مرت فترة ليست بقليلة.. بين شد وجذب.. بين فرح وحزن.. بين القليل من الابتسامات والكثير من الدمعات.. فهو.. على اقتناع أن مكالمات الهاتف لا داعي لها.. حسم أمره.. وقرر أن يعود لموطنه وزوجته ويترك الغربة بلا رجعة.. لكن؟!
.. سينتظر لانتهاء عقده المكون من سنتين.. سيهلك نفسه بالعمل ليل ونهار حتى يستطيع تكوين مبلغ قيم يستطيع تأمين مستقبل أطفاله به.. أصبح كماكينة صرف آلي لزوجته.. يرسل لها كل قرش يعمل به.. يترك له القليل للمصروفات...
يعمل دون توقف.. دون راحة أو عطلات.. دائمًا وأبدًا مشغول عنها.. وهي تذكرت أحد مواقفه الحسنة معها أثناء ولادتها الأولى وقررت أن تلتمس له عذرًا.. لكنه عاد مرة أخرى لا يحدثها بالشهور غير كلمات معدودة ويغلق الهاتف سريعًا.. لم يخبرها أنه يعمل على قدم وساق.. تركها تائهة بأفكارها.. غافلاً أن بفعله هذا ستصبح امرأة أخرى.. امرأة حين تشتاق لا تختلق حوارًا.. بل.. تختلق مشكلة.. وقليل من الرجال يفهم مشاعر وشعور وهرمونات الأنثى المتقلبة.. فهل سيتفهم أدهم تقلبات مزاج زوجته ويحتويها داخل حضنه الذي حرمت منه كثيرًا.. أم سيمل سريعًا من تصرفاتها الغاضبة.. دعونا نرى..
*** بفرحة عارمة.. خرج يركض من مطار القاهرة.. لمح شقيق زوجته يقترب منه سريعًا وتحدث بعلو صوته بفرحة أيضًا. "أخيييييييرا.. ألف حمد الله على السلامة يا أبو الأداهيم." احتضنه بقوة رابطًا على ظهره وأكمل. "نورت بلدك يا غالي." يبحث هو بقلبه قبل عينيه عنها.. أيُعقل لم تأتِ.. كسا وجهه الحزن قليلاً وتحدث بغصة وخوف مما قادم إليه مع زوجته.. بعدما أيقن أن طريقه لن يكون سهلًا أبدًا معها.
"الله يسلمك يا محمد.. تنحنح بحرج.. أمال فين مريم والولاد.. مجوش معاك ليه." أشار بيده. "لا جهم أهم.. بس مريم كانت مع تيام في الحمام مرضيش يخليني أنا أوديه."
اتسعت عيناه بذهول.. هي.. هنا.. زوجته وحبيبة قلبه وروحه.. ابتسامة أكثر من سعيدة ظهرت على وجهه.. نبض قلبه بجنون.. ارتجف جسده بشدة.. وسارت قشعريرة لذيذة بطول عموده الفقري حين تذكر حضنها.. يا الله كم يشتهيها ولحضنها كثيرًا.. انقطعت أنفاسه.. أخذ نفسًا عميقًا. واستدار ببطء حتى وقعت عيناه عليها.. واه والف آه من قلب يصرخ شوقًا وعشقًا وندمًا.. ينظر لها بعشق وشوق جارف.. تبادله هي النظرة بأخرى جامدة.. باردة.. متألمة وبشدة..
وللحق.. هي معها كل الحق.. عامان هي أم وأب.. عامان وأكثر وهي بدونه.. وبدون الحديث معه.. تناساها ووضعها بأحد الأرفف.. واثق أنه سيعود يجدها بوضع يده.. لم يعطها سببًا لغيابه.. والآن بعد عودته ظن أنها سترتمي داخل حضنه وتبكي بنحيب.. تعلم هي بما يدور بعقله.. شبه ابتسامة ساخرة ظهرت على وجهها تخبره بأنها لن تفعلها.. عفواً يا من هاجرتني لن أركض عليك وأبكي داخل حضنك.. ابتسم هو بتفهم لجرحها الذي تسبب هو به.. وبأقل من ثانية.. كان
قطع المسافة بينهم وانتشالها داخل حضنه.. بل رفعها عن الأرض واعصارها داخل حنايا صدره.. وأخيرًا التقط أنفاسه باستنشاقه لعبيرها الذي أنعش قلبه من جديد.. أَيستطيع أحد تخيل سرعة ضربات قلبها الآن رغم جمودها.. ورغم أنها لم تبادله حضنه هذا أطلاقًا.. محتضنها هو بكل ما يملك من قوة.. دافنًا وجهه داخل عنقها يبكي بنحيب.. طال حضنه لها طويلًا.. ينتظر تجذبه لها أكثر كما كانت تفعل دائمًا.. ينتظر أن تخبره كم اشتاقته.. ولكنها ملتزمة
الصمت.. هي فقط الآن استردت أمانها وحمايتها.. كانت امرأة مدفونة بالحياة وأخيرًا عادت لها الحياة.. نعم حضنه هو الحياة بالنسبة لها.. هي أكثر من مستمتعة بحضنه هذا.. كم تحترق شوقًا لسماع نبض قلبه وهي بين حنايا صدره.. تود احتضانه بكل كيانها ووجدانها.. تخبره كم عانت من دونه.. كم هي غاضبة منه.. لكنها فضلت معاقبته بجمودها وصمتها هذا.. شدد هو من احتضانها وحاول السيطرة على فيض مشاعره معها ورفع رأسه من عنقها ينظر لها بلهفة وعشق
بالغ وهمس بصوت مبحوح.
"واحشتيني." فشلت بالتحكم بارتعاشة جسدها بين يديه.. وسريعًا ابتعدت بعينيها عن عينيه ونظرت لأطفالها الواقفين بجوار خالهم وتحدثت بهروب. "الولاد.. تيام.. يامن.. تعالوا سلموا على بابا."
نهت حديثها وحاولت إبعاده عنها.. لكنه ممسك بها بإحكام.. أنزلها ببطء.. متعمدًا ملامسة جسدها بطول جسده.. يحاول أن يطمئن قلبه أنه ما زال له تأثيره الخاص على قلبها.. فعلته هذه جعلت قلبها وجسدها وحتى وجنتيها يشتعلان بنيران الخجل والاشتياق والرغبة بأن واحد.. على مضض ابتعد عنها واقترب من طفليه وهبط على ركبتيه يتأملهما بشغف ودموع منهمرة.. سلط نظره على من ولد وهو بغربته.. وعاد بنظره لزوجته وتحدث بابتسامة من بين دموعه.
"يامن.. مريم الصغيرة." ابتسمت هي ابتسامة باهتة.. فتحدث شقيقها سريعًا. "بمزاح.. وتيام أدهم الصغير.. تبقوا متساويين يا معلم." بتساؤل لأطفاله. "تيام انت عارف أنا مين." "بابا." بدموع تلمع بعينيه من شدة تأثره. "صورك مالية البيت وعلى طول مريم بتشغلهم أي فيديو كنتو فيه مع بعض." حملهم أدهم واحتضنهم بحنان بالغ.. اقترب محمد من شقيقته وجذبها لداخل حضنه وتحدث باستعجال. "طيب يله على البيت تكملوا أحضان براحتكم فيه."
أخذت مريم نفسًا عميقًا وتحدثت بكل هدوء وتعقل. "هنروح عند مامة أدهم الأول.. نظرت لزوجها.. تسلم على والدتك وتطمن عليها ونبقى نروح." *** بدموع غزيرة.. بقلب يعتصره ألم شديد من الندم والاشتياق.. تقف بمطبخها تضع الطعام الذي صنعته زوجة ابنها الأصيلة بالأطباق بعدما حدثتها وأخبرتها أنهم بالطريق.. الوحيدة التي ترد عليها فور اتصالها.. ليس فقط.. فقد قامت بكل شيء قبل ذهابها لاستقبال زوجها بالمطار.. تحدث نفسها كعادتها.
"هما اتأخروا كده ليه؟ "معقول الواد أدهم ميرضاش يجي يسلم عليا." صمتت قليلًا وأكملت ببكاء. "آه ممكن ميجيش وهيبقى عنده حق.. هو اللي أنا عملته شوية." بكت بنحيب أكثر. "لا مريم هتجيبه وتيجي.. خبطت على صدرها وأكملت بتأكيد. أدهم ابني حنية الدنيا فيه مش هتهون عليه وهيجيلي." مسحت دموعها سريعًا وعادت بوضع الطعام بحماس وتحدث نفسها محاولة بث الطمأنينة بقلبها.
"ابنك هيجيلك يا شادية.. مش هتهوني عليه.. كفاية إخواته اللي مش عايزين ينزلوا.. مش هيبقى هو وإخواته ووحدتي عليا." تنهدت بألم حارق وأكملت. "أنا استويت.. ثواني قليلة واستمعت لصوت جرس الباب.. كمهرة جامحة ركضت بكل سرعتها خارج المطبخ ومن ثم اتجهت لباب الشقة فتحته بيد وجسد ينتفض من قوة رعشته.. شهقت بعنف حين وقعت عينها على ابنها الواقف ينظر لها بابتسامة من بين دموعه وهمس بصعوبة من بين شهقاته. "واحشتيني يا أمي."
بكل ما تحمل من ألم واشتياق صرخت ببكاء حاد. "آآآآآه يا أدهم." نهت جملتها وارتمت داخل حضنه بكل قوتها تقبل كل انش بوجهه وكتفه وحتى يده.. لكنه جذب يده سريعًا وقبل هو يدها بعمق.. فقدت هي توازنها قليلاً فأسندها ابنها سريعًا وخطى بها للداخل وخلفه زوجته وأطفاله غالقين الباب خلفهم.. جلس بها لأقرب مقعد وهي متمسكة بحضنه بكل قوتها.. ربط أدهم على ظهرها بحنان وتحدث بتساؤل. "إيدك عاملة إيه دلوقتي."
أغمضت عينيها بإحراج ودفنت وجهها بكتفه وتحدثت ببكاء. "كويسة.. الحمد لله أحسن من الأول." صمتوا قليلاً وهي مستكينة داخل حضن ابنها.. لكنها انتفضت فجأة وابتعدت عنه سريعًا ونظرت له بزعر ورعب وهمست. "هتسافر تاني.. ابتلاعت ريقها بصعوبة وأكملت. وإخواتك مش ناوين ينزلوا زيك." ربط أدهم على كف يدها وتحدث بتأكيد.
"لا.. نظر لزوجته المبتعدة بنظرها عنه عن عمد.. مش هتغرب تاني.. كفاية بعد وغربة.. تنهد بأمل.. وهحاول على قد مقدر أصلح أي حاجة وكل حاجة كانت غلط.. نظر لوالدته التي تنظر له بلهفة شديدة.. وإخواتي بيخلصوا أوراقهم وهينزلوا في أقرب وقت يا ماما اطمني." بفرحة عارمة. "طيب يله عشان ناكل مع بعض.. نظرت لزوجة ابنها.. أصالة❤.. قومي هاتي الأكل أنا حطيته في الأطباق." بابتسامة. "حاضر يا .. ماما."
نهت جملتها وهبت واقفة اقتربت منها قبلت جبهتها كعادتها وسارت نحو المطبخ بخطوات واثقة.. انتظرت شادية حتى اختفت داخل المطبخ وتحدثت بما جعل عيني أدهم تتسع بذهول مقارن للجنون. "ربنا يراضيكِ ويرضى عنكِ يا مريم يا بنت جيهان." بفم مفتوح على آخره. "ها.. مين؟! .. فين.. إزاي." تنقل بنظره بين والدته وأثر ذهاب زوجته وأكمل. "هي مين دي اللي أصالة." بغضب مصطنع. "أنا بقول لمراتك يا أصالة عندك مانع."
اتسعت ابتسامته بفرحة شديدة وتحدث سريعًا. "لا طبعًا.. ربنا يديم المحبة والمعروف." بعد دقائق كانوا جميعًا يجلسون على مائدة الطعام.. بعيون تلمع بدمع تنظر لابنها وزوجته الأصيلة وأحفادها وهم يجلسون حولها.. يا الله كم كانت قاسية وأضاعت بيدها عائلتها.. وأخيرًا استعادت عقلها وندمت بعدما احترقت بنار غربتهم عنها.. جلسوا برفقتها وقتًا ليس بقليل وهبوا واقفين واستعدوا للرحيل. بلهفة. "إيه هتمشوا.. خليكم شوية." بتأكيد.
"هجيلك بكرة بأمر الله." قبل رأسها ويدها. "متخفيش مش هنتأخر عليكي." بابتسامة متألمة نظرت لمريم. "عارفة.. عمر أصالة ما اتأخرت عليا يوم." اقتربت مريم وقبلت رأسها مرة أخرى وابتسمت لها ابتسامتها الرائعة وجذبت أبنائها واتجهت للخارج بصمت.. نظرت شادية لابنها وتحدثت بهدوء. "يله يا أدهم حصل مراتك وولادك ومتتأخرش عليا بكرة هستناكم نتعشى سوا مش هقولك غدا عشان ترتاح شوية." بإستغراب. "أرتاح؟!! .. وأحصل مراتى!!؟ نظر لها بتعمق..
"انتي كويسة يا ماما." بدموع. "هبقى كويسة طول ما أنتوا بتسألوا عني ومتسبونيش لوحدي تاني." نظر لها بألم حاد.. وصمت قليلاً.. وتحدث بتأكيد. "مش هنسيبك لوحدك تاني يا ماما.. اتجه نحو الباب.. يله أنا همشي وهكلمك في التليفون." بلهفة. "بجد يا أدهم.. هترد عليا لما أتصل بيك." بغصة مريرة. "هرد يا ماما.. ابتسم بفرحة.. خلاص أنا رجعت.. يله أشوفك على خير." أغلقت شادية خلفه الباب واستندت عليه وحدثت نفسها بأمل.
"خلاص يا شادية.. اطمني.. مش هتبقي لوحدك تاني.. رفعت يدها للسماء.. يارب رجعلي أسامة وهند.. بكت بنحيب.. كفاية عليا فراق أبوهم اللي عرفت قيمته متأخر أوي.." ***
أخيرًا.. وصلوا منزلهم.. وبعد الكثير من السلامات بينه وبين أهل زوجته صعدوا لشقتهم.. ينظر لها بعشق شديد.. بعد غياب أكثر من عدة سنوات.. قد تناست هي هذه النظرة منذ وقت طويل.. تلمحه بطرف عينها ولكنها لا تنظر إليه.. تمثل انشغالها بطفليها حتى ذهب الأطفال بنوم عميق.. لتنهض بهدوء للمطبخ وتقوم بتنظيفه.. وتظبط الغسالة على برنامجها.. وتعيد ترتيب شقتها بعد لهو أطفالها.. لا تتحدث.. لا تنظر إليه حتى انتهت.. وهو فقط يراقبها.. لتتجه
للحمام وتقف أسفل الماء لعلها تطفئ نار قلبها وحرقته وألمه من زوجها.. فقد اكتسبت صفاته وأصبحت نسخة منه في الجفاء.. هو الآن يحصد ما زرعه بقلبها💔.. لتغلق الماء وتلف جسدها بمنشفة كبيرة ومنشفة أخرى على شعرها وتتجه للخارج.. لكنها كادت أن تنصدم به فور فتحها الباب.
"إيييه خضتني." لتحاول تخطيه متجنبة لمسه.. ولم ترفع عينها له على الإطلاق.. لكنه كالسد المنيع.. بطول قامته عنها وجسده العريض.. لتتحدث بجمود مصاحب ببعض الخجل. "عديني لو سمحت خليني ألبس هدومي قبل ما حد من الولاد يصحى."
ليقطع حديثها وهو يميل عليها يقترب بوجهه منها بشدة حتى أصبح يتنفس أنفاسها.. مد أصابع يده أسفل ذقنها يجبرها على النظر له.. تمعن النظر بعينيها جيدًا لعله يرى الشوق والاشتياق الذي طالما كانت تغرقه بهم.. ولكن؟!! .. نظرتها جافة.. جامدة للغاية.. تتحاشى النظر إليه بشتى الطرق.. ليتحدث لها بهمس وألم على ألمها هي لأنه هو السبب بنظرتها هذه💔.
"أكتر من سنتين غايب عنك وتكون دي مقابلتك ليا في أول يوم لينا مع بعض بعد كل الغياب ده.. أمسك وجهها بين يديه.. بصيلي يا مريم." لترفع عينها وتنظر له نظرة جعلته يغمض عينه بعنف من كم الألم الذي رآه بعينيها.. ولكنها لم تبكِ كما سبق.. فكانت دائمًا دموعها تنهمر بشدة.. ليتحدث بصدق وعشق شديد. "واحشتيني يا مريم للدرجاتي أنا موحشتكيش.. أنتي حتى محضنتنيش أول ما شوفتيني."
لترفع يدها تبعد يده عن وجهها وتسحبه من يده على غرفة نومهم وتتحدث وكأنها آلة بلا روح وبألم شديد بصوتها دون أن تبكي💔.
"حمدلله على سلامتك يا أبو تيام.. ابتسمت ابتسامة مصطنعة وأكملت.. معلش أصلي لسه مش متعودة على وجودك معايا.. ختت على أني أكون لوحدي.. أكيد أنت عارف حياتك كمغترب بتكون عاملة إزاي.. وأنا مقلش غربة عنك.. أشارت على جسدها.. أنا قدامك أهو لو أنا واحشتك مش همنعك من حقك لكن أنا مافيش حاجة واحشاني.. أنا ختت على وضعي واتعودت عليه ومش عشان كام يوم هتقضيهم مع ولادك وترجع تسافر تاني أغير اللي اتعودت عليه في 4 سنين من بعد ولادة تيام ابننا ومن قبل ما تسافر مش من السنتين و3 شهور و4 أيام غيابك عن بلدك وأهلك وولادك.. لتصمت قليلاً وتتحدث بألم يدمي القلب.. أنا بقالي 4 سنين من قبل غربتك أنت وأنا.."
تنهد هو بألم حارق وتحدث بصوت متقطع من شدة تأثره.
"أنتي عارفة إني بحبك وبموت فيكي يا أم تيام.. جذبها داخل حضنه وأكمل.. وإن غيابي عنك كان غصب عني.. ابتعد عنها قليلاً وأمسك وجهها بين كفيه وأكمل بدموع تلمع بعينيه.. أنا مكنتش بنام غير ساعتين في اليوم.. مكنتش باكل لقمة عدلة.. عايش على العيش والجبنة.. محذوف في منطقة صناعية بعيد عن إخواتي.. بأوضة عاملة زي علبة الصفيح.. صمت قليلاً وأغمض عينه بعنف فهبطت دمعة حارقة على وجنتيه مسحتها هي بأطراف أصابعها ببطء.. علت صوت شهقاته
وأكمل بنحيب.. أنا كتير كنت بنام من غير أكل من كتر تعبي وإني مش قادر أعمل لنفسي حاجة آكلها.. وكتير لبست هدومي من غير غسيل.. ابتسم بألم وتحدث بمزاح.. تخيلي يا مريم إني كنت بفرح لما ألاقي الحوض ما فيهوش مواعين.. حك شعره بإحراج.. وسبت الغسيل فاضي ياآآه ولا بقى لو فيه أكل يكفي يومين.. وضع جبهته على جبهتها وأكمل.. الغربة مووووووت💔.. والله كنت عايش زي الميت يا مريم.."
ظل يحكي ويحكي كل ما أخفاه عنها.. أخبرها بكافة شيء.. حتى أنه أخبرها عن خطأ والدته بحق والدتها ووالدها.. لم يترك شيئًا إلا وحكى لها عنه.. يريدها أن ترضى عنه ويبدأ معها من جديد.. وهي.. صامتة.. بل جامدة.. أجلسها هو على قدميه يده ملتفة حول خصرها.. تستمع له بتمعن.. لا تبدي أي رد فعل.. وهو لم يتوقف عن الحديث.. أخبرها بكل ما يحمله بقلبه حتى انتهى.... كلمات.. ألقاها هو على سمعها جعلتها....
بكل قوتها.. تصرخ في صدره.. تتحرك بهستيرية مجنونة بين يديه.. وهو فقط يحاول احتضانها.. أبعدته عنها بعنف وتحدثت بصراخ. "مقولتليش ليييييييه... تتنفس بعنف.. تحاول السيطرة على دموعها بشتى الطرق.. أخذت نفسًا عميقًا تستعيد به أنفاسها وتحدثت بغضب. "ليه ديما الزوجة أخر من يعلم.. جزت على أسنانها بغيظ.. ليه كلكم صنف واحد شايفين إن الست لازم تستحمل إهمال جوزها وتخرس وتعيش عشان خاطر ولادها." بندم.
"أنا مكنتش أقصد أهملك يا مريم.. صمت قليلاً وأكمل بإحراج.. أنا كنت مكسوف أواجهك." بابتسامة ساخرة. "عذر أقبح من ذنب.. أكملت بقهر.. تغيب عني بدون أي عذر وتجبرني أبقى زي الثور المربوط في الساقية لحد ما صاحبه يحن عليه ويجي يفكه عشان يطفحه لقمة ويرجع يربطه تاني وأفضل ألف حوالين نفسي تاني.. ابتلاعت غصة مريرة وألقت جملة جعلته ينفجر بغضب عارم.. أنت خلتني ألتمس العذر للست اللي بتخون جوزها من إهماله فيها.."
تحولت نظرته من راجية لأخرى غاضبة.. ضغط على شفتيه بغيظ ودار بوجهه عنها يحاول التحكم في غضبه.. وفجأة دون أي مقدمات.. كان جذبها داخل حضنه رافعها عن الأرض وتحدث بنبرة تهديد. "متحاوليش تختبري صبري عليكي يا أم تيام.. أنا لغاية دلوقتي عذرك وعارف إن معاكي كل الحق في زعلِك.. بس متقوليش كلام يطلعني عن شعوري ويخليني أزعلك أكتر." ببرود. وجمود. أبعدتها عنها. وبكل ما تحمل من قوة وقفت أمامه مباشرة وتحدثت بصرامة جديدة عليها.
"أنا أقول اللي أنا عايزاه.. نظرت له بتعمق.. وأنت تسمعني.. صرخت فجأة.. أنت ملزوم تسمعني.. بعد كل ده وهتمنعني أتكلم.. رفعت أصابعها أمام عينيه تعد عليهم واحد تلو الآخر وأكملت.. ده أنا هتكلم.. وهزعق.. وهصوت.. وهغضب.. خبطته بقبضة يدها بكتفه.. وأنت هتستحملني وتصبر عليا يا أبو تيام.. وضعت يدها بخصرها وابتسمت ابتسامة مصطنعة وأكملت.. زي ما أنا استحملتك وقدرت غيابك وغربتك وفضلت صابرة لحد ما أنت رجعت.. صمتت قليلاً تحاول التحكم بدموعها وأكملت.. من حقي آخد وقتي على ما أسامحك."
بلهفة وتأكيد. "خدي كل وقتك.. وأنا هستحمل يا مريم.. هستحمل كل حاجة منك.. بس المهم ترضي عني وتسامحيني." بجدية. "بس أنا اتغيرت يا أدهم.. مبقتش مريم اللي أنت سبتها وسافرت." تنهدت بألم حارق وأكملت. "والبركة فيك الصراحة." بفخر.
"بقيتي مريم أقوى.. صنتي نفسك وولادك وكملتي كليتك وفتحتِ مشروع ناجح ماشاء الله.. اقترب منها وأمسك يدها قبلها بعمق وأكمل.. حافظتي على كل مليم ببعته لكِ واشتريتي أرض وبفضلك بعد ربنا هنبني ويبقى عندنا بيت ملكنا.. مد يده يبعد شعرها عن وجهها وأكمل بندم.. أنا مديونلك بعمري يا مريم.. وحتى عمري مش كفاية." نهى حديثه وهم بحضنها لكنها تراجعت سريعًا وتحدثت بتحدي.
"خلينا نشوف.. اقتربت منه التصقت به وهمست داخل أذنه.. هتستحملني فعلاً يا أدهم ولا بتقول كلمتين عشان تطولني بيهم وبعد كده ترجع ريما ل عادتها القديمة.. نظرت له بإصرار.. تؤ.. أنا اتغيرت يا أدهم وأنت هتشوف بعينيك." ينظر لها بابتسامة عاشقة سريعا ما تحولت نظراته لأخرى عابثة راغبة بها وبشدة.. التصق بها أكثر وخفض نظره لعنقها نزولاً بمقدمة صدرها الظاهرة أمام عينيه المتلهفة لكل انش بها وتحدث بخبث. "أنا فعلاً هتجنن وأشوف.."
رفعت يدها ودفعته بعنف من صدره تبعده عنها وسارت أمامه بخطوات تحمل الكثير من الإغراء وتحدثت بلامبالاة. "هلبس وأنزل أطمن على الشغل وأجيب الولاد من عند ماما وأطلعلك.. همت بالخروج من الغرفة لكنها توقفت واستدارت له وألقت جملة جعلته يتسمر بمكانه بصدمة. "ابقى خد دش عشان ريحتك وحشة." نظرت له نظرة منتصرة واختفت من أمامه سريعًا قبل أن يفق من صدمته وهمست بسرها. "ياربي هو اللي جرحني أوي.. ياربي قدرني على عقابه ده.."
فاق هو من صدمته وجذب ياقة ترينجه يستنشق رائحته وحدث نفسه باستغراب. "ده أنا استحميت وحاطت البرفان اللي بتحبيه.. أغمض عينه بعنف حين تذكر أنه ألقى هذه الجملة لها ذات يوم خفض رأسه بأسف وأكمل. "بتربيني على كل غلطاتي معاكي يا مريم.. صمت قليلاً.. حقك.. مش هلومك.." *** مرارًا.. وتكرارًا.. تهاتف أولادها.. حتى أخيرًا أتاها الرد. "هند.. أخيرا رديتي.. عاملة إيه." "كويسة.. وأنتي عاملة إيه." "الحمد لله.. هتيجوا إمتى."
"لسه شوية كده." صمتوا قليلاً.. فقطعت شادية الصمت. "سامحيني يا بنتي." جملتها هذه جعلت ابنتها تنتفض بفزع وتحدثت بخوف وقلق وبكاء أيضًا. "مالك يا ماما.. فيكي حاجة." استمعت لصوت بكائها وشهقاتها تتعالى فاكملت برعب. "ونبي يا ماما ردي عليا.. فيكي إيه يا حبيبتي." بابتسامة من بين سيل دموعها. "صحيح يا هند بتحبيني.. بكت بنحيب أكبر.. وهتزعلي عليا لو مت.. ولا هتقولي أهي ريحِت من قرفها وشرها."
"بعد الشر عليكي يا أمي.. إيه اللي بتقوليه ده بس." "أنا ندمانة يا هند.. بعدكم وغربتكم عني ووحدتي ربتني وعلمتني إن الله حق.. بكت أكثر وأكثر وأكملت برجاء.. ارجعوا يا بنتي كفاية بعد.. مبقاش في العمر اللي راح.. وأنا والله اتغيرت ومش هزعلكم تاني.. وبرغم كل شيء فعلته هي بالأخير والدتها.. ألم حاد اعتصر قلبها حين تخيلت فقدانها.. ابتسمت من بين دموعها وتحدثت بتساؤل. "يعني هتخليني أرجع لسيد." بلهفة.
"وهروح معاكي وأتأسفله قدامك يا بنتي." "بس سيد سافر يا ماما." "أنا مستعدة أرحله في أي مكان هو فيه.. بس تسمحوني يا هند.. صمتت قليلاً وأكملت بإحراج.. وكمان أسامة ومراته يسامحوني وهعترف لأسامة إن أنا اللي كنت بسرق من فلوسه مش مراته." بذهول. "يعني لما أسامة اتهم صفاء بالسرقة ورمى عليها اليمين كنتي أنتِ اللي واخده الفلوس؟!! ابتلاعت غصة مريرة وهمست بأسف. "أيوة.. بكت بنحيب وأكملت بلهفة.. بس هو لو ردها يا هند ومستغناش عنها.."
بأسف. "بس بعد إيه يا ماما.. بعد ما عمل شرخ في علاقتهم مش عارفين يعالجوه لحد دلوقتي." بتأكيد. "أنا مستعدة أعمل أي حاجة عشان ترجعوا ونتصافى." اللمعت عينا هند ب فكرة وتحدثت سريعًا. "تعملي أي حاجة.. أي حاجة." بلهفة. "آه والله أعمل أي حاجة يا بنتي عشان مبقاش من غيركم تاني." "طيب يا ماما إيه رأيك تعملي عمرة." ببكاء أشبه للانهيار. "بتتكلمي جد يا هند." بتأكيد.
"أيوه يا حبيبتي.. بتكلم جد.. أنا هبعتلك تجيلي زيارة تقعدي معانا وبعدين نطلع عمرة رمضان مع بعض أنا وأنتي.. نظرت للجالس بجوارها محتضنها بعشق واكملت. "وسيد جوزي يا ماما." بذهول وفرحة. "بجد يا هند.. أنتي رجعتي لسيد." "أيوه.. رجعتله من أول يوم سافرت فيه.. صمتت قليلاً وأكملت ببكاء.. وأنتي حضري نفسك وحضري شنطتك عشان هحجزلك في أقرب وقت.. زادت حدة بكائها وهمست من بين شهقاتها.. أنا هولد الأسبوع الجاي يا ماما ومحتاجاكي جنبي."
لحظة.. اثنان.. تحاول استيعاب ما قالته ابنتها.. دموعها هبطت على وجنتيها بغزارة وهمست بصعوبة. "مبروك يا بنتي.. ألف مبروك يا حبيبتي.. هاجيلك.. احجزلي يا هند.. هاجيلك يا ضنايا.. قولي لأخوكي ومرات أخوكي كمان أمك جاية تستسمحكم.." انتهى الجمود.. القسوة.. الجحود.. وأخيرًا.. انتصر ضميرها.. وأفاقت لنفسها بعدما تلقت درسًا قاسيًا لن تنساه طيلة عمرها... ***
تأخرت عليه كثيرًا.. ارتدى ثيابه واتجه للأسفل يبحث عنها.. اقترب من شقة حماه فتَنحنح بصوت عالٍ يعطي إشارة أنه قادم. "تعالى.." خطى للداخل.. "أهلاً.. أبو تيمو.." "حبيبي يا عمي سلام عليكم يا غالي.. عامل إيه." "بخير الحمد لله يا حبيبي.. ربط على كتفه.. نورت بلدك وبيتك." "منور بيكم يا عمي.. صمت قليلاً وأكمل بامتنان.. أنا بشكرك يا عمي عبد الخالق.. بشكرك على كل حاجة." بعتاب.
"وإحنا في بنا شكر.. أنت ابني.. أنا بعتبرك زي محمد ومحمود تمام.." اقترب أدهم وقبل رأسه وتحدث بحب شديد. "وأنا والله اتشرف أكون ابنك.." خرجت جيهان من إحدى الغرف حاملة يامن بيدها وتحدثت بترحاب. "يادي النور.. منورنا يا أبو تيام.. أعطته صغيره وأكملت.. خد بقى الود اللي كله مراتك ده اتصرف معاه.." قبله أدهم بحب وتحدث بفرحة. "الواد مسبش من مريم حاجة." "طبعًا.. مش أبوه بيموت فيها يبقى لازم الواد يطلع شكلها."
"ده إحنا كل ولادنا كلهم شبهك.. ومجبتيش ولا واحد شبهي.." تصنع الغضب. "يعني أنتِ مبتحبنيش ولا إيه." بغيظ ونظرة حارقة. "ونبي.. بقى كل عيالك شبهي.. اقتربت منه سريعًا وأمسكت برقبته واكملت بغضب مصطنع.. إلا ما في واحد فيهم طلع شكلي حتى بنتي الوحيدة طلعت نسخة منك يا راجل." بخوف مصطنع. "أنت واقف تتفرج عليا يا أدهم.. الحقني حماتك هتموتني." بمزاح.
"هههههههه.. متقلقش هحصلك أنا كمان.. انزل الصغير وحدثه بأمر.. حوش عن جدو يا يامن على ما أشوف ماما وأرجعلك.." نظر لحماه الذي ينازع بين يد زوجته وتحدث باستعجال. "الله معاك يا عمي.. أنا هطير أشوف مريم في الهايبر تحت.." نهى حديثه وخرج سريعًا.. انتظر عبد الخالق حتى أغلق الباب خلفه ومن ثم.. جذبها سريعًا داخل حضنه وتمدد بظهره على الأريكة جعلها تعتليه وتحدث بخبث. "عايزة تموتيني.. بتحبيني أوي أنتِ يا جيهان."
ابتسمت له ابتسامتها الرائعة وملست على وجهه ولحيته بأصابعها وقبلت طرف شفتيه وهمست بعشق. "بعد الشر عليك يا سيد الرجالة.. ربنا يجعل يو؟!
قطع حديثها كعادته بشفتيه.. طالت قبلاتهما كثيرًا ولكن شيئًا صغير صعد فوق ظهر جيهان وجلس بارتياح ويضحك بفرحة عارمة بعلو صوته انتشلهم من قبلتهم المحمومة.. وانفجروا هم أيضًا بالضحك على حفيدهم الشقي الصغير.. ضحكة نابعة من القلب.. لامرأة احتواها زوجها وجعلها ملكته المتوجة رغم أنها فقدت الكثير من رونقها وجمالها بسبب مرضها... لكن؟! .. بحب واهتمام زوجها تستعيد صحتها رويدًا رويدًا💕. *** بالهايبر....
"اسأل أم تيام.. لما تيجي أم تيام.. هستأذن أم تيام.."
يستمع لتلك العبارات كلما سأل أحد العمال عن أي شيء بمشروعهم التي أنشأته زوجته بغيابه.. ينظر حوله بانبهار وفرحة فشل في إخفائها.. ها هو سنوات غربته قد حصدتها زوجته وحافظت على كل قرش وأنشأت هايبر ماركت على أعلى مستوى.. تديره كالساعة.. ينظر هنا وهناك بعيون متسعة من شدة ذهولها.. لم يتخيل أن هذه مريم الخجولة الباكية دومًا تدير مكان كهذا.. بل وأيضًا تشغل كم العمالة الهائل وجميعهم من الرجال بأعمار مختلفة.. كلمتها مسموعة.. لها
منهم كل احترام وتقدير.. جلس على أقرب كرسي يشاهد ما يحدث بفخر.. متزوج هو من ست البنات ابنة الأصول.. وبموعدها المنضبط.. ها قد أتت أم تيام.. أكثر من شاب ركض للخارج لاستقبالها.. تسمر مكانه واتسعت عيناه على آخرهن حين وجدها تقود إحدى السيارات الحديثة بمهارة عالية.. يا الله هذه زوجته التي كانت لا تخرج للشارع بالشهور بأمر منه هو.. عبست ملامحه قليلاً حين تذكر أنه لا يفقه أي شيء عن قيادة السيارات.. آخره يقود دراجة وليس حتى
موتوسيكل.. أعطت هي مفاتيح سيارتها لأحد العمال.. وخطت للداخل بهيبتها وشياكتها المعهودة.. ترتدي نظارتها الشمسية وجهها مشرق تسير بخطى امرأة واثقة كل الثقة بنفسها تلقي رسالة لكل من يراها أنها.. الزوجة الخلوقة.. القوية.. الأصيلة.. مريم.. زوجة مغترب قد عاد ولكنه أصبح يشعر بالغربة بوطنه.. رأت هي نظراته هذه فقتربت منه وتحدثت بهدوء.
"احححم.. عجبك الهايبر." حرك رأسه بنعم فاكملت هي. "كنت بجيب تيام من درس القرآن." ابتسم هو ابتسامة فخورة وهمس برجاء. "طيب ممكن يا زوجتي العزيزة تتكرمي وتعلميني السواقة." "اممم.. اوك.. وماله.." نظرت له بجدية شديدة وصرامة. "الساعة بـ 500ج.. وده عشان أنت جوزي." اقترب منها وهمس بأذنها بأنفاس ساخنة وتحدث بخبث. "بس أنا ميكفينيش ساعة.." نظرت له بخجل وتفاجؤ فاكمل هو بعبث.
"متقلقيش أنا هدفعلك بالدينار الكويتي يعني 500 دينار.. والدينار بـ 60ج احسبيها بقى.." نهى حديثه وغمز لها سريعًا.. بجمود مصطنع همست. "عقابًا لنيتك السوء اللي أنا فاهماها كويس هتدفع فعلاً ال 500 دينار بس في النص ساعة.. أشارت بيدها للخارج.. يله خلينا نبدأ حالا عشان أنت اللي هتجيب ابنك بكرة من الحضانة والدرس وهتوديهم النادي يا أبو تيمو.." *** عقابها مستمر.. بل وازداد....
عاد من غربته.. من أسبوعين وأكثر.. وحتى الآن لم يتمكن من احتضانها.. يحترق شوقًا لها.. وهي تبادله شعوره هذا بلامبالاة وبرود تام.. يفكر ويفكر كيف يستعيدها.. تنهد بألم وحدث نفسه بغيظ وتشفى. "فالح يا أدهم الزفت بعدها عنك بإيدك اشرب بقى أهي طلعت على عنيك.."
خبط بقبضة يده بغيظ وهب واقفًا واتجه لخارج الغرفة يبحث عنها.. دار بعينه بالشقة حتى وجدها جالسة أمام التلفاز تشاهد أحد الأفلام بتركيز.. بتوتر.. اقترب وجلس جوارها.. وهي حتى لم تنظر له مجرد لمحة عابرة.. التزم الصمت قليلاً ومن ثم تنحنح وتحدث بتساؤل. "أمال فين الولاد يا مريم.. ينظر لها بلهفة.. كم اشتاق لنظرة عينيها.. يتمنى تنظر له لعلها ترى مدى شوقه وندمه وأسفه أيضًا الظاهر بعينيه.. ولكن!؟؟
.. ردت هي بكلمة واحدة فقط بكل هدوء دون النظر له. "تحت.." زم شفاتيه بخيبة أمل.. إذن ماذا يفعل أكثر حتى ترضى عنه.. اللمعت عيناه بخبث وابتسم بعبث وتحدث بتعب مصطنع. "مريم انتي مولعة البوتجاز على حاجة." بجمود. "لا." "امال أنا شايف زي دخان أو شبورة.. نظر لها وجدها جامدة لا تنظر له فاكمل بتعب أكثر.. أنا شكلي دايخ ولا إيه.. نهى حديثه ومال بجسده قليلاً.. وأخيرًا.. نظرت له.. وتحدثت بجمود ولكن هذه المرة مصطنع.
"احححم دايخ إزاي يعني." بوهن. "آه مش قادر.. الحقيني يا مريم.. نهى جملته ومال بجسده أكثر حتى تمدد على ظهره.. هنا وانهارت جميع حصونها.. وبـ لحظة كانت اقتربت منه تتفحصه بقلق ظاهر على وجهها.. ينظر هو لها بدموع تلمع بعينيه.. يا الله كم اشتاقها.. ملست هي على وجهه بحنان وتحدثت بقلق. "مالك يا أدهم.. حاسس بإيه." أغمض هو عينيه ببطء لتهبط دموعه بغزارة وهمس بغصة مريرة. "واحشتيني.." فتح عينه ونظر لها برجاء وتوسل شديد واكمل.
"سبيني أحضنك.." نظرت له نظرة تحمل من الألم والعتاب الكثير والكثير.. ابتعدت عنه قليلاً وظلت صامتة.. فقد نظرتهم تتحدث بما تحمله قلوبهم.. اعتدل هو واقترب منها بشدة حتى أصبح يتنفس أنفاسها.. أخذ نفس عميق يستنشق عبيرها بمتعة وهمس.. "ندمان.. والله ندمان.." أمسك يدها يقبلها بعمق مرات ومرات.. رفع وجهه مرة أخرى ونظر لها بعيون عاشقة وهمس.
"مشتاق.. مشتاق لكل حاجة فيكي.. هبطت دموعه بغزارة واكمل بعدم تصديق.. مش قادر أصدق إني موحشتكيش.. ابتلاغ ريقه بصعوبة واكمل بغصة مريرة.. للدرجاتي بقيتي تكرهيني يا مريم." ابتعدت بنظرها عنه.. لكنه سريعًا أمسك وجهها واقترب منها ثانيًا وتحدث وهو على وشك تقبيلها. "هموت في بعدك عني.." همت هي بالابتعاد لكنه بلحظة كان لف يده حول خصرها و التقطها داخل حضنه أجلسها على قدمه واكمل..
"مش هقولك عشان خاطري.. هبطت دموعه بغزارة أكثر.. بس عشان خاطر ربنا يا مريم متحرمنيش من حضنك كفاية اتحرمت منه أكتر من سنتين.." تنظر له بعيون شديدة الحمار.. تجاهد بكل قوتها للتحكم بدموعها.. طالت نظرتهم قليلاً.. ودون أي مقدمات.. وبنفس اللحظة.. ارتموا بأحضان بعضهم يبكون بنحيب وصوت شهقاتهم تتعالى.. وبصعوبة همس بأذنها. "سامحيني بالله عليكي.." جذبته داخل حضنها أكثر تسحبه لعالمها الخاص وهمست بعشق. "مسمحاك يا أدهم.."
يقبل كل انش تقابله شفتاه.. يعتذر بحرارة وأسف وندم حاد.. وبكل ما يحمل من عشق ولهفة وشوق.. أخيرًا.. ارتمى بأعماق حضنها يغرق بعشقها الذي اشتاقه حد الجنون وهمس وهو على وشك التهام شفتيها. "مريم.. يا أصيلة أنا بعشقك.." نهى حديثه والتقط شفتيها بقبلة أتت بعدها الكثير والكثير..
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!