حفل زفاف لم تكن تتوقع في يوم من الأيام أن تحضره. قاعة فخمة تدل على مدى ثراء العائلة الفاحش. لم تكن تتوقع أن صديقتها الأجنبية التي تعرفت عليها عندما زارت مصر للمرة الأولى أن تكون من عائلة ثرية جداً لذلك الحد. عامان فقط بعد أن أصبحتا مقربتين، بعثت لها بطاقة دعوة زفاف المقيم في شرم الشيخ وتصبح وصيفة العروس. وصيفة عروس بعيدة عن الصخب، بعيدة عن العروس.
خرجت من القاعة وهي تلتقط هاتفها لتطمئن والدها كل خمسة عشر دقيقة كما أخبرها. لم تعد طفلة بعد الآن، إنها في الرابعة والعشرون وما زال والدها يعاملها مثل الطفلة ذات الخمسة أعوام. انتبهت على صوت أختها التي هتفت بمرح: -هييييح بجد أنا مبهورة جدا بالفرح ده، مكنتش متخيلة إني أحضر فرح زي ما بنشوفهم في الأفلام. ابتسمت في خفوت وهي تتطلع إلى هاتفها لتنظر إلى الساعة التي تجاوزت العاشرة مساءً. التفتت إلى أختها الصغرى
ذات الثامنة عشر من العمر: -كفايه كده يا سارة، هنروح نطلع ننام علشان ورانا سفر الصبح. تعلقت سارة على ذراع ليان كالطفلة التي تتشبث مطالبة والدتها بالحلوى: -لا بلييز بقى، ده الفرح أحلو جداً.. بليز بقى نص ساعة بس وهنمشي. عدت دقائق استمرت سارة في إقناع أختها لتزفر ليان بضيق: -نص ساعة وبعدها هنطلع. طبعت قبلة على وجنتيها قائلة بسعادة: -ميرسي يا لي لي. عادت الأختان مرة أخرى إلى القاعة لتنتبه إلى العروس وهي تدعوها للاقتراب.
تقدمت نحوها في خطوات هادئة وابتسمت بسعادة: -مبارك لكِ يا عزيزتي.. أتمنى لكِ السعادة من أعماق قلبي. ضحكت العروس: -كفى ليان، لقد قلتيها عشرين مرة، هيا ابحثي عن عبارات جديدة. ثم بضيق زائف: -بربك يا فتاة، هل يصح لوصيفة عروس أن تترك العروس وحدها هكذا؟ لولا فقط تلك العدسات اللعينة لوجدتيني قمت من مجلسي وشددتك من حجابك. قالت ليان بهدوء:
-عزيزتي اهدئي، لقد كنت أتحدث مع والدي، أنتِ تعلمين أنها أول مرة أسافر بمفردي أنا وشقيقتي. ثم أمسكت وجنتيها: -هيا يا ليلى ابتسمي وزيلي ذلك العبوس وإلا سيأتي زوجك وسيحقق معي. ليلى.. فتاة غربية من الدرجة الأولى تزوجت من حبيبها بعد خمس سنوات منذ لقائهم الأول. تعرفت عليها عندما استضافتها إلى منزلها بعد أن سرق الملثمون حقيبتها الشخصية من المطار. قامت باستضافتها إلى بيتها وهي لأول مرة تستضيف شخص غريب.
رغم ضيق والدها باصطحاب شخص غريب وأيضاً أجنبية، ولكنه اطمأن عندما علم أنها فتاة ذات طابع حسن ويمكن الوثوق بها وأيضاً مرحة. بل أصبحت تنافس في لعبة الشطرنج المفضلة لديه مما توطدت العلاقة بين ليلى ووالدها. حتى أنها تتعجب بعض الأحيان كيف أصبحت صديقتها بتلك السرعة وأيضاً لا يوجد أي نقطة مشتركة بينهم. فهي شرقية والأخرى غربية، طباعهم مختلفة، كأن القطب الشمالي للمغناطيس انجذب للقطب الجنوبي. انتبهت لصوت شقيقتها وهي تهتف بصراخ:
-يالهههوى إيه المز ده! حمدت ليان ربها كثيراً أنه لا يوجد أحد في تلك القاعة يتحدث بالعربية، كلهم أجانب. دائماً تشعر أن قلبها سوف يتوقف عن النبض بسبب صراخ شقيقتها وهي تحدثها عن الشباب الوسيمين في الزفاف. بملامحهم الغربية الوسيمة والجذابة تجعل شقيقتها ستفقد سيطرتها إن لم تتعرف على أحدهم. -يالهههوى أنا كده قلبي هيقف، إيه العيون الملونة دي ولا الشعر الأشقر، أنا بعد الفرح ده شكلي هعنس بعد ما شفت المزز دي.
ضحكت ليان رغماً عنها بصوت عالٍ لتسألها ليلى بعدم فهم: -ماذا تقول شقيقتك؟ أريد أن أشارك معكم في الضحك. وقبل أن تتفوه ليان، اندفعت شقيقتها بتهور وهي تعيد ما قالته بالإنجليزية. لتتسع ابتسامة ليلى وهي تغمز لها: -سأقوم بتعريفك على أحد الأشخاص، لا تقلقي. قبل خروجك من الزفاف سيكون لديكِ صديق أجنبي. -سارة! هتفت بها ليان بحدة. قالت ليلى بمراوغة وخبث: -ولا تقلقي يا سارة، وأيضاً شقيقتك سيكون لها نصيب هي الأخرى.
اشتعلت وجنتا ليان بغضب وهي تنظر إلى صديقتها وزوجها الذي تقدم نحو تجمعهم وشارك في الضحك مع الفتاتان بمرح: -أنت أيضاً يا آدم! التفت إليها آدم متحدثاً بمرح: -حقاً شقيقتك مرحة جداً. كزت على أسنانها بغيظ شديد. صاحت ليلى وكأنها تذكرت شيئاً ما: -بالمناسبة غداً أنتِ وشقيقتك، أريدكما أن تكونا في العاشرة صباحاً في ذلك المطعم الذي ذهبنا إليه من قبل. اعترضت ليان بابتسامة هادئة:
-آسفة جداً، لا نقدر. تحدثت مع والدي وطلبت منه أن نبقى للغد، سوف تطير رقابنا. هتفت سارة بنبرة طفولية: -بليييز بقى يا ليان، مترفضيش وأنا هقنع بابا. -لأ. ردت ليلى بجدية: -يا فتاة، أنا لا آخذ منك رأياً، أنا طلبت منكِ وأنتِ ستنفذين. أما عن والدك فأنا سأجعل سيدتي الجميلة سعاد تتدلل إلى السيد إبراهيم ليوافق. -تأدبي يا فتاة، أنك تتحدثين عن والدي. أجابت ليلى بلا مبالاة:
-غداً أراكِ أنتِ وشقيقتك، ولا تقلقي، سأقنع السيد إبراهيم كما جعلته يوافق أن تأتي إلى هنا بمفردك دون ذلك الشاب الملتصق شهاب المدعو بابن عمك. تذكرت عندما بعثت ليلى بطاقة الدعوة وأخبرتها أنها لن تأتي بسبب المسافة البعيدة بين القاهرة وشرم الشيخ. لتأتي إليها بعد يومين تدق باب شقتها وهي لثاني مرة تزور منزلها. تعلم جيداً أن ليلى عنيدة، لن تتزحزح عن قرارها. لتهتف بيأس بعد أن حاصرتها ليلى بكل اتجاه من عدم الفرار:
-حسناً، على العاشرة سنأتي. واستأذنت هي وأختها ليصعدان إلى غرفتهما لترتمي ليان على الفراش بأرهاق: -رجلي مش حاسة بيها. شهقت بقوة عندما ارتمت أختها هي الأخرى على الفراش وهي تهتف بسعادة: -الفرح كان حلو جداً بجد، الـ 3 أيام دول أحلى من حياتي. ثلاثة أيام قبل موعد الزفاف كانت هي وليلى وشقيقتها يخرجان من الفندق السابعة صباحاً ويعودان إلى العاشرة ليلاً. قضوا الثلاثة أيام إما في التبضع أو السفاري. هتفت سارة بحالمية:
-تعرفي نفسي كده إنك تتجوزي واحد أجنبي. ردت ليان باستنكار: -إشمعنا؟ هزت كتفيها بمعنى أنها لا تعلم. -مش عارفه، بس نوع من تحسين السلالة مثلاً!! شهقت بألم عندما وكزتها ليان على ذراعها: -إيدك بقت تقيلة يا لي لي. ثم تابعت بخبث: -يلا بقى احكيلي، مفيش حد منهم عجبك كده ولا كده، أصل كل اللي شفتهم قمامير، وشكلي كده هعنس بعد الحلويات اللي شفتها دي. شهقت بألم أكبر للمرة الثانية عندما رمت ليان بوسادة على وجهها لتهتف بحنق:
-أنا بقى هخليكي تحلمي بالحلويات دي!! ارتعدت سارة وهي تزحف بجسدها للخلف ونظرات ليان لا تبشر بالخير إطلاقاً لتهتف بنبرة متوسلة ضعيفة: -استهدي بالله كده يا ليان، كنت بهزر يا رمضان، إيه مبتهزرش؟! خلعت ليان حجابها وهي تهتف بتوعد: -لا يختي بهزر.. وهوريكِ كمان. أخذت ليان تدغدغها في جميع أنحاء جسدها. تصاعدت ضحكات سارة بصخب ودموعها تهطل من كثرة الضحك وهي تهتف بتوسل: -خلاص حرمت، كفاية كده!! ابتعدت ليان وهي تتنهد بقوة
وكأنها للتو أنجزت عمل شاق: -ناس مبتجيش إلا بالعين الحمرا!! في صباح اليوم التالي، دلفت الشقيقتان إلى المطعم المطل على بحر الساحر لتتوجه نحو الطاولة المستديرة يوجد بها ليلى وآدم فقط، وليلى التي تحتضنها بحبور شديد كأنها لم ترها منذ القدم البعيد. جلست على الطاولة لتجد أن هناك مقعدان شاغران في مقابلتها. قالت ليلى بابتسامة رائعة:
-يجب أن أعرفك عن شخص هام جداً. رغم أنه ليس من عائلتي إلا إنه يعتبر بمثابة أخ لي. لم يستطع حضور حفل الزفاف لأعرفك عليه، لكنه جاء متأخراً بسبب بعض الأعمال المتراكمة. أومأت برأسها في تفهم وأخذت تلقي نظرة إلى أخرى إلى شقيقتها وهي تلتقط صور السيلفي بمفردها بأوضاع مختلفة، وأيضاً مع آدم وليلى، ثم أخذت تنظر إلى الصور التي التقطتها معهم تنتقي أفضل صورة وهي تضع الصورة على تطبيق انستجرام والفيس بوك معلقة "مع أحلى عروسين".
صاحت سارة بضجر بعد بضعة دقائق من الصمت: -هو إحنا لسه هنستنى كتير؟ أنا جعْت! جزت ليان على أسنانها وهي تهتف بين أسنانها: -اهدى كده، وإلا.. وأنتِ عارفة أنا ممكن أعملك إيه ومش هيهمني حد! كادت تنطق سارة لتبتر حديثها عندما صاحت ليلى بسعادة وهي تقفز من مقعدها: -زياد! توجهت نحو ذلك الزياد وهي تتعلق بعنقه غير عابئة بالفتاة التي بجواره. قال زياد بمرح وهو يحتضنها بحنان: -لقد أصبحتي الآن زوجة.. مبارك لكِ يا عزيزتي.
التفت الشقيقتان تنظران إلى ذلك الزياد. لم تستطع ليان رؤية وجهه بسبب ليلى التي متعلقة بعنقه كالطفلة لتشيح بوجهها عنهم وهي تنظر إلى الطبق أمامها بشرود. أما اتسعت عينا سارة بصدمة وهي تقوم من مجلسها تهتف بصوت عالٍ: -يخربيت حلاوتك! لاحظت ليان السكون الذي عم المكان بعد ما تفوهت به سارة. لتغلق عيناها وقد وصلت لآخر ذرة من الصبر.
التفتت إلى الجميع وهي تقوم من مجلسها الأخرى تهتف بهدوء وعيناها غير قادرة على النظر إلى ذلك الزياد ولا أيضاً للباقي: -آسفة حقاً، شقيقتي لها طريقة غريبة للترحيب بالأشخاص الجدد. -حقاً، وهل أنتِ لديك طريقة خاصة أيضاً؟ بللت شفتيها وهي ترفع عيناها لتصطدم به. اتسعت حدقتا عينيها وهي تراه عيناه مثبتة عليها. عيناه كادت أن تشعر بالغرق، زرقاء صافية بها لمعة غريبة لم ترها من قبل.
رغم أن حدقتي ليلى زرقاء أيضاً، لكن ذلك الزياد زرقاوية تختلف عن ليلى. أشاحت بوجهها عندما شعرت أنها سوف تغرق بعينيه الزرقاء. عيناه تشبهان السماء في صفائها. صوته الرجولي اقشعر بدنها همست بتلعثم: -كلا. ما زالت تشعر أن عيناه تخترق جسدها وكأنها تقف عارية أمامه. تورّدت وجنتاها بخجل مصحوب بحنق شديد. ينظر إليها غير عابئ بأحد. هتفت بهدوء وهي تلكز أختها معاتبة: -لقد قلت لكِ ألا تفعلي ذلك؟ -ولما لا؟
إن كانت تلك طريقتها لترحيب الأشخاص، لا توجد مشكلة! لا توجد مشكلة! حقاً إنه يمزح. ولما يتدخل هو في الحديث مع شقيقتها. وليلي التي اتخذت موضع الصمت لا تتفوه بأي شيء. أخيراً نطق آدم بعد صمود دام لدقائق: -مرحباً بك يا صديقي. احتضنا بعضهم بأخوة ثم دار آدم بعينه إلى الشقراء ليهتف بخبث: -صديقة جديدة أليس كذلك؟ ابتسم زياد بهدوء وهو يمسك كفها: -أعرفك نتالي.. نتالي آدم. رحبت به بحبور: -مبارك لك، أتمنى لكم السعادة.
هز رأسه وهو يحتضن ليلى من خصرها بحب. هتفت ليلى بابتسامة: -زياد، هذه هي ليان التي أخبرتك عنها من قبل. رد بهدوء وهو يتطلع إليها مجدداً: -هذه هي إذا؟ يكفي ذلك، نظراته تحرقها. لتهتف سارة بهمس: -الجدع ده مشلش عينه من عليكي من أول ما شافك. ستحدث مشكلة بالتأكيد. تعلم جيدا أن أختها مندفع بالحديث. ستحدث كارثة لا محالة. عندما يعودان إلى المنزل. هدأت نفسها قليلا وهي تستعيد رباطة جأشها وتقابل عينه بجمود: -نعم، إنها أنا.
ثم استدارت إلى ليلى بابتسامة طفيفة: -أرجوا أن ليلى قد جاءت بالحديث الحسن؟ أجاب بنبرة جعلتها تتذبذب من نبرته الهادئة: -نعم، لم تتوقف عن الحديث عنكِ ولو لمرة. هتفت ليلى بحماس: -هيا لنجلس سوياً ونتناول. جلست الشقيقتان بمجلسهما. وجدته يجلس بمقابلتها وعيناه لا تتوقف عن اطلاعها. لن يرحم ولو قليلا. ألا يرى تورد وجنتيها ونظرات الجميع المصوبة عليهم وهما في حالة صموت. وماذا عن تلك الشقراء بجانبه؟ لن يراعي مشاعرها أيضاً. لتميل
ليلى هامسة في أذن زياد: -أرحم الفتاة قليلاً، لا تستطيع رفع عيناها بسبب نظراتك تلك! لم يهتم بما تفوهت به هتف بهمس مماثل: -دعيني أمتع عيناي قليلاً بالفتيات الشرقيات. زفرت ليلى بيأس. لتجد النادل يضع الطعام في صمت ويستأذن في خفوت. ليشرع الجميع في تناول الطعام في صمت. أما سارة فكانت تلتقط بهاتفها عدة صور بزوايا مختلفة للطبق أمامها ثم شرعت في تناول الطعام في صمت هي الأخرى. لا تعلم لما شقيقتها اتخذت وضع الصمت اليوم.
-هل تعلم يا زياد أن ليان تود أن تجري لقاءً صحفياً عن ذلك رجل الأعمال المدعو بزين الحديدي! هتفت بها ليلى بحماس. ليجيب زياد بدهشة: -أووه حقاً، لماذا؟ تعلم أن سؤاله موجه إليها. قالت بجمود وهي تعبث بالطعام بشوكتها: -لا أعلم عنه الكثير، وأيضاً لم يقم بعمل لقاءات صحفية كثيرة. ربما اثنين أو ثلاثة ولا يضعون أي صورة له في أي لقاء. لا أعلم لماذا لا يضعون صورة له بل يكتفون بأنه رجل أعمال شاب.
لقد علمت بالمصادفة وأنا أقرأ إحدى المقالات، أن والده مصرياً ووالدته بريطانية، لذا لماذا لا يعلم الجميع عن إنجازات رجل أعمال مصري حقق نجاحات عظيمة رغم صغر سنه! رد بنبرته الهادئة: -أي إنه لم يضع أي صورة له، تريدين أن تقومين بعمل لقاء معه؟ ترك جميع حديثها وركز فقط أنه لا يضع أي صورة له. صاحت بحنق وقد استنفذت آخر ذرة من صبرها: -بربك ما هذا الذي تقوله؟
هل بعد ما قلته لم يجذب انتباهك أي شيء سوى أنه لا يضع أي صورة لعينة خاصة به!! أنا أريد لقاء فقط لأنه ابن بلدي يستطيع أن يستثمر في بلده بدل من أن يضع أمواله في الخارج!! لقد تعجبت حقاً أنه لم يقم بعمل أي مشروعات هنا في بلده! هتف زياد بهدوء: -على رسلك يا فتاة، إنني كنت أمزح معك. ثم استطرد بجدية: -أستطيع أن أجعلك تقابليه. رمشت عيناها وأذنيها لا تصدق ما سمعته: -حقاً؟ أومأ رأسه بنعم ليهتف بزرانه:
-إنني أعمل في إحدى شركاته، أستطيع أن أتدبر لكِ بضع الوقت لكي تقابليه. هتفت بهدوء: -ولكن أ.. ليقطعه مبتسماً: -يبدو أنه لم تصلك آخر الأخبار. افتتح فرع لشركته هنا في القاهرة منذ حوالي شهرين!! وهو أيضاً هنا في مصر. شهران افتتح شركة هنا ولا يعلم أحد، وأيضاً في مصر! هزت برأسها وهي تغير الحديث: -إذا يا ليلى، أين ستسافرين لقضاء شهر العسل؟ هتف آدم وهو يقبل كف ليلى:
-سنقضي شهر العسل للسفر حول العالم. أسبوع سنقضيه هنا في مختلف المدن الساحرة ثم سنذهب مباشرة إلى تركيا وباريس وإيطاليا والمالديف. ابتسمت سارة بسعادة وهي تهتف بحالمية: -أوعدنا يا رب. ابتسمت ليان في خفوت. وقد بدأت تهدأ عندما أشاح أخيراً ذلك الزياد بنظراته المتعلقة عليها وهو يتحدث مع تلك الشقراء الفاتنة أو ليلى وآدم. وضعت ليان الحقائب في حقيبة السيارة وهي تهتف بتوعد: -اصبري عليا بس لما نوصل البيت وأوريكِ.
استلقت سارة السيارة غير مبالية لتهديدات ليان. لتجلس ليان خلف المقود وهي تنطلق بسيارتها إلى القاهرة. كانت تضع سارة سماعات حول أذنها وهي تدندن في خفوت وليان نظراتها مثبتة على الطريق. قالت سارة بصياح وكأنها تذكرت شيئاً ما: -شفتي المز بتاع الصبح ده.. بس ده القنبلة بين اللي شفتهم. ثم تابعت بتساؤل: -رغم كده نظراته مش مريحاني، عمال بيسبلك قدام الناس كده ولا هامه حد؟ تفتكري ليه؟ صمتت قليلا ثم تابعت بخبث:
-إيه رأيك نقول عليه معجب مثلاً؟ زي بتوع الروايات كده أول ما يشوف البطلة يفضل مبحلق فيها! -مبحلق! هتفت بها ليان باستنكار لتتابع بضيق مصطنع: -الله يخربيت الروايات اللي لحست دماغك دي.. خليكي عارفة كده مفيش أي حاجة في الروايات بتحصل في الحقيقة. زفرت سارة بحنق: -بت انتي انتِ أصلاً فقرية.. خليكي كده يارب اللي يتجوزك كده يطلع عينك كده وتحبيه وهو ميعبركيش. -لا والله، طيب لما نشوف.
هتفت بها ليان بلا مبالاة وهي تعود تنظر للطريق. لم تنتبه إلى حديث سارة بل كان عقلها مشغولاً بذلك الزياد. لم ترتاح أبداً من نظرات ذلك الوقح. لتجد بعد أن قاما من الطاولة تسرع إلى الفندق وتذهب إلى غرفتهم وتلملم ملابسهم وينطلقا إلى القاهرة. كانت نظرات ليلى المعاتبة وهي تودعها تحزنها. كانا سيسافران في الغد لكن ألغت كل ذلك بسبب ذلك الوقح، السافل، عديم التربية! تريد أن تبتعد عنه لا تعلم لماذا.
ولكن عقلها نبهها أن تظل بعيدة عنه، ذلك أفضل. وكأنها ستراه مرة أخرى. هل حقاً سيجعلها تقابل ذلك الدعو بزين وهي حتى لم تعطيه رقمها! -انتي يا بت ياللي سرحانة. فاقت من شرودها على صوت أختها لتهتف بنفاذ صبر: -يا آخره، اصبري.. نعم!! غمزت سارة بوقاحة: -شكلك كده سرحانة في الواد الحليوة أبو عيون زرقا. -ســارة. نطقتها بحدة و وجنتيها تشتعلان بالحمرة لتهتف سارة محدقة بدهشة: -أوعى تقوليلي إنك حبيته بجد!! حب!
تلك الغبية لا تعلم أي شيء. إنها فقط تخشاه لا تعلم لماذا. عيناه كفيلتان بقلع حصون ثباتك أمامه. كانت ستغرق في صفاء عيناه وستعلن راية الاستسلام لقلبها. لا يصح لرجل أن تكون عيناه جميلتان لحد اللعنة! -يبقى حبيته والله. فاقت على حديث شقيقتها لتتحدث بحزم وهي تغلق تلك الصفحة: -مسمعش صوتك لحد لما نوصل للبيت. وهذا ما حدث. عدت ساعات حتى وصلا بأمان إلى منزلهما. ترجلت سارة من السيارة وهي تجر حقيبتها وتمسك بحقيبة شقيقتها. هتفت
ليان وهي تتفحص النقود: -أنا هروح الصيدلية أجيب دوا وهاجي، اطلعي بالشنط وهحصلك. هرولت ليان وهي تضرب جبهتها. كيف تنسى دواء والدها. دلفت إلى الصيدلية القابعة في آخر الشارع وهي تطلب الدواء للصيدلي جارهم في الشقة العلوية. أخذت الدواء وهي تعطيه المال وتخرج من الصيدلية تلعن غباءها. ثلاثة أيام لم تتذكر أن علبة الدواء فارغة ووالدتها لم تخبرها أيضاً بذلك.
تنهدت بحزن وهي تتذكر حالة والدها المتأخرة في العلاج ورفض أشقائه للمساعدة ويمدوا يد العون. وذلك شهاب ابن عمها الذي لا يتوقف عن ملاحقتها في أي مكان ذهبت إليه. دلت إلى العقار الذي تقطنه وهي ما زالت تبحث عن حل لمساعدة والدها. إن باعت السيارة والأرض الخاصة بوالدها ومصوغات أمها لن يصل المبلغ حتى لنصف العلاج.
وقبل أن تصعد الدرج شعرت بيد غليظة تمسك عضدها وقبل أي محاولة للصراخ قد أغلق فمها بيده الأخرى وهو يسحبها إلى مكان مظلم في مدخل العمارة لا يقترب منه أحد من الجيران بعيداً الشقق. تعمقت ببصرها إلى ذلك الذي كمم فمها. لتتسع حدقتا عينيها وكأنه مكتوب عليها الشقاء للأبد. وهي تبتلع ريقها بتوتر من القادم.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!