بعد شهر يا بابا. الفرح ليه السرعة دي؟ لازم يبقى فيه فترة خطوبة. كان هذا كلام خديجة المستنكر لقرار الزواج السريع الذي اتخذه والدها بالاتفاق مع أحمد. زفر والدها بملل من كثرة ثرثرتها في هذا الأمر منذ أن علمت به. نظر لأمها موجهاً لها الحديث: كلمي بنتك يا صفية وعقليها. إحنا هنأجل الفرح ليه؟ الراجل جاهز وإحنا كمان جاهزين. أكملت أمها حديث والدها بصوت حنون: فيه إيه يعني يا ديجا؟
مستر أحمد وعرفينه وطول عمره محدش سمع عنه حاجة وحشة لاسمح الله. وهو كمان عارفك يبقى ليه يا بنتي التأجيل؟ وأردفت تقول: الخطوبة الطويلة بتبقى مليانة مشاكل يا حبيبتي. والراجل هو اللي طلب كدا. ثم أكملت أمها بنبرة حنونة مرحة وهي تهمس في أذنها حتى لا يصل صوتها لمسامع زوجها: وكمان مستعجل. قالت خديجة بقليل من الغضب: يوه يا ماما. ما البنات كتير اشمعنى أنا؟ اقتربت منها أمها. ثم همست بجانب أذنها وهي تقول:
بس الأستاذ بقى اختار ديجا حبيبة قلبي. شكله واقع من زمان. ثم غمزت لها بعينها. نظرت خديجة لأمها بدهشة من حديثها وصرخت فيها: ماما الاه بقى! احمرت وجنتاها من مغزى حديث أمها وهرولت إلى غرفتها تختبئ بها. فهذا هو حالها إن لم تستطع الإجابة أو التفسير تلوذ دائما بالفرار من الموقف. وهذا كان أخطر عيوبها. لا تحب المواجهة دائما تهرب وتخترع الحجج. فهل ستبقى على طباعها أم أن للزواج رأي آخر؟ ***
بصوت مملوء بالحقد والغل انطلقت تلك الصرخة من ريم ابنة خالة أحمد وهي تنهر أمها الجالسة أمامها. ولم يكن حالها أفضل من ابنتها: آآآآآآآآآآآآه. هموت يا ماما. حاسة إن قلبي هيقف من القهر. أنا أفضل مستنية البيه ابن أختك السنين دي كلها وفي الآخر يروح يخطب خديجة. خديجة يا ماما. لأ. وايه الهانم عاملة نفسها مش عارفة حاجة وبتقولي والله يا ريم الموضوع جه فجأة.
نظرت لها أمها وهي تكاد تجن من ما حدث. فها هو ابن أختها سيتم خطبته وسيتزوج غير ابنتها. وهي من كانت تأمل أن يتزوج ابنتها بعد أن لمحت بهذا الأمر للحاجة سعاد أختها الكبيرة. وأخيراً تحدثت: فجأة إيه؟ تلاقيهم راسمين عليه من زمان. أمال إيه؟ وشغلينه أمال إيه اللي هيخليه من غير جواز لدلوقتي؟ هتلاقي خديجة السهنة دي كانت بتشاغله وإحنا هنا نايمين في العسل. ضحكت ريم ضحكة ساخرة وقالت:
اسكتي يا ماما. تشاغل مين دي هبلة وبتغرق في شبر ميه. انتي ناسيه إنها صحبتي. دي مش فالحة إلا في اللبس والمذاكرة. نظرت لها أمها وتحدثت باستنكار: هبلة والله شكلك انتِ اللي هبلة والبت ضحكت عليكي وشقطت الواد منك. بلا خيبة. صرخت ريم في أمها قائلة: ماماااااااا! أنا دلوقتي مليش فيه. انتِ تتصرفي وتشوفي لكِ حل مع أختك وفركشي الجوازة دي. تنهدت أمها وقالت لابنتها بمسايرة:
يعني عاوزاني أروح أقول لها والنبي يا سعاد خلي المحروس ابنك يسيب بنت رشدي ويجي لبنتي؟ ما انتِ قدامه على طول. هو اللي راح خطبها. ثم أكملت بفحيح: بقولك إيه يا بت يا ريم. الفركشة دي لازم تيجي من خديجة. هي تسيبه واحنا بقى ساعتها ناخده في حضننا. وساعتها بقى هيجي لنا والعروسة بدل خديجة تبقى ريم. لمعت نظرة خبيثة في عين ريم وهي تسأل أمها: طب وده هنعمله إزاي؟ أجابتها بهية أمها بمكر:
ده بقى عليكي انتِ. مش بتقولي إن خديجة هبلة وبتصدق أي حاجة؟ أجابتها ريم بتأكيد: أيوه يا ماما. تحدثت بهية بخبث: يبقى خلاص. كلمتين كدا وحشين على أحمد وأخلاقه وطبعه الصعب وتخوفيها منه. وهي ماهتصدق وتقول حقي برقبتي. ها؟ إيه رأيك؟ نظرت ريم لها بتساؤل: طب فرضنا قالت لأحمد؟ أجابتها أمها بضحكة ساخرة:
مهو ده بقى دورك أنتِ. تعملي قلبك عليها علشان أنتم صحاب ومايهونش عليكي الجواز. ودي لها وتحلفيها متجبش سيرتك علشان متعملش لك مشاكل مع خالتك. ضحكت الاثنتان واتفقا على تفرقتهم. *** لا تعرف كيف مر ثلاث أسابيع من الخطبة. كانت يلتقي بها كل يوم أو يخترع هو الحجج لكي يراها. وحجة اليوم كانت أن تختار معه ستائر البيت. ارتدت ملابسها وكالعادة. حالة الغرفة يرثى لها. دخلت عليها والدتها تنهرها: فيه إيه يا خديجة؟
مش هتبطلي طبعك ده يابنتي؟ رتبي حاجتك مش كدا. لسه أسبوع وهتبقي ست بيت. يقول عليك إيه أحمد وانتِ عاملة كدا. ضحكت خديجة لأمها وقالت: متخافيش يا ماما مش هيقول حاجة. نظرت لها أمها وسألتها بمكر: والله دا إحنا بقينا واثقين بقى وملينا أيدينا من الراجل.
خجلت خديجة من مغزى كلام أمها الذي كان على حق. فمنذ أن خطبها معلمها وتبدل حالها أصبح عاشق لها. في النهار يغدقها بالهدايا والذهاب كل يوم في مكان مختلف بحجة تجهيز الزفاف. وفي الليل تغفو على الهاتف وهو يسمعها قصائد شعر حبه. ولم تخلو تلك الخروجات من كلامه الرومانسي واعترافه لها بحبه الذي سكن قلبه منذ أن كانت صغيرة أمامه. انتشلتها أمها من شرودها وهي تقول: خديجة. أحمد جه بره. أجابتها: أنا جايه يا ماما. ***
جلست بجواره في سيارته وانطلق بها. نظر بطرف عينيه لها وهو يقول: إزيك يا ديجا؟ أجابته: الحمد لله. إزيك انت؟ نظر لها بهيام وهو يقول: أنا الحمد لله تمام وفرحان وكمان هبقى عريس كمان أسبوع. هنا شعرت أن خديها ستحترق من شدة السخونة بها من خجلها منه. وعضت على شفتيها وهي تقول له: لو سمحت يا مستر. ولم تكد تنهي كلمتها حتى ضحك بصوت رجولي عالٍ وهو يقول لها: مستر إيه يا قلب المستر؟ فيه واحدة تقول لجوزها مستر.
تلعثمت في الحديث وهي تقول: مهو... يعني... انت... نظر لها بحنان وهو يصف السيارة بجانب الطريق حتى يستطيع أن يلهو بتلك المندفعة في الكلمات وهو يسألها بتسلية: ما قولتيش مهو إيه يا حبيبي؟ يا الله! هل قالها مرة أخرى؟ تلك الكلمة التي لا ينادي عليها إلا بها منذ أن خطبها. وأول مرة استمعتها منه عندما همس في أذنها وهو يلبسها خاتم الخطبة. حين همس لها وهو يميل عليها ويقول: مبروك يا حبيبي. نظر لها بتسلية على شرودها الذي
لاحظه وسألها مرة أخرى: مالك بقى يا ديجا؟ هنا اندفعت الكلمات من فمها وهي تقول: أنا كويسة أهو. أنت أنت... أومأ لها برأسه وهو يقول: أنا إيه؟ قالت مندفعة: انت اللي بتقول كلام ميصحش. ضحك بقهقهة على سذاجة زوجته المستقبلية وهو يسألها: أنا قولت إيه يا حبيبي؟ وقبل أن ينتهي من حديثه وضعت يدها بعفوية على فمه وهي تقول: اهو بتقول يا حبيبي تاني أه. أول يعلم ماذا حدث لجسده حين لمست تلك المشاغبة شفتاه؟
طبع على يدها قبلة قبل أن ترفع يدها كأنها لسعتها عقرب. ماذا حدث لها؟ وهنا ثبت غباؤها وتسرعها مرة أخرى. لا تستطيع الحديث. فهي من وضعت يدها على فمه لكي تسكته عن قول تلك الكلمة التي تفعل بها الأفاعيل. ولكن كيف ستبرر له؟ ماذا سيظن هو بها الآن؟ علم هو ما يدور في عقلها من كلمات موبخة لنفسها. فهو أعلم الناس بطبعها لأنه كان يحفظ كل تفصيلة من حياتها وهي لا تعلم. تحدث هو بنبرة حنونة محبة وايضاً مطمئنة لها:
خلاص يا ديجا. انتِ مكبرة الموضوع كدا ليه؟ اعتدل في جلسته ونظر لها وهي تنظر لكف يدها وهي تفرك به. وأكمل حديثه وهو يناديها: ديجا. نظرت له بوجه اشتعل من الخجل. أكمل هو وهو يقول: أنا بحبك يا خديجة وبحبك من زمان قوي. في الأول كنت بقول ده إعجاب بتلميذة شاطرة عندي. بس بعد ما روحتي الجامعة وكنتي بتغيبي في المدينة الجامعية بالأسبوع أو الأسبوعين ألاقي عيني بتدور عليكي في كل البلد وقلبي ده. التقط يدها ووضعها
على قلبه وأكمل حديثه معها: قلبي ده كان بيبقى فيه نار مبتهداش إلا أما أشوفك. ولما عملتي عملية وانتِ في سنة تالتة واجلتي السنة دي كنت هموت وأطمن عليكي بس مكنش ينفع. كنت عامل زي التايه لحد ما شوفتك بالصدفة مع باباكي ومامتك وانتم نازلين من عند الدكتور. ساعتها بس قدرت أعيش من تاني. نظر لها وجد هناك غشاء رقيق من الدموع في عينيها. وهنا تحدثت هي وهي تقول بمنتهى الغباء لكي تهرب من هذا الموقف: إسلام؟ واشمعنا أنا بقى؟
نظر لها بغيظ فهذا ليس ما أراد أن يسمعه منها وقال هو: ده اللي قدرك عليه ربنا. حرام عليكي يا شيخة. فصلتيني. ثم أكمل بدعابة لكي لا يزيد خجلها: اشمعنا انتي؟ قالت: علشان بختي يوم ما أحب أحبك انتِ. إنطلق لسانها السليط عليه وهي تقول: يا سلام وأنا مالي؟ قبل أن تكمل شريط كلامها السليط التي تهرب به من خجلها وضع هو يده على فمها وقال: أنتِ ست البنات وحبيبة قلب المستر. ثم اتبع كلامه بغمزة من عينيه وهو يقول: ولا إيه؟
انطلق بالسيارة. يكفيه اليوم استمتاع بمشاكسة تلك المدبة كما كان يلقبها أصدقاؤها. *** حمد الله على السلامة يا خديجة. كان هذا صوت ريم التي أتت لزيارة خديجة قبل الزفاف بيومين. وأصرت على المكوث بانتظارها لكي تنفذ خطة أمها الشريرة. رحبت خديجة بها ترحاب حافل وهي ترتمي بين ذراعيها. فهي كما يقولون من ريحة الحبايب. هي ابنة خالته وأيضاً صديقة عمرها. جلست بجوارها وهي تقول:
معلش يا ريم يا حبيبتي. أنا عارفة إنك جيتي قبل كدا بس والله غصب عني. أصل كل يوم يخرج يا إما مع ماما يا إما مع أحمد. انتي عارفة أن الفرح قرب ويا دوب قربنا نخلص. أكملت ريم وتحدثت بشر: لا يا حبيبتي براحتك. كان الله في العون. ربنا يتم عليكِ بخير. ثم أكملت بخبث: أنا شايفة كلام أحمد طالع من بؤقك كدا ونسينا خلاص مستر. أجابته خديجة بمرح وطيبة: اسكتي ياريم. دا أنا فضلت أغلباه علشان أتعود على اسمه كدا من غير مستر.
وهنا كانت الكلمة التي ستبدأ بها مؤامرتها الدنيئة حين سألتها بخبث: أغلباه؟ وهو كدا طول باله عليكي من غير ما يتعصب ولا يشخط؟ نظرت لها خديجة وأجابتها ببلاهة: يتعصب عليا ليه؟ دا طيب قوي وبيحبني كمان. سقطت تلك الكلمات على أذن ريم وكأنها حمم بركانية. قالت بحقد: بيحبك إيه يا ديجا؟ دا كلام بيلين بيه دماغك علشان يتجوزكِ. مش شايفة إن هو أكبر منك بحداشر سنة؟ وأكملت بنبرة مملوءة بالحقد:
واحد مكانه كان زمان عياله طوله. بس علشان طبعه الوحش وعصبيته اللي محدش يقدر يستحملها متجوزش لحد دلوقتي. وأخذت تقص عليها ما اتفقت مع أمها عليه. نظرت إليها خديجة بغضب وقالت لها: عيب كدا يا ريم. انتِ إزاي تقولي الكلام ده على أحمد؟ لو سمحتي متغلطيش في خطيبي. وقبل ما يكون خطيبي ده ابن خالتك. واتفضلي من غير مطرود. وأشارت إلى باب البيت. هنا شعرت ريم أن مخططها فشل. فاستدرجت كلامها بالاستعطاف لخديجة:
والله ما قصدي أغلط يا خديجة. أنا بس بنصحك علشان تعرفي انتِ داخلة على إيه. دانتي صاحبة عمري واتمنالك الخير. ثم أكملت بفحيح الثعبان: أنا آسفة يا ديجا إن كان كلامي ضايقك. بس علشان خاطري بلاش تقولي لأحمد. والله أنا كان غرضي مصلحتك. تركتها تلك الحية وقد انهارت أحلامها الوردية التي رسمتها خلال ذلك الشهر. فهل هو سيئ كما وصفته ابنة خالته أم هو ذلك العاشق الذي يغدقها بحبه؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!