الفصل 3 | من 29 فصل

رواية زوجتي الشرقية الفصل الثالث 3 - بقلم سيليا البحيري

المشاهدات
27
كلمة
2,565
وقت القراءة
13 د
التقدم في الرواية 10%
حجم الخط: 18

كان مستمتعاً بنظراتها المصدومة. حتى بعد سقوط الملف والأوراق المبعثرة لم تلتقطهم. قام من مقعده وهو يتقدم نحو تلك الواقفة كلوح الخشب. يلوح بيديه أمام وجهها هاتفاً بعبث: -مرحبا يا فتاة أين أنتِ؟ ظلت ترمش عيناها وهي تكذب ما رأته. كيف يكون زياد هو زين؟ همست بشرود: -كيف ذلك؟ وضع كفيه في جيب بنطاله وهو يهتف بعملية، مجيباً على سؤالها: -أدعى زين زياد الحديدي.

هزت رأسها وهي تشيح بوجهها عنه، ونبضات قلبها تتسارع بقوة وكأنها في سباق ماراثون. انحنت لكي تلتقط الأوراق المبعثرة. لتتسمر عندما وجدت كفه لامست كفها وهو يقول بجمود: -لا تنحني أبداً. رغم الثواني التي تلامست أيديهم، ولكن شعرت بشرر كهربائي يسير نحو كامل جسدها. لتنظر إليه، لم يتأثر بالتأكيد. إنه غريباً متحرراً، ماذا توقعت! ولكن لما طلب منها عدم التقاط الأوراق؟ بعد فترة وجدت حائطاً بشرياً.

دلف لينحني ويلتقط الأوراق ثم يضعهم في الملف قائلاً بعملية، معطياً إياها الملف: -تفضلي يا آنسة. شكرته في هدوء وهي تأخذ منه الملف. لتعود أنظارها نحوه. تجمدت مرة أخرى أمامه، لا تعلم لماذا تقدم نحوها بتلك المسافة المهلكة. شعرت بأنفاسه الحارقة تلفح صفائح وجهها. جسدها لم يتحرك قيد أنملة من أثر اقترابه المهلك. ولكن كانت عيناها مرتعدة. قال ببرود وهو يطالع معالم وجهها المرتعدة، ليخطو خطوة للخلف: -بربك كأنك رأيت شبحاً أمامك.

لقد كنت أتفحص أنك بخير أم لا بسبب وقوفك كالتمثال أمامي منذ أن رأيتني! ضغطت على الملف بقوة تحاول التحكم في نفسها. وعقلها ينبهها عليها الهروب. الآن! -سنؤجل المقابلة ليوم آخر. ثم أخذت تخطو بخطوات مسرعة مرتبكة وهي تمسك بمقبض الباب. سمعت صوته الذي صاح بجمود ونبرة جافة: -أقسم لكِ إن تحركتِ قيد أنملة من مكانك فلن تخرجي من ذلك المكان أبداً. سكنت في مكانها على الفور وما زالت يداها معلقة عند المقبض.

تباً تباً تباً، تشعر بالاختناق بسبب رائحة عطره التي تداعب أنفها. أغلقت جفنيها وهي تسحب نفساً عميقاً. ردت ببرود مماثل له: -لن تجرؤ على فعلها. -بل يمكنني فعلها. كما إنك الآن في قصري، لن تخطي أي خطوة دون إذني. بدأت تتصاعد أبخرة الغضب لتتوجه نحو ذلك البارد، وهي تضم ذلك الملف بقبضة يديها. عديم المشاعر وهي تصيح بوجهه: -واللعنة من أين ظهرت لي يا هذا؟ -توقفي عن شتمي، وثانياً أنا لست هذا!

أجابها ببرود ونظراته المتسلية تتابع تصاعد غضبها. هتفت بحنق: -لن تجبرني التوقف عن الحديث. رد ببرود مصاحباً بمكر: -إذاً ستجعلني أصمت شفتيك بطريقة لن تعجبك. صمتت للحظات تستوعب ما يرمي إليه. لتتسع عيناها ذعراً وهي تحاول أن تكذب ما جال بذهنها. نظرت إلى ذلك الوقح البارد، ليومئ هو برأسه مستنداً بجذعه على المكتب وزرقاوته عيناه تظهران ذلك البريق اللامع. -نعم عزيزتي، إنه ما دار بذهنك بالفعل. هتفت بلا وعي

وعيناها تشتعل من الغضب: -أيها السافل الوقح النذل الحقير كي... قاطعها ببروده: -أقسم لك مرة أخرى وستجدني فعلتها. -كلا، لن أتوقف أنا ل... بترت باقي كلماتها عندما وجدته فجأة يسحبها إلى صدره العريض ويسقط الملف لثاني مرة وتتبعثر الأوراق. تسارعت نبضات قلبها وحدقتا عيناها متسعة من الصدمة. لقد تلقت الكثير من الصدمات اليوم، ولكن لم تكن متوقعة أن يصل لذلك الحد.

حاولت التملص منه لتجده يمسك بذراعيها الاثنتين بيد واحدة ولفها حولها ظهرها ليشلها عن الحركة. هتف بنبرة ذات مغزى: -يبدو إنك متشوقة جداً لتلك التجربة، وأنا لن أمانع على الإطلاق. همت بالحديث ليقاطعها بصرامة: -إن تفوهتِ أي حماقة أخرى، أقسم لك أنني سأفعلها. ابتلعت كلماتها داخل جوفها وهي تنظر إليه. ملامحه الوسيمة.

جاذبية مهلكة، بداية من بشرته البيضاء وشعره الكستنائي الغزير المصفف بعناية، وحاجبان كثيفان، ثم إلى زرقاوته ولمعته الغريبة، وأنفه المستقيم. ملامحه بالكامل غريبة. وسيم... وسيم لحد اللعنة! لا يجب على رجل أن يكون وسيماً إلى ذلك الحد! أخفضت عيناها أرضاً عندما لاحظت عيناه التي لم تتزحزح عن الغوص داخل بحار بندقيتها. وجدته بعد فترة يزيح يديه ويبتعد في هدوء وكأن شيئاً لم يحدث. أما هي، بالطبع ليست مثله.

إن كان فعل ذلك من قبل مع للعديد الفتيات، فأنه الوحيد الذي اقترب إليها ولم يبعد سوى إنشات بسيطة لا تذكر. أشياء بداخلها تتدفق بقوة هائلة، وبدأت تشعر بالبرودة بعد أن ابتعدت أحضانه الدافئة. صاح بجمود وهو ينظر للأوراق المبعثرة أرضاً: -تستطيعي الآن الرحيل، ونلتقي في يوم آخر. ما إن أنهى حتى فرت هاربة نحو الخارج. تاركة الملف ملقى على الأرض غير عابئة به.

خرجت من القصر وهي تتنفس بحرية وتجد السائق البشوش منتظراً إياها لتهرول وتصعد إلى السيارة في لمح البصر. جلس السائق خلف المقود وقبل أن يتحرك، جاء أحد الحوائط البشرية وهو يعطيه الملف. الملف الذي تود حرقه. أخذه السائق وما زالت عيناه تتطلعان إليها بنظرات لم تفهمها. وجدته يتحرك بسيارته بهدوء، وما إن خرجت السيارة من البوابة الإلكترونية تنهدت براحة وهي تهتف في خفوت: -بيحلم لو فكر نفسه أني ممكن آجي هنا تاني.

ثم انتبهت على السائق وهو يعطيها الملف. لتأخذه بابتسامة بلهاء. وتقوم بفتح الزجاج لتلقي الملف وسط دهشته!! ابتسمت له بسعادة. ندامة على موافقتها للذهاب. بل أيضاً ما تفوهت به أمام ليلى وهي في وسط الحديث تخبرها بتمنيها بعمل لقاء صحفي معه. عبست ملامحها ليحل محلها الخوف. قبل فرارها من القصر، نظرته. نظرته أرعبتها. بعثت في قلبها المسكين هلعاً. كأنه يخبرها أنها لن تكون المرة الأخيرة للقائهم!!

عادت إلى منزلها لتتوجه نحو غرفة أبيها قعيد الفراش منذ أن أصابه المرض الخطير. لتجده يحمل في يديه المصحف يتلو بعض آيات الذكر الحكيم. لينتبه إلى وجودها وهو يرفع بنظره نحوها. -تعالي يا حبيبتي. توجهت نحوه وجلست بجواره تحتضنه متشبثة به بقوة قائلة بشقاوة: -لو سوسو جات ممكن تطلبنا البوليس وأنا مش قدها. ضحكت وسط أحزانها لتبتعد عن أحضانه وهي تتطلع له بصمت. لاحظ إبراهيم أنه يوجد شيء بسبب نظراتها الضائعة. -مالك يا حبيبتي؟

ظل يربت على يدها بحنو. لترتمي مرة أخرى في أحضانه وانفجرت في البكاء. ربت إبراهيم على ظهرها حتى بدأ صوت شهقاتها ونشيجها يهدأ بعض الشيء. هتفت وهي تمسح دموعها بكفيها كالطفلة الصغيرة: -مش قادرة، إحساس العجز بيدمرني يا بابا. مش في إيدي حاجة أقدر أساعدك بيها. تعبت بجد. رد إبراهيم برزانة: -قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا. صمتت لعدة ثوانٍ وقال وعيناه مثبتة على عيناها: -بس مش ده اللي أنتِ كنتي عايزاه تقوليه.

في حاجة تانية مخبياها عني من أول ما رجعتي من الفرح. بقيتِ بتسرحي كتير وسارة طول الوقت بتتكلم بغموض عن حاجة وتقومي تهبي فيها زي البتجاز. زَمت شفتيها بعبوس: -أنا برضه! كيف تتحدث في موضع حساس أمامه. لن تقدر. وجنتيها تتوردان من الخجل من مجرد ما حدث في الصباح. ما زالت تشعر بكفيه الدافئتين تحيطان بذراعها. وأنفاسه وعطره. -طالما مش عايزة تحبي تحكي مش هجبرك! قبلت وجنتيه وبدأت تعطيه الدواء لتهتف بتساؤل: -هي إعصار البيت فينها؟

مش سامع لها حس؟ تفاجأ بصوتها وهي تفتح الباب: -سمعتك على فكرة! ثم توجهت نحو والدها وهي تقبله من وجنتيه وتزيح ليان الجالسة بجواره: -بابا حبيبي كل سنة وحضرتك طيب. ضيق الأب عينيه ويهتف بتوجس: -أنا مش مستريح لدخلك دي! قولي على طول عايزة إيه؟ تراقصت حاجبها بشقاوة: -حبيبي ياللي بتفهمني من وهي وطايرة. عايزة أروح عيد ميلاد صاحبتي النهاردة ومتقلقش مش هتأخر ساعتين وهارجع البيت. وظلت سارة تتحدث حتى جعلته يوافق باستسلام.

هتفت ليان وهي تمط شفتيها بامتعاض: -يا بنتي هو انتي أول ما دخلتي كلية بتتفسحي؟ مبترحمييش. عدلت سارة ياقة بلوزتها: -يا ماما خلاص شغل الثانوي ده بح! أنا كبرت ودخلت كلية وبقيت معتمدة على نفسي. ثم تساءلت باهتمام: -صح، عملتي إيه في مقابلتك النهاردة؟ صمتت عن الحديث لترى زوجان من الأعين تتطالعها باهتمام. أجابت ببرود رغم انفعالات جسدها الداخلية: -معملتش.

ثم استدارت وخرجت من الغرفة حتى تسلم من أسئلة سارة التي لن تنتهي أمام والدها. نظرت سارة بتعجب إلى والدها هاتفة بتساؤل: -ده اللي هو إزاي!! كانت الليلة عقد قران يوسف وورد. كانت الليلة هادئة؟!! تلميحات حسينة وهي طوال الوقت لا تدعها وشأنها أينما ذهبت لتبث بداخل أذنها بكلمات مسمومة جعلتها تود أن تتوقف ولو قليلاً. رغم ذلك كانت تبتسم ابتسامة بلهاء أمام وجهها، والجميع. ويوسف الذي لم يكف عن إرسال نظراته حتى أمام الجميع.

لترتشف العصير ببرود وأصبحت غير عابئة بحديث الجميع عنها. رنين هاتفها جعلها تخرج من المنزل بعيداً عن الضوضاء وهي ترد بهدوء لرقم غريب: -الو. لم تتلق رد فظلت تكرر حتى سمعت صوت: -آسف إني بتصل في وقت مش مناسب يا آنسة ليان. حاولت أن تجمع صاحب ذلك الصوت لتهتف بتوجس: -مين معايا؟ هتف الرجل بحبور: -أنا حمزة سواق زين بيه. مجرد ذكر اسمه جعلها تسترجع ما حدث لتهتف بهدوء: -خير إن شاء الله. أجاب الرجل بعملية:

-هستناكي في نفس معادنا يا آنسة ونفس المكان بكرة. وقبل محاولة الاعتراض أغلق الهاتف في وجهها. ما هذه الوقاحة! يضعونها أمام الأمر الواقع! وما المفترض بها أن تفعل؟ هل ستتركه؟ كلا، إن وافقت على مضض المرة السابقة للذهاب لن تذهب هناك مرة أخرى. ولنرى ماذا سيفعل؟ ذهبت شقيقتها إلى الجامعة ووالدها ووالدتها إلى الطبيب وهي الوحيدة جالسة في المنزل. هل تجلس كالجبانة؟ انتفضت من فراشها، ستواجهه. ستخبره أنها لن تخشاه.

ليست جبانة لتستسلم وتيأس. لم ينتهِ الحرب بعد!! خرجت من منزلها وهي تسابق الريح لتذهب إلى ذلك المكان مرة أخرى ولكن ليست خائفة ومتوترة. واثقة، عيناها تلمع بتحدٍ وإصرار. وجدت السائق ينظر لها ببشاشة للمرة الثانية لتستقل السيارة بعد أن منعته من أن يفتح لها الباب. لم تشعر بالوقت الذي جرى بسرعة. لتجد السيارة توقفت أمام باب القصر. لتترجل من السيارة وهي ترى الحارس مفتول العضلات ينتظرها أمام باب القصر. نفس المشهد تكرر كما هو.

دَلفت إلى باب الغرفة لتجده يجلس على مقعده محدقاً بالباب الذي انفتح. تقدمت نحو بثقة جاهدت في ظهورها عندما أغلق باب الغرفة. لتجلس على المقعد الذي أشار إليه بأصبعه. نظراته تحرقها. غمغمت في خفوت وهي تركز ببصرها إلى منظر الطبيعة من النافذة: -هل نبدأ؟ قام من مقعده وهو يتوجه نحوها واضعاً كفيه في جيبي بنطاله محدثاً ببرود اعتادته: -ماذا توقعتي لكي أرسلك هنا للمرة الثانية؟ هل توقعتي أنه من أجل لقاء تافه! لقاء تافه!

أغمضت عينيها وهي تحاول عدم الفتك به. سحقت شفتيها وهي تهتف بحده: -لقاء تافه! لماذا أرسلتني إلى هنا إذن؟ استند بجذعه العلوي على المكتب وهي تتعلق بأنظارها نحوه منتظرة أن يتحدث. نظر إليها بطريقة أربكتها وجعلتها تشيح بوجهها إلى نقطة في الفراغ. انتظرت دقيقتين منتظرة إجابته. لتقوم من مجلسها وهي تتوجه نحو الباب. يكفي ما حدث، لن تنتظره لكي يتحدث. سمعته يصيح بحده: -للمرة الثانية لم آذن لك بالخروج!! كفى! لقد سئمت.

لم تشعر بنفسها سوى أنها تتقدم نحوه وتصيح بانفعال: -ما هذا البرود الذي تتحدث به؟ ومن أنت لتتحكم بي؟ أنت لا دخل لك بي إطلاقاً. أتفهم!! ابتسم بسخرية: -ألاحظ أنكِ أصبحتِ قطة شقية! -قطة شقية! لا تتجاوز حدودك أبداً. كانت تهتف بها بانفعال ووجنتيها متوردتان من الغضب. وتابعت بحده: -لقد أخطأت عندما جئت للمرة الثانية. -نعم عزيزتي، لقد أخطأت فعلاً!! هتف بها بغموض شديد لترتجف عندما وجدته يتقدم نحوها ويتحدث بجمود:

-لكن أصبح لا مفر من الخروج!! هوى قلبها ذعراً وهي ترى لمعة عيناه البراقة لتهتف بتوجس وهي تحاول أن تبث السكينة في قلبها: -ماذا تقصد؟ أجاب ببرود وزرقاوته مثبتة على بندقيتها: -سأعرض عليك صفقة رابحة لكلانا!!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...