لتتنهد بلقيس وهي ترجعها إلى الفراش وتدثرها جيداً، لتتألم حين تتطلع إليها وتجد ملامحها معقدة بفزع. فتشعر نحوها بمسؤولية وأنها يجب عليها حمايتها. لتقترب من سريرها وتبعدها قليلاً وتتسطح بجانبها وتضمها إلى صدرها وتقبل جبينها بحنان، لتبتسم الطفلة وتهدأ ملامحها وتنتظم أنفاسها. لتبتسم بلقيس لبسمتها وتتعهد بحمايتها قائلة:
بلقيس: أنا معرفش إنتي عملتي فيه إيه وليه حاسة إنك بنتي وحتة مني. ووعد مني مش هسيبك أبداً. يمكن القدر جمعنا ببعض لحكمة يعلمها مألف القلوب. ويا عالم بكرة مخبي لينا إيه؟ بس أنا دلوقتي عايزة أنام عشان أعرف أفكر. لتضمها بحب وتغظ في نوم عميق.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!