كل شيء يجذبه إليها، لا يستطيع الابتعاد. تلك المنامة السوداء، برغم أنها تصل إلى كاحلها، لكنها ضيقة بطريقة استفزته، تبرز جميع مفاتنها بإغراء، بطريقة ألهبت رجولته، وهو ليس بقديس حتى يمتنع. كونه ثملاً لا يعني أنه غير قادر أو لا يستطيع التمييز من بجواره. منذ مدة طويلة توقف عن الشراب، امتنع، ولكن لا يعلم لماذا قدماه أخذته إلى إحدى الحانات ليشرب. يريد أن ينسى!
ينسى ماذا لا يعلم. ينسى أنها الوحيدة التي تجرأت وصفعته، ينسى أنها كانت مصدومة بل مصعوقة مثله. ظل يشرب... ويشرب وصور الصفعة لا تغادر مخيلته. شعر بجسد امرأة تلتصق به وهي تهمس بأذنه ببعض العبارات الراغبة. اشمئز، ولأول مرة يشمئز. في حياته لم يبتعد عن امرأة راغبة به، لكن رغبته تغيرت، يريد الأخرى. دفعها عنه وهو يزجرها بعنف إن اقتربت منه مرة أخرى فإنه لن يرحمها.
اقترب منه الحارس وهو يخبره عليه بالعودة قبل مجيء أو الشعور بأحد من الصحافة بكونهم في إحدى الحانات. خرج متأففاً... لم ينسَ. شرب ليثمل، ومع ذلك لم ينسَ. هيئتها المتفجرة، صفعته... ارتعاشها منه... ثم قبلتهم. عندما تذكر قبلتهم، احتاجته الرغبة في تذوقهم مرة أخرى، ويدور في ذهنه أهم سؤال ويجب عليه معرفته!!
ذهب لغرفتها ليراها تنتظره. نبرتها كانت تحمل اشتياقاً، خوفاً. ميزه، ميز كل شيء من نبرتها. كانت تخشى إن حدث له شيء. أخرج سؤاله والتي كانت بمثابة القنبلة في وجهها. يعلم أنها تزوجت بشخص آخر قبله، لكنه يريد أن يعلم أو يطمئن من شيء لا يعلم ما هو؟ لكن الاطمئنان هو الشعور إنها هي الوحيدة له. نظر إلى مفاتنها المخفية تحت المنامة، ليعود مرة أخرى النظر إلى عيناها. تبكي!!
كانت تبكي وتنتحب بصمت. يا إلهي ما الذي كان على وشك فعله. نظر لهيئته ليجد أنه ما زال يعتليها. جردها من منامتها وهو ما زال ببنطاله فقط. سحبها من ذراعيها لتصبح في مواجهته. بداخله يريد البوح بآلاف الكلمات لكن عجز اللسان عن النطق. توقفت الكلمات كما توقفت تلك المعزوفة الهادئة التي كان يستمعها وهو بقربها. "أنا... أنا...
بتر عبارته. لن يستطيع قولها. لن يستطيع. طبع قبلة هادئة أعلى جبينها وهو يحتضنها. جسده يعبر عن الأسف، وقبلته تحمل الكثير والكثير ما لا يستطيع اللسان البوح به.
انتفض كمن لدغته حية وهو يحاول ألا ينظر إليها مرة أخرى. سيضعف. ولأول مرة يضعف أمام أنثى. هيئتها آلمته. نظر لثوبها الممزق بأسف. التقط قميصه وألبسها إياه وهي كانت كالقط الوديع تتابعه في صمت. دثرها بالشرشف ليخرج من الغرفة. دائما الهروب ليس حلاً، لكن حل مؤقت في الوقت الراهن. فتحت جفنيها ببطء عندما شعرت بصوت باب الغرفة يفتح. لم يكن سواه. نظرت للساعة المعلقة لتجدها السابعة صباحاً. تصنعت النوم كما هو تصنع المبالاة.
قامت من فراشها وهي تتوجه نحو المرحاض. هيئتها مدمرة. شعرها أشعث، شفتيها ما زالت تحملان أثره، ترتدي قميصه. أمالت بأنفها لتستنشق رائحة عطره. رائحة عطره الممزوج بعبق رجولته. رائحته زلزلتها، جعلت معدتها تتقلص ووجنتيها تشتعلان حمرة. جسدها طُبع بعبقه الرجولي. حاسة الأنف كانت كالرادار المتربص. جسدها يحمل بصمته.
خلعت القميص وحالة اللاوعي داهمتها. سبته في داخلها وهي تخفي بجسدها داخل المغطس. لا تستطيع لومه على ما فعله لأنه كان ثملاً. تلومه على فعله... لماذا شرب؟ ابتسمت بسخرية. ماذا كانت تتوقع؟ تتزوج بشيخ؟ كان عليها أن تأخذ حذرها من تلك النقاط. لكن هل يفيد البكاء على اللبن المسكوب. "انت اتجننت يا يوسف؟ بقولك البت شبهها تقول لي هو ده السبب اللي خلاك إنك تتقدم لها." صاح عمار بغضب. صديقه تغير مائة وثمانون درجة. لا يعلم بماذا يفكر؟
وما هي طريقة تفكيره؟ رد يوسف بهدوء. "ده بدل ما تقولي مبروك يا صاحبي." انفجرت براكين داخلية محبوسة في داخله، ليجعل ذلك الشبه فاقد يفيق. "بقولك فوق. هند غير ليان وليان غير هند. حتى لو فيه ملامح بسيطة تجمعهم ده مش معناه إن شخصياتهم واحدة وإن تفكيرهم واحد." قام يوسف من مقعده وهو ينفض ملابسه من الأتربة. "على العموم الخطوبة وكتب الكتاب يوم الخميس الجاي. ابقي تيجي."
واستدار مغادراً. عمار الذي ما زال واقفاً بسخط. توقف عن السير عندما سمع صوت عمار الجهوري. "على فكرة ورد تعبانة، عندها كانسر." زلزلته تلك الكلمة. شعر بفقد جميع حواسه. ليلتفت إليه وهو شبه مبتسم. "عقاب ربنا دايما بيكون عادل يا صاحبي." "ما بك؟ هل أنتِ بخير؟ نطقها تيم وهو يراها ممتنعة عن الحديث وشاردة. نظرت للجميع وهمست في خفوت. "نعم نعم بخير." وكأن تلك الكلمة تطمئن حالها قبل اطمئنانهم. "أعتذر ولكن يجب عليّ الرحيل."
ردت جاسمين بعبوس. "لكنك جئتي منذ خمس دقائق." "إنني متعبة. علي الرحيل." استقامت ليلي من جلستها لتمسك بعضدها وهي تواكب في سيرها. همست بقلق وهما يتجهان خارج المقهى. "ليان هل أنتِ بخير؟ أومأت إيجاباً وهي ترد بكذب. "نعم بخير. عليّ الذهاب." انسحبت ببطء وهي تصعد للسيارة. حمحم السائق بجدية. "سيدتي هل سنعود للمنزل؟ "كلا.. تجول في الشوارع." أذعن السائق لطلبها وبدأ التجول في شوارع لندن. كانت تراقب الطريق بانتباه حتى هتفت.
"توقف." أوقف السائق السيارة لتخرج منه وهي تتجه نحو إحدى المقاعد البعيدة عن أعين الجميع. اليوم كان مغيماً عكس باقي الأيام. رفعت بأعينها نحو السماء لتجد ضوء الشمس مختفياً بين الغيوم. سحقت شفتيها السفلى بألم لتبدأ وصلة البكاء التي جاهدت في إخفائها. علا صوت بكاءها يمس القلوب مما أثار ريبة السائق ليتوجه نحوها. "سيدتي هل أنتِ بخير؟
لم تسمعه. لم تسمع أي حرف ما قاله بل لم تراه من الأساس. طأطأت برأسها للأسفل وهي تضع كفها على شفتيها. أعاد السائق سؤاله عدة مرات لكن بدون فائدة. أخرجت جميع الشحنات السلبية المختزنة بداخلها لتدير بوجهها إليه هامسة بصوت مبحوح. "هيا لنعود للمنزل." "سيدي.. سيد زيدان يريد رؤيتك." هتف بها ستيفن بعملية ليرد زين بجمود. "ادخله."
خرج ستيفن من الغرفة، ليدلف رجل في منتصف الستينات ملامحه هادئة رزينة. هتف بترحيب وهو يعانق ابنه الآخر. "مرحباً يا بني." ابتعد زين وهتف بهدوء. "أهلاً يا عمي. تفضل بالجلوس." جلس زيدان على الأريكة ليجلس الآخر على الأريكة المقابلة وعيناه محدقتان نحو الفراغ. حمحم زيدان بجدية. "أراك شارداً وغير منتبه." رد زين بهدوء. "لا يا عمي. مشغول ببعض الأعمال ليس أكثر."
"أعلم أنك لا تحب التحدث في المواضيع الخاصة مع أحد وتحتفظ بها بداخلك ولكنني جئت حتى أخبرك أخيراً خالد سيأتي." انتبه زين على حديث زيدان ورد بتعجب. "حقاً؟ لم يخبرني بذلك عند آخر مكالمة." "لقد هاتفته أمس، قال إنه سينهي تلك الجولة ثم سيعود للندن بضعة أشهر إجازة." رد باقتضاب. "جيد." هتف زيدان بابتسامة مرحة. "ولكن أخبرني كيف حال زوجة ابني، وكيف تسير حياتكم؟ "بخير يا عمي."
قام زيدان من مجلسه وهو يلاحظ تمنع زين عن الحديث معه. لم يغيره الزواج. ظل كما هو.. كتوم وغامض. نظر زين إلى الباب الذي أغلق ثم عاد ببصره محدقاً نحو الفراغ. لا يصدق ما فعله ليلة أمس. سيظل يتذكرها طوال حياته ولن يقدر على مسح تلك الحادثة المشؤومة. تنهد بحرارة وهو يسند برأسه للخلف غالقاً جفنيه. لا يستطيع العمل. لا يستطيع التنفس بحرية. شيء يجثم صدره يضيق تنفسه. يشعر بالغرق...
شيء يسحبه للأسفل نحو مكان مظلم إلى أعماق أعماق البحر. ولكن هل من منقذ؟ أخذ يخطو بخطواته نحو مكتب والداه. أبيه.. تلك الكلمة التي لم يشعر بها إطلاقاً. "والله زمان يا سيد شهاب مشفتوش وشك. خير." هتف بها عز بسخرية وهو يلقي بنظارته الطبية على سطح مكتبه. "أنا قررت اتجوز." قام عز الدين من مجلسه وهو يضع بكلتا يديه في جيب بنطاله. "جميل جميل.. ومين بقي اللي قررت تتجوزها؟
لاحظ نبرة والده المستنكرة. يجب عليه المحافظة على هدوئه حتى لا يفقد أعصابه. تحكم في أعصابه بصعوبة وهو يرد. "إسمها ندي. أبوها بيشتغل لواء وهتقدملهم آخر الأسبوع." هتف بعنجهية وسخرية. "وانت بقي افتكرت أبوك دلوقتي ولا إيه يا حضرة المقدم؟ يبدو أنه ما زال مصراً على أن يفقد أعصابه. رد ببرود رغم تلك الثورات الداخلية التي تعتمل صدره. "أنا جيت علشان أبلغك. عايز تيجي أو متجيش انت حرة." در عز الدين أمام ابنه.
"انت بتقل أدبك على أبوك." اتسعت مقلتا شهاب بتعجب. باستنكار شديد قال. "ابوك؟ إيه يا عز باشا انت ما صدقت ولا إيه؟ أنا جيت النهاردة وبديلك خبر علشان متسمعوش من الغريب. سواء جيت أو مجتش أنا هروح. عن إذنك بقى يا عز بيه علشان ما أكونش عطلتك على شغلك."
واستدار مغادراً الغرفة، تاركاً عز ينظر إلى فراغه بدهشة. قلبه يؤنبه على ما فعله لكن عقله لم يتزحزح يخبره أن ما فعله ليس بشيء طوال تلك الأعوام الكئيبة التي قضاها معه. يجب على والده أن يعلم أن ما غرسه سوف يأتي حصاده وها قد جني حصاده بعد سنوات من اللامبالاة والبعد وعدم الاهتمام.. فلا يلومه أحد على ما سيفعله أو ما صدر منه. ارتشفت الجدة العصير وهي مستاءة. توقعت قدومها ستجعلهم يتقربون، لكن ما الذي حدث؟
مفترقان مبتعدان يعاملان بعضهما كالشخص الغريب. إذاً لماذا تزوجها؟ ما الذي جعله يتزوج وخصوصاً فتاة شرقية وهو سيعاملها بجفاء؟
لكن ما طمأنها نظرات حفيدها نحو تلك الشرقية الخلابة. نظرات عينيه تفضحانه برغم أقنعة الجمود والبرود الذي يغلف بها بوجهه. ستستمر في محاولتها حتى وإن تدخلت بالقوة. دافعها ليس لرؤية طفل لزين، دافعها هو رؤية حفيدها قد استقر في حياته وعمله، يكون محاطاً بزوجة تعشقه وتكوين نبتة عشقهم طفل يزيد من رابطتهم المقدسة وتجعلهم متعلقين به أكثر. متى سيأتي ذلك اليوم؟
هل سيأتي ذلك اليوم وهي ستكون على قيد الحياة أم ستظل ذكرى لهم. تنهدت بحرارة لتعود مرة أخرى ترتشف العصير وعقلها يعمل ويعمل حتى اهتدت لخطة ما لكن يجب عليها أن تتريث قليلاً. "تتوقعي يا ماما مكنتش ممكن أشوف لحظة انهيارك." هتفت بها ورد بابتسامة هادئة وهي تطالع ملامح والدتها المنكسرة. لتتابع بهدوء. "سبحان الله بجد الشخص اللي مقدرتيش تساعديه وتديله فلوس علشان يتعالج هو أول شخص جالي. عارفة ده معناه إيه؟
، وسبحان الله برده رغم إن إحنا معانا فلوس بس الفلوس مش هتقدر تخليني أعيش، ديه كانت زي قرصة ودن علشان كنت أفوق من اللي أنا فيه قبل فوات الأوان. ما ربنا عمره بيكره عبد من عباده يا ماما." تريثت قليلاً لتوجه ببصرها إلى والدها. "وحضرتك يا بابا، شفت آخر الطمع والجشع ممكن يودوا الإنسان فين؟ إنت عارف أنا مكنتش متخيلة في يوم من الأيام إن أنا أتكلم وأقول حاجات زي دي؟
، حاسة إني شخص تاني غير اللي أنا أعرفها بس بقيت شخص نضيف من جوا قبل من برا. صدقوني أنا مش مرعوبة ولا خايفة من الموت. الموت طول عمره قريب مننا بس إحنا كإنسان بنتجاهلها أو بننساها وسط مشاغل الدنيا." سحقت شفتيها بألم. يوجد شيء آخر لم تفعله. تريد فعله قبل أن ترحل. يجب عليها رؤيته ولكن أين هو؟
نزلت الدرج بخطوات مهرولة وهي لا تصدق الضيف الذي أتى إليها. وجدته جالس يحتسي القهوة ويتحدث مع الجدة بمرح والجدة ابتسامتها لم تفارقها. التفت الجدة إلى ليان وهتفت في حبور. "ليان اجلسي يا بنتي وانظري ماذا فعل زوجك." تعلقت عيناها بحمزة. لقد اشتاقت إليه. اشتاقت للتحدث بالعربية. اشتاقت لأهلها. اشتاقت لكل شيء.. حنين يدب في أوصالها للمرة الثانية وهي ترى حمزة يهتف بابنتي. حاولت التحكم في دموعها التي سقطت من السعادة.
"وحشتني جداً يا عم حمزة." نبرتها خرجت واهنة ضعيفة وأعينها تتراقصان من السعادة. "وانتي أكتر يا بنتي." أكثر ما تكره الجدة هو البكاء. يجعلها تشرد في ماضيها المليء بالذكريات. زجرت ليان وهي تطرق بعصاها على الأرض. "اجلسي يا فتاة. حمزة لم ينتهِ بعد." جلست بجوار الجدة ليغمغم حمزة. "كيف حالك؟ "بخير."
لم يصدقها. كل شيء يجعله يستدعي الشك في داخله. هيئتها.. شحوب وجهها.. نظرات أعينها الزائغة. هم بالسؤال مرة أخرى ليجد الجدة تتحدث بحماس. "هيا يا حمزة تابع وماذا حدث بعد ذلك؟ "أنتِ تعلمين ذلك القصر لا يسمح زين بدخول أي امرأة. هنا كانت الشيء الصعب. لقد جعل الحراس هم الذين ينظفون المنزل." ولانتبهت حواسها على حديث حمزة، ليتوقف عقلها قليلاً مفكراً.. قصر أي قصر؟ هل يقصد ذلك القصر في القاهرة؟
بالتأكيد هو لا يوجد منزل آخر. كانت متعجبة من عدم وجود خدم. "معذرة على المقاطعة ولكن لما ذلك القصر لا تطؤه امرأة بقدميها؟ رد حمزة ببساطة. "لأنه قرر أن الفتاة الوحيدة التي ستدخل القصر هي زوجته." هبت من مجلسها لتعلو نبرتها بضيق. "يعني كنت تعلم منذ البداية يا عم حمزة؟ لما لم تخبرني؟ ضربت بكفها على جبهتها وهي تسخر من غبائها. "يا إلهي كم كنت مغفلة. كوني أعمل مساعدة لبضع أيام كانت لعبته. هل كنت للدرجة غبية؟!
أدرك حمزة فداحة الأمر. نظر للجدة ليجدها كانت ترسل بنظرات محبطة وضيق في آن واحد. راقبها وهي تصعد للأعلى بخطوات تنفس عن نيرانها الداخلي. "ماذا سيحدث برأيك؟ رمقته الجدة بضيق وعبوس. "أتعلم يا سيد حمزة لقد ضاعت جميع مخططاتي التي سأقوم بفعلها الأسبوع القادم." كان يتحاشى النظر إليها في اليومين السابقين. ضميره يؤنبه والحادثة المشؤومة ما زالت تقتحم خياله. تنهد بحرارة محدثاً نفسه وماذا بعد؟
أين سنصل لذلك الطريق غير البارز أي علامة من علامات خط النهاية! خلل أصابعه على خصلات شعره بيأس. أغلق جفنيه متنهداً. ما زلنا في البداية يا صديقي. سحق شفتيه بغيظ زاجراً أي طريق بداية. لقد جعلتها تنهار باكية في طريق عام ولم تفعل لها شيئاً. لم تواسيها. لم تعبر لها عن أسفك. لقد تركتها. تخليت عنها. لن يكون له أي دافع إن طلبت منه الرحيل. سيكون لديها كل الحق. لن يستطيع ردعها.
صوت الجلبة الذي حدث في الخارج أيقظه من شروده. قام من مجلسه ليرى تلك الجلبة والتي حدثت لثاني مرة على التوالي في ذلك العام. وجدها اقتحمت الغرفة بعنف ونظرات أعينها لا تبشر بالخير وخلفها السكرتيرة التي تمتمت بعذر. "سيدي أعتذر ولكن السيدة اقتحمت الغرفة." وقاطعها زين ببرود. "لا مشكلة. عندما تأتي دعيها تدخل للمكتب فوراً." كان يراقب ستيفن ما يحدث عند مقدمة الباب. ليسحب السكرتيرة هاتفاً بعنف وهو يغلق الباب خلفه.
"هل جننتي يا إيم؟ تلك زوجة السيد." صعقت إيم من حديثه لترد بتلعثم. "يا إلهي هل هذا يعني أنني سأستلم ورقة طردي من العمل؟ "صلي يا فتاة أن يكون مزاج المدير جيد. ولكنني لا أريد أن أطمئنك مزاج المدير متعكر هذه الأيام." قذفت بعلبة المناديل في وجهها وهي ترد بحنق. "هل هكذا تطمئنني يا رجل؟ اغرب عن وجهي."
حديث الأعين دائر بينهم. عيناه تلمعان كالنجوم المتلألئة في حضرتها، وتغيب في غيابها. كالقمر يصطحب معه النجوم وحينما يغادر فترحل معه النجوم. تشعر بالضيق أو الغباء. لقد خدعها.. إنه كان مخططاً مسبقاً بالزواج. إذاً لم لا يتحدث معها كأي رجل عادي؟ لتجيب: وهل هو رجل عادي؟ لن تفهمه أبداً. ستحتاج لوقت طويل لفهمه. لا تحاولي كثيراً فهم الرجل. ببساطة لأنه ليس لديه ما هو جدير بالفهم. إنما بالتفهم.
انتظرته بالمبادرة بالحديث. لكنه لم يتزحزح عن تأمل تفاصيلها بلهفة. يتحفظ ملامحها كأنها للمرة الأخيرة التي سيراها. حدقتا عينيه تهلكها.. تدمرها.. لا يحتاج إلى أي أسلحة ليخترق روحها. نظرة عينيه كافية فقط باقتحام روحها. عقدت ذراعيها على صدرها وهتفت. "أعترف حقاً أنني كنت حمقاء. ليس حمقاء فقط بل غبية. وأرفع قبعتي لك يا سيدي."
لماذا في كل مرة تحاول إخراجه عن إرادته. سيتفوه بالكثير من الحماقات والتي سيندم عليها مؤخراً. رد بكل عنجهية وهو يستدير للجلوس على مقعده. "ليان توقفي. ليس لي وقت لذلك الحديث." لا تعلم كيف يداها تجرأت على فعلها؟ أمسكت بكفه وسحبته إليها لتحيط بكلتا ذراعيها تتمسك بياقة قميصه هامسة. "انظر إلى عيناي زين. تمعن في النظر إليه وأخبرني لماذا تزوجتني؟
لقد علمت من عم حمزة أن ذلك القصر لا تسمح لأي امرأة بالدخول إليه سواي.. لماذا يا زين؟ أخبرني." ويداه كرد فعل طبيعي سحب خصرها لتلتصق بصدره. دنا نحو أذنها هامساً. "كيف أتتك الجرأة على فعلها؟ نبرته تحمل الكثير الكثير من المكر والخبث. أبعدت بذراعيها عن ياقة قميصه وأسندت بكفها على مرفقيه وهي تحاول إزاحة يديه الفولاذية. هدرت بحنق. "ابتعد. ليس هذا وقت للمزاح." "أنتِ التي اقتربتِ مني." زفرت بأنفاسها أمام وجهه.
"يبدو أنك ستفعل كل مرة ستتجاهل حديثي وتتطرق إلى مواضيع جانبية." أشاح بذراعيه عن خصرها وهتف بجمود. "ليان ليس هذا وقت للحديث." وإجابتها كانت عنيفة. "إذاً أخبرني إلى متى سأنتظر؟ يوم.. اثنان.. أسبوع.. شهر.. عام؟ سكنت للحظات وبسخرية تابعت. "وهل تتوقع مني أنني سأنتظر مثلاً؟ كلا."
استدارت للخلف متوجه نحو الباب لتغادر. خرجت وهي صافقة الباب خلفها بقوة. الغيظ والحنق يتآكلها. تريد التنفيس. كبت داخلي تريد إخراجه. وجدت عامل النظافة يجر بصندوق القمامة. لاقت تلك الفكرة استحساناً لتدمر الأرضية لكن ما ذنب العامل. زفرت بحنق وهي تعدل مسارها متوجه نحو المصعد. حدث ما توقعه. لم يجد الرد ككل مرة. لما هي لا تحاول فهمه؟
يود قص لسانها الذي يتفوه بالكثير من الحماقات والتراهات الذي يزعجه. أرجع بخصلات شعره للخلف ويداه الأخرى موضوعة على خصره. أخرج لفظ خارج من شفتيه ليتوجه إلى النافذة الزجاجية. نظر إلى المحيط حوله. كل شيء ساكن لا يقارن بالضجيج الذي بالأسفل. كذلك هو ساكن بارد عكس الثورات الداخلية التي تحدث في داخله.
تنحنح شهاب في حرج لأنه جاء بمفرده. والداه لم يأتي وهذا كان متأكداً منه. تقلقه نظرات أيمن المتفحصة والثاقبة وكأنه عدو هجم على بيته. ورغم من ذلك هتف بهدوء مقرراً قطع تلك الصمود. "أهلاً يا بني." "أهلاً بك يا فندم." لا يستطيع نطق عمي الآن!! سحب نفساً عميقاً ليزفره على مهل. "أنا جئت اليوم علشان أطلب بنت حضرتك الآنسة ندى." "بس متأخذنيش انت جاي لوحدك." وهذا يقاطعه شهاب. "أمي توفت من وأنا صغير ووالدي."
صمت قليلاً لا يعلم ما الذي عليه قوله. رد أيمن وهو يرفع عنه الحرج. "ندى حكت لي كل حاجة. بس ده ميمنعش اني منساش اللي عملته في بنتي قدام الناس كله يا سيادة المقدم." طأطأ رأسه في حرج ليغمغم بثقة.
"صدقني يا فندم كان تهور مني. كنت عايش في حالة من اليأس والإحباط. كنت بتعلق على مقدار أمل ولو صغير إن ندى تكون حاملة ذرة بسيطة من المشاعر ليا. أنا مش هتكسف و مش وقاحة مني إني أقول لحضرتك إن ندى هتبقى أمي وأختي وصاحبتي قبل مراتي. أنا لقيت في ندى صفات نصي التاني."
شهاب يشبه كثيراً عندما كان في عمره. ذكره بأيام شبابه وهو كان يتقدم لخطبة حبيبته. هذا الشاب عاشق متيم بابنته التي كبرت أمام ناظريه وهو لا يصدق أنها أصبحت عروس يتقدم إليها الشبان لأخذها. تنهد أيمن وهو يهتف بجمود. "أنا آسف يا سيادة المقدم. طلبك مرفوض. ابن عمها تقدم لطلب إيديها قبلك وأنا وافقت وهي بمثابة خطيبته حالياً وحضرتك عارف طبعاً حديث الرسول "لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه"."
تلك ليست بمثابة الصدمة بل الصاعقة التي أفقدت جميع حواسه. نظر إلى أيمن بذهول ودهشة. هل يمزح معه؟ ليس هذا وقت للمزاح الآن. كان يتحدث بهدوء وجدية. سحب بصره ناحية الباب ليجدها قد أسقطت صينية تقديم المشروبات على الأرض، وهرعت نحو الداخل. "انظروا ماذا جلبت." صاحت بها ليلي وهي تتقدم للطاولة الخاصة بهم. نظرت إلى أعينهم الفضولية والمتسائلة. أخرجت التذاكر من حقيبتها وصاحت بمرح. "حفلة. تذاكر للمغني إيد شيران."
صاحت سلمى وجاسمين بسعادة وصفقت جاسمين بمرح. "يا فتاة أنتِ رائعة. سأقبلك." قبلت جاسمين وجنتي تحت نظراتهم. "متى الحفل؟ "الأسبوع المقبل. هيا استعدوا سيكون اليوم حافل." علق تيم بصره بليان ليهتف بتساؤل. "هل ستأتي؟ غمغمت في خفوت. "بالطبع. لما لا."
ابتسم وعيناه تلمعان بوميض خافت. لاحظتها. هزت رأسها نافية من تلك الأفكار التي تراودها. أصبحت تتخيل أشياء لا تمت للواقع بصلة. تنهدت بحرارة وهي تتابع حديث جاسمين وليلي المرح وكيف سيقضيان اليوم بأكمله في الخارج وتيم يحدق بها بهدوء. أمسك بقنينة العطر وهو ينظر إلى هيئته في المرآة. أسبوع مر على ذلك اليوم. ابتلع غصة في حلقه بصعوبة. لماذا دائما تسير حياته في الطريق الخاطئ؟ لماذا يرحل الجميع من حوله؟ كيف فعل والداها ذلك؟
لقد طعنه بدم بارد. قذف قنينة العطر نحو المرآة ليسمع صوت مدوي والمرأة تهشمت إلى قطع صغيرة على الأرض. ماذا فعل في حياته ليستحق ذلك العقاب؟ أولاً والدته.. ثانياً والداه.. ثالثاً صديقته ورد تعيش باقي حياتها بالطول وبالعرض. وأخيراً حب حياته نـدي. ارتمى على الأرض وهي يشد خصلات شعره بقوة حتى كاد أن يقتلع من جذوره. أسيستسلم وهو يراها ستكون بين يدي رجل آخر يلمسها؟ رجل آخر يلمس حبيبته؟
كلا. لن يقدر. لن يتحمل. دماء حارة تسير في أوردته. دماء رجل شرقي متملك لحبيبته. وماذا عنها هي؟ هل ستوافق؟ هل ستقبل وترضى؟ والسؤال يبقى هل سيحارب أم سيستسلم؟ كانت وسط المئات من المعجبين. تسمع صيحات المعجبات بهمهمات لم تفهمها. نظرت إلى ليلي وسلمى وجاسمين لتجدهن أطلقن صيحات وصراخ عالي عندما بدأ العزف. نظرت للحارسين اللذان على مقربة منها بتهكم لتعود ببصرها مرة أخرى إلى المغني.
اقترب تيم وهو يعلو بصوته بالقرب من أذنها بسبب صوت الضجيج. "أراكِ لست مستمتعة عكس باقي الفتيات." "كلا. لكن صراخ الفتيات صم آذاني." ما زال على نفس مقربته ولم يبتعد. "هل تريدين الخروج؟ الحفلة ما زالت في بدايتها." علقت بنظرها لـ ليلي التي وجدتها توجه بصرها نحوهم ويبدو أنها سمعت حديثهم برغم الضجيج. "هيا بنا."
صاحت بنبرة عالية نحوه. وفي أقل من الثانية اختفت هي وتيم. نظر الحارسان لبعضهما بتوتر لاختفائها كالزئبق. لن تكون رد فعل سيده هينة. هدر زين بعنف وهو يوبخ الحارسان. "هل أنتم حمقى وأغبياء؟ تركتوها تبتعد عن أنظاركم وذلك الحقير معها." أطرقا الحارسان برأسهما أرضاً. هتف الحارس الأول بتوتر. "سيدي كانت تحت أنظارنا ولكن اختفت فجأة. الحفلة كان يوجد بها آلاف الأشخاص. كانت بمثابة إبرة في كومة قش."
تلك المبررات كانت سخيفة للغاية. ازداد غضبه تفاقماً. "واللعنة عليكم. هل أنا أدفع المال لتخبرني بتلك التراهات؟ "اذهب الآن. لن يغلق لك جفن حتى أراك وجدتها. أفهمت؟ هز الحارسان رأسهما إيجاباً. ليصيح زين بغضب وأعين مشتعلة كالجمر. "والآن اغربوا عن وجهي." غادرا الحارسان وهما يلتقطان أنفاسهما بصعوبة شديدة. مهمة البحث صعبة. ضرب بكفه على المكتب وهو يسب ويلعن. "اللعنة."
تتعمد دائما أن تثير حنقه بمصاحبة ذلك الصحفي. لقد صبر بما فيه الكفاية على ذلك الغبي. جلس على المقعد وهو ينتظر على أحر من الجمر اتصال الحارسان. الدقيقة تلتها الساعة والساعة تلتها عدة ساعات. لا يعلم كمية لفافات التبغ التي أحرقها. نظر إلى الساعة التي أصبحت الثانية عشر صباحاً. رنين هاتفه قطعه من شروده. التقط هاتفه ليسمع حارسه بأنها عادت إلى المنزل بسيارة أجرة. ألتقط جميع أشياءه متوجهاً للبيت وعيناه تحملان وعيد وغضب.
أغلقت باب غرفتها في هدوء لتخلع حجابها والكنزة العلوية وترميهم على الأرض بلا اكتراث. تقدمت نحو المرآة وهي تنظر إلى هيئتها في المرآة. عضت شفتيها السفلى بألم وهي تنظر إلى عنقها. شهقت بقوة عندما سمعت صوت إغلاق الباب بعنف. التفت للخلف وهي تطالع إلى ملامحه الشرسة. كان يتفحصها من رأسها إلى أخمص قدميها. نظرات عينيه الزرقاء أصبحت قاتمة. أيعني ذلك أنها في مرحلة الخطر؟
قشعريرة خفيفة رجت كامل جسدها. تطلعت إليه بثبات رغم انهيارها داخلياً لتستمع إلى حديثه القاسي. "واللعنة. ما تلك العلامات التي على عنقك؟ كانت تنظر إلى عينيه القاتمة بثبات شديد لتهتف بلا مبالاة. "ليس من حقك." تابعت بجمود وهي تحرر خصلات شعرها. "كأنك لا تعلم ما تلك العلامات؟
شهقة عالية خرجت منها عندما أمسكها من رسغها ودفعها بقوة نحو الحائط. نظرت إليه بارتعاد شديد. إنه في أشد غضبه. نظرات عينيه تحرقها. انفعالات جسده بالكاد يسيطر عليها بصعوبة ليهتف بصوت جليدي. "من ذلك اللعين الذي فعل ذلك؟ "ليس من شأنك." وياليتها نطقت بتلك الجملة ليغرس بأصابعه على خصرها. سحقت شفتيها بألم. لم تعد تتحمل أكثر. أطلقت تأوهاً خافت وسقطت عبرات من جفنيها. هتفت بضعف. "اترك يدي."
لم يعد يكترث بآلامها. كل ما كان مسلط بصره على تلك العلامات التي تزين عنقها. إنها علامات من أثر قبلات تزين بشرتها!! يريد أن يقتل ذلك الرجل اللعين الذي قام بفعل ذلك لزوجته؟ ولكن أين هي؟ تركته يفعل ذلك؟
جال ببصره مشاهد مقززة بين اللعين المجهول بأحضان زوجته. كان يضغط على ذراعها بقوة غير منتبه لتلك المسكينة التي تسحق شفتيها مرة أخرى حتى لا تصدر أي شهقات مؤلمة. قام بفك إزار قميصها رغم محاولاتها البائسة لمنعه ولكن كيف بإمكانها المقاومة أمام أسد جريح. نظر إلى العلامات الحمراء المزينة عنقها نزولاً إلى صدرها. احتقن وجهه وقرب وجهه إلى وجهها حتى بات لا يذكر أي مسافة بينهم. "حذاري يا ليان. لا تقومي باختبار صبري."
ابتسمت بتهكم رغم آلام ذراعها لترد بلا مبالاة. "وماذا ستفعل؟ هل ستقوم بصفعي؟ أم تقوم بضربي؟! دنت قرب شفتيه هامساً. "أم ستقوم بأخذ حقوقك بالعنف؟ لم يهتز جفنيه بل صاح بجمود. "وهل كنت تتوقعين أن أقوم بأخذ حقوقي منكِ بالغصب؟ مال أمام أذنيها هامساً. "أم اعتبرها دعوة منكِ."
نظرت إليه بحنق شديد رغم اشتعال وجنتيها بالحمرة من حديثه الجريء. لم يتغير أبداً. ما زال كما هو. وقح، جذاب، وسيم. ازدادت ضربات قلبها عندما قام بطبع قبلة خفيفة على وجنتيها. لا تجرؤ على فتح عينيها. انحبست رئتيها عندما شعرت أنفاسه تلفح صفائح وجهها. إنه قريب لحد اللعنة. لم تشعر بآلام ذراعها أمام قربه المهلك. فتحت جفنيها لتجده يتطلع إليها بمكر وابتسامة تعتلي ثغره. "يبدو أنني حطمت آمالك." زفرت بحنق.
"أبعد يديك اللعينة على ذراعي." وبلا وعي صرخت بوجهه. "ماذا تريد مني ها؟ قل لي ماذا تريد مني؟ لا تريد أن تراني سعيدة. هل تريد أن تراني ذليلة مكسورة ضعيفة يا زين الحديدي. لكن كلا لن يحدث ذلك. سأحب رجلاً غيرك يهتم بي ويحبني وأكون أنا من أول مسؤولياته يا سيد زين." "من ذلك اللعين؟ نظرت إليه بصدمة. لم يهتم بأي ما قالته. أعاد سؤاله للمرة الأخيرة لتهمس في خفوت. "كلا. لن أقول لك."
حرر ذراعها وقام بضم قبضته وضرب بالحائط جاعلاً إياها تنتفض بقوة وهي تضم جسدها محاولة بائسة في بث نفسها بالأمان. لتجده يسحبها من قميصها المفتوح ويقربها منها ونظراته لا توحي بالخير. "هل ذلك الشاب الأشقر اللعين أم رجلاً غيره؟ قولي لي من ذلك اللعين الذي فعل ذلك؟!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!