كان يراقب كل تفصيلة صغيرة، وكأنه يكتشفها للمرة الأولى. تقابلت الأعين للحظات، لغة العيون بهما سحر خاص يكتشفه لأول مرة. بندقيتها خائفة، بل مرتعدة ومترقبة لأي خطوة سوف يتخذها.
أشاحت بعينيها للجهة الأخرى وهي تنهي ذلك الحوار الذي دار بلغة الأعين. أخفض بصره متابعاً حركة مرور قطرات الماء التي تهبط إلى عنقها ثم يختفي بين ثنايا صدرها. يقسم إنه يستمع إلى صوت نبضات قلبها التي تدوي بعنف بين قفصها الصدري. صدرها يعلو ويهبط بسرعة مهولة. "لما تأخرتي يا عزيزتي؟ هتفت بها الجدة وهي تقتحم الغرفة، تضرب بعكازها على الأرض. علامة الاندهاش اعتلت وجهها وهي ترى زين في الغرفة. "أنت هنا؟
لقد كنت أظنك في غرفة المكتب." أزاحته كرد فعل طبيعي وتقدم نحو الجدة متمسكاً بيديها. "لقد انتهيت يا جدتي، هيا." رمت ببصرها إلى زين الواقف عاري الصدر، صاحت بخبث. "يبدو إنني قد قطعت عليكم لحظاتكم؟ أليس كذلك؟! تتمنى في تلك اللحظة أن تنشق الأرض وتبتلعها. علقت ببصرها نحوه لتجده يلتقط قميصه ويتوجه نحو الحمام دون أن ينبس ببنت شفة. "هيا يا جدتي لننتظره بالأسفل."
هتفت بها وهي تحاول أن تبدو نبرتها هادئة، لكنها خرجت مهزوزة بعض الشيء وهي تبتعد عن مرمى أعين الجدة المتفحصة. *** "يوسف." هتف بها عمار بصوت جهوري ليسترعي انتباه ذلك الشارد. رمقه يوسف بتساؤل. "خير." جلس بجواره وهو يبذل بأقصى مجهوده أن ينتشله من الطريق اللاعودة. "هيجي الخير إزاي وإنت بالمنظر ده؟ ما تفوق يابني شوية، الحياة مبتقفش عند حد." ابتسم يوسف بتهكم وهو يلتقط علبة لفائف التبغ ويشعل واحدة. "إلا ليان يا صاحبي."
توتر عمار وقلبه يزداد يقيناً من الكارثة التي ستحدث. "يوسف فوق، اللي بتتكلم عليها دي إتجوزت. متتهورش يا يوسف وتندم على اللي هتعمله." اتسعت عينا يوسف قائلاً بحده. "وأنت فاكر إن أنا حيوان للدرجة دي يا عمار؟ أنا لا يمكن آذيها يا عمار، مقدرش. أنا بس كنت غبي وحيوان ودفعت تمن غبائي كويس." "طب ليه سبت كل حاجة وجيت إسكندرية ليه؟ هز يوسف رأسه بلا مبالاه وهو يطلق الدخان من جوفه.
"كنت فاكر إن كل ما هبعد هنسى وهبدأ حياة جديدة، بس افتكرت إن أنا غلطان." ربت عمار على ذراع صديقه. "طيب يلا قوم، الجو برد علشان مناخدش برد." قام الآخر من مجلسه باستسلام وتفكيره منصب على بداية حياة جديدة. عليه أن ينساها وينسى الأخرى وسيسعى لنجاح ذلك. *** ابتسمت بمشاكسة وهي تنظر إلى غرفتهم التي زينها آدم. "يبدو أن حبيبي لا يضيع أي وقت." سحبها من ذراعها ليضمها لصدره متمتماً براحة.
"لا وقت للفرار عزيزتي. ما فعله زياد تلك الأيام الماضية سأقوم بتعويضها. لا أريد سماع أي شيء صوت سوى نبضات قلبك." دفنت برأسها إلى عنقه وهمست. "أحبك كثيراً آدم." ضمها آدم بحب وذراعيه تكبلان خصرها. "وأنا أيضاً حبيبتي." ابتعدت ليلي فجأة وكأنها استيقظت للتو من الكابوس. "هل سيقضي حقاً زياد لمدة أسبوع في القرية؟ هز رأسه بيأس ضارباً بكفه على جبهته. "حقاً أنتِ لا تصدقين. سأقضي ليلتي بين الأوراق أفضل من جلستك. وداعاً."
مشت بعينيها عدة مرات وهي تراه يلتقط سترته من الفراش ويخرج من الغرفة بخطوات يتآكلها الغضب، لتركض خلفه وهي تحاول أن تلاحقه قبل أن يخرج من المنزل. "آدم انتظر قليلاً." صوت إغلاق باب المنزل جعلها تتوقف عن الركض، لتمتم بسخط وهي تدب بقدمها على الأرض. "أنت الخاسر يا عزيزي. استمتع بسهرتك مع الأوراق، أما أنا فسأذهب لمشاهدة الحلقة الجديدة من المسلسل المفضل لدي." توجهت نحو المطبخ وهي تقوم بعمل وجبة سريعة قبل موعد المسلسل.
لتهرع نحو التلفاز وتقوم بتشغيله وهي تمتم براحة. "جيد، لقد بدأ." فقدت بريق حماس متابعة المسلسل بسبب عدم وجوده، لتلتقط هاتفها وتبعث برسالة قصيرة عبر تطبيق الواتساب لآدم "عد أرجوك". تهللت أساريرها وهي ترى تلك العلامة الزرقاء التي تعني بأنه قرأ الرسالة، لتجده يكتب شيئاً ثم يقوم بمسحه. انتظرت عدة دقائق طويلة مرت كالدهر لرده. اعتصرت الهاتف بيديها وهي تمتم. "حسناً يا آدم، أنت الجاني."
توجهت بخطوات راكضة إلى غرفة النوم لترتدي منامة قصيرة من اللون الأسود. مشطت خصلات شعرها الشقراء ووضعت أحمر شفاه صارخ. "احذر يا عزيزي من النساء." التقطت عدة صور مختلفة الأوضاع لترسلها له وابتسامة ماكرة تعتلي ثغرها. سيأتي بالتأكيد، سيأتي. توجهت نحو الفراش وهي تعد الدقائق والثواني لمجيئه. دقائق ليست بالطويلة سمعت صوت باب إغلاق المنزل. انتفضت من الفراش لتمسك بهاتفها وتعبث به بملل.
شهقت بفزع عندما أمسكها من عضدها، صائحاً بحنق. "ما الذي تحاولين فعله ليلي؟ تبعثين بصور أقل ما يقال تجعلني أريدك وبشدة." كانت تتأمله بملامح مشتاقة. سترته التي رماها أرضاً وقميصه الذي ترك إزاره الأعلى مفتوحاً وشعره المبعثر عكس حالته التي خرج بها. لاحت ابتسامة هادئة على ثغرها وهي تحتضنه بقوة هامسة بصوت خفيض. "آسفة." "لا عليكِ." ثم تابع مضيقاً عينيه.
"آمل أنها ليست من إحدى خدعك، لأنني وقتها لن أرحمك إذا لفظتِ باسم زياد الليلة." هزت برأسها وهي تهمس بتأكيد. "لا يوجد زياد أو ليان الليلة." "ولا غداً." ضحكت باستماع وهي تعود برأسها للخلف قليلاً. "ولا غداً." ابتسم بظفر وهو يسقطها على الفراش لينعم بليلة هادئة مع تلك المجنونة التي سلبت عقله وقلبه. ***
قضت وقت العشاء وهي صامتة مع بعض الكلمات المقتضبة إذا وجهت لها الجدة الحديث لها. كانت تستمع إليه كيف يتحدث، طريقته في الحديث مع جدته. كانت شبه هائمة به وهي تستند بذراعها على ذقنها. لم يرفع ببصره نحوها ولم يوجه لها الحديث إطلاقاً. تنهدت بقلة حيلة. الطعام أمامها شهي لكن تشعر بملء معدتها. تشعر أنها دخيلة وهما يتحدثان في مواضيع لا تعلمها. يبدو أنهم يتحدثون عن ذكريات قديمة!
قامت من مقعدها وهي تبتسم بهدوء وعيناها مسلطة نحوها. "لقد شبعت جدتي، سأصعد لغرفتي. مساء الخير." نظرت الجدة إلى الطبق التي لم تمسه وهتفت. "لم تأكلي شيئاً يا فتاة، هيا اجلسي." اعتذرت بلباقة وصعدت إلى الغرفة لتهتف الجدة بأعين متفحصة إلى الذي يتناول بلا مبالاه. "ما بها زوجتك؟ "لا يوجد بها شيء." اتسعت عيناها دهشة. "ما كل ذلك البرود يا ولد، ستجعل الفتاة تهرب منك بجفائك هذا." هتف بجمود وهو يمضغ الطعام غامزاً بإحدى عينيه.
"لا تستطيع أن تهرب مني يا جدتي." ضيقت عيناها من حفيدها الذي يتحدث بثقة وغرور لتتنهد. "عندما تنسحب الفتاة منك ببطء، لا تندم وقتها." قامت من مقعدها ليقوم الآخر من مقعده وناولها العصا لتستند عليها. "دعيني أقوم بإيصالك إلى غرفتك." "ابتعد، أستطيع أن أذهب إلى غرفتي بمفردي. ألقِ نظرة على زوجتك، الفتاة ما زالت لم تتكيف مع الوضع بعد." كان الحديث مرتكز نحو ليان وإعطاء النصائح له لكي ينعم بحياة زوجية رائعة.
صاح مندهشاً وهو يدثرها بالغطاء ويقبل جبهتها. "يبدو أن ليان ستأخذ محلي من قلبك." ابتسمت بمشاكسة. "ولما لا، أليست تلك الفتاة من خطفت عقلك؟ تجمد وجهها وهي ترى وجهه المتخشب وعدم ظهور أي تعبير على وجهه. "أخبرني، هل اخترتها من عقلك أم من قلبك؟ كانت تشير بيديها نحو رأسه والثاني نحو قلبه ليرد بجمود. "وما الفارق إذاً؟! تهجمت ملامح الجدة ضيقاً وهتفت بسأم. "هيا غادر إلى غرفتك، يبدو أنني أتحدث مع لوحة من الثلج."
ضحك باستمتاع وهو يعود تقبيل جبهتها مرة أخرى. دثرها جيداً ثم قام بإغلاق المصابيح وأغلق باب الغرفة بهدوء. وأرجله تتجه نحو غرفتهم!! *** "ألم تنامي بعد؟ صدح بها بتعجب وهو يراها أغلقت هاتفها للتو. من عبارتها العربية استنتج أنها تحدثت مع عائلتها. "كلا، لقد كنت أطمئن على والدي." لا تعلم لماذا لسانها أخبره مع من تتحدث. كانت من المفترض ألا ترد عليه. إنه لا يكترث بها إطلاقاً. ألن تحظى ولو بمحادثة معه؟ ألن يسمح لها!!
راقبته وهو يلتقط ملابس عملية ويتوجه للحمام. عدة دقائق وهي تنتظره وداخلها يقيناً أنه لن يوجه ببصره نحوها. سمعت صوت الباب وهو ينفتح. راقبته بصمت حتى خرج من الغرفة. أطلقت لعنة بين شفتيها. لترتمي على الفراش وتضع الوسادة على وجهها وهي تمتم. "أين حياتي السابقة؟ أريد استعادتها." كانت تخشى أن تكون بمفردها بين أربعة جدران، لكن برغم وجود الجدة، لكنها ما زالت تشعر بالنقص. نقص وجوده بجوارها. يطمئنها... يخبرها أن تظل صامدة قوية.
استسلمت إلى سلطان النوم وهي تجده هو ملجأها الوحيد حتى لا تُجن وهي تتحدث بكثرة مع حالها. بسببه هو بدأت تتحدث مع حالها كثيراً. اللعنة عليك يا زين الحديدي. *** استيقظت عندما شعرت بأصوات حركة في غرفتها. هل عاد؟ ما الوقت الآن؟ فتحت جفنيها وهي تستند بظهرها على مقدمة الفراش لتجد فتاة جميلة ترتب الملابس وتضعها في الخزانة. قالت الفتاة باحترام. "صباح الخير يا سيدتي. الفطار سيجهز بعد نصف ساعة."
عبثت بشعرها للخلف وفركت عينيها ببطء. "صباح الخير." قامت من مضجعها وهي تزفر بحنق. لقد جاء الصباح ولا تعلم أين هو؟ ماذا إن سألتها الجدة عنه؟ ماذا ستخبرها؟ انتبهت على صوت إغلاق الباب لتتنهد بيأس وهي تتوجه نحو الخزانة وإلتقطت أول شيء ظهر أمامها وتوجهت نحو المرحاض لكي تنعم بحمام دافئ وسط دوامة أسئلتها التي لن تنتهي. ***
كانت تراقب المنزل بانبهار. نزلت الدرج ببطء وهي تمشط المنزل بأعين فضولية. استوقفتها جدار يوجد به صور ضخمة. تبدو للعائلة!! صور قديمة لرجل أقل ما يقال أنه جذاب وفتاة صارخة الجمال يحتضنان بعضهما بحميمية. ابتسمت في هدوء وهي تتابع تفحصها لباقي الصور. صور أخرى لهم ولكن يوجد بينهما طفل رضيع. هل هذا زين؟ اقتربت من الصور لكي تتفحص ملامحه بشكل أدق. شهقة قوية جعلتها ترتد خطوات للخلف عندما سمعت صوت أنثوي من خلفها.
"يبدو إنكِ تريدين أن تتفحصي ملامحه وهو صغير." التفتت للخلف لتري امرأة متفجرة في الأنوثة. بداية من ملابسها القصيرة التي تبرز معالم أنوثتها الطاغية إلى خصلات شعرها البندقية المصففة بعناية. ابتسمت المرأة تحت نظرات ليان المتعجبة والمستنكرة لتمد يدها معرفة عن نفسها. "أعرفك، أدعي آليا، ابنة عم زين." تهللت أساريرها عندما علمت أن الفاتنة مجرد قريبة له. صافحتها بحبور. "اعذريني، لكنني لم أراكِ أمس."
"أوه نعم، لقد جئت الصباح الباكر من لندن." تفحصتها آليا بتتمعن. فتاة محجبة ذات ملامح ناعمة وهادئة. أشاحت بعينيها وهي تنظر إلى الصور المعلقة على الحائط. "أتتعلمين هذا الحائط يوجد به العديد من الذكريات؟ الصور جميعها ذكريات قديمة." ابتسمت ليان ابتسامة هادئة وهي تستمع إلى حديثها. "أتتعلمين يا ليان، اسمك مميز للغاية، لكن أليس ذلك الاسم غريباً؟
"كلا، إنه اسم عربي الأصل يوجد به عدة معانٍ كثيرة، وأكثر معنى مقرب هو الرقة واللطافة." ربتت آليا على وجنتيها. "أنتِ فعلاً رقيقة كالفراشة ولطيفة للغاية. سنصبح أصدقاء." أشارت بإحدى الصور الحديثة. "هذه صورة حديثة التقطت لي أنا وأخي وزين. هذه الصور قبل أن يصبح أخي رباناً، والآن لا أراه سوى لقاءات قصيرة."
يبدو أنها أعادت عليها أوجاعها. نبرتها خفيضة مؤلمة بها لوع واشتياق. ربتت على كتفها وهتفت بمرح وهي تنتشلها من غمامة الحزن. "هيا، إنه وقت الفطار قبل أن نستمع توبيخاً من الجدة." ضحكت آليا بصخب. "يبدو إنك لم تسلمي من الجدة ليلة أمس." *** أسرعت بمعانقة والدها بعد عودته من سفره إلى القرية. اشتدت من معانقة والدها وهي تخبئ وجهها إلى صدره. "متسافرش وتسيبني تاني، ماشي؟ ابتسم أيمن بحنان وهو يطبع بقبلة على جبهتها. "إن شاء الله."
ابتعدت في هدوء وسحبته إلى الأريكة وهتفت بفضول. "يلا بقى احكيلي إيه اللي حصل هناك؟ انت وعدتني لما ترجع هتحكيلي." انتظرت عدة دقائق أن يبدأ لكنها وجدته لم يتفوه بشيء. عيناه تجوبان وجهها ليهتف بهدوء مضيقاً عينيه. "هقولك بس افهم الأول إيه اللي كان بيقوله حمدي ده." اتسعت حدقتا عيناها زهولاً وهي تسب ذلك الحمدي والشهاب في آن واحد. الحقير، لقد أخبر والدها. حسابك عسير يا حمدي. "تقصد إيه يا بابا؟ رد بهدوء استدعى الشك في داخلها.
"كان بيسألني انت اتخطبتي ولا لأ. ولما سألته بيسأل ليه قال شافك انتِ وواحد وكنتم لازقين مع بعض بالمعنى الحرفي. أقدر أفهم مين ده وإيه اللي بيحصل من ورايا؟! أمسكت كف والدها وهتفت بصدق. "يا بابا ده سيادة المقدم شهاب ابن عم ليان. أنا معرفش هو عمل كده فجأة ليه معايا؟
طول عمره ما وجهش كلام معايا إطلاقاً، بس بعد سفر ليان كل حاجة اتغيرت فجأة. تصرفاته، كلامه، وآخر حاجة لما اتفاجئت بيه تحت بيتي واتفاجئت أكتر وهو بيقول لحمدي إن أنا خطيبته." غمغم أيمن بغموض. "بس كده؟ أسرعت تهز رأسها إيجاباً. "آه والله يا بابا صدقني، هو ده اللي حصل." "ماشي، نشوف حكاية شهاب ده إيه كمان." بعث في قلبها الرهبة وهي ترى حديث والدها الغامض نحوه. "هتعمل إيه يا بابا؟ "أفهم الموضوع الأول، هو عايز إيه؟
"بابا متقلقنيش." ضيق أيمن عينيه وأردف بجمود. "مقلقكيش!! ندي، في حاجة تاني مخبياها عليا؟ هزت رأسها نافية. "حالياً لأ. وبعدين برده عايزة أعرف إيه اللي حصل بالتفصيل الممل في السفر ده. عيلة إيه يا بابا اللي معرفش عنها حاجة؟ تنهد بحرارة وهو يرجع بذاكرته للخلف قبل خمس وعشرين عاماً بالتحديد. قد حان الوقت لكي تعرف صغيرته ما حدث في الماضي. *** "مس ورد، مس ورد، بصي الرسمة اللي رسمتها دي."
هتف بها إحدى الأطفال وهو يريها اللوحة التي رسمها. قبلته بحنان وهي ترى ذلك المبدع الصغير رغم تخطيه السبع سنوات. "هايل يا حبيبي، إيه الروعة دي؟ لمعت عين الصغير بسعادة وهتف بحماس. "بجد حلو يا مس ورد." داعبت وجنتيه الورديتين وهي تنظر إلى اللوحة التي رسمها مرة أخرى. مؤكدة له. "حلو أوي يا عيون المس." التقطت من حقيبتها نوع من الحلوى التي يعشقها وأعطتها له، لتراه يقفز ويسارع باحتضانها. "أنا بحبك أوي يا مس."
همست بحنان بجوار أذنه. "والمس بتحبك أوي يا محمد." قفز الصغير يركض إلى غرفته وهو يخبر باقي الأطفال المقاربين في عمره بأنه أخذ حلوى. سمعت صوت مديرة الملجأ وهي تربت على كتفها بحنو. "ربنا يفرحك زي ما بتفرحي الأطفال." شق ابتسامة ناعمة لاحت ثغرها لتتنهد براحة وهي تشعر بسعادة غامرة تملأ قلبها. ***
مر أسبوع قضته بصحبة الجدة وآليا، آسفة، علياء. اسمها عربي الأصل، والدها هو الآخر تزوج من فتاة بريطانية، ولكن للأسف حدث بينهم مشاكل وتطلقت وسحبت الأطفال إلى أحضانها. خالد وعلياء اسمين عربيين، ولكن مع والداتهم وثقافتها المتحررة أصبحوا غربيين من الدرجة الأولى من الملبس وطريقة التحدث والمعاملة.
عادوا إلى أحضان أبيهم بعد أن أصبحا ناضجين يافعين. علياء فتاة تخطت الثاني والعشرين من العمر، والقبطان خالد يكبرها بعدة سنوات، يقضي حياته بالانتقال من بلد إلى أخرى. كانت الجدة وعلياء ينطقون اسم خالد بصعوبة شديدة، يبدلون حرف الخاء بالكاف في كل مرة يتلفظون باسمه. تضحك بأستمتاع.
علمت حياة علياء وحياة الجدة وجزء من حياة خالد، ولكن هو لا تعلم عنه سوى القليل. القليل جداً، مع ذلك تظن إنه كافٍ لتلك الفترة. وكأنهم متعمدين ألا يتحدثون عنه سوى بعبارات مقتضبة. والجدة التي توقفت عن سؤالها عنه، أين هو؟ ولماذا تأخر؟ اكتفت فقط بأن تقص عليها بعض المواقف الطريفة التي حدثت في حياتها.
جلست على فراشها وهي تتذكر بعد أن قام بتوصيلها إلى منزل الجدة، أصبحت تكاد تراه في وجبة الإفطار وتكون محظوظة جداً إن رأته قبل الخلود للنوم. لا تعلم متى يأتي ومتى يذهب. وما ذلك العمل الذي يجعلها لا تراه سوى دقائق قصيرة. نظرت إلى الساعة المعلقة على الحائط لتجد أن الساعة قد تخطت الثالثة صباحاً. توجهت نحو الفراش وهي تشعر بالصداع الذي يفتك برأسها كلما شردت وتفكر به. رائع يا ليان، لقد أصبحتِ لا تفكرين بأحد سواه.
أغلقت جفنيها وهي تحاول أن تنام. تقلبت يميناً ويساراً وهي في كل حين تتأفف. أزاحت الشرشف لتتوجه نحو الشرفة. سحبت نفساً عميقاً وزفرته على مهل. الهواء المنعش سيجعلها تتحسن. ابتسمت في خفوت وهي تتكأ على السور بذكريات قديمة. مشاجرتها هي وأختها، تشتاق إليها بشدة. على الرغم إنها تتحدث معهم يومياً إلا أن مكالمة الفيديو لا تكفيها. انتبهت على سيارة تدلف إلى المنزل ولم يكن سواه. ترجل من السيارة ببطء وهو يتوجه نحو الداخل.
ستتحدث معه. تلك فرصتها الوحيدة قبل أن يعودا إلى لندن. انتظرته أن يأتي للغرفة لكنه خيب ظنها. دلفت إلى الغرفة وهي تجلس على الفراش بقلب منتظر وعقل أوشك على الجنون. ظلت تهز ساقيها بتوتر وهي تعد الثواني والدقائق ليأتي. هل رحل؟ كلا لم يرحل. لم تستمع إلى صوت السيارة بعد. قامت من الفراش وهي تضع وشاحاً على رأسها وتذهب إلى غرفة المكتب.
امسكت بالمقبض وفتحت باب الغرفة بعنف وانفاسها تعلو وتهبط من الحنق والغيظ الذي يتآكلها. وجدته يريح بجسده على الأريكة مغمض العينين. وعندما وجدته عاري الصدر. عند تلك النقطة أدارت وجهها للخلف وتحدثت بنبرة هادئة رغم تلك النيران التي تعتلي في داخلها. "أريد أن أتحدث معك والآن."
مغمض العينين ينعم براحة تستمر عدة ساعات قليلة ليواصل يوم الغد الحافل. تفاجأ من اقتحام أحدهم الغرفة دون أن يطرق الباب. وقبل أن ينفجر بغضبه وجدها هي. هل ما زالت متيقظة؟ انتظره لكي تتحدث معه؟ ابتسم بسخرية. "التفتي وتحدثي معي، لن أتحدث مع عنقك." جزت على أسنانها بغيظ رغم اشتعال وجنتيها من اللون الأحمر القاني. التفت إليه وهي تشيح بوجهها عنه. "يجب أن نتحدث." "في الغد." هتف بها ببرود. لتشتعل غضباً وهي بدون وعي تتوجه نحوه.
"ليس في الغد، الآن! هل المناقشة معك تتطلب موعد؟ قام من مجلسه وهو يقف قبالتها واضعاً كفيه في جيب بنطاله وعيناه تجوبان وجهها. "وما الأمر؟ "أخبرني، هل سأظل هكذا طول الوقت؟ لا أعلم عنك شيء ولا تتحدث معي كمثل الأشخاص الطبيعيين. تتركني مثل اا... دنا نحوها هامساً. "مثل ماذا؟ ارتدت للخلف عدة خطوات وهي تشعر برائحة عطره تتوغل إلى روحها. هذا يجعلها في حالة من اللاوعي ويجب أن تفيق. فهي أمامها فرصة للتحدث معه، فهو أمامها أخيراً.
أغمضت جفنيها وهتفت بكل ما يعتمل في صدرها. "مثل الكرسي، أنت لا تفهم ذلك الشعور الذي يراودني. أشعر بأنني... آه، لا أعلم كيف أصفه لك. يوجد الكثير من الأشياء والتساؤلات بداخلي ولا أجد جواباً لأي منهم. أكتفي فقط بالظن أو التخمين. لقد تعبت حقاً، لقد تعبت. لا أريد أن أبقى هنا. سأرحل، سأعود بأدرجاي إلى القاهرة وأعدك أنني سأعطي مالك في أقرب فرصة ممكنة."
فتحت جفنيها لتشهق وهي تضع بكفها على شفتيها كأنها تحاول أن تكتم شهقتها قبل أن تصدر. هيئته تلك لم تعهدها من قبل، يشبه كهيئة الملثمين أو قاطعي الطرق. زرقاوه عيناه البراقة اختفت وحل محلها ظلام دامس. شعره المبعثر بعشوائية على جبهته. انفعالات جسده الذي يتحكم بصعوبة وهي تراه يقبض بكفه بقوة حتى ابيضت سلمياته. بللت شفتيها وهي تشعر بالخطر يحوم حولها. عليها أن تهرب. الآن!
آكل المسافة الباقية بينما أرجع بجسدها للخلف ليرتطم ظهرها بالحائط. تنظر له برهبة وتجوس وخوف وفرصة النجاة انعدمت عندما هتف بغضب جعل جسدها ينتفض كلياً كالعصفور بين يدي طائر جارح. "ماذا قلتي؟ هيا اسمعيني!!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!