لم تستطع تمالك نفسها من الضحك عندما أخبرها أبوها أن الأستاذ أحمد تقدم لخطبتها. نظر لها أبوها وقد بلغ الغضب منه مبلغه على تلك التي تضحك أمامه وصاح بها: "خديييييييجة! كتمت ضحكتها بصعوبة بالغة عندما وكزتها أمها في كتفها. ابتلعت لعابها بخوف ظهر على وجهها من أبيها وقالت: "نعم يا بابا، أنا سمعتك بس مش قادرة أستوعب كلام حضرتك." أجابها أبوها بحنق: "يعني اللي مش واضح؟ قلت لك مستر أحمد عاوز يخطبك."
كادت أن تنفجر مرة أخرى في الضحك لولا نظرة أبيها الصارمة. فتابعت حديثها: "مستر أحمد اللي إحنا عارفينه، مستر أحمد المدرس بتاعي في المدرسة." أجابها أبوها وهو يزفر منها بحنق: "أيوه هو، ها إيه رأيك؟ أجابت أباها بنبرة متعجبة: "وهو ينفع أتجوز المدرس بتاعي كده عادي؟ ابتسمت أمها وهي تربت على كتفها: "وفيه إيه يا بنتي؟ هو المدرسين ما بيتجوزوش؟ استنكرت ملامحها من حديث أمها وأجابت عليها موضحة:
"لأ يا ماما أنا مش قصدي كده، أنا قصدي إنه كان المدرس بتاعي، هتجوزه إزاي يعني؟ معرفش." ضحك أبوها من كلام ابنته الخجلة وسألها: "ما تعرفيش إيه يا خديجة؟ انفجر وجهها من الخجل وهي تهرب من المواجهة وتقول: "اله بقى يا بابا." *** "أيوه يا أمي، أنا كلمت الأستاذ رشدي وطلبت إيد خديجة منه." كان هذا جواب أحمد على أمه وهي تسأله هل تقدم لخطبة خديجة فعلاً. تعجبت الحاجة سعاد من ابنها وهي تسأله مجدداً: "طب اشمعنى خديجة يعني؟
ما إحنا بنتحايل عليك من كام سنة عشان تتجوز، اشمعنى دلوقتي؟ أجابها أمه بمنتهى الصدق والواقعية: "علشان كنت مستنيها يا أمي، بحبها من وهي بضفاير وكنت مستنيها." هنا سكت الكلام، لم تستطع أمه إلا أن تقول له بعد أن أصابها الذهول من صراحة ابنه: "ربنا يوفقك يا حبيبي ويجعلها من نصيبك." رد على حديث أمه وجلس شارد البال يفكر. هل ستوافق مجنونته التي أحبها منذ صغرها أم سترفضه وتتحجج بفارق السن؟ ***
جلست في غرفتها تفكر في كلام أمها التي أخبرتها بعد أن انصرف أبوها أن أحمد يحبها. سألت أمها: "وإنتي عرفتي منين يا ماما؟ أجابتها أمها: "يعني يا بنتي أحمد طول عمره أستاذ وإحنا عارفينه، وأمه كل يوم بتعرض عليه عرايس أشكال وألوان، سابهم كلهم وجه يطلبك إنتي، تفتكري ليه؟ نظرت إلى أمها ببلاهة وسألتها: "ليه؟ ابتسمت أمها بحنان لها وقالت: "أكيد علشان بيحبك، يعني حد هيضربه على إيده عشان يجي يا بنتي؟
ابتسامة عابثة ارتسمت على وجهها وهي تتخيل أنها زوجة معلمها وكيف ستتعامل معه. وظلت تتذكر كيف كان يعاملها وهي تلميذته، وكيف كانت لها معاملة خاصة غير زميلاتها، وكيف كان حنون معها. أيعقل أنه يحبها كما أخبرتها أمها؟ *** عاصفة هوجاء ضربت غرفتها، أو هي من فعلت بغرفتها هذا. جلست بين كومة من الملابس تختار منها ما سترتديه وهي تقابله للمرة الأولى بعد أن طلبت من أبيها أنها ستوافق ولكن بعد أن تجلس معه.
دخلت عليها ابنة عمها هالة التي صعقت من ما حل بالغرفة وهي تضحك بمرح: "يا نهار مش فايت يا خديجة، كل ده عشان تختاري فستان تقابلي بيه المستر؟ نظرت لها خديجة وهي تقول بحنق: "والنبي يا هالة بلاش استظراف، وإديكي قلتي المستر. هتجوزه إزاي أنا بقى؟ ولا أكلمه وأقول له إيه؟ أقول له إزاي حضرتك يا مستر؟ ضحكت هالة عليها وهي تدفعها إلى طاولة الزينة وتقول لها:
"اسكتي يا ديجة، والنبي صفي نيتك وإنتي بتكلميه والكلام هيجيب بعضه. ويلا بقى أما أظبطك كده عشان المستر زمانه جاي." ثم أكملت حديثها بغمزة من عينيها وهي تقول: "أبو يا عم، مين قدك؟ مستر أحمد اللي مدوب قلوب العذارى، سابهم كلهم وجه على ملي وشه لخديجة. آه لو يشوف منظر الأوضة هيرجع بيته جري ويقول بلاها الجوازة المنعكشة دي." *** بعد أن استقبله أبوها وعمها وأخوها مصطفى بالترحيب.
"أبدلت هي إلى الغرفة التي يجلس بها بصحبة أهلها وهي تحمل بين يديها صينية المشروبات التي كانت ترتعش في يدها وكادت أن تسقط على أبيها لولا يد ذلك الجالس يراقب تقدمها منهم ومسك المشروبات من يدها ووضعها على المنضدة بكل هدوء." هنا تحدث أبوها وقال: "الحمد لله عدت على خير، إيه يا ديجة مش تاخدي بالك؟ جلست بجانب أبيها ولم تنطق بكلمة، يكفيها خجل ما كانت ستفعل إذا سقطت المشروبات عليه.
نظر عمها إبراهيم إلى أخيه رشدي ومصطفى ابن أخيه لكى يخرجوا ويتركوا لهم مجالاً للحديث. ساد الصمت أرجاء الحجرة وهي نظرت في الأرض من شدة خجلها. شعرت أن هناك نار مشتعلة في وجهها. أخيراً تحدث هو: "إزيك يا خديجة، عاملة إيه؟ يا الله، كم أنها كلمات بسيطة وسؤال أبسط، ولكن كيف ستجيب؟ أخذت تفرك في يدها ولم تستطع الكلام. سألها مرة أخرى: "إيه يا ديجة مش هتسمعيني صوتك ولا إيه؟ زاد الطين بلة كما يقولون بسؤاله الثاني.
قام من على مقعده وجلس على مقعد بجوارها، ولكنها لم تلاحظه إلا وهو يقرب وجهه منها ويقول: "مالك يا ديجة، إنتي مش هتتكلمي؟ هنا انتفضت من على مقعدها وقالت بمنتهى البلاهة: "إيه ده يا مستر؟ إيه اللي جابك هنا؟ ابتسم لها، وبالرغم أنه يعلم مغزى سؤالها إلا أنه راوغ في الكلام وهو يقول: "جيت عشان أقعد معاكي يا ديجا عشان أقنعك إنك تتجوزيني." هنا ابتسمت له وهي تقول: "لأ مش قصدى، أنا قصدي روح اقعد مكانك."
عاد إلى مكانه بعد أن جذب أطراف الحديث معها وهو يسألها: "ها بقى يا ستي مش موافقة عليا ليا؟ هوانا وحش؟ أجابته بمنتهى التسرع والغباء: "لأ يا مستر، دانت طول عمرك قمر." وضعت يدها على فمها بعد أن علمت بماذا تفوهت وهي تسب لسانها المتسرع دائماً في الجواب، وهذه إحدى عيوبها. ابتسم بغرور ولكنه قصد أن يمر قولها حتى لا يخجلها. ثم تساءل: "طيب يمكن عشان أنا أكبر منك بكتير؟ هنا أجابت هي: "لأ يا مستر، مش كده." سألها مجدداً:
"طب ليه بقى؟ أجابته بخجل: "يعني حضرتك المدرس بتاعي وأنا تلميذتك، هتجوزك إزاي؟ اقترب منها ودنا بجانب أذنها وهو يسألها: "يعني حرام لو المدرس حب تلميذته الحلوة وجه عند بيتها عشان يجوزها؟ هنا لم تستطع السيطرة على لسانها السليط وهي تقول: "حب؟ حب إيه يا مستر؟ احت... قطعت كلمتها عندما شاهدت وجهه الضاحك على انفعالها. أسدلت جفنها وقالت: "أنا آسفة، بس الوضع غريب وأول مرة أكلم حضرتك كده." التمس لها العذر وقال مهدئاً لها:
"يعني مش موافقة عليا عشان أنا المستر بس؟ نظرت له وهي تقول: "أيوه بصراحة." هنا اندفعت هي مرة أخرى وهي تقول: "طبعاً هوافقت." تنفس هو الصعداء بعد أن أوقعها في فخه لكي يأخذ موافقتها عليه وقال لها: "أنا يا ستي مش مستر أحمد، أنا أحمد نور الدين، وإنتي آنسة خديجة حامد، وبقول كفاية كده كلام ونقول مبروك عليا خديجة." جحظت عيناها من ما تفوه به ذلك الماكر، كيف استطاع أن يستدرجها هكذا في الحديث.
وقبل أن تتفوه بكلمة، علا صوته وهو ينادي على أبيها ويخبره بموافقتها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!