كلمة طلاق .. قوية عنيفة زلزلته. لم يتوقع أنها استطاعت بل تجرأت على قولها. جزء داخلي في عقله لم يصدق ما قالته، يشعر بالتبلد وعدم الشعور أنه في خطر. وجميع الإرسالات العصبية أصبحت تتراقص في خلايا جسده. ليست تلك ليلى التي يعلمها جيدًا. ضحكت باستهزاء وصوت ضحكتها الساخرة ترتج في أنحاء غرفتهما. معذرة غرفتها هي. هزت كتفيها بلا مبالاة وهمست بأسف زائف: -أسفة على الدراما المصرية. تلك هيا اخرج الآن.
خرجت آخر كلمتين قوية صارمة لا تقبل النقاش. نظر إلى صدره العاري وإلى بنطاله الداكن بشرود، ليعود النظر إلى وجهها الذي غادر به أي لمحة أو جزء من الحياة. -ليلى. همس لها بصوت أجش يحاول إفاقة تلك المجنونة. هل تريده أن يغادر والساعة أصبحت في الثانية صباحًا؟ مزحة سيئة. ضربت على أرضية الغرفة الرخامية وهي تصيح بنفاذ صبر: -اخرج من منزلي هيا. لم تهتز عضلة في فكه سوى ملاحظتها لاهتزاز في حلقه وهو يبتلع غصة مؤلمة. كتفت ذراعيها
وهي تكاد تجن من صموته: -لن تخرج إذن.. حسنا. توجهت نحوه وشياطين الإنس والجن متلبسة أمامها لتسحبه بحدّة متجهة به نحو باب المنزل. لغرابة الأمر كان يسير معها مستسلماً يائساً. فتحت باب المنزل ودفعته بعنف هادرة بغضب: -اذهب إلى عاهرتك أيها اللعين. أغلقت الباب خلفها بقوة اهتزت لها جدران المنزل لكنها لم تهتم ولم تكترث بصوته الغاضب الحانق: -ليلى توقفي عن هرائك وافتحي الباب. استندت بظهرها على باب المنزل وهي ترد عليه بنفس
صوته الغاضب يصبحه المكر: -لن أفتح عزيزي. وظل في مجلسك حتى يأتي الجيران ويعلمون أن زوجته طردته المنزل لأنه خانها. ضحكت في خفوت وهي تستمع إلى أنفاسه الحارة وهو يسب ويلعن في ضجر. رفعت حاجبها بتسلية وقد قررت أن تقضي باقي ليلتها عند مقدمة باب منزلها وغداً ستشعل حرب باردة له ولتلك العاهرة. *** فرقت شعرها إلى جديلتين تشعرها أنها في روضة الأطفال. وضعت الكاميرا حول عنقها وفي يديها تحمل لوحة رسم.
قررت أخيراً أن ترسم أمام الهواء الطلق. شمس ساطعة بتوهج يبعث الدفء اللذيذ مثل موطنها. والطبيعة هنا آسرة بشكل لم تصدقه بعيدة عن عالم الحديث "لندن". فهي أمام الطبيعة والطبيعة فاتحة لها ذراعيها تحثها على الإقبال. حركة انتحارية تفعلها وقدميها تتجه نحو الإسطبل. تفعله كنوع من كسر الرهبة. تريد أن لا تخشى شيئًا. وما أن لمست قدميها الإسطبل، هزت رأسها بيأس وهي غير قادرة على النظر إلى الجياد ولا تطيق سماع أصواتهم.
رأت الطبيب وهو يصب كامل اهتمامه على الفرس الذي كان على وشك أن يقتلها. تقدمت نحوه بخطوات خفيفة بالكاد تستمع إلى صوت رقع أقدامها. صوت صهيل الفرس المعترض وهو يثقب بنظراته الحادة نحوها أجفلها. التفت محمد سريعًا إلى الشخص الزائر ويبدو أن الفرس لا يحبذ وجودها معه. أشاحت بوجهها عن نظراته المتسائلة المندهشة من وجودها. -دكتور محمد أخبارك إيه؟ أجاب وهو على نفس حالة الاندهاش: -تمام الحمد لله. جاية تشوفيه؟
أشار بحاجبه إلى الفرس العدواني خلفه. هزت رأسها نافية وهي تقول بصراحة: -الصراحة بعد اللي حصل حرمت نهائي هشوف من بعيد لبعيد. همت بقول شيء ليقاطعه صوت أنثوي يهتف بدلال غير مقصود: -محمد هل الفرس جاهز؟ مع إبدال حرف "الحاء" "هاء". سحقت اسمه ببساطة شديدة. هزت سارة رأسها بلا مبالاة ولا تعلم تلك العقدة التي لازمتها عندما أتت إلى هنا. أسماء عربية ولكن لا تنطق بشكل صحيح. خلل أو فيروس غربي أصاب المكان بالعدوى.
هتفت بدهشة لكون الوقت ما زال مبكرًا للغاية: -علياء.. هل استيقظتي مبكرًا؟ لعبت بخصلة شاردة حول إصبعها وهي تمتم ببساطة وابتسامتها الصافية المشرقة تستطيع أن تقتل مئات الرجال من حولها. بل رجل واحد ينظر إليها بنظرة رجل لأنثى. -نعم سأمتطي الفرس اليوم. عضت شفتيها السفلى بخبث وهي تزحف للخلف ببطء شديد. لا تريد أن تفوت لقطة واحدة. نظرة أو ابتسامة أو هيام من الشخص الذي تستطيع القول أن هناك لمعة غريبة رأتها في عينيه.
-حظًا موفقًا لكم، سأسير قليلاً في المزرعة. ابتسمت بهدوء وهي تستدير للخلف وكم كانت تود أن تلتقط تلك اللقطة التي حفرت في عقلها. ويبقى السؤال هل ستجد أحد ينظر إليها هكذا؟ الروايات الوردية لم تكذب بوجود تلك الطائفة لكن كونها في سطور الروايات وكونك تراها على مسرحية الواقع شيء آخر. تتلذذ بوجوده كعصير برتقال طازج في أحر أيام الصيف. -سارة.
هتاف من الخلف جعلها تتوقف عن السير، لتستدير للخلف وهي تطالع صاحب الصوت الرجولي ولم يكن سوى محمد الذي استرسل ببحة هادئة: -خلي بالك من نفسك. ابتسمت باتساع وهي تهز رأسها بالإيجاب. لحقها لمحة أو خطفة سريعة إلى التي وقفت متصلبة الوجه. انطفاء العينين. تبلد وشفتين مذمومتين بعبوس وأخيرًا تضم قبضة يديها بعصبية. تمتمت في خفوت وقدميها تتجهان إلى اللاموقع محدد: -عشاق عارفة النظرة دي. تنهدت بارتياح وهي تجلس على حشائش أرض المزرعة.
أخذت ركنًا بعيدًا كي تستمتع وهي ترى الجياد تتحرك برشاقة دون أن تقاطعهم. خلعت الكاميرا من حول عنقها لتضعه جانبًا ثم أخرجت هاتفها من جيب بنطالها لتستأنف الرسمة التي لم تنتهِ بعد. بقلمها الرصاص كانت تخطط في اللوحة البيضاء. ثوانٍ حتى اندمجت. بأصابع رشيقة تلعب بالقلم كالعازف المحترف يلعب على البيانو. ظل رجل من خلفها ورائحة عطره القوية أزكمت أنفها. أخرجها من متعتها وشغفها.
غمغم صاحب اللكنة البريطانية بصوت عميق ذبذب جميع أوتارها الحساسة وتخشب جسدها حينما وجدته ينحني بجسده نحوها: -ماذا تفعلين يا طفلة؟ ابتسم بمكر وهو يلاحظ تصنمها. صدمها بوجوده هنا. نظر إلى اللوحة البيضاء التي بين فخذيها ثم يعاود النظر إلى هاتفها. التقط هاتفها في خلسة وهو يتعمد دفن أنفه بين جديلتها اليمنى. ثلاث ثوانٍ استغرقها في سحب هاتفها وأنفاسه الحارة تلفح عنقها ليتسقيم واقفًا ببرود وبكل وقاحة يتفحص هاتفها.
أغمضت جفنيها بقوة وهي تزجر نفسها من رائحة عطره التي تسللت إلى روحها. فتحت جفنيها لترى الهاتف قد اختفى. ذلك المخادع الحقير. هبت من مجلسها وهي تستدير نحوه لترى عينيه الوقحة تنظر إليها نظرة تمنت لو أنها انشقت الأرض وبلعتها. مدت يديها وهي تجز على أسنانها بقوة: -أعطني هاتفي. هز رأسه نافيًا باستمتاع وهو يراقب اصطباغ وجهها بالحمرة: -كلا يا قصيرة القامة. عقدت حاجبيها بعبوس شديد وقالت بازدراء:
-معذرة من تلك قصيرة القامة إن طولي مناسب بل أنت مثل عامود الكهرباء. اتسعت عيناه ذهولاً. عامود كهرباء؟ هل تلك الغبية تعلم جيدًا عن من تتحدث؟ نظر إلى هاتفها بابتسامة خبيثة قال: -بسبب لسانك سأحذف الصور. وفي لمحة خاطفة توجهت نحوه. لم يتردد ثانية وهو يرفع بهاتفها للأعلى بواسطة ذراعه الأيمن. تمسكت بذراعه الأيسر هاتفه بتوسل: -كلا كلا توقف حقًا آسفة لا تحذف صور ستضيع أعمالي يا رجل. نظر إلى يديها التي تمسكت بساعده بغموض.
رفع حاجبه بمكر وهو يراها هي التي اقتربت منه بل تمسكت به. تضغط على ساعديه بخفة تحاول استمالته. نفضت يديها سريعة تحت نظراته المبهمة. نظراته الوقحة لم تبتعد ولو لثانية. ابتلعت غصة في حلقها بصعوبة لتخفض برأسها للأسفل وودت لو بترت يديها بدلاً من أن تتقدم لفعل ذلك الشيء بكل سذاجة. أخفض ذراعه الأيمن وقلب في صور هاتفها بتركيز. توقفت يداه عن الحركة وهو يضيق عينيه إلى ما يراه. صدمة. بل ذهول من تلك الصور التي تحتفظ بها.
صاح باستهزاء وهو يتابع تقليب الصور: -أعمال ماذا وأنتِ تنظرين إلى شاب عاري. رفعت وجهها نحوه ثانية واناملها ترتجف. يا إلهي ما تلك الفضيحة. إن أخبرته أنها تقرأ روايات وردية وأن تلك الصور هي أبطال الروايات لن يصدقها. بالتأكيد لن يفعل. هل يظنها فاسدة الأخلاق؟ صاحت بحنق وهي تراه يعبث بهاتفها بأريحية: -ليس عاري كليًا بل عاري الصدر.
تأففت بضيق وهي لم تستمع لرده بل عينيه مركزتان بدقة على هاتفها وانامله تلعب برشاقة على لوح هاتفها. همست بتوسل وبداخلها مشاعرها تجلى كمرجل ستصفعه ذلك الوقح: -توقف يا خالد من فضلك. أخبرني ماذا تريد في مقابل أن تعطينني هاتفي دون أن تحذف صور. تقوست عضلة فكه وهو يستمع إلى اسمه الذي صار كترنيمة هادئة. خالد. بحرف الخاء. أول مرة يستمع إلى اسمه ينطق صحيحًا من فتاة. أغمض جفنيه وصدى صوتها يتردد في أذنه.
فتح جفنيه وهو ينظر نحوها بنظرات غامضة ثم يعود بالنقر على هاتفها وهو يقول بجمود: -لقد حذفت الصورة وسأحذف باقي صور الشباب في هاتفك إلا إذا. ترك باقى عبارته معلقًا وهو ينظر إليها بخبث، لتسارع هي بلهفة: -إلا ماذا؟ -يقولون أنك رسامة. سمعت نبرة هازئة وهو يقولها. عقدت ذراعيها على صدرها وهي تجيب باقتضاب: -نعم. -ارسمي نفسك بدلاً من أن ترسمي صور الشباب ذو العضلات الضخمة. عقدت حاجبيها بعبوس. هل يقول شباب ذوي عضلات ضخمة؟
ألا يوجد لديه مرآة ليرى نفسه. يشبههم يشبه أبطال الروايات الوردية بطوله وعرضه ونفس الخبث التي تتأجج من حدقتيه الزمردية. نفضت رأسها من تلك الأفكار العنيفة الغبية التي تقتحم عقلها الضعيف. هتفت ببرود: -لكن أحتاج لمرآة أو أعطني هاتفي. أكل المسافة الفاصلة بينهم وهو يدنو نحو أذنها هامسًا بخشونة: -سأكون مرآتك. رمشت بأهدابها الكثيفة عدة مرات وأذنيها لا تصدق ما سمعته.
انفجرت براكين من أوردتها وتصاعدت حمرة وجنتيها بخجل من معنى حديثه. ابتعد ببطء وهو يراقب تشتتها. ولسانه يردد بكلمة واحدة فقط. شهية. نظف حلقه وهو يصيح بلهجة آمرة: -اجلسي. أذعنت لطلبه على الفور وكأنها دمية وهو مالكها يحركها كيفما شاء ووقتما يريد. رغم حنقها ورغبتها في قتله. لكنها استسلمت بسهولة دون حتى أن تعترض. جلست على الحشائش الخضراء مرة أخرى وقامت بطي الصفحة السابقة وأمسكت بقلمها ببرود وهي تنتظر وصفه لها.
جلس على الأرض في مقابلتها بأريحية شديدة دهشتها. وضع هاتفها في جيب بنطاله وهو يتأملها بصمت. صمت طال لعدة دقائق طويلة. تتهرب النظر إلى عينيه وهي تلعب بقلمها في محاولة فاشلة من عدم اهتمامها من تدقيق نظره عليها. انفرج شفتيه ببطء وهو يلاحظ وجود شامة بجانب فكها الأيمن. تبدو ناعمة وهشة للغاية برغم استعراضاتها الوحشية أمامه. ابتسم ببطء وهو يقول: -بشرة سمراء جذابة.
وحاجبان معقودان كالاطفال معظم الوقت ووجنتين نضرتين تشتهين لأكلهما. توقفت أناملها فجأة عن الرسم عند كلمة اشتهاء. رمت اللوحة بعصبية بجوارها وهبت واقفة من مجلسها وهي تقول بانفعال: -خــالد، أنت وقح. أتعلم أنا المخطئة. لثاني مرة يسمع اسمها من بين شفتيها. رغم نبرتها الخانقة لكن اسمه يقسم أنه يوجد به سحر خاص. لعنة تلك الشرقية وضعتها على اسمه ليصبح دقيقًا فقط إلى شفتيها. وهو لا يعلم ماذا تقول أذناه.
صمت عن الحديث بعد سماع اسمه. وضع بطيء لشفتيها التي تعلو وتهبط دون توقف. هل هي لتلك الدرجة ثرثارة. زفرت بحنق وهي تلتقط أنفاسها بعد وصلة سباب لاذع أمام وجهه وللعجب لم تراه يغضب أو ينفعل. هل سد أذنيه أم أنه لم يعبأ بتهديدها السخيف. راقبت وجهه الجامد الذي لم يبدي أي ذرة انفعال. صاح بجفاء وهو يشير بسبابته إلى الأرض: -اجلسي مكانك. وقبل أن تصيح في وجه ذلك الوقح. ألجمتها نظرته الغاضبة.
جلست كقط وديع وهي تمسك بقلمها مرة أخرى وتضع اللوحة على فخذيها وتخط بهدوء على اللوحة. ابتسم بظفر وهو يراقبها ترسم بهدوء. حمحم بجدية: -إلى أين وصلنا نعم تذكرت. أنف صغير وشفتين ناضجتين لدرجة أن. همست في سرها وهي تضغط بأناملها على قلمها: -لا أنت تقول على نفسك يا رحمن يا رحيم. كيف يفعلها. هل يغازلها. تلك ليست مغازلة أبداً. ألقت باللوحة أمامه ليلتقطها بين يديه بسهولة وهو يهتف برزانة لا تليق مع عبثه: -سأحذف الصور طفلتي.
تصاعدت دقات قلبها وهي تلتقط كلمة الملكية بين شفتيه. أول مرة قلبها يدق بتلك الصورة السريعة. ومعدتها تبعث بذبذبات لأول مرة. خفضت جفنيها وهي تهمس بتوتر: -احذف الصور لا أكترث. هل يهددها أم يبتزها؟ لا يهم. عقلها توقف عن العمل وتركت العنان لقلبها ينساق إلى مشاعر جديدة لم تختبرها سوى معه. أغمض جفنيه وهو يتأوه بصوت خفيض. إن استمر لحظة أخرى أمامها سينقض عليها.
أخرج هاتفها من جيب بنطاله ولحسن حظه أنها لم تضع في هاتفها كلمة مرور. مثلما تلعب على أعصابه سيفعله لها. دقق النظر إلى صورة شخص ثم وجهه أمام وجهها وهو يهتف بلا مبالاة: -حقًا انظري إلى ذلك الرجل الأشقر يبدو ضخم للغاية لا أعرف لماذا أنتم الفتيات تلتفتون إلى أشخاص ضخمة الجثة؟ لم تجد الرد المناسب لسؤاله. شحب وجهها وبدأت تفقد توهج وجهها تحت نظراته الماكرة. عاد يقلب في هاتفها وهو يتوقف عند صورة معينة ويعود
لتكرار فعلته مرة أخرى: -وذلك انظري إليه عيناه حادتان تثير الرعب ويوجد شعر غزير في صدره بطريقة مقززة. همست بتوسل وبوادر الإغماء بدأت تندفع إلى عقلها بقوة: -توقف حقًا من فضلك. رفع حاجبه باستنكار وهو يتابع النظر إلى الصور. هتف ببرود وهو يوجه الهاتف أمام وجهها: -لم أنتهِ. وذلك ذو الشعر الأسود وسيم لدرجة معقولة ولكن انظري إلى ساقيه نحيلتان مقارنة بجسده الضخم. همست بتوسل أضعف ويداها خانتها من التقاط
هاتفها بين براثن ذراعيه: -أرجوك. توقف وهو يلاحظ تحول تلك الثمرة اليانعة الحصاد إلى أخرى مخيفة. بنظرات أعينها المتوسلة وشحوب وجهها بطريقة أرعبته وشفتيها التي تحولت للزرقة وكل ذلك يعود بفضله. شتم في سره وهو يعاود الاستمرار في اللعبة: -هيا هيا لنتابع طفلتي. هزت رأسها نافية وهي تلتقط الكاميرا وتضعها حول عنقها: -كلا تشبيهاتك منحرفة قم برسمها أنت، تفضل هذا القلم واللوحة لك. تشجعي سارة أمامك الفرصة للهروب.
استدارت للخلف وهي تنطلق مبتعدة عنه. توقفت قدميها عندما صاح بصوت مرتفع: -ولما أرسم وفي يدي الأصل. لم تفهم ما يقصده. أي أصل؟ هل يقصد هاتفها؟ ليحتفظ به. أم يقصد معنى خفي خبيث. هزت رأسها نافية وهي تتابع هروبها دون حتى أن تلقي بنظرة خاطفة إليه. راقب سيرها الأقرب للركض، وسيرها المتعثر ليضحك في خفوت وهو يتمتم: -مجنونة. نظر إلى اللوحة والقلم. ليلتقطهم وهو يتابع سيره بلا مبالاة. *** طرقات حذاء كعب عالٍ يصطحبها عطر أنثوي فواح.
جعله يتوقف للحظة وهو يترك ما في يده ليرفع بصره نحو الواقفة أمام غرفة مكتبه. قام من مجلسه وهو يبتسم بهدوء: -مرحبا بك سيدة بيث تفضلي. تقدمت بكل عنجيه ودلال لتجلس على المقعد وهى تهتف ببرود: -لسنا هنا للتعارف سيد ألكساندرو أنا هنا لهدف محدد. أظلمت تعابير وجهه وهو يعود للجلوس على المقعد. ما زالت بيث كما هي، لم تتغير رغم مرور السنوات. هتف بعملية وهو يلتقط مذكرة: -تفضلي. صمتت لعدة لحظات. لتلقي بقنبلة في وجهه:
-شقيقي لقد تم خطفه بواسطة زين الحديدي. وقع القلم بين يديه على سطح مكتبه. مجرد اسمه زلزله هو شخصيًا. غمغم ببرود: -سيدتي كونك تتهمين شخصًا مرموقًا وله صيت سيورطك في مشاكل لا نهاية لها. كما توقعت يقف أمامها مرتجفًا من مجرد ذكر اسمه. رغم صداقتها معه التي استمرت لعدة سنوات إلا أنها تعلمه جيدًا يبتعد عن المشاكل التي يمكن أن تورطه. ضربت بيدها على سطح مكتبه قائلة بحدة: -أنا متأكدة أنه تم اختطافه. رفع حاجبه
الأيسر وهو يتمتم ببرود: -وهل يوجد لديك دليل؟ -نعم أصحاب المتاجر وزملائه في العمل. هز رأسه بحركة لا معنى لها وهو يرد: -حسنًا سنقوم بعمل استجواب لهم لكن صدقيني إن لم يحدث شيء. دعيني أخبرك أنك تلعبين في عداد عمرك. رعشة خفيفة سيطرت جسدها كليًا. قامت من مجلسها وبنبرة واثقة قالت: -لا أهتم. إنني واثقة. غادرت غرفته وطرقات حذائها يكون صدى في أذنه. أمسك بسماعة الهاتف. نقر على عدة أرقام وانتظر لبرهة حتى سمع صوت شخص يرحب به.
صاح بجمود: -أريد أن أطلعك على آخر الأخبار. *** غرفة باردة. كئيبة لا يوجد بها حياة سوى من شخص يتنفس باضطراب لكل ما تعرضه بوحشية في تلك الأيام الماضية المرعبة. خارت قوى جسده من المقاومة واستسلم للموت في كل مرة. لكن يبدو أن الموت لم يكتب له بعد. نظر بتشويش إلى الشخص الذي هرع نحوه بسرعة وهو يخرج من حقيبته الأدوات الجراحية. همس بهذيان وهو يجاهد في فتح عينيه: -منذ متى تعمل تحت يدين زين؟ توقف الطبيب لبرهة لسؤاله.
لكنه لم يعبأ بالرد عليه وهو يتابع عمله بتركيز. أعاد سؤاله بصيغة مختلفة وهو يهمس بهذيان حينما شعر بالإبرة التي انغرست في مسام جلده: -حسنًا لنقل ما هو الثمن الذي قبضته؟ ساعات وقد انتهى من عمله. زفر براحة وهو يخرج من الغرفة الكئيبة يلتقط أنفاسه: -هل انتهت يا سيدي؟ صاح بها ستيوارت بتساؤل. يهز الطبيب رأسه بالإيجاب: -نعم. نظر الطبيب إلى ضخم الجثة بضيق. لعنه ولعن صداقته بـ زين ليتورط في تلك المصيبة معه. صاح بحدة:
-أخبر سيد زين أن يهدأ قليلاً. لقد كان على وشك أن يفارق الحياة ليلة أمس وبالكاد استطعت أن أنقذه وليس كل يوم تهاتفني لآتي. هز ستيوارت رأسه ببساطة وهو يوجه نحو الخارج: -حسنًا يا حضرة الطبيب سأخبره تفضل سيدي. أمسك ستيوارت هاتفه وهو يبحث عن رقم رب عمله. انتظر عدة لحظات ليسمع رد من الطرف الآخر. -سيد زين أريد بأخبارك شيء هام. *** التقط هاتفه للمرة التي لا يعلم كم عددها وهو يلاحظ تزايد معدل المكالمة اليوم عن المعدل الطبيعي.
أجاب في جمود وهو يستمع إلى حارسه الشخصي: -حسنًا حسنًا ثلاثة أيام اتركه. وتابع مثلما أخبرتك. أغلق هاتفه وهو يزفر بحدة. كما توقع بدأت بيث تنبش في البحث عن شقيقها المفقود. أخذ حذره من كل شيء ومن كل هفوة ستصدر لكن ما زال غير مطمئن. سيترك اللعبة على نار هادئة ثم سيعيد استئنافها. أخفض رأسه قليلاً وهو يمسد جبينه بأرهاق. كم من الوقت هو صار على تلك الحالة مغمض الجفنين ويحاول أن يبتعد عن التفكير؟ لا يعلم. سمع همسة خفيفة
وهو بين الوعي واللاوعي: -زين. ارتعبت فجأة من وجه الشاحب ومن عينيه الداكنة. بلعت ريقها بتوتر وهي تهمس في خفوت: -ما بك لقد تغيرت فجأة. وآخر شيء كان يوده. هو أن تراه في حالته تلك. غمغم بضيق: -لا شيء. سدد طعنة في قلبها بدم بارد. ابتسمت بألم وهي تحاول المزاح: -حسنًا جدتي قامت بعمل وليمة اليوم بيديها هيا أسرع. لم يبتسم. لم تتغير تلك النظرات العدائية. جسده صلب متحفز كالثور يحتاج فقط النظر إلى رقعة حمراء وسينطلق هائجا.
صاح بجفاء: -خمس دقائق وسآتي. هزت رأسها يائسة وهي تستدير مغادرة غرفة مكتبه. انزلقت الدموع بصمت وهي تهمس: -برده مصمم تطلعني برا الدايرة يا زين. ستدعه حتى يأتي ويتحدث معها. لن تفرض عليه ولن تجبره على الاعتراف رغم أنه وعدها أنه سيخبرها لكن يبدو أنه استعملها كي تصمت. استمعت إلى صياح الجدة منادية إليها: -ليان. ردت بصوت مرتفع وهي تتحرك بسرعة نحو الجدة: -قادمة. *** أغلقت باب غرفتها وهي تتنهد ببطء.
أكثر شيء صحيح يفعله أنه لا يظل في المنزل. حتى تتجنب تلك النظرات التي تشعل أنوثتها رغم كونها وقحة. ضيقت عيناها قليلاً وهي ترى هاتفها موضوعًا على فراشها ويوجد لوحتها وقلمها. السيد المبجل العظيم قرر أخيرًا أن يفك أسر أشياءها. لكن مهلاً هل دلف غرفتها؟ عند تلك النقطة اسودت عيناها. وعقلها يتساءل هل لعب في أغراضها الخاصة. ألقت بنظرة سريعة على غرفتها لتجدها كما تركتها في الصباح. ابتسامة لا تعلم أين مصدرها وهي تمسك بهاتفها.
ارتعشت يدها عندما رن هاتفها. إنه نفس الرقم لم يمل ولم يعبأ بتهديدها. أغلقت المكالمة لتسارع بالبحث عن الرقم الوحيد الذي سينقذها. وتدعو الله أن يجيب في أسرع وقت ممكن. -الو. تهللت أساريرها عندما أجاب. دمعت عيناها وأجابت بصوت مضطرب: -شهاب من فضلك محتاجك تساعدني. انتفض شهاب من مضجعه وهو يستمع إليها. لحظات قصيرة حتى غامت عيناه بلون وحشي. وقام من مضجعه وهو يصيح بغضب: -وأنا كنت فين من كل ده. ارتعشت شفتيها
وهي بالكاد تمسك بهاتفها: -شهاب من فضلك اسمعني. زفرة حارة وصلت إلى أذنيها لتبتلع ريقها بتوتر وتوجس. ذرع الأرض مجيئًا وذهابًا وهو يفرك عينيه وينشط جسده من الخمول الذي كسى عليه. صاح بجمود: -اسمه إيه؟ ردت على الفور: -كريم. كريم الهندي. شتم في سره وهو يلعب في خصلات شعره: -ماشي يا سارة هقفل دلوقتي وحسابنا بعدين لما ترجعي. ترددت قليلاً من نبرة الوعيد التي أرعبتها: -شهاب استنى أنا. لم ينتظر أغلق الهاتف في وجهها.
لتنفجر في وصلة بكاء وهي تهرع إلى فراشها وتدفن وجهها بين الوسادة كي لا يسمعها أحد. اليوم كان رائعًا لما دائمًا تتحول أيامها من اللون الوردي إلى اللون الأسود. *** -خالد. صوت الجدة جعله يتوقف عن السير وصولاً لباب المنزل. أغلق جفنيه لعدة لحظات قبل أن يستدير إليها. غمغم بضيق: -نعم جدتي. ابتسمت الجدة بحنو وهي تلاحظ تغير معالم وجهه للشحوب والضيق منذ مجيئه: -هيا عزيزي أريد أن أخبرك بشيء هام. سار خلفها بإذعان. مسلوب الإرادة.
بائس. يوجد به شيء لم يستطع أن يحدد ماهيته. ارتمى على الأريكة متنهدًا بثقل جعل الجدة تتساءل بهدوء: -ما بك؟ -بخير. صمتت الجدة من إجابته التي لم تستغرق ثواني. ربتت على فخذه بعطف وهي تقول: -لما لا تقضي اليوم هنا. طوال اليوم في الخارج. مرر بأنامله على خصلات شعره بشرود: -لا شيء أشعر بالضيق فقط. تساءلت الجدة بمكر: -هل هناك فتاة مثلا تلعب في مخيلتك؟ رد ببرود ظاهري: -كلا لا يوجد. تمتمت الجدة بتعجب: -غريب. استقام
من مجلسه وهو يرد بجمود: -ليس غريب. معذرة سأخرج قليلاً. توقفت قدماه عندما استمع إلى عبارة الجدة: -لا تتكبر يا بني. الحياة تعطينا فرصة واحدة فقط والفائز هو من يغتنمها. التفت إليها وهو ينظر نحوها بجمود. ليعود مرة أخرى بملامح لا مبالية ويخرج من المنزل بهدوء. *** خرجت من المصعد الكهربائي وهي تتجه نحو شقتهم سابقًا وشقتها حاليًا. أخرجت المفاتيح من حقيبتها وهي تدندن في خفوت.
دَلفت إلى الشقة وأغلقتـه ببطء وضميرها مستريح نوعًا ما بسبب فعلتها ليلة أمس. تذكرت في الصباح أنها قامت بجمع ملابسه في حقيبة ضخمة ورميتها في وجهه وأخبرته أنها لا تريد رؤيته مرة أخرى. تبتسم بسعادة وتمثل الفرحة وداخلها يتحطم ويبكي قهراً. رمت حقيبتها على الأرض وارتمت على الأريكة تبكي بصمت. صوت خطوات أقدام تصدر من خلفها أرعبتها. استقامت واقفة من مجلسها لتشهق بقوة: -ماذا تفعل هنا؟ وضع كلتا كفيه في جيب بنطاله
وهو يهتف بسخرية لاذعة: -كوني تغاضيت عما فعلتيه ليلة أمس ليس معناه أنني سأتركك دون أن تعاقبي على فعلتك. ابتلعت ريقها بتوتر وهى تراه يقترب نحوها ببطء حتى أصبح في مقابلتها. ارتعش جسدها من نظرة عينيه الداكنة. ابتلعت ريقها بتوتر وهمست بصوت متحشرج: -أخرج. ضحك بقوة وهو يحك طرف ذقنه وهمس بخشونة: -كلا حبيبتي يجب أولًا معاقبتك وسنفكر لاحقًا في أمر المنزل. اتسعت عيناها هلعًا وقالت: -ماذا تقصد.
تم باقي عباراتها وهو يلتقط شفتيها بين شفتيه. تدمرت حصونها وقلاعها من طوفان عنيف. اكتسحها بقوة ولم يتركها لتتنفس ولو لثانية واحدة فقط. رفعها بين ذراعيه وهو يتوجه بها نحو غرفتهم. وهو يتوعد لها بتلك الليلة بمعاقبة شديدة على ما فعلته تلك المجنونة ليلة أمس.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!